سينما ومسرح

(المُلّا ) . . تحديات التابو الديني – عدنان حسين أحمد – لندن

لا يمكن مُشاهدة الفيلم الروائي القصير (المُلّا) للمخرج بهاء الكاظمي في إطاره الواقعي المكشوف للجميع وإنما يجب رؤيته في إطاره المجازي وتفحّص دلالاته الرمزية العميقة. فالسينارست هاني القريشي والمخرج بهاء الكاظمي يسعيان لكشف المستور، وخرق المحرّم، وانتهاك المسكوت عنه، وملامسة الموضوعات اللا مُفكّر فيها وخاصة سلوكية الشخصيات التي تُتاجر بالدين وتتخذ منه وسيلة للارتزاق غير المشروع في كثير من الأحيان. كما تحاول هذه الشخصيات التي تتخذ من الدين ستارًا أن تحافظ على سلطتها ومكانتها الاجتماعية التي توفّر لها عامل السيطرة على الناس والتأثير على طريقة تفكيرهم التي تُفضي في خاتمة المطاف إلى الانقياد التام والطاعة العمياء.

لم يختر السينارست والمخرج طفلًا عاديًا مثل بقية الأطفال وإنما وقع اختيارهما على طفل يعاني من التلعثم في الكلام، ومطّ الحروف والكلمات، وعدم سلامة النطق الأمر الذي يُثير سخرية الأطفال الآخرين الذين يضحكون بأصوات خافتة لكنها تصل إلى أُذنية فيشعر بالغضب والاستياء من أقرانه ولكنه لا يستطيع النأي عنهم والابتعاد عن مداراتهم رغم عنائه من إعاقته اللغوية التي تسبّب له المضايقة والإحراج.

تندرج شخصية الطفل (حُميّد) في إطار الشخصيات المستديرة والمُعقدة، إن شئتم. فعلى الرغم من إعاقته اللغوية وانتمائه إلى أسرة بسيطة متواضعة إلّا أنه العنصر الوحيد الذي يحتجّ، في حقيقة الأمر، ليس على السلطة الدينية فقط وإنما يتعداها إلى السلطتين الاجتماعية والسياسية. وهنا تكمن أهمية الفيلم وثيمته المطواعة التي تستهدف الشخصيات الدينية المُزيّفة ولا تتردد في مواجهة الجوانب الاجتماعية والسياسية. وهذا شرف كبير أن يتصدى فيلم روائي قصير لا تتجاوز مدته الخمس عشرة دقيقة لرُكنين من أركان الثالوث المحرّم وهما الدين والسياسة، أو سلوك رجال الدين الباحثين عن همومهم وملذاتهم الشخصية. فصاحب هذا الصوت الممطوط والمتلعثم يريد أن يكون (صاحب أعلى صوت في القرية) بعد أن يتمكن من إزاحة الإمام الذي يعاقب الصغار والكبار ويأكل أفضل ما لديهم من طعام شهي، ويستولي على نسبة غير ضئيلة من أموالهم التي جمعوها بكدّ اليمين وعرق الجبين.

الغريب أنّ غالبية الأطفال لا يُجيدون قراءة سورة (الفاتحة) باستثناء الطفل المُعاق الأمر الذي يدفعه إلى التذمّر والاحتجاج على إمام الجامع الذي لا يمنحه فرصة قراءة سورة (الفاتحة) أو غيرها من السور القرآنية فيخبره بأنه لن يأتي إلى هذا الجامع مُطلقًا وأنه لا يعتبر هذا الإمام شيخًا جديرًا بإدارة هذا المنبر الديني الصغير الذي يتواجد في قرية نائية الأمر الذي يُثير دهشة الشيخ وذهوله.

لن تمرّ هذه الإساءة من دون عقاب صارم حيث يُشبعه الشيخ ضربًا مُبرحًا على باطن قدميه بعد أن يدسّهما بالفلقة لأنه لم يحترم المعلم، ودرس الدين، ومنزلة الشيخ الاجتماعية التي لا يستطيع أحد المساس بها. وعلى الرغم من استياء الأم من هذه العقوبة المُجحفة بحق ابنها إلّا أنّ الأب يصطف إلى جانب الشيخ ويتوعد ابنه بعقوبة أشدّ إن كرّر خطأه الجسيم مع شخص مهم مثل الشيخ فهم أسرة فقيرة لا تناطح الشخصيات الكبيرة التي تهيمن على القرية برمتها.

يتجاسر الطفل ويقول بأنّ جميع الطلاب لا يعرفون قراءة القرآن ومع ذلك فالشيخ يدعهم يقرأون، بل ويذهب أبعد من ذلك حينما يقول بضرس قاطع بأنّ الشيخ نفسه لا يُحسن القراءة! يتعمّق الخلاف بين الشيخ وتلميذه الذي أصبحَ ندًا له فيمنعه من دخول الجامع فيأتي الردّ المُقنع بصيغة استفهامية: (هو هذا بيت الشيخ لو بيت الله؟) ثم يهدد علنًا بأنه سيُفرغ الجامع من مرتاديه مُستفيدًا من الديك الذي يستعمله في مسابقات (صراع الديكة) التي تجذب الأطفال وتثير في أنفسهم فكرة الانتصار ونشوتها وربما تذهب تصوراتهم أبعد من ذلك ولعل الأطفال أيضًا يسقطونها على الجوانب والمدلولات الاجتماعية والسياسية.

ينجح (حميّد) في استدراج غالبية الأطفال إلى جامعة الخاص إن صحّ التعبير ولم يبقَ لدى الشيخ سوى ثلاثة أطفال سرعان ما يستغني عنهم بعد أن يُرسل أحدهم لتبليغ والد (حميّد) بالحضور قبل صلاة المغرب. لا يأخذ عتاب الشيخ وقتًا طويلًا حيث يعتذر والد (حميّد) ويَعِده بعدم تكرار هذا الخطأ الكبير ويلبّي رغبة الشيخ بالتخلص من الديك الذي يمثّل عنصر الإغراء لأطفال القرية الذين يجدون فيه ضالتهم المنشودة.

يبحث (حميّد) عن الديك في كل مكان من البيت فلم يجده ومع ذلك يأتي إلى الجامع كشخص منتصر يرتدي زي رجل الدين المنافس للشيخ على هذا المنصب الكبير، ولعله أكبر منصب في القرية برمتها. وما إن يتقمص دور الشيخ حتى يسأل الطلاب إن كانوا قد جلبوا مصاحفهم فيأتي ردّهم بالإيجاب لكنّ أحدهم يسأل عن الديك فيوبِّخه الشيخ الصغير ويأمر الجميع بألّا يتحدثوا من تلقاء أنفسهم ما لم يُوّجه إليهم سؤالًا مُحددًا يردّون عليه. لم يقتنع الأطفال بكلام (حميّد) فهم يريدون الديك قبل كل شيء ولعل سبب حضورهم إلى درس (حميّد) هو الديك نفسه وليس قراءة السور القرآنية التي لم يحفظوها عن ظهر قلب ويتلكؤون في قراءتها كثيرًا الأمر الذي يُشعِره بالإنكسار ويدفعه إلى العودة لمنزله. وقبل أن يدخل عتبة الباب يرى نعال الشيخ. وما إن يطأ أرضية الغرفة حتى يرى الشيخ مدعوًا لوجبة غداء دسمة فيطلب منه والده أن يقبّل يد الشيخ فينحني لكنه يلتقط بيديه الديك المشوي ويهرب خارج الغرفة وسط شتائم أبيه ولعناته الذي شعر بإحراج لا حدود له.

لقد نجح هذا الطفل الصغير في رهانه وانتصر على الشيخ الكبير إيّما انتصار. فلقد أزاحه من مركزه الروحي والاجتماعي في آنٍ معًا وحلّ محله. وعلى الرغم من أنّ الأطفال قد اجتمعوا حول الديك المشوي وشرعوا بأكله في إشارة واضحة إلى حرمان الشيخ من هذه الوجبة الدسمة وخسارته لمركزه الديني إلّا أنّ (حميدًا) يبدأ بالآذان ويسمع صوت صياح الديك فيواصل مهمتهُ الجديدة بحماس وشغف كبيرين.

لعب الفنان محمود أبو العبّاس دور (الشيخ) وتألق فيه. كما جسّد الطفل قاسم كاظم دور الطفل (حميّد) وأتقنهُ بعد التدريب الذي خضع له لمدة سبعة أشهر مع قرابة ثلاثين طفلًا على الأدوار التي أُسندت إليهم وكانوا مُقنعين إلى حدٍ ما في تأثيث الفضاءين والسردي والبصري.

جدير ذكره أنّ فيلم (المُلا) قد فاز بجائزة أفضل فيلم عربي روائي قصير في الدورة الثانية عشرة لمهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب 2025. أنجز الكاظمي عددًا من الأفلام الروائية والوثائقية من بينها (هنا يرقد المطر)، (النوخذة)، (جاري الإتصال)، (بندقية الشرق) و (زوج احتياط).

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading