(سكان الفيس بوك) – ا.د احمد جار الله

لم يكذب علينا احد في
السنوات الأخيرة بقدر ماكذب علينا الفيس بوك ..
الذي صنع للانسان حياة
أخرى مزيفة اكثر من كونها حقيقية ..
حياة تكتظ بشهادات لابداع
لاوجود له ..,وبأنوار ( منورين ) لأناس يصنعون الظلام اينما كانوا
ولابتسامات لاتدوم الا
للحظات لاتزيد عن وقت التقاط الصورة لنشرها سريعا وتمثيل دور الإنسان السعيد أمام سكان
الفيس بوك …..ومابعدها أو ماقبلها من ايام
وليال تختزن الوجوه تعبا واسعا وحزنا سريا من بقايا الخصوصيات الإنسانية التي جعلها الفيس
بوك عامة …
اخترع لنا صداقات تصل
الى الآلاف مما يستحيل معه التواصل الحقيقي المستمر كما تفترض اواصر الصداقة العادية
في الماضي ..لكنه اقنع كل واحد منا أن له من الأصدقاء – حقا – الآلاف ..ممن يمكنه أن
يضطهدهم برسائل مصصمة وجاهزة لكنها باهتة بلا لون ولا طعم ..ويمكن لهم أيضا أن يضطهدوه
بالطريقة نفسها في سياق من العبث الذي لاينتهي …
صنع الفيس بوك لنا ايمانا انيقا بتصميم الكتروني
وبطاقات جامدة لمقولات دينية لا يتجاوز
اثره ( الإيمان ) البطاقات التي نتبادلها في أيام محددة بل نفرضها قسرا على الاخرين في اسوأ فضول وتدخل في شؤون الآخرين شهدته البشرية
…وماعداها – تلك البطاقات – كثير منا لايتجاوز ايمانه عرض سجادته التي صنعتها له
الصين الشيوعية الملحدة … وهي تراقب بالأقمار
الصناعية مزابلنا التي تحيط غالبا دور العبادة أو المدارس عندنا …
حتى الصور التي نختارها
في قصصنا قد تكون مزيفة ..لان جموع الاصدقاء الذين يشاركوننا بوعينا الباطني الذي أخذ
يحتله الفيس بوك هم من اختارها …
أنهم يتحكمون بنا دون
ان ندري ..يريدون لنا السعادة فنضع صورة جميلة ..ويريدون لنا أن نظهر حزانى فنضع صورة
رمادية ..ليس لنشعر بالتطهير الأرسطي وإنما لنشعر بلذة التعري النفسي مثل راقصة في
ملهى .. تنتظر التصفيق باسمة فتنسى تعاستها
..
يريدون أن نبوح لهم بمانشعر
به فيستدرجوننا باختيار أغنية ما ..تزيل لذة
الغموض الذي كان يمنحنا شيئا من السحر عندما
كانت أغانينا المفضلة حبيسة دندنتنا وحيدين منفردين تحت شجرة .. أو مع حبيبة أو قلة
من الأصدقاء …
تختار أغنية
او مقولة أو لوحة
او موسيقى ..
وكلها ليست (انت
) تماما ..
وانما فيها شيء كثير من
(هو )..
او (هم ) واعني سكان الفيس
بوك ..الذين باتوا يتحكمون بنا يجلسون معنا يأكلون ويشربون ويرافقوننا في العمل والبيت
وعندما نريد النوم ..يستلبونه منا ..ليمنحوا وجوهنا أرقا طويلا .. لأننا نخشى زعلهم
وجدلهم وتلصصهم وفضولهم والاختلاف معهم …حى باتت جيوبنا مثقلة ليس بهذا الجهاز (
الموبايل ) وانما بسكانه …
لقد حولنا جدار الفيس
بوك إلى عمود للإشارات الضوئية تتراكم عليه لافتات النعي السود أو لافتات الشعارات
…والتهاني على أصغر المناسبات ..
وجعلنا منه ساحة حرب وشتم
يومي مع من يختلف معنا فكريا أو عشائريا أو ذوقيا أو سياسيا ، حتى كاد يكون النسخة
الألكترونية من داحس والغبراء ..بينما من بعيد تضحك علينا الناقة التي نرفض التخلي
عنها …
صحيح أنه وسيلة للتواصل
الاجتماعي ..لكنه عندنا بات وسيلة للتقاطع باشكاله كافة …ليس التقاطع بالكلمات والأفكار
والورد ..وإنما بالرصاص والسكاكين والأشواك ..
كلنا فعلنا واحدة من تلك
الأمور أو أكثر
وأنا أولكم .. ولست بريئا
من التهم السابقة كلها بوصفي ايضا من سكان الفيس بوك في عمارته الزرقاء ..لكن في الأقل أظن أنني كنت
أحاول أن أكون جارا طيبا ونافعا ومسالما ومرِحا بلا ناقة داحس …ولا غبرائها ..
نجحت أحيانا في ذلك
..وفشلت في أحيان كثيرة أخرى …
لكنني لم أفشل في الرغبة
بالمحاولة مجددا …



