طفل الخرافة – ابراهيم سليمان نادر

راية شمسي ابدا تلمع
والظلام هو…. هو
يشرب ضوئي
كله ولا يشبع
طفل الخرافة
تلك هي الحكاية ، كما جرت ، بدءً من اول مشهد لها لاخر فصل فيها حتى سدول الستارة ويتسربل المسرح بعتمته الحدث ويذهب كل لحاله .
لم يروها شيخ او تقصها لي عجوز يتفتق الخريف في سحنتها التي حمصتها شمس الحصاد .
شخوص هذه الحكاية اراها تتوثب هنا وهناك كلما خرجت ذاكرتي عن عزلتها حتى يخيل لي انها حدثت اليوم او بالامس .
هاهي امامي مرة اخرى ، تستعرض نفسها بذات السرابيل التي اقتنصتها عيناي وخزنتها جمجمتي وانا طفل في العاشرة حين رافقت ابي في رحلة الى قرية بعيدة عن ضفاف ( دجلة ) وكنت يومها ابصر سفوح ( مكحول ) لاول
مرة .
كان الربيع وقتها يلفظ انفاسه في اخر نزع له ، ومن بعيد نتف من الخضرة المتفرقة ما زالت تتابط بعض ثنايات الاديم ، واسراب من الارانب والقطا والدراج والقبرات تفر من الغدران التي جفت ، وتنحدر نحو ضفاف النهر البعيدة .
قصدنا حال وصولنا القرية دار صاحب ( الجرار ) الذي كنا نبغي شراؤه .
رحب بنا الرجل مالك ( الجرار ) واصر على المبيت عنده ، وقبيل صلاة العصر ذهبنا لمعاينة الجرار ذي المواصفات العديدة والقدرات العظيمة .
كان الجرار جميلا ، احمر زاهي اللون ، اقتنع ابي به فاشتراه على الفور ، ذهبنا بعدها الى مسجد القرية ، وبعد قضاء الصلاة ، تجولنا في دروب القرية وسوقها الوحيد ، وفي وسط السوق تحلّق الناس حول رجل مجذوب قصد القرية غفلة .
كان المجذوب مشهورا لدى اهالي القرى ، يزورهم في اوقات بعيدة ، قد تطول الى الثلاث او الخمس سنوات ، وكان يدور على الجميع ، يوزع بركاته وتعاويذه التي يصنعها باشكال ملونة وعجيبة .
رايت الرجل عن قرب فهالني مظهره وضخامة حجمه وغزارة شاربيه ولحيته .
لم يركب قطارا في حياته او سيارة ، هكذا هم يقولون .
كان يقطع المسافات الطويلة على قدميه ، حتى وان ادركه الليل ، لايهاب الظلام ولا الوحوش الضارية ، عنيدا ثابت الجنان .
اضطرب الناس حوله ، والتصق البعض به ، كأنهم قطيع عاد لتوه من المراعي ، يرفعون روؤسهم نحوه ويتصايحون ويتدافعون بالمناكب للوصول اليه ولمس جلبابه المقدس .
هتف احدهم :
- كيف جئت يا سيدنا ؟
ابتسم المجذوب ولم يرد على السائل .
صاح احد الاتباع :
- الله اكبر …….. الله اكبر ….
كبر الناس بعده بقوة ، وصاحت الديكة في غير اوقاتها ، ثم سار الحشد وراءه الى قلب القرية ليراه الناس ، توقف بعدها امام بيت ( المختار ) واخذ يتمتم وجهه الى السماء ثم اطرق راسه ووضع سبابته في قدح ماء قدمه اليه صبي وحرك شفتيه فانهمرت مزنة مطر خفيفة .
صرخ مؤذن الجامع باعلى صوته ( الله اكبر ) ، فهدر الجمع بالدعاء والصلوات .
عندما بلغ المجذوب مدرسة القرية ، هرعت اليه امراة تحمل وليدها واخذت توسل به ليشفيه ، ثم تبعتها العاقر والعانس والمطلقة وذات الضرة والتي تلد الاناث والمتزوجة كهلا والعزباء .
خرجن جميعا ليلقين الرجل ويتمسحن به ويخطفن منه احجبة الاحلام وهن يهتفن :
- باركنا ياسيدنا ، باركنا ياطويل العمر .
اشتد التصاق الناس به ، واحتشدوا حوله وراحوا يتنازعون بينهم على اول بيت يتشرف بزيارته ويشرب القهوة فيه .
اطرق المجذوب راسه مرة اخرى ، ثم رفع راسه كانه يستلهم الوحي
وقال :
- سادخل هذا البيت .
ما ان شرب الرجل اول فنجان له حتى تعالت زغاريد النسوة تملا الفناء ، فقد وضعت امراة البيت لاول مرة مولودا ذكرا بعد خمس بنات ، وراح والد الطفل يقبل يده وهو يدفعه عنه في تواضع الاتقياء ، ثم مدت الموائد بعد صلاة العشاء وراح كل فلاح يتسابق بتقديم افضل ما لديه .
ذبحوا احسن العجول والخراف ، وامتلئت الاواني بالثريد واللحم وحولها اقداح الماء واللبن الرائب والعصير الملون .
كان الخروف الذي امامه تتصاعد منه رائحة طيبة وشهية ، شهد بها
الحاضرون ، وشربة الماء الذي ارتوى منها ، ظلت ممتلئة كما هي بعد ان شرب منها الجميع .
ثم بدات حلقة الذكر .
وقف المجذوب وسط الحشد وحوله محبيه واتباعه ، وبدا الطواف . كانت فقاعات الزبد تتكور وتنتفخ على الشفاه والصراخ يشتد ويعلو ، والمجذوب يرفع بجذعه وينحني حتى تلامس راسه الارض ، ثم يرفعها ويشاهد القرويات على سطوح المنازل ، متحجبات وسافرات ، فينفرد بمليحة ويطيل النظر اليها ، ثم يغلق عينيه كانه يهيم مع الصالحين والمشايخ الابرار .
في اثناء دورانه لمح على سطح البيت الملاصق صبية في جمال البدر ، وعندما انتهى الذكر بعد منتصف الليل ، اخذ الفلاحون يتنازعون على البيت الذي ستحل فيه بركة النوم ، فوقع الاختيار على بيت الصبية لينام فيه .
كان البيت لقروي متوسط الحال ، ورث عن ابيه قطعة ارض ، باع نصفها وتزوج بالنصف الاخر هذه الصبية الحلوة لينجب وياتي بالوريث ، لكن الوريث الموعود لم يات .
كان الفلاح المسكين قلقا ومتبرما ، فقد عرض نفسه على افضل اطباء المدينة وسافر الى ( بغداد ) وتناول كل ما يوصف له وباغلى الاثمان ، لكن مسعاه خاب .
فرح المسكين وطار قلبه عندما دخل المجذوب بيته ، وحرصا على راحته ، ترك الحجرة العلوية له ونزل وحده لينام في حجرة المؤونة وبقيت زوجته تخدم المبروك وتقدم له ما يحتاجه وهي جالسة امامه وهو يمسد شعرها ويمسح لها بطنها ، ثم اخذ يباركها على طريقته . ارتفعت الشمس وحلت صلاة الظهر ولم يحضر المجذوب الى المسجد .
قال احد الفلاحين :
- انه يصلي الان مع الاولياء عند سفوح ( مكحول ) .
ثم جاءت المعجزة الاخيرة .
لقد حملت زوجة الفلاح ، وتاكد الحمل بعد ثلاثة شهور من اختفاء
المجذوب ، وظلت القرية تتلهف لبركاته وعودته مرة اخرى ، لكنه لم يعد اليها ابدا .





