تثير اللوحة التشكيلية التي تحمل بُعدًا فلسفيًا ذاكرة مُتلقيها؛ لما تمنحه من ثراءٍ في الدلالات، فتعمل على تفعيل حالةٍ جدليةٍ من خلال حوار مشترك بين التلقّي البصري وبين الانشغال الذاكراتي، وفي هذا الإطار تتموقع لوحة (فلسفةُ حياة ) للفنان التشكيلي هشام حامد التي نفّـذها بحجم (120سم مربع) في عام (2012م) فحين يتصفّـح البصر هذه اللوحة يلفت نظره الشكل العام للوحة الذي يكاد أن يكون غير مألوف في التشكيل؛ لأنَّ الفنان اختار شكل مستطيلين قائمين يتخذان شكل جزءٍ من تراتبية درجات السُلَّـم الذي تعرفه أبصارنا، مستطيل مرتفع ومستطيل منخفض ولكن بامتداد مستمر بلا فواصل، واعتمد على فضاءٍ خالٍ من التفاصيل؛ ليمنح الأشكال التكوينية فرصتها الكاملة في الظهور، وفي استقطاب بصر المتلقي لها.
ومن المعروف في الفن التشكيلي أنَّ فضاء اللوحة حين يخلو من التفاصيل، أو تشغله القليل منها لن تشكِّـل مُثيرًا بصريًا للمتلقي؛ لأنّ الفنان أراد أن يمنحه حضورًا أقرب الى الحيادية فيكون بذلك قد وجَّـه بصر المتلقي الى الأشكال الموجودة أمام هذا الفضاء، وهذا ما اختاره الفنان هشام في هذه اللوحة حين منح الفضاء لونًا أبيضًا، والأبيض يحيل الى دلالات متنوِّعةٍ منها: النقاء والصفاء والخير والبراءة، وهي دلالات أرادها الفنان؛ لتـؤشِّر بداية حياة اللوحة ووجودها، ولكنَّه اختار ان يحدد هذا البياض ودلالاته بنوعين من الإطارات وليس واحدًا، فالأول وهو الإطار الداخلي جعله أعرض من الإطار الثاني الخارجي والذهبي اللون، ومنحه ألوانًا متداخلة ومتدرجة من الأبيض والأسود وناتج خلطهما معًا وهو اللون الرمادي، فالأبيض الايجابي يجاور الأسود السلبي لكونه يحيل في بعض دلالاته الى الحزن والتعاسة والفناء، ويجمع اللون الرمادي صفاتهما معًا، ويكتمل هذا الجزء من مشهدية اللوحة بالإطار الخارجي الذهبي ليحيل الى دلالات الأناقة والجمال والرفاهية.
اختار الفنان هشام أن يموضع شكل المزهرية الزجاجية في أقصى يسار اللوحة العلوي، قريبًا من زاويتها، كما اختار لها اللون الأزرق المائل الى الرمادي مع لمسات من الإضاءة التي بدت باللون الأبيض مما منح شكلها الجامد حيوية مضافة الى الحيوية التي تمنحها شفافية الزجاج للأشكال المصنوعة منها، وحيوية الأشكال النباتية المرسومة عليها، فأبعدت عنها الملل الذي قد يثيره شكلها الجامد.
ويلفت نظر المتلقي أنَّ الفنان هشام بدا متعمدًا في تظهير القوس السفلي للمزهرية أكثر تقويسًا من قوسها العلوي المقابل له، في محاولة منه لتأشير ثقل كتلة الماء في هذا الجزء منها من جهة، ولتأشير قدرة الماء على تطويع الأشياء حتى وإن كانت جامدة من جهةٍ ثانية، وإثارة بصر المتلقي وتركيزه على هذا الجزء من جهة ثالثة، وفي هذا الصدد يشير الناقد الفني الامريكي آرثر دانتو الى أنَّ ( ما يجعل الفرق بين عمل تجاري وعمل فني أصيل هو نظرية معينة للفن. إنها النظرية التي تأخذه الى عالم الفن وتحميه من الاختزال الى الشيء الحقيقي)، فالفنان لا ينقل شكل موجودات واقعه العياني المُعاش نقلا حرفيًا، بل يشتغل باتجاه منحه قيمًا جمالية تشكِّل مثيرًا بصريًا واتصاليًا لذائقة المتلقي بما تجسِّده من متغيرات على الأشكال التي يقع عليها بصره في محيطه، ثم يراها وقد تغـيّـرت عند تموضعها في اللوحة، ومن هذه المتغيرات المُثيرة تظهير المزهرية وكأنّـها كيان مستقل عن الارتباط الذي لا بُـدَّ منه، حيث لا يمكنها أن تطفو في الفراغ بلا مسندٍ أو يدٍ إنسانيةٍ تمسك بها، فبدا الفنان وكأنه كان مسكونًا بهاجس كسر قيد الجاذبية الأرضية، ومنحها حرية العوم في هذا الجزء من فراغ اللوحة، ولكنها من جهة أُخرى حريّـة منقوصة التحقـق؛ لأنَّها ارتبطت بشكلين من الأشكال التكوينية لهذه اللوحة هما الغصن الأخضر والزنبقة الصفراء من خلال الماء المنسكب منها، فتحقـق بذلك الترابط الأصيل بين هذه الأشكال.
إنَّ اللون البرتقالي من الألوان الحارة الثانوية التي تنتج عن مزج اللونين الأحمر والأخضر، فالأحمر من الألوان الحارة التي تحيل دلاليًا الى الدفء والنشاط والحيوية والعواطف الجيّاشة، واللون الأخضر من الألوان الباردة التي تحيل دلاليًا الى النمو والتجدد الحياتي، فالبرتقالي هنا يستمد دلالاته من مزج صفاتهما معًا، أمّـا اللون الأصفر، فهو اللون الحار الذي يعلن في بعض دلالاته عن التفاؤل والسعادة، فالماء إذًا في هذه اللوحة سرّ الحياة وعنفوانها وحيويتها وسعادتها ولكن هذه الصفات ليست مكتملة تمامًا؛ لأنَّ الفنان لم يمنح الماء في انسكابه تدفـقًا واندفاعًا مفترضينِ بحكم عملية الانسكاب من الأعلى الى الأسفل، بل ظهر شحيحًا مُتعـرِّجًا وكأنَّ العوائق اللامرئية تعيق حركته السريعة، وهذا ما أسهم في توجيه وجهة نظر المتلقي الى ان الفنان هشام أراد أن يعلن أنَّ الحياة لا تمنح الدفء والنشاط والسعادة المطلقة، بل تمنحها بشكلٍ نسبي لتظلَّ ناقصة الحضور.
ورغم هذه المعطيات فإنَّ الأمل لا يزال موجودًا، بدلالة الغصن الأخضر الذي اتخذ موقعه بدءاً من داخل المزهرية وامتدادًا الى الأسفل، ذلك الامتداد الانسيابي الرقيق الذي أظهره الفنان من خلال الخطوط المنحنية التي مثّـلت الأغصان وتفريعاتها، وفي الوقت ذاته بدا في حالة تماسٍ مع الزنبقة الصفراء، ثم أكمل باتجاه الزنبقة البرتقالية؛ ليؤكّـد دلالة الانتماء النوعي الصميمي إليهما رغم أنه اكتفى بالماء موردًا لنمائه، مستغنيًا عن الأرض التي كان من المفترض أن تضمَّ جذوره وتثبِّـته وتمنحه فرصة النماء الى الأعلى، فالماء هنا أيضًا سرّ الحياة الذي منح هذا الغصن أوراقًا خضراء، تتقارب درجتها اللونية مع درجة لون الأوراق الطبيعية في متوسط عمرها الزمني، فلا هي صغيرة ولا مُعمِّـرة.
في مقابل الأشكال الثلاثة: المزهرية والماء والغصن التي منحها الفنان هشام موقَعَة في الجزء العلوي من اللوحة، اختار تظهير شكل زهرتين وأوراقهما في وسط وأسفل اللوحة، وبهذا يكون قد حقق تراتبية تجانس تراتبية الشكل العام للوحة.
إنَّ الفنان حين يرتِّب أشكاله التكوينية داخل فراغ اللوحة، لا بُـدَّ له من تحقيق الترابط بينها بشكل أو بآخر، فلا تبدو وكأنها عناصر معزولة عن بعضها البعض، ولهذا عمد الى منح الزنبقة الصفراء تظهيرًا جميلا، فجذورها في الأرض تجاور جذور الزنبقة البرتقالية، ولكنَّ غصنها يميل بانحناءة ليّـنةٍ نحو يسار اللوحة صاعدًا بتويجها الى الأعلى؛ لتلقّـي الماء المنسكب، والتماس مع الغصن الأخضر أيضًا، ومن المعروف أنَّ الزنابق من أكثر أنواع الزهور جمالا من حيث شكل تويجها، وعطرها الزكي وأوراقها الرمحية الشكل، فاختار الفنان الزنبقة الصفراء بشكلها الملفوف؛ ليحقق تجانسًا لافتًا للنظر مع شكل المزهرية الملفوف أيضًا، ومنحها اللون الأصفر المتدرِّج والمتداخل مع لمسات من اللون الأبيض الذي يكشف مساقط الضوء العلوية عليها من جهة، وليعلن دلالات السعادة والتفاؤل والنقاء من جهةٍ ثانية، لكنّها دلالات لا تمتلك ديمومة بل تبدو مؤقتة ستنتهي مع انتهاء كمية الماء الموجود في المزهرية، والذي بدا كتلةً محدودة منقطعة عن أي مصدر يرفده بماء مستمر ليديمَ انسكابه، والزنابق أيضًا تزهر في فصل الصيف فقط فهي محدودة العمر، كما أنَّ شكل الزنبقة الصفراء يؤشِّر أنَّها في منتصف عمرها، فالبُعد الزمني هنا محدود، لكنّـه شكَّل تجانسًا كاملا مع محدودية زمن الانسكاب المائي من المزهرية، إذًا السعادة والتفاؤل والنقاء معطيات حياتية متذبذبة أحيانًا ولا تملك ديمومة متواصلة.
يشتغل الفنان وهو يجسِّد ما يدور في ذاكرته من أفكار وانفعالات ومشاعر متنوِّعة باتجاه تحويلها الى أثر ماديّ عن طريق التعبير الفني، ذاك التعبير الذي يصافح بصر المتلقي؛ ليفتح معه قناة حوارية تنبع مما يتلقاه من معطيات اللوحة كُلا أو جزئيات على شكل رسائل يتوقف عندها المتلقي متأملا، فاحصًا، مُحللا، كاشفًا، فيحدث التأثير الايجابي الذي يرومه الفنان سواء أكانت نتائجه ايجابية أم سلبية، وقد لا يحدث هذا التأثير حين لا يمتلك المتلقي أدوات تحليل وفهم عميق لعملية التعبير الفني، فيرسل تأثيره بعبارات مُسطَّـحةٍ تكشف عن عجزه النسبي عن فهم مُـرسَلات الفنان عبر لوحته، وهذا ما قد يحدث حين يصل بصر المتلقي الى الزنبقة البرتقالية، التي تبدو وكأنَّـها عالم خاص وشكل منفصل تكوينيًا عن باقي أشكال اللوحة، ولكنَّ التأمل العميق يكشف عن كونها جزءاً مُكـمِّـلا للأفكار التي طرحها الفنان في هذه اللوحة.
لنحاول قراءة هذا الجزء تكوينيًا أولا، حيث بدا شكلها مع أوراقها وقد احتلَّ مساحة كبيرة قياسًا الى المساحات التي احتلّـتها الأشكال الأُخرى، وبدت أرضيتها مشغولة بأوراقها الخضراء الكبيرة الحجم نسبيًا والتي تتناسب حجميًا مع تويجاتها، كما بدت مستقرة تمامًا من خلال تموقعها في الجزء الأسفل من اللوحة بحيث يحدّها الإطار، وشامخة الى الأعلى شموخًا يكشف عن عمرها الزمني الذي تجاوز المنتصف تقريبًا، بدلالة حجمها، وأسهمت الألوان في تأكيد هذه الدلالة، فمن معطيات الواقع العياني للطبيعة أنَّ ألوان أوراق النبات واحد من الحقائق التي تكشف عمره الزمني التقريبي، فكلَّـما كانت غامقة وشاحبة فهي الأكبر عمرًا، وبالمقارنة بين درجات اللون الأخضر لأورق الزنبقة البرتقالية مع درجات اللون الأخضر للزنبقة الصفراء، يظهر تأكيد الفنان على هذه الدلالة العمرية.
كما أسهمت ألوان التويج في إبراز هذه الدلالة، حيث تمظهرت باللون البرتقالي المتدرِّج بين الفاتح والغامق، وتشوبه لمسات لونية خفيفة من الأبيض والأصفر لتأشير مساقط الضوء العلوية. واللون البرتقالي يحيل الى دلالات متعددة منها أنّـه لون السعادة والنجاح والبهجة، ويثير لدى متلقيه مشاعر الحماس والتحفيز، لكنَّ هذه الدلالات منقوصة هي الأُخرى لأنّـه لا يظهر ناصعًا أو فاقعًا، بل يميل الى درجاته الغامقة والمتدرِّجة الى اللون البُنيّ، واللون البُنيّ يرتبط دلالياً بالحزم والقوّة، وهما صفتان يؤكدهما مشهد الشموخ الذي تتمتع به هذه الزنبقة، وفي الوقت ذاته يرتبط هذا اللون بالحزن أيضًا، ولهذا اختاره الفنان لونًا لمناطق ظلِّ أوراق التويج في الأسفل، وبالتآزر الدلالي بين اللونين البرتقالي والبُنيّ يمكن للمتلقي أن يكتشف الفكرة الكامنة وراء هذه الاختيارات، وهي أنَّ مشهد الشموخ البرتقالي وما يثيره من بهجة ونجاح وسعادة ظاهريًا، يخفي في طيّـاته حزنًا كامنًا، حزنًا تثيره جدلية الحياة ومتغيراتها التي لا تعرف هدوءاً في رحلتها الزمنية الممتدة ما بين الولادة والموت، بدلالة عنونة الفنان للوحته (فلسفةُ حياة )، وشكلها العام الذي يشبه جزءاً من السُلّم المتراتب والمتراوح بين عمليتي الصعود والنزول والتي تمنح الفرصة للمتلقي؛ ليتابع رحلة الفنان في استرجاعه الزمني لمحطاتٍ من هذه الرحلة، وتحديده لهذا الاسترجاع بنوعين من الإطارات؛ لتكون رمزًا لنوعين من القيود: قيد داخلي تفرضه ذاكرة الإنسان التي تتلوّن بألوان ما يدور فيها وما يشغلها، وقيد خارجي يفرضه المجتمع الذي يعيش فيه وإن كان ذهبيًا أنيقًا إلاّ أنَّـه يظل قيدًا. أمّـا فضاء اللوحة الخالي من التفاصيل، فيحمل رمزيته لعزلة الذاكرة للتفكير والتأمل في مسيرة الإنسان الحياتية ما بين شبابٍ مضى وكهولةٍ آتية.
ويحضر (الآخر) في هذه اللوحة من خلال رمزية المزهرية الشفافة والجميلة معًا، والمتربعة في أعلى جزءٍ من اللوحة لتشير الى قيمتها العليا، فهي تكتنز كنزها الأصيل المتمثل في الماء، سرّ الحياة وديمومتها وسعادتها ولكنَّه شحيح في عطائه.
وبهذا تكون اللوحة قد كشفت عن أنّـها ليست لوحة تزيينية، بل لوحة فلسفية حاولت أن تُرمِّـز للإنسان وهو يعايش معطيات الحياة الايجابية والسلبية معًا عبر مسارين زمنيين لا يتوقفان، الأول في شبابه بدلالة الزنبقة الصفراء، والثاني في منتصف عمره بدلالة الزنبقة البرتقالية.