أبي لا يموت… هل هذه صورة الأب في الأدب؟
عمرو مجدح

أمات أبوك؟
ضلالٌ! أنا لا يموت أبي.
هكذا كتب نزار قباني يوما راثيا أباه ومنذ ثلاثة أعوام أصبحت أرددها معه في كل صباح. ثلاثة أعوام أكثر أيام العمر بردا. ثلاثة أعوام لم أستطع فيها ترجمة مشاعري بالكلمات، ربما كنتُ فيها عاجزا عن مواجهة وجعي، هاربا منه. لم يكن رحيل أبي اختباري الأول مع الموت، لكنه كان الأقسى.
نتوهم أحيانا أن الموت لن يصيب الدائرة المقرّبة منا، وأننا محصنون ضده،
رغم إيماننا بأن الموت حقّ علينا، وأنه الحقيقة الوحيدة. الذكريات، بالقدر ذاته الذي تدفئ فيه أرواحنا، توجعنا. يردّد أخي مقولة تستوقفني: إننا أيتام رغم أننا لم نعد أطفالا. فالعلاقة التي امتدت مع الأبوة لعقود، كانت مليئة بالسند والحب والضحكات، وحتى الخيبات تقاسمناها. ومن عاش كل تلك المشاعر يعرف قيمة الخسارة. بعد وفاة أبي بشهور، اكتشفت أن شقيقتي مثلي تختار أن تشاهد أفلاما ومسلسلات لا تحتوي مشاهد للموت.
كنا نخشى ملامسة جراحنا. حين زارني أبي في المنام، كان ذلك من المنامات القليلة التي شعرت بأنها حقيقية: ابتسامته، كلماته… حضنه الذي شعرت بحرارته حتى وأنا أستيقظ من النوم.
بعد قرابة العام، شاركت لأول مرة في منشور عن وفاة أبي هزني ما كتبته الكاتبة الإماراتية شهرزاد التي خسرت في تلك السنة أباها، ووجدت نفسي في كلماتها وكأنها تنطق بكل ما عجزتُ عن قوله، حين قالت:
«باردة هذه الأرض يا أبي/ من سرق سقفها؟/ كانت بالأمس دافئة/ حين كان لي أب فوقها.»
أما اسم أبي الذي لم أمسحه أو استبدله من هاتفي، على الرغم من أن شقيقي الأصغر بدأ يستخدم رقمه ويراسلني ويتصل بي واسم والدي على الشاشة
لم استغرب حين قرأت شيئا مشابها لنوارة أحمد فؤاد نجم في كتابها «أنت السبب يابا.. الفاجومي وأنا»: لم تعد الأمور كسابقتها. لقد بقيت زمنا ربما شهورا، أتصل بأبي على اعتبار أنه سيرد عليّ، ومع رد أم زينب أنتبه إلى أنه لن يرد. أما عن فكرة التخطي تقول نوارة: كنت أكتب بخط يدي «بابا مات» لاستوعب الفكرة. حتى وأنا أكتبها الآن لا استوعبها. الحقيقة أن فكرة موت أبي لم تكن مطروحة لديّ. كنت أظن أن أبي لا يموت.
لا أستطيع الغوص واستعراض مشاهد من الذاكرة. لم ينته صراعي حتى وأنا أقوم بكتابة هذه السطور واكبت سيلا من المشاعر فلم اعتد البوح قبلا. لكنني أجد كل شيء يذكرني ويعيدني ويقول لي اكتب.
لطالما اعتبرت أني ابن الأساطير، فمخيلتي ممتلئة بتلك الشخصيات التي عشت معها عمرا. في سبتمبر/ أيلول من عام 2022، رحل والدي. وأيلول حسب الأسماء السريانية المعتمدة في المشرق العربي، هو شهر الفراق والصراخ، كما تقول الأساطير، حيث كانت تقام فيه طقوس النواح والبكاء على موت الإله تموز. ربما كان ذلك محض صدفة لا أكثر، لكن منشور الممثلة سلاف فواخرجي في ذكرى والدها، الذي رحل في الشهر نفسه، فتح أمامي باب الأساطير العتيقة. وسرحت بمخيلتي وتداخلت فيها الأزمنة، فيترآى أمامي مشهد رثاء تموز، ثم تحضر صورة النساء من العصر الجاهلي، وهن ينثرن التراب على رؤوسهن ووجوههن، مع تمزيق الثياب. ولا أدري من أين جاء صوت سلاف، أم تراه صوتها وهي تحاكي شخصية الجارية والشاعرة الأندلسية اعتماد الرميكي في مسلسل «ملوك الطوائف» وتقول:
«أيلول، رحل الإله تموز، وغاب في تراب الأرض.
صرخت عشتار: وااا تموزاه، ندبته عشتار، نادته عشتار،
عاتبت سماء لمست روحه، وأرضا عانقت جسده.
وغارت منهما… وغيرة النسوة صعبة، يبست الحقول في أيلول،
وجفت الروح، وهو روح وما بعده روح»
كانت بعض الكتب تقتحم قراءتي حتى وهي لا تشبهني، أو تشبه شكل علاقتي مع والدي، فقد كان كافيا أن يدفعني عنوان «رسالة إلى الوالد» للقراءة وهو عبارة عن يوميات نشرت عام 1919 يبوح فيها الكاتب فرانس كافكا عن علاقته المعقدة مع والده، وهنا نلقي الضوء على الحضور السلبي للأب وأثره على الأبناء، يقول في رسالته:
الوالد الأعز…
سألتني ذات مرة مؤخراً: لماذا أدّعي أنني أخافك؟ وكالعادة لم أكن أملك القدرة على التفكير بأن أجيب عن سؤالك: فمن جهة؛ بسبب هذا الخوف نفسه الذي أستشعره أمامك، ومن جهة أخرى؛ لأن تفسير هذا الخوف يتطلب تفاصيل أكثر مما أستطيع أن أجمعه تقريباً من خلفيات مخزنة لهذا الخوف عند الكلام. وعندما أحاول الآن أن أجيبك كتابة، فلن يكون الأمر تاماً كما ينبغي، ذلك لأن الخوف وعواقبه يعيقني إزاءك في الكتابة أيضاً، ولأن حجم الموضوع يتعدى قدرة ذاكرتي وعقلي على الاستنتاج.
وفي مكان آخر نكتشف كيف أن والده والألم النفسي الذي سببه لابنه كان أحد أسباب اتجاهه للكتابة يقول: كانت كتاباتي تدور حولك والحق كنت أشكو فيها ما كنت لا أستطيع أن أشكوه على صدرك.
هناك مقولة شهيرة متداولة تقول: «ليت الآباء لا يشيبون ولا يمرضون ولا يحزنون ولا يرحلون.» ينسبها الكثيرون لغابرييل غارسيا ماركيز، ولم أستطع التأكد من صحتها. إلا أن هذا التمني يشبهني كثيرا. في هذه المرحلة، بدأتُ ألاحظ أكثر ما يتعلق بالآباء في الأدب. وعلى الرغم من وجود بعض القصائد والنصوص وحتى الروايات المستلهمة منهم، لا أعلم لماذا يظل حضور الأب في الأدب خجولا قياسا بالأم ومحصور في قالب السلطة. يقول الكاتب الشاب «علي عمار محمد» الحاصل على جائزة الشارقة للإبداع العربي لمرتين عامي 2022 – 2024 لـ»القدس العربي»:
لا أعتقد أن الأب غائب في الأدب، بل موجود، ولكن: كيف يبدو وجوده؟
في الغالب، يظهر الأب في الأدب بشخصيةٍ تضعه موضع القوة، أو السيطرة، أو التبلد أو الرجعية إلخ، وهذا انعكاس للرؤية الحادة تجاه منظومة الأبوّة بمختلف المجتمعات، فالأب عموما لا يُنظر إليه «كما الأم» على أنه كتلة من المشاعر تكون مادة خام للدخول في تفاصيلها الإنسانية المعقدة والخروج بنص يحمل فيضا من الأحاسيس البشرية التي تحملها فكرة الأمومة بحد ذاتها. قلّما نرى أماً شريرة في الأعمال الأدبية، وكثيرا نرى الأب مصدر تهديد أو «فكرة» على أحدهم تجاوزها أو الخروج من حدودها في سياقٍ تحرري يشبّهه بالقيد. وعن محاولة فهم الأب يتابع الكاتب الشاب حديثه قائلا: الأب، بنظري، كما الأم، يحمل في شخصيته تفاصيل قد لا تنتهي، في ما لو تمكن أحدنا من فهم أبيه ومعرفة (لماذا فعل هكذا؟ ما الذي دفعه لخيانة الأم، الهرب، أو ممارسة القسوة؟) وغيرها من الأسئلة التي تحاول تفكيك شخصية الأب، التي تحتاج إلى فهم ودراسة عميقين، لا من جهة الكتّاب وحسب، بل من جهة الأبناء أيضا، فعلى الابن أن يسأل نفسه: لماذا لا أحاول فهم أبي؟
أما تجربته أثناء كتابة نص مسرحي وتعامله مع شخصية الأم والأب يقول علي عمار: تناولت شخصية الأم على أنها الأم الطيبة، وشعرت بأن النص لا يكتمل.. ثمة ما ينقصه، وبعد عناء اكتشفت الحل: لا يمكن للأم هنا أن تبدو طيبة، بل شريرة وحقيرة. بعد ذلك، تطور النص واكتمل، وصار الأب – رغم بشاعة ما يفعله – ضحية لنفسه أولا.. وللعالم كله ثانيا.
ومن الروايات التي لا ينسى فيها الكاتب الشاب شخصية الأب، رواية «السقطة» لألبير كامو، ورواية «الرجع البعيد» لفؤاد التكرلي، يقول: لم يصور كلا الكاتبين الأب على أنهم آباء جيدون أو سيئون، بل استعرضوهما كما هما.. وأعطيا للقارئ مهمة التفكير في عمق وأسى هذا التناول الذي يخلق شعورا بأن الآباء يعيشون الصخب بصمت بالغ، ويجلسون في العتمة بينما الضوء يخرج من مكان ما حولهما.
أعتقد أنه على الأدب أن يعيد النظر في الزاوية التي يرى الأب فيها، ويشكّل مفهومه بناء على محاولة تفسير حقيقية لكل الأسئلة الممكنة حول هذه الشخصية المهمة والعميقة.
كاتب عٌماني






