خاتمة الاعمى – ابراهيم سليمان نادر
جمرةٌ ،
في القلب مازالت ،
وفي العينينِ
برقُ ….
قبالة الركن ، عند المنعطف الذي ينحدر الى بوابة ( حمام القلعة ) ، جلس رجل اعمى على جذع مشروخ ، ساهما مع انثيال شمس شباط الدافئة . كانت المياه المندلقة نحو الشط تحدث طرطشة رتيبة اعتادت عليها اذنيه والله وحده يعلم ما يجول بذاكرته في تلك اللحظة بالذات .
في ازقة ( الميدان ) الضيقة ، تتكئ الجذوع المقطوعة على الحيطان والنوافذ البالية ، متنظرة دورها في المشرحة التي ستحيلها الى ارائك او توابيت ، والاعمى ينتظر دوره في خاتمة عمياء مثله .
كانت هناك انهيارات وزلازل ارضية . شيء ما اشبه بيوم قيامة صغير ، لكن استنتاجاتي ظلت حائرة ومؤلمة ، بيد ان شفيته تقولان اكثر من ذلك .
بقيت ارقبه عن كثب وانا اشفط قدح الشاي من بائع جوال .
تعالى اذان الظهر ،فانسل من مكانه بهدوء ، وراح يخطو ببطء ويطرق بعصاه الحيطان ، طرقات لها نغمة يفهمها هو وحده . تريث قليلا ، ثم واصل السير فتبعته وانا لا ادري ما الذي يشدني اليه .
كانت شفتاه تتممان شيئا لا افهمه حين التقيت فجأة بصديق قديم كنت قد افترقت عنه فترة طويلة ، امسك بتلابيبي واخذ يكيل لي العتاب واللوم .
استسمحته عذرا ان يطلق يدي الان كي لا افقد ضالتي . تركني الرجل خائبا وهو يلعن صداقتنا المغشوشة التي خُدع بها طوال هذه السنين .
اختفى الرجل عني في الازقة الضيقة وفقدت الامل بالعثور عليه ، وبقيت الوب في كل زاوية او ركن . ثلاثة ايام مرت بلياليها وهو لا يقرب مكانه الذي تالف عليه واحبه .
تجلت امام باصرتي سحنته الحزينة ، فعرفت انه كائن مهموم ومبتلى ، ينفذ اصعب مهمات حياته على الاطلاق . كنت ارى فيه مرئيات على شظايا مراة وسخة مهشمة .
اجزاء واحلام وصور ،كلها معا ، تجتاز عينيه المقفلتين بعشرات الخطوط والبيانات الوهمية ، وتستقر بصورة موحدة اخيرة في مكان ما لا ادري ما هو .
كنت احدق فيه واجهد نفسي في ان ألمّ تلك الصورة الخارجية المتوارية وراء ضباب الاشياء الشاحبة التي تفصلني عنه .
أجدّ في البحث عنه ، في هذا الزقاق او ذاك . مزق من معالم وخيالات تطل نحوي من بين عشرات الشقوق المتقاطعة والمتداخلة ، المختلطة ببعضها والمبهمة . اشياء كثيرة تومض بضوء يلفظ انفاسه ، متشتتا في وقت لا موجب
له .
في البيت رويت قصته لاهلي ، قالوا لي : ( انك تتوهم في هذا كله ) .
ثمة مقعد خال امام مقهى صغير . جلست عليه وتركت ذاكرتي وراء ظهري ودفعت بمخيلتي الى اخر مدى من عزلتها ، كلها ترسو على ضفة من ضفاف هذا الحي العتيق . بحماس وحمى ، وبمئات المرات ، كانت جعبة ذاكرتي تنتقل الى مخيلتي ، فذلك هو سببها الوحيد لتخطي العزلة التي تفصلني عنه ، اما ما يخص عاطفتي ، فان الامر يتشابك ويختلط الى حد غامض .
مرئيات الملمها في جهود مساري اليومي الشاق حيث يطيش تركيز النظر الى ابعد مدى ممكن .
انتهيت الى زقاق ضيق جدا ، اتكأت هامات بيوتاته على الاخرى بجذوع غليظة داكنة . كانت حيطان الزقاق هرمة متاكلة ، وقد انتفخت أوداج البعض منها مثل امراة في شهرها التاسع تنتظر المخاض .
تمهلت قليلا وهمست مع نفسي : ( ترى اين تنتهي حدود هذا الزقاق العطن ، ومن اين تتسرب رائحته الكريهة التي تستقبل الداخلين اليه ؟ ) .
كانت هناك ركامات قد اتمت زحفها ، وآلت الى لوح ترابي طويل منخفض جراء مرور المشاة فوقه .
تلك هي بيوتات حي ( الميدان ) . حيطان جرباء واسس نخرة ومأوى رحب للفئران والعقارب والافاعي والقطط الصغيرة والعناكب . تساءلت مع نفسي ( كيف حفظ الاعمى تلك الخارطة العجيبة ، وكيف تلاشى في احشائها ؟ هل احتفظت بها ذاكرته فحسب ، أم قدماه اللتان كانتا تطلقان مجساتهما الوهمية بين الحجارة وطرطشة المياه الاسنة المندلقة بشدة نحو النهر ، فتدرجان من فوهة الزقاق الذي يفضي الى الخرابة المعزولة ) .
ترددت كثيرا في عبور ذلك الزقاق الى زقاق آخر . لقد كان مجرد التفكير بالعبور يستدعي مني وقفة طويلة مع النفس ، فكل بيت فيه مغلق على حياته الخاصة ، وما ينبغي لاحد ان يتجاسر على مجرد المرور لئلا تخدش اصداء خطواته تلك الغلالة الداكنة من السرية التي تحرس البيوت واهلها .
تجلت لي بألق ارض حي ( الميدان ) على ضوء النهار الذي يرش كل زواياها واركانها ، فقد شاخت الازقة والبيوتات وهرمت ، واصبح كل بيت فيها يضم نفسه الى الذي يليه ملتمسا جدارا لم يعد له وجود ابدا.
ظلت البيوت مسربلة بذلك العري الفاضح ، فليس ثمة سبيل الى حفظ حيائها وصون عفافها وراء الابواب الموصدة .
لقد تقلصت الارض ، وانكفأت اطرافها . اصبحت بقعة مستطيلة يفيض النظر عن حدودها القريبة وبالذات التي تطل على ضفة النهر العريض .
بقيت واقفا في فوهة الزقاق وقد تكدست المدينة خلفي باسواقها وسياراتها وشوارعها العتيقة المتخمة بالصخب والفوضى والصراخ .
أفقت على هاجس يدعونني الى التخلي عن ذلك الاعمى الضال . شيء ما يشدني الى كلمة الفصل بين السراب والحقيقة.
أشباح اطلت من طرقة باب ، كانوا رجل وامراة وصبي . أخرجوا ألسنتهم وقالوا لي بحدة :
-ماذا تريد يا هذا ؟
تواترت الاشياء والملامح في عيني مثل مطر يصنع لي الحياة .
هنا في هذا الحي المتداعي تتشابك الامور الى حد غامض ، فاجهد خيالي في العثور عن منفذ الج منه الى الفضاء الرحب .
أغور واستنتج وارسم وانحت واجاري رغبات تولد في داخلي ، الواحدة تلو الاخرى وبلا هوادة .
رأيت فتاة تطل نحوي من فتحة شباك ، اسياخه صدئة . اتوهم انها فارعة الطول من اثار شعرها المحلق في الفضاء المحيط بها ، من اختلاف الظل المتحرك حولها .
غمزت بجفنها الايسر ، ولوّحت لي بكفها كمن تدعونني الى شيء تفحص به انوثتها . حولت باصرتي عنها ، لكنها بصقت وراحت تشتمني . قفلت عائدا اتوكأ على الاصوات والحيطان والحدس وحركة الظلال .
ثمة ظل اخر مطبوع ، يرتجف قبالتي على ظل أدكن منه ، يمكن لي ان أقول انه باب لبيت او فم كبير او دهليز او كهف .
تخطيته وانحدرت مسرعا من زقاق شديد الميل ، أنط هنا وهناك خشية الانزلاق في الوحل والفضلات الادمية المتوزعة بانتظام اسفل الحيطان ، مثل نقوش على ارضية صماء .
عند منعطف سوق ( النجارين ) بيت هرم ، يسد منفذه الوحيد باب خشبي مبطن ببقايا عبوات سمن صدئة .
توابيت وارائك ورفوف وجذوع مقطوعة رصت بنسق على حائط البيت وحجبت عنه ضوء النهار وأعين الناس .
سمعت نشيجا متقطعا يقترب مني عند الوجه الاخر للمنعطف .
طرق اذناي عويل مجسد لا عهد لي به .
كان صاحب ذلك العويل يحاول عبثا اخفاء حرقته من الالم ، ولم يستطع حبسها ، فشرق بعبرته ، واراد ان يجنب ابنه مشهده وهو يبكي .
لعله الان يتشاغل بفعل شيء في هذا الذي يسمونه بيتا ، ويتعمد ايهام الصبي الذي يئن من الحمى هو الاخر .
كان الصبي يعلم ان والده يبكي ، ولا يدري ان باصرتي كانت تقتنص كفه الواهنة وهي تمسد جبهته الحامية .
يتعالى صوت الاعمى جاهدا :
– اصبر يابني ، ولا تقنط من رحمة الله …
+++++++++++++++++++++++++++++
حي الميدان : من الاحياء الشعبية العتيقة لمدينة الموصل . يقع على الضفة اليمنى لنهر دجلة ويطل البعض منه على ضفة النهر :
بوابة ( حمام القلعة ) : من الابواب القديمة لسور مدينة الموصل ايام زمان ، تؤدي الى نهر دجلة ويقصدها في اغلب الاحيان صيادو الاسماك .
سوق ( النجارين ) : من الاسواق الشعبية التراثية الفلكلورية الموصلية ايام زمان وحتى يومنا هذا . يقع في حي ( الميدان ) وتكثر في ازقته الضيقة جذوع الاشجار المقطوعة التي تصنع منها اسرة النوم والارائك ومهود الاطفال وتوابيت الموتى والتخوت .





