مفتاح أخير الى الضوء – ابراهيم سليمان نادر

همسة حب اخيرة
أريدك
خمرة في الليل اشربها
فتسكرني
أريدك رعشة
في الحزن والفرح
أريدك نصف قاتلة
ونصف طبيبة
لم يبق امامي غير منفذ أخير ، مفتاح شقتها الذي احتفظت به منذ العام الماضي .
مع اول جسة بنان ، واخر همسة حب ، مازلت أتذكر انها (هي) التي نطقت بها .
حين ولجت في شقتها ، فوجئت بالفراغ يدور حولي . لا تلفاز ولا فراش ، لا ستائر ولا ثياب ولا عطور باستثناء مقعد هزاز تركته قبالة نافذة تطل على فضاء ( النيل ) .
صالة فارغة ، خالية تماما ، لا شهيق ولا زفير ، عش مهجور بلا رائحة او حياة .
انسان كان هنا ، لكنه الان بلا ظل ، رف فجاة الى افق بعيد مشوه
الملامح ، الا من قصاصة ورق لفتت عيني تقول فيها : ( كنت واثقة انك
ستاتي ، وتندم ايضا . انغام الساعة التي كنت تطرب عليها أعلمتني ، حتى عصفور الكناري الذي يزيد من سقسقته كلما اقبلت اليه لتطعمه ، اخبرني هو ايضا .
لن اكون بلهاء بعدم اليوم ، ولن اصدق رجلا يشبهك في الحب . سابقى لنفسي ، ادخن سيجارتي بهدوء ، وارشف قهوتي بعيدة عنك حتى انتهي .
هل رأيت يوما يا سمينة مثلي تنفث العطر بوجهك حين تدخن ) ؟
في اسفل الورقة قرأت سطرا كتب بقلم الكحل
( الحياة ليست سيئة الى هذا الحد ) .
اشعلت سيجارة وخرجت من الشقة . مزقت قصاصة الورق وانا افكر . لم افهم المعنى من ذلك كله .
اين رحلت هذه المجنونة ، ترى هل صدقت ما قلته لها ؟ .
تبا لي ، لقد كنت قاسيا معها ، وتجاوزت الحد ، فلم تحتمل عبثي الغبي ، ففرت وحيدة الى المجهول .
في الطريق الى المقهى ، رأيت بقايا كحل تلطخت به اصابعي ، ودون وعي مني دخلت الى اول دورة مياه ، ورحت افرك اصابعي تحت صنبور الماء .
كان سواد الكحل يتسرب من بين اصابعي بغزارة ادهشتني . اصطبغت كفي ووجهي ، ثم ملابسي وقدماي حتى تخيلني الناس غرابا يبحث عن خرابة ينعق فيها .
تخليت حينها احداق الناس تنصب على هيئتي الغريبة وكأنني اقترفت جرما شنيعا .
كان البعض منهم يضحك ويغص في الضحك حتى يسقط على الارض ، والاخر يؤشر نحوي ويهتف ( مهرج ، مجنون ، ساحر ) .
يمضي الوقت ببطء ممل ، وانا لا اتذكر سوى امراة واحدة يحوم ظلها حولي ويبتسم لي من بعيد .
السعادة لي اولا ، ثم بعدها الجنون . لا شان لي بالدنيا وما فيها ، هكذا يقول مشايخ فن (الحب) في ( تكياتهم ) الرطبة وبعد حلقات الذكر ، ان سهام
( كيوبيد ) تصنع الرعب اللذيذ في البداية ، ثم تلهب العواطف وتؤجج الشفاه ،
فتحلو عندئذ الكلمات ويسمو التعبير رحلت افكر مع نفسي وبلا قيود تعصمني عنها .
احيانا يكون البرد هنا لذيذا على ( كوبري قصر النيل ) وبخاصة بعد الثامنة صباحا .
جاءتني فكرة خاطفة ان امضي اليها الان ، ولكن الى اين ؟..
فانا ادري ان هذا النوع من النساء ، يفكر في قتل نفسه ، ولكن دون ان يفصل ذلك طبعا ، لكنني قبل ان اطرق بابها رايت ان الوقت ما يزال مبكرا ، فقفلت عائدا لنقطة البداية التي انطلقت منها .
قرات مرة في صحف الصباح ان حبوب النوم ليست سوى رحلة مؤقتة لنوم عميق ، وقد يكون بلا نهاية ، وهذا يعني ان حبيبتي ربما ستنام على حلم عميق وجميل ، ولكن هل تكفي حبوب النوم لحلم عميق كهذا ؟ .
تركت مخيلتي الى مقهى شعبي في ( سوق التوفيقية ) وطلبت ( معسل زغلول ) بالفراولة .
رحب بي كثيرا صاحب المقهى البدين وقدم لي التبغ المحبب الذي اعتدت عليه .
كنت انفث الدخان بحسرة والم ، وادعو الله ان تبقى على قيد الحياة ، مرددا مع نفسي ( لا اريد ان اكون سببا في موت انسان غال ومحبب الى نفسي ) .
اجال صاحب المقهى باصرته ، متفحصا شحوب سحنتي وايقن اني امر في محنة ، فاقترب مني وراح يسالني بكثير من الشهامة واللطف ان كنت محتاجا الى مال او عون ، احسست وقتها ان العالم صغير جدا ، وثمة عين تريد ان ترى كل شيء قبل ان اعرف انا حقيقة ما يجري حولي .
في حينها ظننت ان صاحب المقهى قد عرف حقيقة امري ، وانه اصبح اول شاهد اثبات على قضية لا يدري بها احد غيري .
نهاية مزعجة ومقيتة ان يراقبني الاخرون في كل شبر اخطو فيه .
اخيرا ، هذا الجسر يوحي لي بكثير من الامان وراحة البال ، اشم فيه نسمة طرية تاتي من زمن قديم انقى منه هو . قوارب صغيرة عائمة ، واخرى راسية عند الضفاف ، لها وقع جميل وغصة في القلب ، انها تذكرني بها وبملامها وبالصورة الوحيدة التي التقطناها عليه في العام الماضي .
كنت قد احتفظت بها ، لكنني خبأتها في مكان ما ، لم اعد اتذكر اين
اخفيتها .
كم يتشابه حال الامس باليوم ، لا فرق بينهما غير شكل الضياع او الفقدان .
بالامس كانت صورة جميلة ، زاهية الالوان والمعاني ، واليوم هي وجع يحز في النفس . صحيح ان الحياة لعبة غريبة ، واللاعب الماهر فيها هو الذي يختار الموت ينتهي بسرعة .
هل كنت اخدع نفسي ، ام كنت اخدعها ؟ .
الان تتحرر نفسي من عزلتها ، وتتفتق جعبتي عن بصيص يتالف ويكشف ما يجري وماذا علي ان افعل ، فلا شيء يربطني بها غير هذا ( الحب ) المتجلي في انسان المفتاح المخبأ في جيبي .
هنا رايت نفسي ابكي لاول مرة بكاء لم ابكه ابدا على امراة احببتها من
قبل .
في هذه المدينة المجنونة ، انا مجرد انسان جاء من اقصى البقاع ، لا يعرفه احد هنا سوى صاحب المقهى المنتفخ ومدير الفندق ، لكني اجزم الان ان اذهب الى شقتها ، وامحو كل بصماتي عليها ، تماما كما يجري في الافلام ، ثم اقفل الباب واسدل الستارة واهتف من الاعماق ( وداعا ايها النيل العذب ) على ما جرى مني من حب ولهو واثام وتمرد .
قد يعذبني هذا البعد ، ويذبحني الشوق والحزن ليلة واحدة او ربما شهرا او عام ، وهذا عقاب معقول ، الا انني سانسى في النهاية نفسي وستلتهمني افواه الاحداث ، وربما اغطس في يم النسيان الى الابد ، فتضيع الحقيقة واصبح مع الخالدين على مشنقة الحب .
في الخامسة من بعد ظهر اليوم التالي ، طرقت الباب بخفة وهدوء انتظرت قليلا . لم يرد احد عدت مرة اخرى اطرق الباب وبشيء من القوة .
اصابني شيء من الجزع والحزن ، فارتجفت .
لا ادري ، قشعريرة برد كانت ، ام تأنيب ضمير ؟.
صرت اطرق الباب بقوة ثور هائج .
لا صوت ، ولا انفاس في الداخل .
لا ادري كيف انسل كفي في الجيب ، واخرج المفتاح الوحيد لدي .
فتحت الباب وولجت الى الرواق .
كانت جالسة قبالة النافذة ، وكانت تجهش بالبكاء ، والنيل ينساب امامها بصمت كعادته.





