حيث يوجد الحب لا يوجد ظلام . . قوّة المركز وهشاشة الأطراف-عدنان حسين أحمد-الجزائر

يستعير المخرج الصربي الأمريكي فكرة فيلمه الجديد من مَثَل إفريقي مفاده (حيث يوجد الحب لا يوجد ظلام) على مَثَل ولا يستغني عن الجانب التشكيلي الذي يقوم على ثنائية الضوء والظل، والنور والظلام، والإشراق والعتمة حيث تتحرّك أحداث هذا الفيلم الروائي الذي لا تزيد مدتهُ على 80 دقيقة لا غير، وهي مدة كافية للتعبير عن أشياءَ كثيرة ترصد ثيمات عديدة من بينها الهجرة الاقتصادية، والنَفَس العنصري، والاستغلال، والعزلة، والحُب، والصبر، والإيمان، والصداقة، وقوة التواصل الإنساني وما سواها من مُهيمنات فكرية عديدة كانت تتردّد على مدار النص السردي والبَصَري في آنٍ معًا.
لا بدّ من الأخذ بنظر الاعتبار أنّ مُخرج الفيلم ستيفان لي مراوفيتش هو نفسه السينارست الذي كتب القصة السينمائية المُتقَنة التي تبدو خالية من الزوائد والترهلات مع التركيز على ثلاث شخصيات أساسية في هذا الفيلم الروائي وهي شخصية سيدو التي جسّدها ببراعة الفنان (عمر دياو) وزوجته أميناتا التي أدّت دورها بإتقان (راماتا سو) إضافة إلى شخصية ألبير التي تقمّصها الفنان والكاتب الفرنسي (ألبير ديلپي) الذي تجاوز رصيده المئة الفيلم منذ ظهوره السينمائي الأول في بداية سبعينات القرن الماضي وحتى الآن. أمّا بقية الشخصيات فهي لا تقل أهمية عن الشخصيات الرئيسة لكنها مرسومة لأدوارٍ مُحدّدة ومؤازرة تساند الشخصيات الرئيسة وتعزّز حضورها الإنساني الذي يحاول أن يهمّشه البلد الذي يتصوّر أنه المركز وينظر إلى بلدان القارة السمراء على أنها مجرد أطراف لا غير!
تقنية الرسائل الصوتية
تقوم فكرة الفيلم في جانب غير قليل منها على تقنية الرسائل الصوتية بين (سيدو) وزوجته (أميناتا) حيث يبادر الزوج في العادة إلى الإتصال بزوجته لقرابة عشر مرات على مدار الفيلم وحينما يتأخر قليلًا وتقلق الزوجة عليه تتصل به لتتخلص من أسباب القلق ودواعيه خاصة وأنها حامل وتنتظر إطلالة مولودهما الجديد.
تستكشف أفلام وقصائد المخرج والشاعر ستيفان لي مراوفيتش موضوعات عميقة وحسّاسة مثل المنفى والحنين والإيمان والتهميش الاجتماعي غير أنَّ النَفَس العنصري يحتل الصدارة في هذا الفيلم حيث بدأه المخرج بحادثة توصيل الپيتزا إلى شخص يدّعي أنَّ (سيدو) سلك طريقًا جانبية وتأخر في توصيل طلبه علمًا بأنّ لديه اجتماع خلال عشر دقائق وأنّ وجبتهُ قد تكون باردة الآن. ثمة حوادث كثيرة في هذا الفيلم تشير إلى التهميش والنَفَس العنصري تجاه المهاجرين لأسباب اقتصادية اختصرها السينارست ومخرج الفيلم بأربع شخصيات سنغالية غادرت البلاد مضطرة وقَدِمت إلى فرنسا لتعمل في خدمة توصيل الوجبات أو المواد الغذائية الأخرى التي يحتاجها المواطن الفرنسي ولا يجد الوقت الكافي للقيام بها بنفسه طالما أنّ هناك مهاجرين مهمّشين يقومون بهذه المهمات الصعبة التي قد تأخذ من الفرنسيين وقتًا وجهدًا كبيرين. مع أنَّ ثُلّة التوصيل تتألف من أربعة أشخاص سنغاليين وهم سيدو ومالك وموسى وجبريل إلّا أنَّ (سيدو) هو بطل الفيلم بلا منازع، فهو الذي تتمحور حوله الأحداث، ومن خلاله تتم عملية التصعيد الدرامي، وهو الذي يتطوّع لخلق علاقات صداقة جديدة تؤكد قوّة التواصل الإنساني بين البشر العاديين الذين لا يتخوّفون من القادمين الجُدد لأسباب كثيرة قد تكون سياسية أو اقتصادية أو إنسانية خاصة وأنَّ هذه الثُلة هي ضحية عصابة تتاجر بالبشر وتمتص دمائهم وعرقهم وجهودهم لمدة قد تطول أو تقصر وعليهم أن يمنحوا قسمًا كبيرًا مما يحصلون عليه من نقود إلى رئيس العصابة وأن يبعثوا القليل الذي يتبقّى من نقودهم إلى أهلهم وذويهم الذين يعتمدون كليًا على ما يصلهم من تحويلات نقدية متواضعة وربما تكون زوجته الحامل (أميناتا) التي تنتظر قدوم مولودها الجديد هي خير مثال لما نذهب إليه.
باريس . . لا ترى المهمّشين
تكشف الرسائل الصوتية التي يبعثها (سيدو) إلى زوجته (أميناتا) عن طبيعة المشاعر والإحاسيس الداخلية التي تنتابهُ وهو يسجّل مكالماته الصريحة الصادقة التي لا تخبِّئ أي شيء حيث يقول في أول رسالة صوتية: (مساء الخير يا أميناتا. أنا أُخمِّن أنكِ نائمة الآن. الوقت ليلًا. لقد أنهيتُ عملي الآن؛ آمل أن تكون أمكِ قد زارتكِ هذا اليوم. أنتِ تعرفين يا أميناتا لو أستطيع أن أكون معكِ الآن. أفتقدكِ كثيرًا. لو تستطيعين رؤية هذه الشوارع، بالكاد تجدين فيها أحدًا. لا شيء يُشبه قريتنا. الله وحده يعرف كيف أشعر هنا. إنه وضع صعب حقًا ولكن حسنًا، تلك هي الحياة. أراكِ قريبًا). فعلى الرغم من رغبته القوية في أن يكون معها في هذا الوضع الصعب الذي يتطلب رعاية صحية جيدة إلّا أنه يعقد مقارنة بين قريته المتواضعة الجميلة وبين باريس، المدينة الكوزموبوليتانية التي لا ترى المهمّشين وأصحاب المهن الشاقّة الذين يعملون طوال الليل لكي لا تجوع عوائلهم في السنغال. وسوف تستمر المقارنة على مدار الفيلم بين القرى السنغالية التي عاشت فيها الشخصيات الأربع وبين باريس أو المهجر عمومًا. كما نسمع اسم (فوتا) Fouta يتردد في قصة الفيلم وهو إقليم يقع في غرب أفريقيا ويمتد من شرق غينيا والسنغال إلى الجنوب وينبع منه أنهار عديدة وغالبية سكانه من قبائل الفولا المسلمين. وغالبًا ما تكون المقارنة بين نهر السين بباريس والأنهار المبثوثة في (فوتا) التي تبدو أكثر جمالًا وحيوية وإشراقًا. لا تختلف رسائل (أميناتا) الصوتية عن رسائل زوجها (سيدو) من حيث الاشتياق، والخوف عليه من كل شيء، والرغبة في عودته السريعة إلى وطنه حيث تقول في واحدة رسائلها: (مساء الخير حبيبي. كيف هي الحياة في باريس؟ هل بدأت الدنيا تبرد؟) وحينما يردّ عليها بأنّ مهنته لا تجعل البرد يتسرّب إليه وإنما هو الذي يخشى عليها من البرد فتجيبه: (نعم، يا حبيبي الليالي طويلة وباردة وحالما أفكّر فيكَ يتلاشى البرد. كل ما أستطيع التفكير به هو رغبتي برؤيتكَ. أتمنى أن يحفظكَ الله وأن تعود آمنًا لي ولطفلي). هذه نماذج قليلة من الرسائل المتبادلة بين (سيدو) وزوجته (آميناتا) التي تُثبت بما يقطع الشك باليقين أنهما يُحبان بعضهما بعضًا إلى درجة التماهي وأنَّ تضحية (سيدو) لا حدود لها خاصة وأنه يزاول عملًا صعبًا فهو يتنقل في شوارع باريس كل ليلة من أجل إيصال الوجبات أو المُشتريات الأخرى من الأسواق إلى أصحابها المبثوثين في أرجاء العاصمة الفرنسية المترامية الأطراف. ورغم صعوبة التنقّل بواسطة الدرّاجات الهوائية إلّا أنّ هذه التنقلات تحرمهُ من شيء رومانسي جميل وهو عدم رؤية النجوم التي كان يراها في فوتا أو القرى السنغالية التي عاش فيها ردحًا طويلًا من الزمن. لا تخلو هذه المهنة الصعبة من تحديات كثيرة مثل تعطّل المصاعد وانطلاق المظاهرات الحاشدة التي تسدّ الطرق، وتحطّم الدراجات الهوائية، وتحويلات الطرق بسبب البناء والإنشاءات الجديدة سواء في الشوارع والأرصفة أو في البنايات المجاورة لها. وفي خضمّ الحديث عن هذه التحديات الكثيرة التي تُصادف عمّال التوصيل تحضر (فوتا) بجمالها الرومانسي الذي يفتقده (سيدو) وهو يتذكّر أنهارها الجميلة المكتظة بالأسماك خلافًا لنهر السين الذي يوحي بخلوه من الأسماك.
الشخصية المؤمنة
ورغم تأكيد الأصدقاء الثلاثة بأنّ (سيدو) يحب (فوتا) بجنون إلّا أنَّ أحدهم يطرح فكرة واقعية مهمة مفادها: (نحن لسنا من هنا، نحن مهاجرون) وهذه حقيقة دامغة لا جدال فيها فقد جاؤوا من (فوتا) وتركوا أفواهًا جائعة تنتظر الطعام. تتكرّر فكرة التعاضد والتآزر ومساندة بعضهم بعضًا. فهم غرباء في هذه المدينة والأمرّ من ذلك أنهم يشعرون بالوحدة والعزلة الروحية فلا غرابة أن تتردّد على ألسنتهم جميعًا مفردة العائلة التي يستجيرون بها ويؤكدون على أنّ صداقتهم حميمة وعليهم أن يبقوا متحدّين لكي يكونوا على أفضل ما يُرام ويُوكلوا أمرَ حمايتهم وهدايتهم إلى الله جلّ في علاه خاصة وأننا رأينا أنَّ سيدو، الشخصية المحورية في القصة السينمائية هو شخصية مؤمنة تؤدي فروض الصلاة خمس مرّات في اليوم الواحد. وقد أشرنا سلفًا إلى أنَّ غالبية سكّان الفوتا هم من المسلمين الذين يلتزمون بأركان الإسلام الخمسة التي تتمثل بالشهادتين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إلى ذلك سبيلا. يبدو أنَّ (سيدو) أكثر أصدقائه الثلاثة دأبًا في العمل حيث أشاد به رئيس العصابة بعمله الجاد والرائع بينما انتقد أحدهم لأنه لم يحصل على البقشيش ونصحه بأن يطوّر مهاراته الخدمية من أجل إرضاء الزبائن والحصول على هباتهم وإكرامياتهم. حينما يتأخر (سيدو) في الردّ على رسائلها الصوتية تقلق أميناتا وتطلب منه أن يردّ على رسائلها الصوتية لكي تطمئن عليه فيجيبها معتذرًا بأنّ لديه الكثير من العمل ويعِدها بأنه سيبعث لها الرسائل أكثر من ذي قبل وأنه يفتقدها كثيرًا ويروي لها بأنه جالس إلى جانب نهر ( السين) الذي لا يشبه شيئًا من قريته فلا توجد هنا قطعان من البقر أو الماشية ولا يرى أطفالًا يسبحون باستثناء صياد وحيد رمى صنارته في نهر السين الذي يبدو وكأنه خالٍ من الأسماك تمامًا. على الرغم من استغلال العصابة التي تعتاش على المهاجرين غير الشرعيين إلّا أنَّ الشرطة الفرنسية تقبض على رئيس العصابة (شين) وهذا يعني أنًّ عوائلهم لن تأكل شيئًا هناك فلا غرابة أن يتجه (سيدو) إلى الله ويتوسل إليه أن يحميهم ويرحمهم لكي يعيشوا بسلام. وفي الوقت الذي تتفاقم فيه أزمة (أميناتا) يعاني (سيدو) من ضيق ذات اليد حيث يطلب الطبيب مستحقاته المادية وهي خائفة على الطفل تمامًا.
قوّة الصداقة الإنسانية
وفي خضمّ الأزمة الجديدة يتعرّف (سيدو) على (ألبير) ويقترح عليه أن يكون صديقًا له خارج خدمة توصيل الخضراوات وبما أنه طبّاخ ماهر تعلّم إعداد وجبة La Mafé من جدته قوامها الفول السوداني فإنه يتطوّع لإعداد هذه الأكلة الشهية ويُشرك فيها صديقه الفرنسي الجديد. وسوف تفتح له هذه الصداقة آفاقًا جديدة لم يألفها من قبل.
ورغم ضيق ذات اليدّ والظروف الصعبة التي يمرُّ بها (سيدو) إلّا أنّ الرسائل الصوتية لزوجته تخفّف عنه وطأة الغربة والتهميش الاجتماعي الذي يعاني منه فقد أخبرته (أميناتا) بأنّ الطفل بخير ويتمتع بصحة جيدة كما يقول الطبيب. يفتح (ألبير) قلبه لصديقه السنغالي الجديد ويروي له جانبًا من حياته الشخصية التي أرشفتها الصور في أثناء زياراته لڤينيسيا؛ المدينة الجميلة الرائعة على حد وصفه. وينصح صديقه الجديد بالذهاب إلى الطبيب ليتأكد من أنّ أموره الصحية على خير ما يرام. ومن خلال هذه الصداقة يكتشف (ألبير) بأنه ليس وحيدًا بعد الآن، فثمة صديق يُطل عليه بين أوان وآخر ولا يفعل ذلك من أجل النقود وإنما من أجل تكريس المشاعر الإنسانية التي تنتابه حتى في أحلك الظروف. وحينما يعرف (ألبير) أن (سيدو) بحاجة إلى نقود يقدّمها إليه بصدر رحب فيقبلها (سيدو) على مضض، ويبعثها إلى زوجته لكي تذهب إلى العيادة الطبية وتجري كل الفحوصات المطلوبة وتشتري ما يحتاج إليه القادم الجديد. لا يزال أصدقاء (سيدو) الثلاثة يعانون من البطالة لأنهم لا يمتلكون أوراق عمل رسمية، كما أن حساباتهم ما تزال مُجمّدة لذلك سيتحرّك (سيدو) لحلّ هذا الإشكال.
ثمة أشياء جميلة تحدث في متن القصة السينمائية وتخفف من وطأة الحياة الثقيلة التي يعانون منها فحينما يتذكرون (فوتا) وأنهارها ومراعيها الجذابة يغنون أغنية (انهض يا سنغال) ويرقصون على إيقاعها الجميل ويتمنون في خاتمة المطاف أن يستعيدوا كرامة بلدهم الذي تتلاعب به الدول المركزية العظمى. من جهته يتذكر (ألبير) البارك الذي تتواجد فيه جدارية (الطفل في الغيوم) التي ما تزال موجودة هناك وحي مونمارتر الذي التقى فيه بـ (ماري) حيث يتواجد الرسّامون ومسرحيو الشارع ومعالم الحياة اليومية النابضة. فباريس مدينة ملأى بالقصص التي يجب أن تُروى للآخرين. لقد أعاد (البير) اكتشاف المدينة من خلال عيني صديقه (سيدو) وعرف حجم التغيير الذي طرأ على هذه المدينة الجميلة الكبيرة.
العمالة الرخيصة
يعتقد العمال الأربعة بأن أهالي هذا البلد لا يستطيعون أن يتدبروا أمورهم من دون هذه العمالة الرخيصة علمًا بأنّ الكثيرين يعملون بلا أوراق رسمية ولعل (سليمان) الذي يدير الكافيه هو خير مثال لذلك.
يزدان هذا الفيلم بأكثر من مَثل أو قول مأثور فبعد المثل البوروندوي الذي أخذ عنوان الفيلم يصادفنا مَثل باللغة الپولارية وهي لهجة من اللغة الفولانية التي يتحدثون بها في السنغال يقول: (عندما تسافر وتسقط لا تنظر إلى المكان الذي سقطت فيه، أنظر أين تعثّرت). لا يصدّق مالك، وهو أحد الشخصيات الأربع الأساسية أنّ السلطة قد قبضت على (شين) وأودعتهُ السجن وهذا يعني أنهم سيصبحون عاطلين عن العمل فلا غرابة أن يبحث (موسى) عن مهنة في التمثيل على الرغم من لغته الفرنسية الركيكة. فلا يجد (سيدو) بُدًا من الذهاب إلى الشخص الذي سيرتِّب حساباتهم لكن أصدقائه لا يسمحون له بالمجازفة لأنهم جاؤوا على متن الزورق نفسه وقد عاشوا معًا ويفضّلون أن يموتوا معًا. بينما كان (ألبير) ضائعًا في أفكاره ومنغمسًا في الزهور التي يعتقد أنها تضيء الشقة لأنّ (ماري) كانت تحب هذه الزهور ولهذا فهو يحب أن يراها ثانية ولو لمرة واحدة. وبما أننا أشرنا إلى مفهوم الإيمان فإن (سيدو) يطمئنه بأنه سوف يراها ثانية ولكن ليس في هذه الحياة الفانية وإنما في الحياة الأبدية التي تلي الموت وهي فكرة يؤمن بها بسبب إيمانه القوي بالله وأنّ هذا الإيمان يساعد العديد من الناس في العثور على السلام. يعتقد (سيدو) أنَّ (ألبير) ليس صديقًا فقط وإنما أصبح عائلته رغم أنّ هذا الأخير مُلحد ولا يؤمن بوجود العالَم الآخر. ومع ذلك فهو يخاطبهُ قائلًا: ( . . لقد أنرتَ وحدتي، وجودكَ هدية) ثم يسأله عن السبب الذي دفعهُ لترك السنغال ومغادرته فيأتيه الجواب المُقنع بأنه كان صيّادًا للسمك وحينما دهمتهم وسائل الصيد الجائرة بالسفن الكبيرة ونهبت كل الأسماك الموجودة لم يجد بُدًا من مغادرة السنغال والعمل في خدمة التوصيل التي كانت متاحة رغم ما تنطوي عليه من استغلال بشع لجهده وأجوره اليومية. لم يجد (سيدو) حرجًا في الاعتراف بمشكلته الأساسية وتجميد حسابه ومع ذلك فقد أخبره (ألبير) بأنه مستعد لتقديم أي نوع من المساعدة التي يحتاجها وأكثر من ذلك فقد خاطبه قائلًا: (انتبه لنفسك يا ولدي!). يؤمن (سيدو) بأنّ العنف لا يولِّد إلّا العنف ولا يحل أي مشكلة لذلك قرّر الذهاب لوحده عسى أن يجد مَخرجًا للجميع. وحينما يبلغ التصعيد الدرامي ذروته نكتشف أنَّ دومينيك هي التي أخذت كل النقود وهي التي جمّدت حساباتهم وأنها ستحطم عائلات عديدة تنتظر في السنغال. يتوصل (سيدو) إلى حلٍ معقول مفاده أن يأتي من الآن فصاعدًا ليأخذ النقود في كل أسبوع وأن تكون هي في أمان. ما كنّا ننتظره طوال الفيلم قد حدث أخيرًا كما يتمناه المُشاهد ويترقّبهُ إذ أنجبت (أمانيتا) مولودها الأول وكان صبيًا جميلًا وقويًا يُشبه والده تمامًا وأنها كانت تتمنى أن يكون والده هنا لكي يحمله بين يديه. أمّا الجملة الختامية للفيلم فيكتبها (سيدو) بنفسه حينما بدأ يُصلّي ويشكر ربهُ في الأعالي على نعمة قدوم ابنه البِكر الذي سيغيّر حياته رأسًا على عقب.
جدير ذكره أن ستيفان لي مراوفيتش من مواليد نيويورك من أصول تايوانية صربية يعبِّر عن ثقافته المتنوعة بواسطة الشعر والتصوير وصناعة الأفلام. وقد صدرت له قبل سن الثانية والعشرين مجموعة شعرية تحمل عنوان (مُسكِّنات الألم، ندوب الحُب والتمرد). بدأ مسيرته السينمائية في فرنسا وحصل على شهادة الماجستير من جامعة كولومبيا. أنجز مراوفيتش أربعة أفلام قصيرة وطويلة وهي على التوالي: (هُويات مُتشظية)، (أوباما وأنا)، (عُطلات بأي ثمن) و (حيث يوجد الحُب لا يوجد ظلام) إضافة إلى أفلام أخرى اشترك فيها ككاتب أو مساعد مخرج أو منتج. فاز فيلمه (عُطلات بأي ثمن) بجائزتي لجنة التحكيم والجمهور في مهرجان أوستن السينمائي. أمّا فيلمه الروائي الطويل (حيث يوجد الحُب لا يوجد ظلام) فقد اشترك في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة التي تضمنت 16 فيلمًا في الدورة الثانية عشر لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم لسنة 2025..



