وطني… حين يصبح الحنين وطنًا آخر/سوزانه زين الدين

يا موطني… يا قصيدةً لم تنتهِ أبياتُها، ويا حكايةً كلما ظننتُ أنني تجاوزتُها أعادتني إليها رائحةُ المطر.
أحبّكَ… لا لأنّكَ الأرضُ التي حملتْ خطايَ الأولى، ولا لأنّ اسمَكَ عالقٌ في شهاداتِ ميلادي، بل لأنّ فيكَ شيئًا لا تستطيعُ المسافاتُ انتزاعَه، شيئًا يشبهُ نبضَ الأمِّ حين تنادي ابنَها من آخرِ الحكاية.
أحبّكَ رغمَ ما بيننا من عتاب، رغمَ النوافذِ التي أُغلقتْ في وجهِ أحلامنا، ورغمَ الطرقاتِ التي حفظتْ أسماءَ الراحلين ونسيتْ كيفَ تعيدُ العائدين.
يا موطني… كم مرّةً حملتُكَ في حقيبتي دون أن يراكَ أحد؟ كم مرّةً خبّأتُ ترابَكَ في صوتي، ومضيتُ إلى بلادٍ أخرى أفتّشُ عن شيءٍ يشبهُكَ، فوجدتُ المدنَ واسعةً، لكنّ قلبي لم يجدْ فيها مقعدًا يتّسعُ لكلِّ هذا الحنين.
هناك… حيثُ لا يعرفُ أحدٌ أسماءَ شوارعنا، ولا يفهمُ لماذا نبتسمُ حين نسمعُ لهجتنا، ندركُ أنَّ الوطنَ ليسَ خريطةً معلّقةً على جدار، بل تفاصيلُ صغيرةٌ تسكنُنا دونَ استئذان: بابٌ قديم، وصوتُ أمٍّ، وظلُّ شجرةٍ، ورغيفٌ ساخنٌ كان يجمعُ العائلةَ حولَ مائدةٍ واحدة.
لكنّني لا أريدُكَ وطنًا من الذكرياتِ فقط، ولا أريدُ أن أحبَّكَ من بعيد كي لا أرى جراحَكَ عن قرب.
أريدُكَ وطنًا لا يضطرُّ فيه الإنسانُ إلى الرحيلِ كي يعيش، ولا يخشى فيه الحالمُ من أحلامه، ولا تبحثُ فيه الأمُّ عن الأمانِ لأبنائها خارجَ حدودِ بيتها.
أريدُكَ أرضًا لا يُقاسُ فيها الإنسانُ بما يملك، ولا تُصادَرُ فيها الكرامةُ باسمِ الضرورة، ولا يصبحُ الاختلافُ تهمةً، ولا يكونُ الحلمُ ترفًا مؤجّلًا.
فالوطنُ ليسَ رايةً نرفعُها في المناسباتِ فحسب، ولا نشيدًا نردّدُه حينَ تطلبُ الحناجرُ التصفيق، الوطنُ أن يكونَ الإنسانُ آمنًا في إنسانيّته، حرًّا في فكره، مُصانًا في كرامته، وأن يجدَ في أرضه سببًا للبقاء لا ألفَ سببٍ للرحيل.
يا موطني… إن غبتُ عنكَ، فلا تظنَّ أنّ المسافاتِ قد أخذتني، أنا هناكَ حيثُ يمرُّ اسمُكَ في خاطري، وحيثُ يوقظُني الحنينُ من نومٍ لم يكنْ عميقًا بما يكفي لنسيانك.
سأظلُّ أحبُّكَ، لكنّني سأظلُّ أحلمُ بكَ أيضًا، فالحبُّ الذي لا يتمنّى لمن يحبُّ أن يكونَ أفضل ليسَ إلا عادةً ترتدي ثوبَ العاطفة.
وإن سألوني يومًا: أينَ وطنُكِ؟
سأقولُ: ليسَ حيثُ وُلدتُ فحسب، بل حيثُ أستطيعُ أن أكونَ أنا، دونَ خوفٍ، دونَ انكسار، دونَ أن أعتذرَ عن حقي في الحياة.
وطني… أريدُكَ أن تكونَ وطنًا لا نحتاجُ بعدهُ إلى البحثِ عن وطن.



