القصة القصيرة

مفتاح أخير الى الضوء – ابراهيم سليمان نادر

12

 


 

همسة حب اخيرة

أريدك

خمرة في الليل اشربها

فتسكرني

أريدك رعشة

في الحزن والفرح

أريدك نصف قاتلة

ونصف طبيبة

لم يبق امامي غير منفذ أخير ، مفتاح شقتها الذي احتفظت به منذ العام الماضي .

مع اول جسة بنان ، واخر همسة حب ، مازلت أتذكر انها (هي) التي نطقت بها .

حين ولجت في شقتها ، فوجئت بالفراغ يدور حولي . لا تلفاز ولا فراش ، لا ستائر ولا ثياب ولا عطور باستثناء مقعد هزاز تركته قبالة نافذة تطل على فضاء ( النيل ) .

صالة فارغة ، خالية تماما ، لا شهيق ولا زفير ، عش مهجور بلا رائحة او حياة .

 انسان كان هنا ، لكنه الان بلا ظل ، رف فجاة الى افق بعيد مشوه
الملامح ، الا من قصاصة ورق لفتت عيني تقول فيها : ( كنت واثقة انك
ستاتي ، وتندم ايضا . انغام الساعة التي كنت تطرب عليها أعلمتني ، حتى عصفور الكناري الذي يزيد من سقسقته كلما اقبلت اليه لتطعمه ، اخبرني هو ايضا .

لن اكون بلهاء بعدم اليوم ، ولن اصدق رجلا يشبهك في الحب . سابقى لنفسي ، ادخن سيجارتي بهدوء ، وارشف قهوتي بعيدة عنك حتى انتهي .

هل رأيت يوما يا سمينة مثلي تنفث العطر بوجهك حين تدخن ) ؟

في اسفل الورقة قرأت سطرا كتب بقلم الكحل

( الحياة ليست سيئة الى هذا الحد ) .

اشعلت سيجارة وخرجت من الشقة . مزقت قصاصة الورق وانا افكر . لم افهم المعنى من ذلك كله .

اين رحلت هذه المجنونة ، ترى هل صدقت ما قلته لها ؟ .

تبا لي ، لقد كنت قاسيا معها ، وتجاوزت الحد ، فلم تحتمل عبثي الغبي ، ففرت وحيدة الى المجهول .

في الطريق الى المقهى ، رأيت بقايا كحل تلطخت به اصابعي ، ودون وعي مني دخلت الى اول دورة مياه ، ورحت افرك اصابعي تحت صنبور الماء .

كان سواد الكحل يتسرب من بين اصابعي بغزارة ادهشتني . اصطبغت كفي ووجهي ، ثم ملابسي وقدماي حتى تخيلني الناس غرابا يبحث عن خرابة ينعق فيها .

تخليت حينها احداق الناس تنصب على هيئتي الغريبة وكأنني اقترفت جرما شنيعا .

كان البعض منهم يضحك ويغص في الضحك حتى يسقط على الارض ، والاخر يؤشر نحوي ويهتف ( مهرج ، مجنون ، ساحر ) .

يمضي الوقت ببطء ممل ، وانا لا اتذكر سوى امراة واحدة يحوم ظلها حولي ويبتسم لي من بعيد .

السعادة لي اولا ، ثم بعدها الجنون . لا شان لي بالدنيا وما فيها ، هكذا يقول مشايخ فن (الحب) في ( تكياتهم ) الرطبة وبعد حلقات الذكر ، ان سهام
( كيوبيد ) تصنع الرعب اللذيذ في البداية ، ثم تلهب العواطف وتؤجج الشفاه ،

 فتحلو عندئذ الكلمات ويسمو التعبير رحلت افكر مع نفسي وبلا قيود تعصمني عنها .

احيانا يكون البرد هنا لذيذا على ( كوبري قصر النيل ) وبخاصة بعد الثامنة صباحا .  

جاءتني فكرة خاطفة ان امضي اليها الان ، ولكن الى اين ؟..

فانا ادري ان هذا النوع من النساء ، يفكر في قتل نفسه ، ولكن دون ان يفصل ذلك طبعا ، لكنني قبل ان اطرق بابها رايت ان الوقت ما يزال مبكرا ، فقفلت عائدا لنقطة البداية التي انطلقت منها .

قرات مرة في صحف الصباح ان حبوب النوم ليست سوى رحلة مؤقتة لنوم عميق ، وقد يكون بلا نهاية ، وهذا يعني ان حبيبتي ربما ستنام على حلم عميق وجميل ، ولكن هل تكفي حبوب النوم لحلم عميق كهذا ؟ .

تركت مخيلتي الى مقهى شعبي في ( سوق التوفيقية ) وطلبت ( معسل زغلول ) بالفراولة .

رحب بي كثيرا صاحب المقهى البدين وقدم لي التبغ المحبب الذي اعتدت عليه .

كنت انفث الدخان بحسرة والم ، وادعو الله ان تبقى على قيد الحياة ، مرددا مع نفسي ( لا اريد ان اكون سببا في موت انسان غال ومحبب الى نفسي ) .

اجال صاحب المقهى باصرته ، متفحصا شحوب سحنتي وايقن اني امر في محنة ، فاقترب مني وراح يسالني بكثير من الشهامة واللطف ان كنت محتاجا الى مال او عون ، احسست وقتها ان العالم صغير جدا ، وثمة عين تريد ان ترى كل شيء قبل ان اعرف انا حقيقة ما يجري حولي .

في حينها ظننت ان صاحب المقهى قد عرف حقيقة امري ، وانه اصبح اول شاهد اثبات على قضية لا يدري بها احد غيري .

نهاية مزعجة ومقيتة ان يراقبني الاخرون في كل شبر اخطو فيه .

اخيرا ، هذا الجسر يوحي لي بكثير من الامان وراحة البال ، اشم فيه نسمة طرية تاتي من زمن قديم انقى منه هو . قوارب صغيرة عائمة ، واخرى راسية عند الضفاف ، لها وقع جميل وغصة في القلب ، انها تذكرني بها وبملامها وبالصورة الوحيدة التي التقطناها عليه في العام الماضي .

كنت قد احتفظت بها ، لكنني خبأتها في مكان ما ، لم اعد اتذكر اين
اخفيتها .

كم يتشابه حال الامس باليوم ، لا فرق بينهما غير شكل الضياع او الفقدان .

بالامس كانت صورة جميلة ، زاهية الالوان والمعاني ، واليوم هي وجع يحز في النفس . صحيح ان الحياة لعبة غريبة ، واللاعب الماهر فيها هو الذي يختار الموت ينتهي بسرعة .

هل كنت اخدع نفسي ، ام كنت اخدعها ؟ .

الان تتحرر نفسي من عزلتها ، وتتفتق جعبتي عن بصيص يتالف ويكشف ما يجري وماذا علي ان افعل ، فلا شيء يربطني بها غير هذا ( الحب ) المتجلي في انسان المفتاح المخبأ في جيبي .

هنا رايت نفسي ابكي لاول مرة بكاء لم ابكه ابدا على امراة احببتها من
قبل .

في هذه المدينة المجنونة ، انا مجرد انسان جاء من اقصى البقاع ، لا يعرفه احد هنا سوى صاحب المقهى المنتفخ ومدير الفندق ، لكني اجزم الان ان اذهب الى شقتها ، وامحو كل بصماتي عليها ، تماما كما يجري في الافلام ، ثم اقفل الباب واسدل الستارة واهتف من الاعماق ( وداعا ايها النيل العذب ) على ما جرى مني من حب ولهو واثام وتمرد .

قد يعذبني هذا البعد ، ويذبحني الشوق والحزن ليلة واحدة او ربما شهرا او عام ، وهذا عقاب معقول ، الا انني سانسى في النهاية نفسي وستلتهمني افواه الاحداث ، وربما اغطس في يم النسيان الى الابد ، فتضيع الحقيقة واصبح مع الخالدين على مشنقة الحب .

في الخامسة من بعد ظهر اليوم التالي ، طرقت الباب بخفة وهدوء انتظرت قليلا . لم يرد احد عدت مرة اخرى اطرق الباب وبشيء من القوة .

اصابني شيء من الجزع والحزن ، فارتجفت .

لا ادري ، قشعريرة برد كانت ، ام تأنيب ضمير ؟.

صرت اطرق الباب بقوة ثور هائج .

لا صوت ، ولا انفاس في الداخل .

لا ادري كيف انسل كفي في الجيب ، واخرج المفتاح الوحيد لدي .

فتحت الباب وولجت الى الرواق .

كانت جالسة قبالة النافذة ، وكانت تجهش بالبكاء ، والنيل ينساب امامها بصمت كعادته.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading