استعباد النساء:قانون القوة/جون ستيوارت مل-ترجمة إمام عبد الفتاح إمام
وإذا لم يكن هذا المبدأ العام في علم الاجتماع وعلم الاقتصاد صحيحًا، وإذا لم يكن الأفراد، بما يجدونه من عونٍ في آراء مَن يعرفونهم، أفضل في الحكم على قدراتهم وعملهم من القانون والحكومة، فإنه ينبغي على العالَم أن ينبذ هذا المبدأ في أسرع وقتٍ ممكن، وأن يعود إلى النظام القديم، الذي يقوم على الإعاقة والتقييد. ولكن إذا كان المبدأ صحيحًا، فإنه ينبغي علينا أن نتصرَّف على أساس إيماننا به، وألَّا نفترض أن الموجود البشري الذي يُولَد أنثى، وليس ذكرًا، فإن هذه الأنوثة سوف تحدد وضعه طوال حياته تمامًا مثلما الموجود الذي يُولَد أسود، وليس أبيض، أو من يُولَد من عامة الشعب، وليس من طبقة النبلاء؛ ومن ثَم يُمنَع هؤلاء الناس من جميع المناصب الاجتماعية الرفيعة، ومن جميع الوظائف المحترمة فيما عدا قِلة منها. وحتى لو أننا سلَّمنا إلى أقصى حدٍّ بما يزعمونه من تفوُّق الرجال، وصلاحيتهم لجميع الأعمال التي تقتصر، حتى الآن، عليهم، فإن الحُجة نفسها التي تمنع التفرقة القانونية بين أعضاء البرلمان تنطبق هنا أيضًا. فإذا كانت شروط الصلاحية تتسبَّب في استبعاد شخص واحد صالح كل اثنتَي عشرة سنة، فإن ذلك يعني أن هناك خسارة حقيقية، في حين أن استبعاد آلاف من الأشخاص غير الصالحين لا مغنم فيه. لأنه إذا كان إعداد أو تكوين الهيئة الانتخابية يجعل الناخبين يميلون إلى اختيار أشخاص غير صالحين، فإن كان هناك باستمرار أعداد وفيرة من هؤلاء الأشخاص يستطيعون الاختيار بينهم. إن أولئك الذين يستطيعون القيام بالأمور الصعبة والمسائل الهامة، وينفِّذونها على نحوٍ جيدٍ، هم قِلة، بل أقل بكثيرٍ مما نحتاج إليه، حتى إذا تركنا مساحةً واسعةً للاختيار. لأن أي تقييد في مجال الانتقاء سوف يحرم المجتمع من بعض الفرص في أن يخدمه شخص كفء، ودون أن نحمي المجتمع من الأشخاص غير الأكفاء.
ونحن نجد أن المعوقات أمام النساء في الوقت الحالي، حتى في أكثر البلاد تقدمًا، تعني أن تحدد القوانين والمؤسسات لكل امرأة مصيرها منذ مولدها ممنوعة طوال حياتها من خوض غمار المنافسة في مجالاتٍ معينة، باستثناء حالة واحدة هي حالة النظام المَلَكي، فما زال هناك أشخاص مخصصون لتولِّي العرش بحكم مولدهم، وليس في استطاعة أي شخص، حتى إذا كان من أفراد العائلة المالكة، أن يجلس على العرش، اللهم إلا من خلال تعاقُب الوراثة، أما بقية المناصب الأخرى والامتيازات الاجتماعية، فهي مفتوحة أمام جنس الذكور وحدهم. وصحيح أن كثيرًا منهم لا يستطيع الوصول إلى بعض هذه المناصب إلا عن طريق الثروة، ولكن أي شخص، من ناحية أخرى، يستطيع أن يحاول الإثراء، وأن يصل بالفعل إلى الثروة. ولقد حقق ذلك فعلًا كثيرٌ من أفراد الطبقات الدنيا. ولا شك أن الصعوبات بالنسبة للغالبية العظمى من الناس، لا يمكن التغلب عليها إلا بالحظ الطيب، ولكنك لا تجد أي عقبات، ولا تحريم قانوني، أمام الذكور؛ فلا القانون ولا الرأي العام يضع أمامهم عقباتٍ صناعية إلى جانب العقبات الطبيعية، وباستثناء الملوك أو النظام المَلَكي، كما سبق أن ذكرت. لكن كل إنسان في هذه الحالة يشعر أننا أمام حالة استثنائية — شيء غير عادي في العالم الحديث — يتعارض مع عادات هذا العالم ومبادئه، ولا يبرر وجوده سوى مبررات خاصة غير عادية، قد يختلف في تقدير قيمتها ووزنها الأفراد والأمم، رغم أنه لا شك في وجودها على أرض الواقع. لكن في هذه الحالة الاستثنائية التي يكتسب فيها فردٌ ما وظيفة اجتماعية رفيعة بحقِّ المولد — لأسباب هامة — بدلًا من أن توضع هذه الوظيفة موضع المنافسة بين الأفراد، نجد أن الأمم الحرة كلها تحاول أن تدافع عن جوهر المبدأ الذي حطَّت من قدره من الناحية الاسمية، وذلك بأن تحيط هذه الوظيفة مجموعة من الشروط، التي يقصد بها صراحةً منع الشخص، الذي يشغل هذه الوظيفة، من القيام بها بالفعل. في حين يقوم الوزير المسئول بمهام هذه الوظيفة فعلًا، وهو يحصل على مركزه هذا، عن طريق المنافسة المفتوحة والمتاحة لكل مواطن ذكرٍ بالغٍ بلا استثناء. ومن ثَم فإن المعوقات التي توضع أمام المرأة، والتي تخضع لها النساء بحكم المولد، هي الأمثلة الوحيدة من نوعها في التشريعات الحديثة. فليست هناك أية حالة أخرى، غير هذه الحالة التي تشمل نصف الجنس البشري، تُغلَق فيها الوظائف الاجتماعية العُليا في وجه أي إنسان، بسبب مولده، التي لا تستطيع أية جهود، أو أي تغيير للظروف، أن تتغلب عليه.١٣ لأنه حتى المعوقات الدينية (وفضلًا عن ذلك فقد اختفت تقريبًا من إنجلترا أو أوروبا) لم تُغلِق باب أي وظيفة في وجه الشخص غير المؤهل في حالة هدايته وارتداده عن مسلكه السابق.
وهكذا فإن خضوع النساء، من الناحية الاجتماعية، يمثِّل واقعة معزولة بين الأنظمة الاجتماعية الحديثة. كما يُعتبَر حالة فريدة تُعَد خرقًا للقانون الأساسي، وهي الأثر الوحيد الباقي من عالمٍ قديمٍ بالٍ في الفكر والعمل تفجَّرت جوانبه من كل ناحية إلا ناحية واحدة ذات أهمية قصوى وشاملة (هي حقوق المرأة). لقد انفجر العالم القديم كما لو كان هيكلًا ضخمًا Gigantic Dolmen١٤ أو معبدًا هائلًا من معابد الإله جوبتر Jupiter١٥ في جبال الأولمب. يقوم مقام كنيسة القديس بولس، ويشغل مكانها، فيتلقَّى العبادات اليومية، في حين أن الكنائس المسيحية المحيطة به لا يزورها أحد إلا في الأعياد والمواسم. وهذا التباين التام بين واقع اجتماعي معين وجميع الوقائع المحيطة به، وهذا التناقض الجذري بين طبيعة هذا الواقع الاجتماعي، وبين الحركة التقدُّمية التي يفخر بها العالم الحديث ويعتز، والتي اكتسحت أمامها تباعًا كل شيء آخر من هذا القبيل، لا شك في أنها موضوعٌ خطير جدير بالتأمل والنظر، بالنسبة لأي مراقبٍ جاد يتفحص الاتجاهات البشرية. فهما يثيران فرضًا أوليًّا يؤيد الجانب غير المرغوب فيه، إلى حدٍّ يفوق بكثيرٍ ما قد يستطيع العُرف والعادة، في مثل هذه الظروف، أن يُخلفاه في تأييد الجانب المرغوب فيه، ويجب أن يكونا على الأقل كافيَين في إحداث توازن في الموضوع، مثل الاختيار بين النظام المَلَكي والنظام الجمهوري.
وأقل ما يمكن أن نطالِب به هو أنه لا ينبغي النظر إلى هذه القضية (قضية المرأة) على أن الحكم فيها قد صدر مقدمًا عن طريق الواقع القائم والرأي العام السائد، بل لا بد من فتحها للنقاش على أساس أنها مسألة عدالة ومنفعة؛ ومن ثَم فينبغي أن يكون الحكم فيها، كما هي الحال في أية أوضاع اجتماعية وبشرية أخرى، معتمدًا على تقديرٍ مستنير للاتجاهات والنتائج التي قد يثبت أنها أكثر فائدة للبشر — بصفة عامة — دون التمييز بين الجنسين. ولا بد أن تكون المناقشة مناقشةً حقيقيةً، مثلًا أن نؤكد بألفاظٍ عامة أن تجربة الجنس البشري تؤيد النظام القائم. فالتجربة لم يكن أمامها طريقان لتحكم بينهما؛ إذ لم يكن هناك سوى تجربة واحدة. وإذا قيل إن مبدأ المساواة بين الجنسَين لا يقوم إلا على النظرية فحسب، فلا بد لنا أن نتذكر أن المبدأ المضاد لا يقوم أيضًا إلا على النظرة وحدها. فكل ما أثبتته التجربة المباشرة هو أن الجنس البشري استطاع أن يوجد في ظله، وأن يصل إلى درجة التقدم والرخاء التي نراها الآن. ولكن التجربة لا تقول لنا شيئًا عمَّا إذا كان في الإمكان بلوغ هذه الدرجة من التقدم أسرع مما حدث، أو ما إذا كنا سنصل إلى درجة أعلى من التقدم في ظل النظام الآخر أم لا. ومن الناحية الأخرى فإن التجربة تقول لنا بالفعل إن كل خطوة في التحسُّن كانت مصحوبة باستمرارٍ بخطوة في رفع الوضع الاجتماعي للنساء، وإن المؤرخين والفلاسفة ذهبوا إلى أن ارتفاع النساء أو انحطاطهن، في مجمله، هو المعيار المؤكَّد، والمقياس الصحيح، للحكم على شعبٍ ما أو عصر بالتحضر أو التمدن. إن وضع النساء في فترات التقدُّم من التاريخ البشري كان يقترب من المساواة مع الرجال، وإنْ كان ذلك لا يُثبت في حد ذاته أن المساواة يجب أن تستمر حتى تكتمل تمامًا، ولكنه بغير شكٍّ يقدم هاجسًا بأن الأمر سيكون كذلك.
كما أنه لا يجدي شيئًا أن نقول إن طبيعة الجنسَين تؤهلهما لوظائفهما ووضعهما الراهن، وتجعل هذه الوظائف صالحة لهما، وأنا أُنكر — معتمدًا على أساسٍ من الحس المشترك، وعلى تكوين العقل البشري — أن يكون في استطاعة أي شخص أن يعرف طبيعة الجنسَين ما دام لم يرهما إلا في علاقتهما الراهنة فحسب. فلو أن الرجال وُجِدوا في مجتمع ما بغير نساء، أو كان هناك مجتمع بلا رجال، أو مجتمع من الرجال والنساء، لم تكن النساء فيه خاضعات لسيطرة الرجال، فربما كنا قد عرفنا شيئًا مؤكدًا عن الاختلافات العقلية والمعنوية التي قد تكون متأصلة في طبيعة كل جنس منهما. ومن هنا فإن ما يُسمَّى الآن «طبيعة النساء» هو شيء مصطنَع، وهو ثمرة الكبت في بعض الاتجاهات، وإثارة غير طبيعية في اتجاهاتٍ أخرى. وربما تأكدنا بلا أدنى شك أنه لم تكن هناك طبقة أخرى من الأتباع تعرَّضت شخصيتها للتشويه التام عن طريق علاقتها بسادتها (مثلما تعرضت شخصية النساء) لأنه إذا كانت الأجناس المقهورة وأجناس العبيد، قد تعرَّضوا للكبت بعنفٍ أشد من بعض النواحي، فإن ما لم يسحقه يثير الاستعباد فيهم قد ترك وشأنه بصفة عامة، وعندما توافرت له حرية النمو فقد نما من تلقاء ذاته، وطبقًا لقوانينه الخاصة. أما في حالة النساء، فقد كان كل شيء فيهن طوع مصلحة سادتهن ومُتعتهم. ولما كانت بعض القوى الحيوية العامة، تتدفق وتنمو إلى حدٍّ كبير في هذا الجو، وفي ظل الاتصال المستمر، وترك بعضها الآخر في العراء ليتوقف غده، وتعرَّض بعضها الثالث للنيران حتى اختفى تمامًا، فإن الرجال لم يعُد في وسعهم أن يدركوا ما فعلت أيديهم، واعتقدوا، في غير مبالاة أن الشجرة تنمو من تلقاء ذاتها بالطريقة التي جعلوها تنمو بها، وأنها ستموت إذا لم يبقَ نصفها في حمام بخار، ونصفها الآخر في الثلج.
يمكن أن نقول: إن عدم اهتمام البشر، وجهلهم الفاحش فيما يتعلق بالمؤثرات التي تشكِّل الشخصية الإنسانية، هما من أكبر العقبات التي تعوق تقدُّم الفكر، وتكوين الآراء السليمة المؤسَّسة تأسيسًا جيدًا من الحياة والتنظيمات الاجتماعية. فالناس يفترضون أن أي قسم من النوع البشري، أيًّا ما كانت حالته الآن، إنما هو كذلك لأن لديه نزوعًا طبيعيًّا لأن يكون كما هو، حتى عندما تشير أكثر ألوان المعرفة بدائية بالظروف التي وجد فيها هذا القسم، عندما تشير بوضوحٍ وصراحة إلى الأسباب التي جعلته كما هو، فلمَّا كان أحد الفلاحين الأيرلنديين الذين عليهم متأخرات لصاحب الأرض كسولًا لا يعمل، فقد ظن الناس أن الأيرلنديين بطبيعتهم كسالى لا يعملون.١٦ ولما كانت الدساتير يمكن أن تنقلب رأسًا على عقب عندما تتحوَّل السلطات المنوطة بتطبيق هذه الدساتير ضدها بالسلاح، فإن هناك مَن يقول إن الفرنسيين عاجزون عن ممارسة الحُكم الحر. ولما كان اليونانيون قد خدعوا الأتراك، واكتفى الأتراك بنهب اليونان، فقد ظن البعض أن الأتراك بطبيعتهم أكثر إخلاصًا. ولما كانت المرأة، كما يقال كثيرًا، لا تهتم كثيرًا بالسياسة باستثناء شخصيتها، فقد افترض الناس أن المصلحة العامة بطبيعتها، تثير اهتمام الرجل أكثر من اهتمام المرأة. إن التاريخ الذي أصبح الآن واضحًا ومفهومًا أكثر بكثيرٍ مما كان في العصور الماضية، يعلِّمنا درسًا مختلفًا، هو أن الطبيعة البشرية تتأثر بالعوامل الخارجية بصورة غير عادية. وكذلك الاختلافات القصوى في مظاهر التعبير التي يُفترَض أنها عامة ومطردة. غير أن الناس، في العادة لا ترى في التاريخ، والأسفار سوى ما يوجد في أذهانهم بالفعل، وقِلة منهم هي التي تتعلم الشيء الكثير من التاريخ. وهذه القِلة هي التي لا تجلب معها الكثير من الأفكار المسبقة أثناء دراستها لهذا التاريخ.
ومن هنا فإنه بصدد ذلك السؤال البالغ الصعوبة الذي يتعلق بالفروق الطبيعية بين الجنسَين: وهو سؤال يستحيل الوصول إلى إجابة صحيحة وتامة عنه في الوضع الراهن للمجتمع، في الوقت الذي يجزم فيه كل فردٍ بشيء ما عنه، دون أن يلتفت أحد، تقريبًا، بل يجهل تمامًا الوسيلة الوحيدة التي يمكن بواسطتها بلوغ استبصار جزئي به. وهذه الوسيلة هي دراسة تحليلية في أهم فرعٍ من فروع علم النفس، وهي القوانين التي تكشف عن مدى تأثير الظروف المحيطة بالشخصية.١٧ لأنه مهما تكن الفروق العقلية والأخلاقية بين الرجال والنساء كبيرةً وواضحةً، ولا يمكن إزالتها، فإن القول بأن هناك دليلًا على أن هذه الفروق طبيعية لا يمكن أن يكون سوى قول سلبي. ذلك لأن الفروق التي يمكن أن نستدل أنها فروق طبيعية هي تلك التي لا يمكن أن تكون صناعية، وهي ما يتبقَّى بعد أن نُسقِط كل سِمة لأيٍّ من الجنسَين يمكن تفسيرها على أنها ناتجة من تأثير البيئة أو التربية أو الظروف الخارجية. فلا مندوحة لنا عن معرفة أعمق بالقوانين التي تتكوَّن على أساسها الشخصية البشرية، فهذه المعرفة هي التي تُخَوِّل لشخصٍ ما أن يؤكد أن هناك فارقًا أيًّا كان نوعه، بين الجنسين عندما تنظر إليهما بوصفهما موجودات عاقلة وأخلاقية. وما دمنا لا نجد أحدًا لديه حتى الآن مثل هذه المعرفة (لأنه لا نكاد نجد موضوعًا لم يدرس بالأهمية التي يستحقها مثل هذا الموضوع)، فليس ثمة شخص له حق الإدلاء بآراءٍ إيجابية في هذا الموضوع، وكل ما يمكن أن يقال فيه حتى الآن هو من باب الحدس والتخمين، وهي تخمينات مرجحة، إن قليلًا أو كثيرًا، طبقًا لما نعرفه حتى الآن من قوانين علم النفس عند تطبيقها على تكوين الشخصية البشرية.
وحتى المعرفة الأولية بالفروق والاختلافات بين الجنسَين هي الآن، بغض النظر عن جميع الأسئلة التي تدور حول ما هي هذه الفروق، وكيف تكوَّنت، لا تزال في حالة مبدئية، وناقصة تمامًا. لقد أكد علماء النفس والأطباء المعالِجون، إلى حدٍّ ما، الفروق والاختلافات في التكوين البدني؛ وهذا عنصر هام بالنسبة لعالِم النفس، لكن يصعب أن تجد رجل طب هو نفسه عالِم نفس أيضًا. أمَّا فيما يتعلق بالخصائص العقلية للنساء، فلن تجد لملاحظاتهم أية قيمة تزيد على ملاحظة رجل الشارع أو الإنسان العادي؛ فهو موضوع لا يمكن أن يعرف أحد عنه شيئًا نهائيًّا بعد. ما دام من يعرفون عنه شيئًا حقيقيًّا، وهن النساء أنفسهن، لا يصرِّحن بشهادتهن عنه، اللهم إلا النزر اليسير، وهذا النزر اليسير متأثر بإغراءاتٍ أخرى. إنه لمن السهل أن نعرف المرأة الغبية، ذلك لأن الغباء واحدٌ بين جميع البشر، وفي جميع أنحاء العالم، كما يمكن أن نعرف أفكار ومشاعر الشخص الغبي من الأفكار والمشاعر السائدة في البيئة المحيطة به. غير أن ذلك لا ينطبق على أولئك الأشخاص الذين تفيض أفكارهم ومشاعرهم من طبيعتهم ومَلَكاتهم الخاصة. والحق أنه يندر أن تجد رجلًا — باستثناء رجل هنا أو هناك — لديه أدنى معرفة بشخصية المرأة، بما في ذلك نساء أُسَرهم هُم؛ ولا أعني معرفة قدراتهن، فهذه القدرات لا يعرفها أحد، حتى ولا النساء أنفسهن، لأن معظم هذه القدرات لم تُختبَر. لكني أقصد أفكار النساء ومشاعرهن الموجودة بالفعل. فكثير من الرجال يتصورون أنهم يفهمون النساء فهمًا جيدًا لأن لديهم علاقاتٍ غرامية ببعضهن، وربما بعددٍ كبير منهن، فإذا ما كانت ملاحظات الرجل جيدة، وإذا ما امتدت إلى الكيف إلى جانب الكم، فقد يتعلم شيئًا ما عن جزءٍ ضيقٍ من طبيعتهن؛ وهو جزء هام بغير شك. أما فيما يتعلق ببقية الأجزاء، فليس هناك أجهل من الرجال به عمومًا، فلا يوجد سوى قلة منهم لا تخفى عليهم هذه الأجزاء خفاءً تامًّا. وأفضل حالة يستطيع فيها الرجل، عادة، أن يدرس شخصية المرأة هي حالة زوجته هو؛ إذ تكون الفرص أمامه عظيمة، كما أن حالات التعاطف الوجداني التام لا تكون نادرة. والواقع أن هذا هو المصدر، فيما أعتقد، الذي تأتي منه عادة أية معرفة ذات قيمة في هذا الموضوع. غير أن معظم الرجال لم تُتَح لهم فرصة الدراسة بهذه الطريقة في أكثر من حالة واحدة فقط. ومن ثَم، فإن المرء يستطيع أن يستنتج — إلى حدٍّ مثير للسخرية — نوع زوجة الشخص من آرائه في النساء بصفة عامة. وحتى يمكن بلوغ أية نتائج من هذه الحالة الوحيدة، فإن المرأة التي نتحدث عنها ينبغي أن تكون جديرة بأن تُعرف، كما أن الرجل ينبغي أن يكون لا فقط قاضيًا كفئًا، وصاحب شخصية عاطفية تتفق تمامًا مع شخصيتها؛ بحيث يستطيع إما أن يقرأ أفكارها بالحدس المتعاطف، وإما ألَّا يكون لديه شيء يجعلها تخجل من كشفه له. وليس ثمة شيء، فيما أعتقد، أندر من مثل هذا الحدس. وكثيرًا ما يحدث أن تكون هناك وحدة كاملة تمامًا (بين الزوجين) للشعور وللمصالح المشتركة في كل ما يتعلق بالأمور الخارجية، ومع ذلك فإن ما يصل إليه الواحد منهما (الزوج أو الزوجة) في الحياة الداخلية للآخر لا يزيد عن التعارف الشائع بين شخصَين. وحتى مع الحب الحقيقي، فإن السلطة التي تكون في جانبٍ، والخضوع والتبعية في جانبٍ آخر، يحُولان دون الثقة التامة بينهما. وقد لا يُخفي أحدهما عن الآخر شيئًا عن قصدٍ وتعمد، ومع ذلك فإن الكثير مما يوجد بينهما لا يظهر بوضوح. ولا بد أن كل إنسان قد لاحظ مثل هذه الظاهرة، في العلاقة المماثلة بين الأب وابنه. فما أكثر الحالات — فيما يتعلق بالعلاقة بين الأب والابن — التي لا يدري فيها الأب أشياء عن خُلق ابنه وطبعه، بل ولا يشك في وجودها، رغم الحب الحقيقي بينهما، في حين يعرفها جيدًا أصحابه ورفاقه. والحقيقة أن موقف التطلُّع إلى شخص أعلى لا يتفق مطلقًا مع الإخلاص التام والصراحة الكاملة معه. فالمرء في هذه الحالة يخشى ألَّا يكون عند حسن ظنه، أو أن يفقد شيئًا من مكانه أو مشاعره عنده، وهو خوف قوي، حتى إنه يُولِد في الشخص العادي ميلًا غير واعٍ لإظهار الجانب الأفضل، أو الجانب الذي يحبه أكثر من غيره، ولو لم يكن الجانب الأفضل. وربما أمكن أن نقول في ثقة إن المعرفة الحقيقية بين شخص وآخر، يصعب أن توجد إلا بين شخصَين متساويَين، فضلًا عن صِلتهما الحميمة، فكيف نصدق ذلك، بصفة خاصة، عندما يكون أحد الطرفين (الزوجة) تحت سيطرة الآخر (الزوج)، وقد ترسَّخ في ذهنها، كواجبٍ، أن تهتم بكل ما يتصل براحته ومتعته أكثر من أي شيء آخر، وألَّا يبدر منها ما يجعله يرى أو يشعر إلا بما يُرضيه. وكل هذه العقبات تقف في سبيل حصول الرجل على معرفة كاملة حتى بالمرأة الوحيدة التي تكون لديه، وفي العادة، الفرصة الكافية لدراستها (وهي زوجته). على أننا ينبغي أن نضع في ذهننا، بعد ذلك كله، أن فهم الرجل لامرأة واحدة لا يعني بالضرورة أنه فهم غيرها. وحتى لو أنه استطاع دراسة عدد من النساء من طبقة واحدة، أو من بلد واحد، فإن ذلك لا يعني أنه فهم نساء الطبقات الأخرى، والبلدان الأخرى. وحتى لو افترضنا، جدلًا، أنه فعل ذلك، فإن ما درسه، مع هذا، يشكِّل نساء فترة واحدة من فترات التاريخ. وهكذا نستطيع أن نؤكد، في اطمئنانٍ وثقة، أن المعرفة التي يستطيع الرجال تحصيلها عن النساء، حتى فيما يتصل بالماضي والحاضر، ودون أن نتعرَّض لما يكون عليه الحال في المستقبل، هي معرفة سطحية وناقصة تمامًا، وأنها ستكون على هذا النحو باستمرارٍ، إلى أن تقول النساء ما لديهن، وما ينبغي عليهن قوله.
ولم يحِن هذا الوقت بعد، ولن يأتي إلا بالتدريج، بل إن النساء لم يصلن إلى مرحلة أدبية تؤهلهن أن يقلن شيئًا للجمهور، ولم يسمح لهن المجتمع بشيء من هذا القبيل إلا بالأمس القريب. ومع ذلك فلا تجرؤ سوى قِلة منهن أن تقول شيئًا لا يريد الرجال — الذين يتوقف نجاحهن الأدبي عليهم — الاستماع إليه. ولنتذكر كيف كان التعبير، إلى عهدٍ قريبٍ جدًّا، عن الآراء غير المألوفة، حتى ولو كان المؤلف رجلًا، وكذلك التعبير عن المشاعر الشاذة، يُقابَل عادة، وما زال يُقابَل إلى حدٍّ ما، بكثيرٍ من الاستهجان. وربما استطعنا في هذه الحالة أن نُكوِّن فكرة، ولو ضئيلة، عن العقبات التي تصادفها المرأة التي تربَّت ونشأت على اعتبار العادات والرأي العام القاعدة والقانون المسيطر عليها، عندما تحاول أن تعبِّر في كتابٍ عن أي شيء تستمده من أعماق طبيعتها الخاصة. وأعظم امرأة خلَّفت وراءها كتابات تكفي لأن تعطيها مكانة مرموقة، وتضعها في مصاف كبار الأدباء في بلدها، وجدت أنه من الضروري أن تصدِّر أجزاء كُتبها بشعارٍ يقول: «يستطيع الرجل أن يتحدى الرأي العام، أما المرأة فلا بد لها أن تطيعه …»١٨ والجزء الأكبر مما تكتبه النساء عن النساء ليس سوى تزلُّف ومداهنة في نظر الرجال. والكثير مما تكتبه النساء غير المتزوجات لا يستهدف، فيما يبدو، سوى إتاحة فرصٍ أكبر للحصول على الزواج. وربما عبَّرت كثرة من النساء — متزوجات وغير متزوجات — عن عبودية أكثر مما يرغب فيه الرجال أو يرضون عنه، اللهم إلا أكثرهم سوقية. وإن كان الوضع قد تغيَّر منذ وقت قريب؛ فالنساء الأديبات صرن أكثر حرية فيما يُعلنَّ، وأكثر استعدادًا للتعبير عن مشاعرهن الحقيقية، ولسوء الطالع، فإن النساء في هذا البلد (إنجلترا) بصفة خاصة، نتاج مصطنَع، بمعنى أن مشاعرهن مركبة من عنصرٍ صغيرٍ من الملاحظات الفردية والشعور الفردي، وعنصر كبير جدًّا من التداعيات والخواطر المكتسبة. غير أن هذا الوضع سوف يقِل شيئًا فشيئًا، لكن سيظل صحيحًا، مع ذلك، إلى حدٍّ كبير، ما دامت المؤسسات الاجتماعية لا تسمح للأصالة عند النساء بنفس النمو والتطور الحر الذي تسمح به للرجال. وإلى أن يأتي ذلك اليوم — وليس قبله — سوف نرى، ولا نسمع فقط، القدْر الضروري لمعرفة طبيعة النساء، وتكيف المسائل الأخرى مع هذه الطبيعة.
لقد تحدثتُ بإسهابٍ عن العقبات التي تحُول في الوقت الحاضر دون معرفة الرجال لطبيعة النساء الحقيقية، وتجعلها غامضة؛ لأنه في هذه الحالة، كما في حالاتٍ أخرى كثيرة، «الظن بأن المرء الغني هو أحد الأسباب الرئيسية للفقر».١٩ وليست هناك سوى فرصٍ ضئيلة للتفكير العقلي في هذا الموضوع، في حين أن الناس يخدعون أنفسهم عندما يقولون إنهم يفهمون فهمًا تامًّا موضوعًا لا يعرف عنه معظم الرجال شيئًا على الإطلاق، كما أنه موضوعٌ يستحيل في الوقت الحاضر على أي رجل، أو على جميع الرجال مجتمعين، أن تكون لديهم معرفة تؤهلهم أن يضعوا للنساء قانونًا عن رسالتهن في هذه الدنيا، وما يقمن، وما لا يقمن به. ومن حسن الحظ أنه لا ضرورة لمثل هذه المعرفة بالنسبة للأغراض العملية المرتبطة بوضع النساء في علاقاتهن بالمجتمع وبالحياة. لأن المسألة — طبقًا لجميع المبادئ التي ينطوي عليها المجتمع الحديث — تتوقف على النساء أنفسهن يحسمنها بخبرتهن الخاصة، وباستخدام مَلَكاتهن الخاصة. وليست هناك وسيلة لمعرفة ما الذي يمكن لشخصٍ واحد، أو عدة أشخاص، أن يقوم به إلا عن طريق المحاولة والتجربة، وليس ثمة وسيلة يستطيع بها أي شخص آخر أن يكتشف ما الذي يجلب لهن السعادة عندما يتم فعله، أو عند الامتناع عن فعله.
هناك شيء واحد نستطيع أن نكون على يقينٍ منه، هو أن النساء لن يفعلن أبدًا ما هو مضاد لطبيعتهن، عندما تترك هذه الطبيعة تعمل بحرية. ومن ثَم، فليس من الضروري على الإطلاق أن يشعر الناس بالقلق، ويتدخلوا لصالح الطبيعة وباسمها خشية ألا تنجح الطبيعة في تحقيق أغراضها. إنه لا مبرر على الإطلاق لمنع النساء من فعل ما لا يستطعن فعله بالطبيعة. أما ما يستطعن فعله، ولكن ليس كما يستطيع الرجال — وهم منافسوهن — أن يفعلوا، فإن المنافسة تكفي لإبعادهن عنه، ما دام لا يوجد من يطالب بفرض تشريعات أو واجبات تحمي النساء، بل كل من يطالب بشيء، فإنه يطالب بإعادة النظر في التشريعات الحالية التي تحمي الرجال. وإذا كانت لدى النساء ميول طبيعية قوية نحو بعض الأشياء دون بعضها الآخر، فليس ثمة ما يدعو لسن قوانين وتشريعات أو وجود ضغوط اجتماعية لدفع الغالبية العظمى من النساء إلى القيام بتحقيق هذه الميول الطبيعية، وتفضيلها على الميول الثانية. وكلما اشتدت الحاجة إلى خدمات النساء، كانت المنافسة الحرة أقوى دافعٍ لهن للقيام بهذه الخدمات. ومن الواضح أن الحاجة تشتد إليهن أكثر في الأمور التي يصلحن لها أكثر، وعندما نحدد لهن هذه الأمور، فإنه يمكن في هذه الحالة استخدام قدرات الجنسَين مجتمعة بما يعود على المجموع بأكثر قدر من النتائج ذات القيمة العالية.
ونحن نفترض أن الرأي العام للرجال هو أن الرسالة الطبيعية للمرأة هي أن تكون زوجةً وأمًّا، وأنا أقول: «نحن نفترض» لأن المرء يستطيع إذا حكمنا من الأفعال، وبالتكوين الحالي للمجتمع بأسره، أن يستنج أن رأي النساء على النقيض المباشر لذلك تمامًا. ويمكن أن نفترض أنهن يعتقدن أن الرسالة الطبيعية المزعومة للنساء هي أكثر شيء تنفر منه طبيعتهن. بمعنى أنه لو تُركت لهن الحرية لأية وظيفة أخرى، وإذا وُجدت أية وسيلة للعيش، أو أية رغبة تناسب قدراتهن ووقتهن، فلن تكون هناك أعداد متبقية منهن يقبلن الوضع الذي يُقال عنه إنه رسالتهن الطبيعية، وإذا كان ذلك هو رأي الرجال، فمن الأفضل إعلانه.
وإني لأود أن أسمع شخصيًّا هذا الرأي صراحةً (وهو رأي يتضمنه بالفعل كثير مما كُتب في هذا الموضوع)، فيقول: «من الضروري للمجتمع أن تتزوج النساء، وينجبن أطفالًا، ولن يفعلن ذلك إلا إذا أُرغمن عليه، ومن ثَم، فمن الضروري إرغامهن على الزواج.»
وبذلك تتحدد مزايا هذا الوضع بوضوحٍ، وهي تشبه كثيرًا مزايا وضع مُلاك العبيد في الولايات الأمريكية «كارولينا الجنوبية»، و«لويزيانا Louisiana»؛ «فمن الضروري زراعة القطن وقصب السكر، والرجل الأبيض لا يستطيع زراعته. ولا يريد الزنوج زراعة هذه المحاصيل طواعيةً، مهما تكن الأجور التي نريد أن ندفعها لهم، ومن ثَم، فمن الضروري إرغامهم على زراعة هذه المحاصيل.» وهناك مثال توضيحي أقرب إلى هذا الموضوع: وهو موضوع السُّخرة للمصلحة العامة. فلا بد، في السلاح البحري، من وجود بحارة يدافعون عن البلاد، وكثيرًا ما يحدث أن البحارة لا يحبذون ذلك طواعية وبرغبتهم، ومن ثَم، فلا بد أن تكون هناك سُلطة ترغمهم على ذلك. وكثيرًا ما استُخدم هذا المنطق! ولا شك أنه كان سيستمر العمل به حتى يومنا الراهن لولا نقصٌ واحد فيه، فهو عُرضة لأن نرد عليه بقولنا: ادفع أولًا للبحارة أفضل أجر ثمنًا لعملهم، وعندما يجدون أنهم سيحصلون في خدمتك على ما يحصلون عليه في خدمة غيرك، فإنك لن تجد صعوبة، أكثر من غيرك، في الحصول على خدماتهم. ولن تكون هناك إجابة منطقية على ذلك سوى عبارة «لن أفعل». ولمَّا كان الناس الآن يخجلون من سرقة أجر العامل، بل ولم تعد لديهم الرغبة في ذلك، فإنه لم يعُد هناك من يدعو إلى السُّخرة البحرية.
ومن هنا فإننا نجد أن مَن يحاول إرغام النساء على الزواج فإنه يُغلِق جميع الأبواب الأخرى في وجوههن، ويكون عُرضة لأن يُرَد عليه بنفس الرد السابق. فإذا كان يعني ما يقول حقًّا، كان من الواضح أن يكون رأيه على النحو التالي: إن الرجال لا يجعلون ظروف الزواج أمرًا مرغوبًا فيه عند النساء؛ بحيث يدفعهن إلى قبوله لما فيه من مغرياتٍ خاصة. وهكذا لا يسمح الرجل للمرأة بالاختيار، ويطبِّق عليها مبدأ اختيار هوبسن: «هذا، أو لا شيء.»٢٠ وهو مبدأ لا يُعد علامةً من علامات امتياز الشيء الذي يقدمه الشخص. وذلك في اعتقادي هو مفتاح مشاعر أولئك الرجال الذين ينفرون نفورًا تامًّا من المساواة في الحقوق (بين الرجل والمرأة)، ومن إعطاء الحرية للنساء؛ إذ إني أعتقد أن ما يخشاه الرجال ليس هو امتناع النساء عن الزواج، فلا أظن أن هناك مَن يخشى ذلك حقيقةً، ولكن الرجال يخشون إصرار النساء على أن يتم الزواج بشروط متساوية. كما يخشى الرجال أن يفضل جميع النساء، من أصحاب القدرة والكفاءة، أي شيء آخر لا يهبط بمكانتهن، كما يفعل الزواج، عندما لا يعني الزواج سوى الخضوع لسيدٍ هو الرجل، تخضع له الزوجة بكل ما لديها من متاعٍ وأملاك مادية. أعتقد أن للمرأة الحق فيما يعتمل في داخلها من هواجس، كما أنني أوافق على أنه من المرجح ألا يقبل سوى عددٍ ضئيل جدًّا من النساء على مثل هذا المصير، عندما يجدن أمامهن طريقًا آخر متاحًا للحصول على وضعٍ مشرف في المجتمع، إذا ما كان في استطاعتهن عمل أي شيء آخر، فهن لن يقبلن هذا المصير المجحف، اللهم إلا إذا كان هناك إغراء لا يمكن مقاومته يجعلهن يفقدن الشعور مؤقتًا بأي شيء آخر سواه. وإذا أصر الرجال على أن يكون قانون الزواج، قانونًا استبداديًّا، فسوف يكونون على حق تمامًا أنهم لم يسمحوا للنساء إلا بمبدأ اختيار هوبسن «إما هذا، أو لا شيء». ولكن في هذه الحالة فسوف يكون كل ما يحدث في العالم الحديث من تخفيفٍ للقيود المفروضة على عقول النساء، أخطاءً ما كان لها أن تقع، فما كان ينبغي أن يُسمَح لهن قَط أن ينلن قسطًا من التربية الأدبية؛ فالمرأة التي تقرأ، وأكثر منها بكثير المرأة التي تكتب، تُعتبر، في الأوضاع الراهنة، عنصرًا مزعجًا ومتناقضًا مع هذه الأوضاع؛ ومن ثَم كان من الخطأ تنشئة النساء على أي شيء سوى اكتساب صفات السرايا، والمحظيات، وخدم المنازل.
١ ساد «العقل» القرن الثامن عشر على نحو ما تمثَّل، بوضوحٍ، في الأدب الكلاسيكي، الذي كان عقليًّا تمامًا، كما عبَّرت عنه فلسفة هذا القرن؛ حيث كانت فلسفة كانط (١٧٢٤–١٨٠٤م) العقلية تتويجًا لهذه الحقبة، وتحليلًا للعقل، كما تدل على ذلك كُتبه الرئيسية: «نقد العقل الخالص» عام ١٧٨١م، و«نقد العقل العملي» عام ١٧٨٨م … إلخ، وكما ظهر في الثورة الفرنسية، التي وُصفَت بأنها ثورة العقل. ثم جاء تيار الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر كرد فعلٍ قوي ضد عقلانية القرن الثامن عشر. فإذا كان الشاعر الفرنسي بوالو Boileau (١٦٣٦–١٧١١م) يضع المبدأ الكلاسيكي الهام، حين يقول للأدباء والشعراء الكلاسيكيين «فلتلبُّوا دائمًا نداء العقل، ولتستمد منه مؤلفاتكم كل ما لها من رونقٍ وقيمة». فقد جاء الشاعر الفرنسي «ألفرد دي موسيه» Alfred de Musset (١٨١٠–١٨٥٧م) ليعارض هذا المبدأ بوضوحٍ، فيقول: «أول مسألة هامة عندي هي ألَّا ألقي بالًا إلى العقل». وينصح صديقًا له «اقرع باب القلب؛ ففيه وحده العبقرية، وفيه الرحمة والعذاب والحب … إلخ» … وهكذا ظهر تيارٌ جديد يضاد العقل، ويهتم ﺑ «العناصر اللاعقلية»، كالقلب، والخيال، والعاطفة، والمشاعر، والغريزة … إلخ، وهو ما يشير إليها «جون ستيوارت مل» في هذه الفقرة. (المترجم)
٢ المذهب الرواقي Stoicism مدرسة فلسفية يونانية-رومانية، أسَّسها زينون Zeno (٣٣٤–٢٦٢ق.م.) الذي بدأ يعلِّم الناس في أثينا في سن الثلاثين — ويقال إنه عاش ثمانية وتسعين عامًا — وكان يعلِّم تلاميذه في رواق Stoa (وهو بهو ذو أعمدة)، ومنه استمدَّت المدرسة اسمها، وتذهب الرواقية إلى أن المهمة الأساسية للفلسفة تتعلق بالأخلاق، ومن هنا اهتموا بالالتزام الأخلاقي نحو العبيد، كما اهتموا بالدعوة إلى المواطنة العالمية؛ فكسروا لأول مرة حاجز العنصرية العِرقية عند اليونان والرومان. (المترجم)
٣ تذهب اليهودية إلى أن اليهود هم عبيد الله، ومن ثَم فلا يُباعون بيع العبيد، وإذا ما افتقر اليهودي، وعجز عن وفاء دينه، واضطر إلى بيع نفسه لدائنه، فإن كان الدائن يهوديًّا، فعليه أن يعامله معاملة الخدم، وأن يرفق به، وأن يعتقه بعد ست سنوات من الخدمة، ويزوِّده بشيء من المال، ومن الغنم وغيره (سفر اللاويين، الإصحاح الخامس والعشرين: ٣٩–٤٥). أما غير اليهودي، فهو وحده الذي يجوز استرقاقه بالحرب أو الشراء، ويُعامَل بعنفٍ، ولا يجوز تحريره أو افتداؤه، ويبقى رقيقًا أبد الدهر (سِفر التثنية، الإصحاح الخامس عشر: ١٢–١٤)؛ فقد اختار الله اليهود ليكونوا سادةً، ويكون الناس عبيدًا لهم. (المترجم)
٤ دعا السيد المسيح إلى المساواة بين الناس، وأوصى تابعيه أن يعاملوا الناس بمثل ما يحبون أن يُعاملوهم به؛ فكانت دعوته خروجًا على اليهودية العنصرية، التي تستأثر اليهود بالحسنى، وتعامِل غيرهم بالسوء. (المترجم)
٥ أعتقد أن هناك مبالغةً فيما يقوله «مل» بشأن «مكافحة» الكنيسة الكاثوليكية، «والمعركة» التي خاضتها لأكثر من ألف عام، بشأن فرض الالتزام الأخلاقي نحو تحرير العبيد. فإذا كان السيد المسيح قد دعا إلى المساواة بين الناس، فقد ذهب القديس بولس إلى تفسيرها بأنها مساواة «الروح» فقط، ومن ثَم تسامَح في خضوع «الجسد»، وأمر بأن «تخضع كلُّ نفسٍ للسلاطين الفائقة؛ لأنه ليس سلطان إلا من الله … إلخ» (رسالة بولس إلى أهل رومية، الإصحاح الثالث عشر: ١–٣). وهكذا دعا العبيد مباشرة إلى الخضوع والاستسلام «أيها العبيد، أطيعوا سادتكم في كل شيء، حسب الجسد … إلخ» (رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي، الإصحاح الثالث: ٢٢). ودعا القديس بطرس العبيد إلى الطاعة بخوفٍ ورعدة «أيها العبيد، أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة، في بساطة قلوبكم كما للمسيح» (رسالة بطرس إلى أهل أفسس، الإصحاح السادس: ٥–٧)، وأوصاهم ألَّا يقصروا الطاعة والإخلاص على السادة الرحماء فقط، بل … «كونوا خاضعين بكل هيبة، ليس للصالحين، بل للعنفاء أيضًا …» (رسالة بطرس الأولى، الإصحاح الثاني: ١٨)، ولا أظن أن في ذلك كفاحًا لتحرير العبيد! (المترجم)
٦ يشير «مل» إلى نظرية أرسطو الشهيرة عن الرق، ودفاعه عنها بحماسٍ شديدٍ، بوصفها تعبيرًا عن النظام الطبيعي للبشر، فهناك العبد بالطبيعة، والحر بالطبيعة أيضًا، أي مَن يولد عبدًا، ومَن يولد حرًّا، قارن كتابنا «أرسطو … والمرأة»، ص٧٥ وما بعدها، وهو العدد الثاني من «سلسلة الفيلسوف والمرأة»، أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٦م؛ وانظر أيضًا كتاب أرسطو «السياسة»، ١٢٥٥م. (المترجم)
٧ مصطلح الأمازونات Amazons يعني حرفيًّا «نساء بغير صدور»، وهي قبيلة في الأساطير اليونانية، من المقاتلات الإناث، تعيش في آسيا الصغرى، ولهن في الصدر ثدي واحد، أما الثاني، فقد أُزيل في الصغر حتى يستطعن إطلاق القوس بحرية أكثر. يتزاوجن مع رجال من جنس آخر، ثم يحتفظن بالمواليد «الفتيات فقط»، ويقتلن البنين، أو يعودوا إلى آبائهم. وتظهر الأمازونات في الأساطير اليونانية مع كثير من الأبطال، من أمثال: هرقل، وبرسيوس، وبلرفون، وثيوبس، مع أن هؤلاء جميعًا قاتلوا ضدهن. راجع د. إمام عبد الفتاح إمام «معجم ديانات وأساطير العالم»، المجلد الأول، ص٧٥، أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٦م. (المترجم)
٨ اهتم أفلاطون اهتمامًا كبيرًا بالنظام السياسي في مدينة إسبرطة لأسبابٍ كثيرة، منها طبقته الأرستقراطية، ومنها نظام التربية في هذه المدينة، الذي يشبه النظام الذي وضعه أفلاطون في محاورة الجمهورية … إلخ (راجع في ذلك كله: د. إمام عبد الفتاح إمام «أفلاطون … والمرأة»، ص٤٢ وما بعدها، العدد الأول من سلسلة «الفيلسوف … والمرأة»، التي تصدرها مكتبة مدبولي بالقاهرة). (المترجم)
٩ من الأفكار الكثيرة التي تأثَّر بها أفلاطون بنظام مدينة إسبرطة، تربية الحراس، أو طبقة الجند، التي ستدافع عن المدينة الفاضلة، كما عرضها في الجمهورية، ويظهر الأثر الإسبرطي واضحًا عندما يتحدث أفلاطون عن «المعسكر المفتوح الأبواب»، الذي ينبغي أن يعيش فيه هؤلاء الحراس، كما يظهر في قوله إن عليهم أن يتناولوا وجباتهم سويًّا، وأن يعيشوا حياة جماعية كالجنود في ساحة القتال … كما يحرم عليهم، كما هي الحال في إسبرطة، اقتناء الذهب والفضة. وأخيرًا هناك فكرة شيوعة النساء، «حيث تصبح الزوجات مشاعًا بين الحراس»، وكان مشرِّع إسبرطة «ليكورجوس» قد عاب على الأزواج الإسبرطيين أن يستأثروا بزوجاتهم (راجع في ذلك كله كتابنا السابق «أفلاطون … والمرأة»، مكتبة مدبولي بالقاهرة عام ١٩٩٦م). (المترجم)
١٠ ربما كان «مل» يشير في هذه العبارة إلى الالتماس الذي قدَّمه هو نفسه إلى مجلس العموم البريطاني في يونيو ١٨٦٦م، عندما كان نائبًا عن حي «وستمنستر» في لندن. وقد ظل طوال السنين الثلاث التي قضاها عضوًا (١٨٦٥–١٨٦٨م) في مجلس العموم يناضل في سبيل الإصلاح، ويجاهد في ضوء مبادئه، حتى انحلَّ المجلس عام ١٨٦٨م، وكان في نضاله يجاهد في سبيل توسيع الحق الدستوري للانتخابات؛ بحيث يمتد ليشمل حق النساء في الاقتراع والتصويت Suffrage. (المترجم)
١١ سيمون دي مونتفورت Simon de Montfort (١٢٠٨–١٢٦٥م) هو إيرل إف ليستر Leicester، كان رجل دولة ومقاتلًا. ترجع أصوله إلى عائلة فرنسية نبيلة في نورماندي، لكن جدته إنجليزية، ومن هنا ورث لقب «الإيرل»، وتزوج عام ١٢٣٨م، من «إليانور» شقيقة هنري الثالث. استدعى عام ١٢٥٨م الفرسان من كل صوب؛ لمواجهة حكم الملك هنري الثالث، وتكوين مجلس بارونات، قاتل الملك فيما سُمي بعد ذلك بحرب «البارونات». ولقد كوَّن ما سُمي بعد ذلك باسم «مجلس الشعب» أو «مجلس العموم»، كما أطلق عليه أيضًا اسم «البرلمان المجنون»، الذي انعقد في مدينة أكسفورد لأول مرة عام ١٢٥٨م، ثم أصبح قوةً مؤثرةً في السياسة الإنجليزية، من حقه المحافظة على تشكيل الوزارة وعزلها والتصدي للملك إذا دعت الحاجة. (المترجم)
١٢ اعتمادًا على ما نادى به القديس بولس عن ضرورة طاعة العبيد لسادتهم، وإلَّا أغضبوا الرب «أيها العبيد أطيعوا سادتكم …» (رسالته إلى أهل كولوسي، الإصحاح الثالث: ٢٢)، وعلى دعوة القديس بطرس العبيد إلى طاعة السادة في خوفٍ ورعدة «أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد، بخوفٍ ورعدة في بساطة قلوبكم كما للمسيح …» (رسالة بطرس إلى أهل أفسس، الإصحاح السادس: ٥–٧) … إلخ. (المترجم)
١٣ ولهذا كان «المَولد» في الفلسفة الوجودية المعاصرة من المواقف الحدية، التي لا تستطيع إرادة الإنسان أن تتغلَّب عليه، شأنه شأن النهاية، أعني «الموت»؛ فكما أن الإنسان لا يستطيع أن يمنع الموت، مهما تقدَّم عِلم الإنسان، فكذلك ليس في استطاعته أن يحدِّد متى يُولَد، وفي أي مجتمع، وما هو نوع الجنس الذي يتخذه حين يُولَد. (المترجم)
١٤ مبنًى حجري ضخم من عصور ما قبل التاريخ. (المترجم)
١٥ كبير الآلهة في الأساطير الرومانية، وهو يرادف زيوس Zeus كبير الآلهة في أساطير اليونان، أما جبال الأولمب، فهي مقر آلهة اليونان. (المترجم)
١٦ هذه خاصية التفكير عند رجل الشارع، وتُسمى «التعميم الخاطئ»؛ فترى رجل الشارع، أو الإنسان العادي، يُسرع في تعميم الحُكم، فيعمِّم لك القول تعميمًا واسعًا جدًّا، دون أن يستند إلَّا إلى أمثلة قليلة جدًّا، ونحن كثيرًا ما نستمع إلى أحاديث تتحدث عن «الرجل» بصفة عامة، أو عن «المرأة» عمومًا أو صفات أبناء الصعيد أو أبناء الشرقية … إلخ، وهي كلها، في الأعم الأغلب، تعميمات خاطئة. (المترجم)
١٧ يشير «مل» هنا إلى علم دراسة سلوك الحيوانات Science of Ethology، وعلاقة هذا السلوك بالموطن الذي تعيش فيه، وهو عِلم اقترحه فيلسوفنا كمشروعٍ في كتابه عن «المنطق»، لكنه مشروع لم يوضع أبدًا موضع التنفيذ. (المترجم)
١٨ المقصود الأديبة الفرنسية مدام دي ستيل Mme de Staël (١٧٦٦–١٨١٧م)، وهي ابنة وزير المالية في عهد لويس السادس عشر، والتي اشتهرت بصالونها الأدبي في باريس، الذي كان يختلف إليه نخبة من رجال الفكر والسياسة، وقد صدَّرت كتابها «الدولفين Delphine» بهذا الشعار. (المترجم)
١٩ ذكر «مل» هذه العبارة باللاتينية، وهي نص مقتبَس من كتاب فرانسيس بيكون F. Bacon (١٥٦١–١٦٢٦م) «الأورجانون الجديد Novum Organum» الذي أصدره عام ١٦٢٠م. (المترجم)
٢٠ توماس هوبسن Thomas Hobson (١٥٤٤–١٦٣١م)، رجل إنجليزي عجوز، كان يعمل سائسًا في أحد إسطبلات الخيول في مدينة كيمبريدج، وكان المبدأ الذي يسير عليه، واشتهر به فيما بعد، هو أن يطلب من كل زبون يريد حصانًا أن يأخذ أول حصان يصادفه بجوار الباب أثناء دخوله، أو لا يأخذ شيئًا على الإطلاق! ومن هنا ظهر التعبير «خيار هوبسن» للدلالة على انعدام حرية الاختيار، كما ظهر أيضًا مبدأ اختيار هوبسن، الذي يعبِّر عن الفكرة نفسها، والذي تلخصه عبارة «هذا أو لا شيء» إما أن تأخذ هذا الحصان، أو لا تأخذ شيئًا على الإطلاق، وهذه هي الفكرة التي طُبِّقت على النساء (الزواج والأمومة)، وقيل إنها رسالتها الطبيعية في الحياة، حتى صدَّقت المرأة نفسها أن هذا هو الخيار الوحيد المتاح أمامها. (المترجم)



