القصة القصيرة

طفل الخرافة – ابراهيم سليمان نادر

38

لم يروها شيخ او تقصها لي عجوز يتفتق الخريف في سحنتها التي حمصتها شمس الحصاد .

شخوص هذه الحكاية اراها تتوثب هنا وهناك كلما خرجت ذاكرتي عن عزلتها حتى يخيل لي انها حدثت اليوم او بالامس .

هاهي امامي مرة اخرى ، تستعرض نفسها بذات السرابيل التي اقتنصتها عيناي وخزنتها جمجمتي وانا طفل في العاشرة حين رافقت ابي في رحلة الى قرية بعيدة عن ضفاف ( دجلة ) وكنت يومها ابصر سفوح ( مكحول ) لاول
مرة .

كان الربيع وقتها يلفظ انفاسه في اخر نزع له ، ومن بعيد نتف من الخضرة المتفرقة ما زالت تتابط بعض ثنايات الاديم ، واسراب من الارانب والقطا والدراج والقبرات تفر من الغدران التي جفت ، وتنحدر نحو ضفاف النهر البعيدة .

قصدنا حال وصولنا القرية دار صاحب ( الجرار ) الذي كنا نبغي شراؤه .

رحب بنا الرجل مالك ( الجرار ) واصر على المبيت عنده ، وقبيل صلاة العصر ذهبنا لمعاينة الجرار ذي المواصفات العديدة والقدرات العظيمة .

كان الجرار جميلا ، احمر زاهي اللون ، اقتنع ابي به فاشتراه على الفور ، ذهبنا بعدها الى مسجد القرية ، وبعد قضاء الصلاة ، تجولنا في دروب القرية وسوقها الوحيد ، وفي وسط السوق تحلّق الناس حول رجل مجذوب قصد القرية غفلة .

كان المجذوب مشهورا لدى اهالي القرى ، يزورهم في اوقات بعيدة ، قد تطول الى الثلاث او الخمس سنوات ، وكان يدور على الجميع ، يوزع بركاته وتعاويذه التي يصنعها باشكال ملونة وعجيبة .

رايت الرجل عن قرب فهالني مظهره وضخامة حجمه وغزارة شاربيه ولحيته .

لم يركب قطارا في حياته او سيارة ، هكذا هم يقولون .

كان يقطع المسافات الطويلة على قدميه ، حتى وان ادركه الليل ، لايهاب الظلام ولا الوحوش الضارية ، عنيدا ثابت الجنان .

اضطرب الناس حوله ، والتصق البعض به ، كأنهم قطيع عاد لتوه من المراعي ، يرفعون روؤسهم نحوه ويتصايحون ويتدافعون بالمناكب للوصول اليه ولمس جلبابه المقدس .

هتف احدهم :

  • كيف جئت يا سيدنا ؟

ابتسم المجذوب  ولم  يرد على السائل .

صاح احد الاتباع :

  • الله اكبر …….. الله اكبر .

كبر الناس بعده بقوة ، وصاحت الديكة في غير اوقاتها ، ثم سار الحشد وراءه الى قلب القرية ليراه الناس ، توقف بعدها امام بيت ( المختار ) واخذ يتمتم وجهه الى السماء ثم اطرق راسه ووضع سبابته في قدح ماء قدمه اليه صبي وحرك شفتيه فانهمرت مزنة مطر خفيفة .

صرخ مؤذن الجامع باعلى صوته ( الله اكبر ) ، فهدر الجمع بالدعاء والصلوات .

عندما بلغ المجذوب مدرسة القرية ، هرعت اليه امراة تحمل وليدها واخذت توسل به ليشفيه ، ثم تبعتها العاقر والعانس والمطلقة وذات الضرة والتي تلد الاناث والمتزوجة كهلا والعزباء .

خرجن جميعا ليلقين الرجل ويتمسحن به ويخطفن منه احجبة الاحلام وهن يهتفن :

  • باركنا ياسيدنا ، باركنا ياطويل العمر .

اشتد التصاق الناس به ، واحتشدوا حوله وراحوا يتنازعون بينهم على اول بيت يتشرف بزيارته ويشرب القهوة فيه .

اطرق المجذوب راسه مرة اخرى ، ثم رفع راسه كانه يستلهم الوحي
وقال :

  • سادخل هذا البيت .

ما ان شرب الرجل اول فنجان له حتى تعالت زغاريد النسوة تملا الفناء ، فقد وضعت امراة البيت لاول مرة مولودا ذكرا بعد خمس بنات ، وراح والد الطفل يقبل يده وهو يدفعه عنه في تواضع الاتقياء ، ثم مدت الموائد بعد صلاة العشاء وراح كل فلاح يتسابق بتقديم افضل ما لديه .

ذبحوا احسن العجول والخراف ، وامتلئت الاواني بالثريد واللحم وحولها اقداح الماء واللبن الرائب والعصير الملون .

كان الخروف الذي امامه تتصاعد منه رائحة طيبة وشهية ، شهد بها
الحاضرون ، وشربة الماء الذي ارتوى منها ، ظلت ممتلئة كما هي بعد ان شرب منها الجميع .

ثم بدات حلقة الذكر .

وقف المجذوب وسط الحشد وحوله محبيه واتباعه ، وبدا الطواف . كانت فقاعات الزبد تتكور وتنتفخ على الشفاه والصراخ يشتد ويعلو ، والمجذوب يرفع بجذعه وينحني حتى تلامس راسه الارض ، ثم يرفعها ويشاهد القرويات على سطوح المنازل ، متحجبات وسافرات ، فينفرد بمليحة ويطيل النظر اليها ، ثم يغلق عينيه كانه يهيم مع الصالحين والمشايخ الابرار .

في اثناء دورانه لمح على سطح البيت الملاصق صبية في جمال البدر ، وعندما انتهى الذكر بعد منتصف الليل ، اخذ الفلاحون يتنازعون على البيت الذي ستحل فيه بركة النوم ، فوقع الاختيار على بيت الصبية لينام فيه .

كان البيت لقروي متوسط الحال ، ورث عن ابيه قطعة ارض ، باع نصفها وتزوج بالنصف الاخر هذه الصبية الحلوة لينجب وياتي بالوريث ، لكن الوريث الموعود لم يات .

كان الفلاح المسكين قلقا ومتبرما ، فقد عرض نفسه على افضل اطباء المدينة وسافر الى ( بغداد ) وتناول كل ما يوصف له وباغلى الاثمان ، لكن مسعاه خاب .

فرح المسكين وطار قلبه عندما دخل المجذوب بيته ، وحرصا على راحته ، ترك الحجرة العلوية له ونزل وحده لينام في حجرة المؤونة وبقيت زوجته تخدم المبروك وتقدم له ما يحتاجه وهي جالسة امامه وهو يمسد شعرها ويمسح لها بطنها ، ثم اخذ يباركها على طريقته . ارتفعت الشمس وحلت صلاة الظهر ولم يحضر المجذوب الى المسجد .

قال احد الفلاحين :

  • انه يصلي الان مع الاولياء عند سفوح ( مكحول ) .

ثم جاءت المعجزة الاخيرة .

لقد حملت زوجة الفلاح ، وتاكد الحمل بعد ثلاثة شهور من اختفاء
المجذوب ، وظلت القرية تتلهف لبركاته وعودته مرة اخرى ، لكنه لم يعد اليها ابدا .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading