التحليل التداولي ومستوياته في ديوان أبجدية الروح للشاعر الكبير عبدالعزيز المقالح – زياد السالمي

لم تعد القصيدة الحديثة محكومة بضرورة التعبير عن حالة وجدانية مكتملة أو نقل صورة شعورية ثابتة؛ فقد اتسعت بنيتها لتستوعب الحكاية والمشهد والحوار والاعتراف والمناجاة؛ وأصبحت قادرة على إنتاج حركة داخلية تتغير فيها مواقع المتكلم والمخاطَب؛ وتتعدد فيها مستويات القول ومقاصده، بل تتطلب مقاربة ديوان أبجدية الروح تداولياً تجاوز المعنى اللغوي المباشر إلى دراسة القول في مقام استعماله؛ والكشف عن مقاصد المتكلم؛ وعلاقته بالمخاطب؛ وآليات إنتاج المعنى الصريح والمضمر؛ وطرائق التأثير في المتلقي،أن البنية المميزة في الديوان لا تتحدد بمجرد حضور الحكاية أو الحوار أو المناجاة؛ وإنما تتجلى في انتظام هذه العناصر داخل حركة تخاطبية متغيرة؛ تتشكل فيها الذات عبر مخاطبة الله؛ ومحاورة النفس؛ واستحضار الغائب؛ ومواجهة الآخر؛ واستنطاق الأشياء، من خلال البحث أفعال الكلام؛ والإشاريات؛ وتعدد الأصوات؛ والاستفهام؛ والنداء؛ والاعتراف؛ والنفي؛ والحجاج؛ بوصفها آليات تتفاعل في بناء الحدث الشعري وتحريك التجربة، كما تتناول العلاقة بين الذاكرة والزمن والمكان؛ وانتقال الصوت من التجربة الفردية إلى الموقف الإنساني العام، وتخلص إلى أن الديوان يقدم نموذجاً لقصيدة تتأسس حركتها على ما ينشأ فيها من علاقات بين المتكلم والمخاطَب؛ وبما تحدثه هذه العلاقات من تحولات في الرؤية والموقف والانفعال، وبالتالي تنشأ أهمية قراءة ديوان أبجدية الروح؛ إذ لا يبدو الديوان مجرد مجموعة من النصوص التي تتجاور فيها الموضوعات الوجدانية والروحية والإنسانية؛ بل يكشف عن ميل واضح إلى تحويل التجربة إلى وضع تخاطبي: ذات تتكلم؛ وأخرى تجيب أو تعترض؛ وغائب يُستحضر؛ ومخاطَب يُناجى؛ وأشياء تُمنح القدرة على الكلام؛ وأسئلة لا تنتهي عند طلب الجواب؛ بل تصبح جزءاً من بناء المعنى،كما لا تتأسس شعرية الخطاب في ديوان أبجدية الروح على ما تقوله اللغة من معانٍ مباشرة فحسب؛ وإنما على ما تنجزه اللغة من أفعال؛ وما تستدعيه من مقاصد؛ وما تقيمه من علاقات بين المتكلم والمخاطب والسياق، فالقصيدة هنا ليست بنية لغوية مغلقة؛ بل ممارسة تخاطبية تتشكل داخلها الذات وهي تتكلم؛ وتعيد النظر في تجربتها وهي تسائلها؛ وتختبر علاقتها بالعالم من خلال النداء والاعتراف والمناجاة والحوار والاحتجاج، ومن ثم فإن الإفادة من التداولية لا تعني إسقاط مصطلحاتها على النصوص؛ بل تتطلب تتبع الكيفية التي ينتج بها الخطاب الشعري أثره: كيف يتحول الاستفهام من طلب للمعرفة إلى تعبير عن القلق الوجودي؟ وكيف يغادر النداء وظيفته التنبيهية ليصبح استغاثة أو استحضاراً للغائب؟ وكيف يتجاوز الاعتراف الإخبار عن الماضي إلى فعل مراجعة ومحاسبة؟ وكيف يتعدد الصوت داخل القصيدة حتى تصبح الذات في مواجهة ذاتها والعالم؟ وتتجلى أهمية هذه المستويات في أنها تتيح قراءة الديوان بوصفه بناءً تتفاعل فيه اللغة والسياق والقصد والمتلقي؛ وتتحول فيه الأقوال إلى أفعال مؤثرة في مسار التجربة الشعرية ونوضح ذلك على النحو الآتي:
أولاً: الأفعال الكلامية وتحول القول إلى فعل
يُعد هذا المستوى جوهر الدرس التداولي الحديث الذي دشنه جون أوستن وطوره جون سيرل؛ حيث ينتقل التحليل من مستوى “ما يقوله القول” إلى مستوى “ما يفعله القول”، يرى أصحاب هذا الاتجاه أن اللغة ليست مجرد أداة لوصف العالم الخارجي أو محاكاته؛ بل هي فعل إنجازي حقيقي يغير الواقع ويخلق أحداثاً جديدة كالوعد والأمر والتهديد والإعلان، يشير النقاد والباحثون إلى أن القوة الإنجازية للخطاب تستمد فعاليتها من شروط النجاح والمطابقة المقامية والاجتماعية التي تحيط بالمتكلم والمخاطب وقت التلفظ،إذ يمثل مفهوم الفعل الكلامي مدخلاً أساسياً إلى تداولية الخطاب؛ إذ لا ينحصر القول في نقل معلومة أو وصف حالة؛ بل قد ينجز المتكلم من خلاله أفعالاً مثل الاعتراف والاعتذار والوعد والطلب والتحذير والاستغاثة والاحتجاج، وبذلك يغدو التلفظ فعلاً له أثر في العلاقة بين المتكلم ومخاطبه؛ وفي تشكيل الموقف الذي يصدر عنه، وتتضح هذه الوظيفة في قصيدة ابتهالات؛ حيث يقول الشاعر:
سأعترف الآن
أني خدعت العصافير
أتي هجوت الحدائق
أتي اختصمت مع الشمس
أتي اتخذت طريقي إلى البحر منفرداً
لا يؤدي الفعل سأعترف وظيفة الإخبار عن تجربة سابقة فحسب؛ بل يعلن انتقال الذات إلى موقف جديد من نفسها؛ فالاعتراف فعل كشف ومواجهة؛ يضع المتكلم في موضع المساءلة؛ ويعيد ترتيب علاقته بماضيه، وتكتسب عبارة الآن أهمية تداولية؛ لأنها تحدد لحظة الإنجاز؛ وتفصل بين زمن الفعل السابق وزمن الاعتراف به، أما تتابع الأفعال خدعت؛ وهجوت؛ واختصمت؛ واتخذت؛ فيحوّل الاعتراف إلى سلسلة من الأفعال التي تكشف اضطراب العلاقة بين الذات والعالم، ولا يقف هذا التحول عند حدود الاعتراف؛ بل يتصل بطلب التطهر والمغفرة؛ حين يقول:
هل لي خلف المدى توبة تصطفيني؛
ونافذة تحتويني؟
وهل للكلام المحوط بالسر؛
أن يفتدي وحشة الغاب
أن يمنح القلب شيئاً من الضوء؟
فالاستفهام هنا لا ينتظر جواباً تقريرياً؛ وإنما ينجز طلباً ورجاءً؛ ويكشف حاجة الذات إلى الخلاص، ومن ثم تتداخل في الخطاب أفعال السؤال والالتماس والمناجاة؛ ويتحول القول إلى وسيلة لاستعادة الصلة بما فقدته الذات من طمأنينة، ويبلغ هذا التداخل ذروته في النداء المباشر:
إلهي
تغسله من بقايا الجنون
ومن موجات الحريق،
فالنداء ليس مجرد افتتاح لخطاب ديني؛ بل هو فعل توجيه وتضرع؛ يستحضر المخاطب الأعلى ويجعل اللغة مجالاً للطلب والافتقار، وتؤدي الأفعال تغسله وتمنح وتحتويني وظيفة تتجاوز معناها المعجمي إلى بناء صورة الخلاص الذي تتطلع إليه الذات، ويتخذ الفعل الكلامي في قصيدة مفاتيح إلى ثكنات الروح بعداً جماعياً واحتجاجياً؛ إذ يقول الشاعر:
أعيدوا لي وطني
أعطوني ماء لا حرباً
خبزاً لا جثثاً ودماء،
تنتظم هذه العبارات في صيغة الأمر؛ غير أن القوة الإنجازية فيها لا تتمثل في إصدار أوامر سلطوية؛ وإنما في الاستغاثة والاحتجاج والمطالبة باسترداد شروط الحياة، وتكشف المقابلة بين ماء وحرب؛ وبين خبز وجثث ودماء عن انتقال الخطاب من التعبير عن ألم الذات إلى مساءلة واقع جماعي مختل، فالمتكلم لا يطلب شيئاً خارج ضروريات الوجود؛ إنه يطالب بالحد الأدنى الذي يجعل الحياة ممكنة، وتتضح هنا إحدى خصائص الديوان: أن الفعل الكلامي لا يبقى محصوراً في دائرة الانفعال الفردي؛ بل يتسع ليصبح موقفاً أخلاقياً وإنسانياً؛ تتخذ فيه اللغة وظيفة الاحتجاج على العنف واستعادة الحق في الوطن والحياة،
ثانياً: القصدية والاستلزام الحواري؛ من المعنى المنطوق إلى المعنى المضمر
يختص هذا المستوى بدراسة ديناميكية التفاعل الثنائي أو الجماعي وإدارة الحوار وتناوب الأدوار بين المتحاورين؛ من خلال تحليل الأزوج المجاورة واستراتيجيات الإصلاح والتصحيح، يرى علماء تحليل الخطاب أن التواصل البشري عملية تشاركية بامتياز وليست أحادية الجانب؛ حيث تُبنى المعاني تدريجياً عبر الأخذ والعطاء بين المتحدث والسامع، يرى النقاد أن هذا المستوى يفكك البنية البنيوية البحتة للنص ليجعلنا أمام كائن حي يتنفس عبر التفاعل المتبادل والقدرة على إدارة دفة الحديث باقتدار، فلا يستنفد المعنى الشعري في الديوان ما تقوله العبارة على سطحها؛ إذ كثيراً ما يتولد المعنى الأعمق من المسافة بين المنطوق والمقصود؛ ومن اعتماد الخطاب على خلفية مشتركة أو معرفة ضمنية أو مفارقة لا يصرح بها الشاعر، وتظهر هذه الظاهرة في قصيدة سبع قصائد لاشتعال الأرجوان؛ في الحوار الذي يقيمه الشاعر مع البحر:
قال لي البحر:
إياك والكلام
فالكلام مجرد..
قلت: هل للصمت لغة؟
إن ظاهر القول يتصل بالنهي عن الكلام والسؤال عن لغة الصمت؛ لكن المقصد يتجاوز هذا المعنى المباشر إلى مساءلة قدرة اللغة على التعبير؛ وحدود القول في مواجهة التجربة، فالبحر؛ بوصفه صوتاً رمزياً؛ لا يقدم معلومة عن الكلام؛ وإنما يثير إشكالاً معرفياً وجمالياً: هل يستطيع الصمت أن يؤدي ما يعجز عنه الكلام؟ وهل تكون اللغة أحياناً في ما تحجبه أكثر مما تكون في ما تكشفه؟ وتنشأ المفارقة من أن الشاعر يسأل عن لغة الصمت مستخدماً الكلام نفسه؛ أي إن الخطاب يضع نفسه داخل الإشكال الذي يناقشه، وهكذا لا يكون السؤال مجرد استفهام؛ بل يصبح أداة لتوليد المعنى؛ ووسيلة لتوسيع أفق القراءة من الدلالة المباشرة إلى التأمل في طبيعة التعبير الشعري،وتتخذ القصدية بعداً آخر في قصيدة من مواقف سفيان الصنعاني؛ حيث يقول:
ضحكت كثيراً
فكافأني الله بالحزن
عذبني بالكآبة والأصدقاء،
ثم يقابل ذلك بقوله:
بكيت كثيراً
فكافأني الله بالحلم
بالفرح النبوي،
تقوم البنية على مفارقة بين الفعل والجزاء؛ فالضحك الذي يرتبط عادة بالفرح يعقبه الحزن؛ والبكاء الذي يرتبط بالألم يعقبه الحلم والفرح، ولا يقصد الخطاب تقرير علاقة سببية حرفية بين الضحك والحزن أو بين البكاء والفرح؛ وإنما ينشئ مفارقة تكشف اضطراب التجربة الإنسانية؛ وتحول الأحكام المألوفة إلى موضوع للتأمل، إن عبارة فكافأني الله بالحزن تكتسب قوتها من مخالفة التوقع؛ فلفظة كافأني تستدعي في أصل استعمالها معنى الجزاء الحسن؛ غير أن إسنادها إلى الحزن يقلب أفق الانتظار؛ ويجعل المفارقة وسيلة للتعبير عن تجربة تتداخل فيها النعمة والابتلاء؛ والفرح والألم،وهنا يتجاوز المعنى حدود العبارة إلى ما تستدعيه من تأويل؛ وتتحول المفارقة إلى آلية تداولية تكشف أن المعنى الشعري لا يُستخرج من المفردات منفردة؛ بل من علاقاتها ومقاصدها والسياق الذي تنتظم فيه،
ثالثاً: الإشاريات وتموضع الذات وتحولات مركز التلفظ
تُعنى الإشاريات بتحديد العناصر التي لا يتضح معناها إلا بالرجوع إلى مقام التلفظ؛ مثل ضمائر المتكلم والمخاطب؛ وأسماء الإشارة؛ وظروف الزمان والمكان؛ وألفاظ القرب والبعد، وهي في الخطاب الشعري لا تؤدي وظيفة إحالية فحسب؛ بل تكشف موقع الذات من العالم؛ وطبيعة علاقتها بالمخاطب؛ وتحول رؤيتها من لحظة إلى أخرى، ويظهر ذلك بوضوح في قصيدة فاتحة؛ حيث يقول الشاعر:
أنا المنفي بين خرائب الأرواح
داخل حفرة للوقت
خارج وردة للعشق،
تتأسس الصورة على حضور ضمير المتكلم أنا بوصفه مركزاً للإحالة؛ غير أن هذا المركز لا يستقر في مكان محدد؛ فالذات منفية وواقعة داخل حفرة الزمن وخارج وردة العشق، وتكشف هذه الإشاريات المكانية عن وضع وجودي مأزوم؛ إذ تتوزع الذات بين الداخل والخارج؛ وبين الاحتواء والإقصاء؛ وبين زمن يضيق بها وعاطفة تبدو بعيدة عنها، ويتعزز هذا التوتر في قوله:
سأرحل تاركاً ظلي،
فالإشارة إلى المستقبل في سأرحل لا تعلن حركة مكانية فحسب؛ بل توحي بانقطاع مرتقب بين الذات وأثرها، أما ظلي فيمثل بقايا الحضور التي تبقى بعد مغادرة صاحبها؛ فتتولد من العلاقة بين ضمير المتكلم والمضاف إليه صورة وجودية قوامها الرحيل والانفصال، وتتسع الإشاريات في قصيدة صوتان لتتحول إلى وسيلة لتبادل مواقع التلفظ بين صوتين، يبدأ الصوت الأول بقوله:
منفرد في صحراء الصمت
غريب في ساعات الكر
وفي ساعات الفر
تحطم روحي شوقاً،
ثم يتدخل الصوت الثاني:
مهلاً..
إن مهلاً ليست كلمة عابرة؛ إنها فعل إيقاف وتدخل في مسار القول؛ تعيد تنظيم العلاقة بين المتكلمين؛ وتمنع الصوت الأول من الاستمرار في انفراده، ثم يتقدم الخطاب إلى مساءلة الذات:
ما بك؟
هل شفت روحك يا هذا؛
وأماط الخوف ستار الرغبة؛
أم داهمك الحزن ففاضت أقداحك؟
ويأتي الرد:
يا وجعي..
إن الانتقال من أنا الضمنية في صوت المتكلم الأول إلى أنت في خطاب الصوت الثاني؛ ثم العودة إلى التعبير الذاتي في يا وجعي؛ يكشف حركة في مركز التلفظ، فالذات تصبح متكلماً ومخاطباً في آن؛ وتتحول إلى موضوع للمساءلة من خلال صوت آخر يبدو مستقلاً عنها؛ لكنه يؤدي وظيفة الكشف عن باطنها، وهكذا لا تعمل الإشاريات بوصفها علامات نحوية فحسب؛ وإنما تتحول إلى آليات لبناء المشهد النفسي؛ وتحديد المسافة بين الذات ونفسها؛ وبينها وبين الآخر،
رابعاً: الحوارية وتعدد الأصوات؛ درامية الخطاب الشعري
تتجلى الحوارية حين لا ينفرد صوت واحد بإنتاج المعنى؛ بل يتشكل الخطاب من تفاعل أصوات ومواقف ووجهات نظر متباينة، وفي هذه الحالة لا يكون الحوار مجرد تبادل لغوي بين شخصيات؛ بل يصبح بنية داخلية تنظم التجربة الشعرية وتمنحها طابعاً درامياً، وتعد قصيدة صوتان النموذج الأوضح لهذا المستوى؛ فهي لا تعرض تجربة انفعالية بصوت واحد؛ بل تقسم الخطاب إلى صوت أول وصوت ثانٍ؛ وتوزع بينهما وظائف التعبير والمساءلة والتوجيه، يقول الصوت الأول:
منفرد في صحراء الصمت
غريب في ساعات الكر
وفي ساعات الفر
تحطم روحي شوقاً،
ثم يأتي الصوت الثاني:
مهلاً..
ويتقدم الحوار:
كان عليك لتخترق الصمت
وتوقظ ما كان يسمى قلباً
أن تعرف أن الناس
يساوونك في الخوف
يساوونك في الموت،
ويجيب الصوت الأول:
ما بك؟
ثم يتابع الصوت الثاني:
هل شفت روحك يا هذا؛
وأماط الخوف ستار الرغبة؛
أم داهمك الحزن ففاضت أقداحك؟
ويعود الصوت الأول:
يا وجعي..
إن هذا التناوب لا يؤدي وظيفة شكلية تتمثل في تقسيم القصيدة إلى مقاطع حوارية؛ بل يكشف عن انقسام داخلي في بنية الذات، فالصوت الأول يمثل التجربة وهي تعيش الألم؛ بينما يتولى الصوت الثاني مساءلة التجربة وتفسيرها وربطها بما هو إنساني مشترك، ومن ثم يتحول الحوار إلى وسيلة لإنتاج المعرفة بالذات، وتتأكد هذه الوظيفة في قول الصوت الثاني:
لا تحزن إن الله معك
لا تحزن إن الشعر معك
لا تحزن إن الفقر معك،
يتكرر التركيب لا تحزن؛ لكنه لا يؤدي وظيفة النهي بمعناه الزجري؛ بل ينهض بوظيفة المواساة والتثبيت النفسي، وتتدرج الجملة من الاستناد إلى المعية الإلهية إلى المعية الشعرية ثم إلى معية الفقر؛ في بناء يضع التجربة الفردية داخل شبكة من المعاني المتباينة: الإيمان؛ والإبداع؛ والمعاناة، وتظهر الحوارية أيضاً في قصيدة سبع قصائد لاشتعال الأرجوان؛ من خلال تبادل القول بين الشاعر والبحر؛ كما تظهر في النص الذي يقول فيه:
قال لي: وأنا بأصابعي المتعبات؛
بحزني الذي لا يرى
أتحسس وجه الطريق
وأغسل في مائه شجني..
ثم يأتي جواب الشاعر:
قلت: الشتاء رسول إلى الله
بالماء يبسط راحته
والربيع حديقة شعر
تدندن في هضبات القصيدة
والروح،
هنا لا يقتصر الحوار على تبادل الجمل؛ بل ينشئ فضاءً تأويلياً تتداخل فيه الطبيعة والذاكرة والوجدان، فالفصول تتحول إلى موضوع للمساءلة؛ ويصبح الشتاء والربيع والصيف والخريف رموزاً لتقلبات التجربة الإنسانية؛ وتتحول المحاورة إلى وسيلة لإعادة تأويل العالم، وتكشف هذه النماذج أن الحوارية في الديوان ليست مجرد تقنية سردية مستعارة؛ وإنما آلية شعرية لتفكيك الصوت الواحد؛ وإظهار التوتر بين التجربة وتأملها؛ وبين الانفعال ومراجعته،
خامساً: الافتراض المسبق والخلفية المرجعية للخطاب
يقوم الافتراض المسبق على معانٍ يستند إليها المتكلم كما لو كانت معلومة أو مسلّمة لدى المخاطب؛ دون أن يصرح بها تصريحاً كاملاً، وتكتسب هذه الآلية أهمية في الشعر؛ لأنها تسمح للنص بأن يبني عالماً دلالياً واسعاً اعتماداً على إشارات محدودة؛ وتدفع المتلقي إلى استحضار خلفيات تتجاوز حدود العبارة، ويتجلى ذلك في قصيدة مفاتيح إلى ثكنات الروح؛ حيث يقول الشاعر:
انشق الليل؛
ذئاب سود تبتلع الأرض
رصاص يركض في أحشاء الناس
وجوه محترقات قباب؛
وشوارع تتهاوى،
إن هذه الصور لا تشرح أسباب الحرب ولا تسرد تفاصيلها؛ بل تفترض معرفة المتلقي بعالم الخراب الذي تشير إليه، فالرصاص والوجوه المحترقة والشوارع المتهاوية علامات تستدعي خلفية تاريخية واجتماعية قوامها العنف والدمار وفقدان الأمان،
ويأتي النداء الاحتجاجي:
أعيدوا لي وطني
أعطوني ماء لا حرباً
خبزاً لا جثثاً ودماء،
ليؤكد أن الخطاب لا يتحدث عن وطن مجرد؛ بل يفترض وطناً انتُزع من أهله أو اختل أمنه؛ وحياةً اختلطت فيها ضروريات العيش بمظاهر الموت،
وفي قصيدة بكائية يقول الشاعر:
بعد عامين من الرحيل
أكمل الموت دورته السنوية
والحزن ما زال يرخي عباءاته،
إن عبارة بعد عامين تفترض حدثاً سابقاً هو الرحيل؛ بينما تفترض عبارة دورته السنوية تكرار استحضار الموت في الذاكرة، ولا يقدم النص تفاصيل الرحيل؛ بل يجعل أثره النفسي هو مركز الخطاب، فالمتلقي لا يعرف بالضرورة ملابسات الفقد؛ لكنه يدرك أن مرور الزمن لم ينهِ الحزن؛ وأن الذاكرة لا تزال تستعيد الغائب، ويؤدي هذا الاقتصاد في التصريح إلى توسيع المشاركة التأويلية؛ إذ لا يفرض النص على القارئ رواية مكتملة؛ وإنما يترك له أن يستكمل الخلفية من خلال القرائن؛ وأن يعيد بناء التجربة من آثارها، وتظهر هذه الآلية كذلك في قصيدة خمس قصائد للصداقة؛ في المقطع:
حين تمضي الوعول إلى الماء؛
مخفورة بالصحاب
تعود؛ وتلك التي لا صحاب لها
لا تعود إلى النبع،
فالخطاب يستدعي خلفية رمزية عن الجماعة والحماية والنجاة؛ ويجعل من حركة الوعول صورة لعلاقة الكائن بالجماعة، ولا يصرح النص مباشرة بالحكمة التي يريدها؛ بل يترك للصورة أن تحمل دلالتها؛ وأن ينتقل المتلقي من المشهد الطبيعي إلى المعنى الإنساني المتعلق بالصحبة والافتقاد،
سادساً: الاستفهام والقصد الحواري؛ السؤال بوصفه بنية للقلق والمعرفة
يحتل الاستفهام موقعاً بارزاً في الديوان؛ لكنه لا يؤدي وظيفة واحدة؛ فقد يكون طلباً للمعرفة؛ أو إنكاراً؛ أو تعجباً؛ أو حيرة؛ أو احتجاجاً؛ أو استدعاءً للمتلقي كي يشارك في إنتاج المعنى، ولذلك فإن تحديد قيمته التداولية يقتضي النظر إلى السياق الذي يرد فيه؛ وإلى العلاقة بين المتكلم والمخاطب؛ وإلى طبيعة القضية التي يثيرها، في قصيدة صوتان يقول الشاعر:
هل أخطأت العنوان
أم أخطأك العنوان؟!
لا يطلب الاستفهام هنا تحديد عنوان مكاني؛ بل يفتح احتمالين متقابلين: أن تكون الذات قد أخطأت طريقها؛ أو أن يكون الطريق نفسه قد أخفق في استقبالها، وتكشف المقابلة بين أخطأت وأخطأك عن اضطراب العلاقة بين الإنسان والعالم؛ فالذات لا تعود واثقة من مسؤوليتها عن التيه؛ ولا من مسؤولية العالم عنه، ويتحول السؤال بذلك إلى صيغة فلسفية لمساءلة المصير والاختيار والاغتراب، وفي قصيدة ابتهالات يقول:
هل لي خلف المدى توبة تصطفيني؛
ونافذة تحتويني؟
يتحول الاستفهام إلى رجاء؛ ويغدو السؤال صيغة من صيغ الدعاء، فالمتكلم لا ينتظر جواباً لغوياً مباشراً؛ وإنما يتطلع إلى فعل يتجاوز حدود اللغة؛ وهو التوبة والاحتواء والخلاص، أما في قصيدة سبع قصائد لاشتعال الأرجوان:
هل للصمت لغة؟
فالسؤال يثير إشكالاً معرفياً وجمالياً حول حدود التعبير؛ ويضع المتلقي أمام مفارقة أن الصمت قد يكون حاملاً لمعنى لا تستطيع اللغة المنطوقة الإحاطة به، ويبلغ الاستفهام طابعه الوجودي في فاتحة:
هل تستطيع اللغات التي ستموت معي
والقصائد
أن تعبر الدهشة الصامتة؟
إن السؤال لا يتعلق بقدرة اللغة على التعبير عن موضوع محدد فحسب؛ بل بحدود اللغة أمام تجربة الموت والدهشة، وتصبح اللغات والقصائد موضوعاً للمساءلة؛ بعد أن كانتا أداتين للتعبير، وبذلك تنقلب العلاقة بين الشاعر ولغته: فالشاعر الذي يستعين باللغة ليكشف تجربته؛ يتساءل هنا عن قدرتها على مصاحبة تجربته إلى نهايتها، وتتكرر هذه الوظيفة في قصيدة في يفرس؛ حيث يقول:
ما الذي قد تبقى لنا؟
ما الذي قد تبقى؟
إن تكرار السؤال لا يضيف معلومة جديدة؛ بل يضاعف أثر الفقد؛ ويجعل السؤال نفسه علامة على استنفاد الاحتمالات، فالاستفهام هنا ليس بحثاً عن جواب بقدر ما هو تجسيد للحظة انكسار لا تجد الذات فيها ما تتكئ عليه، ومن مجموع هذه الشواهد يتضح أن الاستفهام في الديوان ليس بنية نحوية محايدة؛ بل استراتيجية تداولية تتنوع وظائفها بين طلب الخلاص؛ ومساءلة الوجود؛ والاحتجاج على الواقع؛ واستكشاف حدود اللغة،
سابعاً: الحجاج وتوجيه المتلقي وبناء الموقف
لا يقتصر الخطاب الشعري على التعبير عن المشاعر؛ بل يتضمن أحياناً بناء موقف يراد إقناع المتلقي به أو دفعه إلى إعادة النظر في قضية ما، وهنا تتجلى الوظيفة الحجاجية للغة؛ من خلال ترتيب الحجج؛ والمقابلة بين المعاني؛ والتكرار؛ والاستدعاء الوجداني؛ وصياغة القول في هيئة طلب أو نهي أو تقرير، ويظهر ذلك في قصيدة مفاتيح إلى ثكنات الروح؛ حيث يقول الشاعر:
أعيدوا لي وطني
أعطوني ماء لا حرباً
خبزاً لا جثثاً ودماء،
تتأسس الحجة هنا على مقابلات لا تحتاج إلى استدلال مطول؛ فالماء في مواجهة الحرب؛ والخبز في مواجهة الجثث والدماء، ويستمد الخطاب قوته من بداهة القيمة الإنسانية التي يدافع عنها، فالشاعر لا يقدم موقفاً سياسياً مجرداً؛ بل يستند إلى حق الإنسان في الحياة؛ ويجعل المتلقي أمام مفارقة أخلاقية لا يمكن تسويغها: كيف تتحول الحاجات الأولية إلى مطالب في واقع الحرب؟ ويعتمد النص على التوازي التركيبي بين أعيدوا وأعطوني؛ وبين ماء وخبز؛ بما يمنح المطالبة إيقاعاً حجاجياً متصاعداً، كما أن المقابلات لا تؤدي وظيفة تجميلية؛ بل تنظم بنية الموقف وتجعله أكثر وضوحاً وتأثيراً، وفي قصيدة صوتان يتجه الخطاب إلى حجة إنسانية تقوم على وحدة المصير:
أن تعرف أن الناس
يساوونك في الخوف
يساوونك في الموت،
تتكرر عبارة يساوونك لتؤسس معنى المشاركة في الضعف الإنساني؛ وتنتقل الذات من تصور عزلتها إلى إدراك اشتراكها مع الآخرين في الخوف والموت، وهذا التحول ذو أثر حجاجي؛ لأنه ينقض وهم التفرد بالمحنة؛ ويعيد إدراج الألم الفردي ضمن التجربة الإنسانية العامة، وتؤدي صيغة التوجيه في:
لا تحزن إن الله معك
لا تحزن إن الشعر معك
لا تحزن إن الفقر معك،
وظيفة حجاجية وجدانية؛ إذ تتكرر صيغة النهي لتثبيت المتلقي أمام الحزن؛ ثم تتنوع مبررات المواساة، ويجمع التوازي بين المعية الإلهية والمعية الشعرية ومعية الفقر بين أفق روحي وأفق إبداعي وواقع اجتماعي، وتنبع قوة العبارة من المفارقة الأخيرة؛ فالفقر الذي يبدو سبباً للحزن يتحول إلى قرين للذات؛ لا يفارقها؛ فيكتسب موقعاً جديداً داخل بنية المواساة، ومن هنا تتضح خصوصية الحجاج الشعري في الديوان؛ فهو لا يعتمد على البرهنة العقلية المجردة وحدها؛ بل يمزج بين الحجة الوجدانية والصورة والمفارقة والتكرار؛ فيجعل التأثير في المتلقي جزءاً من بناء المعنى،
ثامناً: المخاطب والمتلقي وشروط المشاركة في إنتاج الدلالة
لا يظل المتلقي في الديوان خارج التجربة الشعرية؛ إذ كثيراً ما يبني الشاعر خطابه على افتراض وجود مخاطب يتوجه إليه؛ أو يستدعيه بالسؤال والنداء؛ أو يترك له فراغاً دلالياً يستكمل من خلاله المعنى، ويظهر ذلك في قصيدة خمس قصائد للصداقة؛ حيث يقول:
حين تمضي الوعول إلى الماء؛
مخفورة بالصحاب تعود؛
وتلك التي لا صحاب لها لا تعود إلى النبع،
إن الشاعر لا يقدم حكماً مباشراً عن الصداقة؛ وإنما يضع المتلقي أمام صورة رمزية؛ ويترك له أن يستخلص العلاقة بين الصحبة والنجاة؛ وبين الوحدة والحرمان، وتتحقق المشاركة هنا من خلال الانتقال من المشهد الحيواني إلى الدلالة الإنسانية؛ وهي عملية لا ينجزها النص وحده؛ بل تتطلب نشاطاً تأويلياً من القارئ، وتظهر المشاركة بصورة أكثر مباشرة في قصيدة صوتان؛ حين يواجه الصوت الثاني الذات بالسؤال:
ما بك؟ هل شفت روحك يا هذا؟
فالخطاب يضع المتلقي أمام مشهد حواري يمكن أن يتعرف فيه إلى تجربته الخاصة؛ إذ لا تبقى المساءلة محصورة في ذات الشاعر؛ بل تتحول إلى سؤال إنساني مفتوح عن الخوف والحزن والاغتراب، وفي قصيدة في يفرس يرد النداء:
أيها القلب كن حزماً
في مساحات واحد كن صديقي
في أبجديات الخياطة
لا تقرب إلا النار الخطى وحيداً،
هنا يتحول القلب إلى مخاطب؛ وتصبح الذات في علاقة حوارية مع كيانها الداخلي، ولا يقتصر أثر هذا النداء على تشخيص القلب؛ بل ينشئ مسافة بين المتكلم ومشاعره؛ تتيح له أن يوجه إليها النصح والأمر والتحذير، ويصبح القلب بذلك مخاطباً داخلياً يشارك في بناء التجربة؛ كما يصبح القارئ قادراً على إسقاط هذه العلاقة على صراعه الذاتي، وتبرز هذه الآلية في خطاب الشاعر إلى أهل القرية؛ حيث يتكرر النداء:
يا أهل القرية..
من أين تجيء لقريتكم
أسراب طيور تمد القرية بالظل؛
في الصيف
وأسراب طيور دافئة في كانون؟
إن تكرار يا أهل القرية ينشئ مقاماً تخاطبياً واضحاً؛ ويحول الوصف إلى محاورة متخيلة مع جماعة حاضرة في الوعي الشعري، ثم تتوالى الأسئلة:
أطيور هذي؟
أم هي أرواح عباد الله الأبرار
أتت لتفيض على القرية
بالحب وبالعطر؟
في هذا الموضع لا يطلب الشاعر من أهل القرية جواباً واقعياً؛ بل يستدعيهم شركاء في الدهشة؛ ويجعلهم شهوداً على عالم تتداخل فيه الطبيعة والروح والذاكرة، وتتحول القرية من مكان جغرافي إلى فضاء وجداني مشترك، وهكذا تتعدد صور المتلقي في الديوان: فهو مخاطب مباشر في النداء؛ وشريك في السؤال؛ ومستكمل للمعنى في الصورة الرمزية؛ وشاهد على التجربة حين تتحول إلى موقف إنساني عام،
تاسعاً: السياق الاجتماعي والثقافي وتوسيع أفق الخطاب
يدرس هذا المستوى تأثير العلاقات الاجتماعية؛ والجاه؛ والقرابة؛ والسلطة؛ والثقافة على صياغة الخطاب واختيار الأساليب الكلامية بما يتوافق مع نظرية الوجه واستراتيجيات التأدب اللساني، يرى علماء التداولية الاجتماعية أن اللغة ممارسة ثقافية محكومة بقواعد لياقة دقيقة تهدف إلى حماية صورة الذات والآخر من التهديد أثناء التفاعل، يجمع النقاد على أن هذا المستوى يكشف عن الأبعاد الخفية للثقافة والتراتيب الاجتماعية داخل الملفوظات؛ مما يوضح لِمَ نختار أساليب غير مباشرة في الخطاب تفادياً للصدام وتحقيقاً للتناغم الاجتماعي،فلا يمكن فصل الدلالة التداولية عن السياق الذي تنتج فيه؛ فالقول يتحدد بمقامه؛ وبالمعرفة المشتركة بين أطراف الخطاب؛ وبالظروف الاجتماعية والثقافية التي تمنحه قيمته، ومن ثم فإن قراءة الديوان تداولياً تقتضي النظر إلى كيفية انتقال التجربة الفردية إلى فضاء أوسع؛ وكيف تستدعي اللغة ذاكرة الجماعة وقضاياها، وتتجلى هذه الوظيفة في قصيدة مفاتيح إلى ثكنات الروح؛ التي تستحضر الحرب من خلال صورها المباشرة:
ذئاب سود تبتلع الأرض رصاص يركض في أحشاء الناس وجوه محترقات قباب؛ وشوارع تتهاوى،
هذه الصور لا تقدم وصفاً محايداً للدمار؛ بل تحمل موقفاً من واقع اجتماعي تتعرض فيه الحياة الإنسانية للتهديد، وتأتي المطالبة:
أعيدوا لي وطني أعطوني ماء لا حرباً خبزاً لا جثثاً ودماء،
لتنقل الخطاب من مستوى تصوير الحرب إلى مستوى الاحتجاج على نتائجها، وهنا يتصل السياق الاجتماعي بالفعل الكلامي؛ فالمطالبة ليست انفعالاً شخصياً منعزلاً؛ بل تعبير عن حاجة جماعية إلى الأمن والغذاء والحياة،
وفي قصيدة في يفرس يقول الشاعر:
شرب الرمل ماء الخيول ولم يبق ـ سيدتي ـ من حليب عطشانة في الطريق أباريقنا ولا ماء والحصى ظامئ عند مجرى الينابيع شاحبة مثل لون الغروب أحاديثنا لم يعد رعدنا يتكلم جفت ضروع السماء،
يتجاوز هذا المقطع وصف الجفاف الطبيعي إلى بناء صورة شاملة للحرمان؛ فالرمل يشرب ماء الخيول؛ والأباريق عطشى؛ والحصى ظامئ؛ والسماء جفت ضروعها، وتتراكم هذه الصور في سياق يربط بين ندرة الماء وانقطاع الحياة؛ وبين جفاف الطبيعة وجفاف الكلام، وتكتسب عبارة لم يعد رعدنا يتكلم أهمية خاصة؛ لأنها تنقل الجفاف من المجال الطبيعي إلى المجال التعبيري؛ فتجعل الصمت امتداداً للعطش؛ وتجعل انقطاع الصوت علامة على اختلال العالم،
كما يظهر السياق الثقافي في قصيدة خمس قصائد للصداقة؛ حيث تستدعي صورة الوعول والنبع والصحاب بيئة ذات دلالة جمعية؛ وتحوّل عناصرها إلى لغة رمزية للتعبير عن التضامن والافتقاد، وفي قصيدة يا أهل القرية تتداخل ذاكرة المكان مع الرموز الروحية؛ فتغدو القرية فضاءً للصفاء والمحبة والوجد؛ لا مجرد موقع جغرافي،
إن السياق في هذه النصوص لا يعمل خلفية خارجية فحسب؛ بل يدخل في تكوين الدلالة نفسها؛ فالحرب والجفاف والقرية والصداقة والموت ليست موضوعات مستقلة عن الخطاب؛ وإنما هي شروط تخاطبية تمنح الأقوال مقاصدها وقوتها التأثيرية،
عاشراً: التناوب بين الصمت والكلام؛ حدود التعبير ومجال التأويل
يمثل الصمت في الديوان عنصراً تداولياً لا يقل أهمية عن الكلام؛ إذ لا يظهر بوصفه غياباً للصوت فقط؛ بل بوصفه حالة دلالية تتصل بالعجز عن التعبير؛ أو الامتناع عنه؛ أو تجاوز حدوده،ويتجلى ذلك في الحوار مع البحر:
إياك والكلام فالكلام مجرد؛
قلت: هل للصمت لغة؟
فالصمت هنا يدخل في علاقة جدلية مع الكلام؛ ولا يعود مجرد نقيض له، إن السؤال عن لغة الصمت يفتح إمكاناً لأن يكون الصمت حاملاً لمعنى؛ وأن تكون بعض التجارب أوسع من أن تحتويها العبارة،
ويتكرر هذا المعنى في قصيدة صوتان؛ حيث يرد:
كان عليك لتخترق الصمت وتوقظ ما كان يسمى قلباً أن تعرف أن الناس يساوونك في الخوف يساوونك في الموت،
الصمت هنا ليس فراغاً صوتياً؛ بل حاجز نفسي واجتماعي ينبغي اختراقه، ويتصل اختراقه بإدراك وحدة المصير الإنساني؛ وكأن معرفة الآخر هي الطريق إلى تجاوز العزلة،
وفي فاتحة يقول الشاعر:
هل تستطيع اللغات التي ستموت معي
والقصائد
أن تعبر الدهشة الصامتة؟
يتخذ الصمت في هذا السياق بعداً وجودياً؛ فهو ليس حالة مؤقتة يمكن تجاوزها بالكلام؛ بل أفق تتوقف عنده اللغة أمام تجربة لا تستطيع الإحاطة بها، وتكشف مساءلة قدرة اللغات والقصائد عن وعي الشاعر بحدود التعبير؛ وعن إدراك أن الشعر؛ مهما اتسعت طاقته؛ يظل في مواجهة ما يفوق قدرته على القول، ومن هنا تتشكل مفارقة جمالية: الديوان الذي يكثر فيه الكلام والحوار والمناجاة لا يتجاهل الصمت؛ بل يجعله أحد شروط إنتاج المعنى، فالقول لا يكتسب قيمته من حضوره وحده؛ وإنما من علاقته بما يعجز عن قوله؛ وما يؤجله؛ وما يتركه مفتوحاً أمام تأويل المتلقي، تكشف المستويات السابقة عن أن التداولية في أبجدية الروح ليست مجرد أداة لتصنيف الجمل أو تحديد وظائفها؛ بل مدخل إلى فهم الطريقة التي تتكون بها التجربة الشعرية من خلال اللغة وهي تؤدي أفعالاً وتستدعي مقاصد وتبني علاقات تخاطبية، فالأفعال الكلامية تكشف انتقال القول من التعبير إلى الإنجاز؛ والقصدية والاستلزام يفتحان المسافة بين المنطوق والمضمر؛ والإشاريات تحدد مواقع الذات وتحولاتها؛ والحوارية تتيح تعدد الأصوات وتفكيك وحدة المتكلم؛ والافتراض المسبق يستدعي الخلفيات التي يختزنها الخطاب؛ والاستفهام يحول السؤال إلى أداة للقلق والمعرفة؛ والحجاج يوجه الموقف ويستميل المتلقي؛ أما السياق الاجتماعي والثقافي فيمنح التجربة الفردية امتدادها الإنساني، والأهم أن هذه المستويات لا تعمل منفصلة؛ ففي مقطع واحد قد يتداخل النداء مع الاستفهام؛ والاعتراف مع المناجاة؛ والحوار مع الإشاريات؛ والحجاج مع الاستلزام، وهذا التداخل هو ما يمنح الخطاب حركته؛ ويجعل القصيدة فضاءً تتغير فيه مواقع المتكلمين؛ وتتعدد فيه المقاصد؛ ويتحول فيه المعنى من دلالة ساكنة إلى فعل متجدد، ومن ثم يمكن اقتراح مفهوم السرد التخاطبي بوصفه مفهوماً إجرائياً لقراءة خصوصية هذا الديوان: وهو نمط من بناء التجربة الشعرية تتولد فيه الحركة السردية من تعاقب الأفعال التخاطبية وتفاعل الأصوات وتبدل مواقع التلفظ؛ بحيث يؤدي انتقال القول بين الاعتراف والسؤال والنداء والجواب والاعتراض والمناجاة إلى إحداث تحول في وضع الذات أو رؤيتها أو موقفها، ولا يعني ذلك أن كل قصيدة في الديوان تتحول إلى سرد بالمعنى الحكائي؛ وإنما أن بعض آليات السرد تتشكل داخل الخطاب من خلال حركة القول وتبادل المواقع وتطور المواقف، فالسرد لا يأتي دائماً في صورة حكاية لأحداث متتابعة؛ بل قد يتولد من حوار داخلي؛ أو اعتراف؛ أو سؤال يتبعه جواب؛ أو نداء يغير اتجاه التجربة، وعلى هذا الأساس؛ فإن خصوصية أبجدية الروح لا تكمن في حضور الحوار أو المناجاة أو السرد منفردة؛ بل في تفاعلها داخل بنية تخاطبية تجعل اللغة وسيطاً للتجربة وفعلاً من أفعالها في الوقت نفسه، فالذات لا تكتفي بأن تروي ما مرت به؛ وإنما تعيد إنتاج تجربتها وهي تتكلم؛ وتكتشف نفسها وهي تسائلها؛ وتعيد تشكيل موقفها وهي تحاور الآخر أو تستحضره، إن القصيدة في هذا الديوان لا تكتفي برواية ما جرى؛ بل تجعل فعل القول ذاته حدثاً شعرياً؛ إذ لا يصف الشاعر تجربته من خارجها؛ وإنما يعيد تشكيلها داخل الخطاب؛ فتغدو المناجاة مواجهة؛ والسؤال حركة في الوعي؛ والاعتراف تحولاً في موقف الذات،
الحادي عشر: المستوى التركيبي في ضوء التحليل التداولي
يعنى هذا المستوى بدارسة الكيفية التي توجه بها الخيارات النحوية والتركيبية المعنى التداولي؛ حيث ينظر النحاة والتداوليون المعاصرون كأوزوالد ديكرو إلى أن العدول عن الرتبة المألوفة للكلام والتقديم والتأخير ليست مجرد زينة بلاغية أو قواعد شكلية؛ بل هي أدوات لسانية واعية تفرض مقاصد دلالية تخدم المتكلم في توجيه ذهن المخاطَب نحو بؤرة الاهتمام، يرى نقاد هذا الاتجاه أن البنية التركيبية للغة تحمل شحنات تداولية مضمرة تكشف عن السلطة والاهتمام وتجعل التراكيب النحوية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمقام الذي ترد فيه، ينصب التحليل هنا على الوظيفة التداولية التي تؤديها الصيغ والتراكيب في سياقاتها؛ وكيف يوظف الشاعر بناء الجملة لإنجاز أفعال كلامية وتوجيه مقاصد الخطاب،
1- الاستفهام بوصفه فعلاً كلامياً
يقول الشاعر في مفاتيح إلى ثكنات الروح:
أتقبلني درويشاً يجلس فوق رخام الكلمات؟
لا يؤدي الاستفهام هنا وظيفة طلب المعرفة؛ وإنما ينجز فعل الالتماس والاستعطاف؛ فالشاعر لا ينتظر معلومة عن القبول؛ بل يتوجه إلى مخاطبه طالباً الصفح والاحتواء، وبذلك يتحول السؤال إلى فعل رجاء؛ وتصبح صيغة الاستفهام وسيلة لإظهار حاجة الذات إلى المغفرة،
2- الأمر بوصفه فعلاً إنجازياً
يقول في القصيدة نفسها:
موالي.. سامحني ألبسني بردة عفوك؛ طهرني من رجس خيالي من إثم فعالي،
تتتابع صيغ الأمر؛ لكنها لا تؤدي معنى الإلزام؛ وإنما تنجز أفعال الدعاء والتضرع والالتماس، ويكشف تواليها عن تصاعد المقصد التخاطبي: طلب المغفرة؛ ثم طلب العفو؛ ثم طلب التطهير، فالتركيب هنا لا يصف حالة الندم؛ بل يمارس فعل التوبة في صورة خطاب،
3- النفي بوصفه فعلاً دفاعياً واحتجاجياً
يقول الشاعر في قصيدة في يفرس:
لست أنا الذي كتبت هذا السطر
لست أنا الذي حفرت هذا القبر
لست أنا الذي ناديت وجه الحرب
لست أنا لست أنا،
يتجاوز النفي وظيفته الإخبارية إلى إنجاز فعل التبرئة والدفاع عن الذات، وتكرار الصيغة يجعل الخطاب أقرب إلى مواجهة اتهام؛ ويستدعي مخاطباً مفترضاً أمامه يعلن الشاعر براءته، وهكذا تتشكل علاقة تخاطبية قوامها الاتهام والنفي؛ حتى في غياب جواب صريح من الطرف الآخر،
4- النداء وتعيين المخاطب
في قوله:
سيدتي.. لست أنا الذي كتبت هذا السطر،
لا يأتي النداء لمجرد استحضار المخاطب؛ بل يؤسس مقاماً خطابياً يوجه إليه الشاعر دفاعه، فالنداء يحدد جهة القول؛ ويحول العبارة التالية من تقرير عام إلى خطاب موجه؛ تتحدد وظيفته التداولية في التبرؤ والمواجهة،
5- التكرار بوصفه استراتيجية للإلحاح
في صوتان يقول الصوت الأول:
لا تحزن إن الله معك لا تحزن إن الشعر معك لا تحزن إن الفقر معك،
لا يؤدي تكرار لا تحزن وظيفة إيقاعية فحسب؛ بل ينجز فعل المواساة والتثبيت النفسي، ويتحول التكرار إلى استراتيجية خطابية غايتها مقاومة الحزن؛ وإعادة بناء موقف المخاطب من واقعه، كما أن تعاقب التعليلات الثلاثة ينقل المواساة من الاستناد الروحي إلى الاستناد الإبداعي؛ ثم إلى مفارقة الفقر الذي يتحول في سياق الخطاب إلى قرين للذات لا سبباً لإلغاء قيمتها، خلاصة المستوى: تتجلى الوظيفة التداولية للتراكيب في الديوان من خلال تحول الاستفهام إلى رجاء؛ والأمر إلى دعاء؛ والنفي إلى تبرئة؛ والنداء إلى إنشاء مقام للمواجهة؛ والتكرار إلى مواساة وإلحاح، وبذلك تغدو البنية التركيبية أداة لإنجاز الأفعال الكلامية وتحريك العلاقات بين أطراف الخطاب،
الثاني عشر: المستوى الدلالي في ضوء التحليل التداولي
يبحث هذا المستوى في الفجوة الواسعة بين المعنى الحرفي المعجمي للكلمة والمعنى السياقي الفعلي الذي يقصده المتكلم؛ معتمداً على آليات تفسيرية كبرى مثل الافتراض المسبق والاستلزام الحواري، يرى الفلاسفة واللسانيون وعلى رأسهم بول غرايس أن المعنى الإنساني لا يقف عند حدود القاموس؛ بل يُبنى على مبادئ التعاون والافتراضات المشتركة التي يضمرها المتكلم ويفك شفراتها المتلقي، يؤكد النقاد في هذا السياق أن فهم الخطاب يتطلب غوصاً تأويلياً يتجاوز ظاهر القول لاستجلاء ما خفي منه عبر الاستنباط والاستدلال العقلي والمقامي،ويتجه إلى دراسة المعنى من حيث علاقته بالقصد والسياق والاستلزام؛ أي الكشف عما يريد الشاعر إنجازه من خلال قوله؛ وما يتركه للمتلقي ليستنتجه من غير تصريح مباشر، على النحو الآتي
1- القصدية والاستلزام الحواري
يقول الشاعر في مفاتيح إلى ثكنات الروح:
أعيدوا لي وطني أعطوني ماءً لا حرباً خبزاً لا جثثاً ودماء،
المعنى الظاهر مطالبة بالوطن والماء والخبز؛ لكن المقصد التخاطبي يتجاوز الطلب المباشر إلى الاحتجاج على واقع الحرب، فالشاعر لا يطلب الأشياء في ذاتها فقط؛ بل يفضح انقلاب شروط الحياة؛ حين تصبح الجثث والدماء بديلاً عن الخبز والماء، ويستنتج المتلقي من هذا التقابل دعوة ضمنية إلى استعادة الحياة والأمن والكرامة، وهنا يتولد الاستلزام من العلاقة بين ظاهر المطالبة ومقصد الاحتجاج،
2- الافتراض المسبق وتوجيه فهم الخطاب
في صوتان يقول الصوت الثاني:
مستتر أنت الآن بثوب الدولار ومعتصم بالبنك تقايض كنز الروح بغبار اللذة،
ينطلق الخطاب من افتراض أن المخاطب جعل المال واللذة معياراً لاختياراته؛ وأنه يقدم المكاسب المادية على القيمة الروحية، ولا يصرح الشاعر بكل ما يترتب على هذا الاختيار؛ بل يبني خطابه على خلفية يفترض أن المتلقي قادر على إدراكها، ومن ثم يصبح الافتراض المسبق أساساً لتوجيه الحكم على سلوك المخاطب؛ وتهيئة المتلقي لتقبل المساءلة التي تلي ذلك،
3- الإشاريات وتحديد المقام التخاطبي
في مفاتيح إلى ثكنات الروح يقول:
لففت بلادي أحزاني في القلب؛ وجئت إليك،
تحيل بلادي إلى الوطن بوصفه موضوعاً للحزن المحمول في الذات؛ بينما تحدد إليك جهة التوجه والمناجاة، وتؤدي هذه الإشاريات وظيفة تداولية في تحديد طرفي المقام: ذات تحمل أحزان وطنها؛ ومخاطب تتجه إليه طالبة القبول، وهكذا لا تبقى العبارة وصفاً للانتقال المكاني؛ بل تنجز انتقالاً في مقام الخطاب من معاناة الوطن إلى المناجاة الروحية،
4- المقصد الحجاجي وتوجيه المخاطب
في صوتان يقول الصوت الثاني:
وكنز الروح جواهر لا تفنى؛ هل ستظل تقايض بالرغبات الرغبات؟ وتدخل دهليز الخوف وحيداً؟!،
لا يطرح الاستفهام هنا سؤالاً ينتظر جواباً؛ بل يؤدي وظيفة حجاجية غايتها حمل المخاطب على مراجعة اختياراته، ويقوم الخطاب على حجة تقابل بين قيمة روحية باقية ورغبات مادية زائلة؛ ثم يستدعي نتيجة الاختيار في صورة دهليز الخوف، وهكذا يتدرج القول من تقرير القيمة إلى مساءلة المخاطب ثم تنبيهه إلى عاقبة موقفه، وتتمثل قوته التداولية في محاولة تغيير موقف المتلقي لا في مجرد إخباره،
5- المعنى السياقي والاستلزام الناشئ عن الصورة
يقول الشاعر في في يفرس:
شرب الرمل ماء الخيول
ولم يبق؛ سيدتي؛ من حليب
عطشانة في الطريق أباريقنا
ولا ماء،
لا تتحدد وظيفة هذه الأقوال في وصف الجفاف وحده؛ فالسياق يجعلها خطاباً عن الحرمان وانقطاع أسباب الحياة، ويؤدي إسناد الشرب إلى الرمل؛ ثم نفي وجود الحليب والماء؛ إلى بناء معنى يتجاوز الصورة الحسية إلى الاحتجاج على واقع استنفد موارد الحياة، ويستنتج المتلقي من هذا التتابع أن الشاعر لا يرصد ظاهرة طبيعية؛ بل يستحضر حالة إنسانية من العوز والفقد،
6- السؤال بوصفه استراتيجية لإشراك المتلقي
في سبع قصائد لاشتعال الأرجوان يقول الشاعر:
قال لي البحر:
إياك والكلام فالكلام مجرد..
قلت: هل للصمت لغة؟،
لا يقتصر السؤال على الاستفسار عن إمكانية التعبير بالصمت؛ وإنما يضع المتلقي في قلب قضية الخطاب: حدود الكلام؛ وإمكان أن يحمل الصمت معنى لا يستطيع القول التصريح به، ويترك الشاعر السؤال مفتوحاً؛ فلا يقدم إجابة تحسمه؛ بل ينقل عبء التأويل إلى المتلقي، وتكمن الوظيفة التداولية هنا في تحويل المتلقي من مستمع إلى مشارك في إنتاج المعنى، خلاصة المستوى: يكشف التحليل الدلالي التداولي عن أن معاني الديوان تتحدد من خلال مقاصد الخطاب وسياقاته؛ وأن الشاعر يوظف الاستلزام والافتراض والإحالة والحجاج والأسئلة المفتوحة لتوجيه المتلقي وإشراكه في بناء الدلالة، فالمعنى لا ينتهي عند ما تقوله العبارة؛ بل يمتد إلى ما تنجزه في مقام التخاطب وما تستدعيه من استجابة وتأويل،
ثلاثة عشر: الخصوصية الفنية
يمكن استخلاص مجموعة من النتائج التي تتضافر لتحديد خصوصية الديوان:
1- التخاطب مبدأ بنائي لا مظهر أسلوبي
لا يقتصر الحوار على القصائد التي تحمل أصواتاً متعددة؛ بل يمتد إلى المناجاة والاعتراف والاستفهام والنداء، ومن ثم فإن التخاطب ليس ظاهرة محصورة في نص واحد؛ بل آلية تتكرر بأشكال مختلفة،
2- الذات تتكون من خلال فعل القول
تظهر الذات في مواقع متغيرة: مستعيذة؛ ومعترفة؛ وسائلة؛ ومحتجة؛ ومناجية؛ ومواسيَة، وهذا التعدد لا يشتت هويتها؛ بل يكشف عن تشكلها عبر المواقف التخاطبية،
3- الحدث الشعري قد يكون تحولاً في الموقف
لا يحتاج النص دائماً إلى واقعة خارجية كي يتحقق فيه السرد؛ فقد ينشأ الحدث من انتقال الذات من الخوف إلى الاعتراف؛ أو من الوحدة إلى المشاركة؛ أو من الاحتجاج إلى المناجاة،
4- الصوت الآخر يؤدي وظيفة معرفية
في صوتان لا يضيف الصوت الثاني شخصية إلى القصيدة فحسب؛ بل يغير رؤية الصوت الأول لنفسه وللناس، وهذا يجعل تعدد الأصوات وسيلة لإنتاج المعرفة داخل النص،
5- المناجاة لا تنفصل عن الواقع الإنساني
في مفاتيح إلى ثكنات الروح يتداخل النداء الروحي مع مأساة الوطن؛ فلا تكون المناجاة انسحاباً من الواقع؛ بل صيغة لإعادة التعبير عنه وتجاوز عجز الذات أمامه،
6- اللغة موضوع للتجربة وليست أداة محايدة
يطرح الديوان سؤال إمكان اللغة في مواجهة الدهشة والصمت؛ ويجعل الأبجدية والقصيدة والكلام والصمت موضوعات للتفكير الشعري،
7- تتسع دائرة المخاطَبين لتشمل الإنسان والطبيعة والغياب
لا يقتصر الخطاب على مخاطَب إنساني حاضر؛ بل يتجه إلى الله؛ والنفس؛ والوطن؛ والموت؛ والبحر؛ والغائب، وهذا الاتساع يمنح البنية التخاطبية طابعاً وجودياً،
8، تتولد وحدة الديوان من تكرار آليات التحول قد تتعدد موضوعات القصائد؛ لكن بينها روابط بنائية: السؤال؛ والاعتراف؛ والنداء؛ والغياب؛ وتعدد الصوت؛ وتحول القول إلى فعل، وهذه الروابط تتيح قراءة الديوان بوصفه عالماً تتكرر فيه آليات إنتاج التجربة؛ لا مجرد مجموعة موضوعات متجاورة،
الخاتمة
إن قراءة أبجدية الروح من منظور تداولي تبدي عن القيمة الفنية للنصوص لا تكمن في حضور الحوار أو المناجاة أو الحكاية كلٌّ على حدة؛ بل في الطريقة التي تتفاعل بها هذه العناصر لتشكيل حركة القصيدة، فالذات لا تقدم تجربتها في صورة تقريرية مستقرة؛ بل تدخل في علاقات كلامية متجددة؛ تتغير خلالها مواقعها ومواقفها، وهي لا تكتفي بأن تتحدث عن الألم؛ بل تحاوره؛ ولا تكتفي باستعادة الغائب؛ بل تستحضره في النداء والسؤال؛ ولا تكتفي بوصف الحرب؛ بل تحول وصفها إلى استغاثة واحتجاج وموقف أخلاقي، وتتجلى خصوصية هذا البناء في تداخل تداولي وشعري :
فالتداولي: إذ تنجز الأقوال أفعالاً تتجاوز الإخبار إلى الاعتراف والطلب والاحتجاج والمواساة والمناجاة،
والشعري: إذ تتحول هذه الأفعال إلى إيقاع وبنية وتوتر دلالي؛ من خلال التكرار والتوازي وتبدل الضمائر وتعدد الأصوات، وعلى هذا الأساس؛ فإن ديوان أبجدية الروح لا يقدم ذاتاً تتكلم عن العالم من خارجه؛ بل ذاتاً تدخل العالم بالكلام؛ وتعيد تشكيل علاقتها به كلما تغير المخاطَب أو المقصد أو وجهة القول، إن القصيدة في هذا الديوان لا تكتفي برواية ما جرى، بل تجعل فعل القول ذاته حدثاً شعرياً؛ إذ لا يصف الشاعر تجربته من خارجها، وإنما يعيد تشكيلها داخل الخطاب، فتغدو المناجاة مواجهة، والسؤال حركة في الوعي، والاعتراف تحولا في موقف الذات وهذه العبارة تلخص جوهر الظاهرة النقدية التي تنهض عليها الدراسة،
المراجع
أولاً: المراجع العربية
1- أحمد المتوكل؛ آفاق جديدة في نظرية النحو الوظيفي؛ دار الثقافة؛ الدار البيضاء؛ 1993،
2- مسعود صحراوي؛ التداولية عند العلماء العرب؛ دار الطليعة؛ بيروت؛ 2005-
3- صلاح فضل؛ بلاغة الخطاب وعلم النص؛ عالم المعرفة؛ الكويت؛ 1992-
4- محمد مفتاح؛ تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص؛ المركز الثقافي العربي؛ الدار البيضاء؛ 1985-
5- محمد العمري؛ تحليل الخطاب الشعري: البنية الصوتية في الشعر؛ دار العالمية للكتاب؛ الدار البيضاء؛ 1990،
6- حسن بحراوي؛ بنية الشكل الروائي: الفضاء؛ الزمن؛ الشخصية؛ المركز الثقافي العربي؛ الدار البيضاء؛ 1990،
7- التداولية عند العلماء العرب – د، مسعود صحراوي (دار الطليعة؛ بيروت)، يُعد من المراجع الأساسية التي تقارن بين المفاهيم التداولية الحديثة وجذورها في التراث اللغوي والبلاغي العربي،
8- استراتيجيات الخطاب: مقاربة لغوية تداولية – د، عبد الهادي بن ظافر الشهري (دار الكتاب الجديد المتحدة؛ لبنان)، يتناول مستويات الخطاب والآليات التداولية بتركيز عميق،
9- التداوليات وتحليل الخطاب – د، جميل حمداوي، كتاب مهم يوضح مفاهيم التداولية ومستوياتها وعلاقتها بتحليل النصوص،
10- آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر – د، محمود أحمد نحلة (دار المعرفة الجامعية)، يخصص فصولاً واضحة لأفعال الكلام والمستويات التداولية،
11- المنحى التداولي في التراث اللغوي – خديجة الشنقيطي (عالم الكتب الحديث؛ الأردن)،
ثانياً: المراجع الأجنبية المترجمة إلى العربية
1- جيرار جينيت؛ خطاب الحكاية: بحث في المنهج؛ ترجمة محمد معتصم وعبد الجليل الأزدي وعمر حلي؛ المجلس الأعلى للثقافة؛ القاهرة،
2- جيرالد برنس؛ المصطلح السردي؛ ترجمة عابد خزندار؛ المجلس الأعلى للثقافة؛ القاهرة،
3- جون لانغشو أوستن؛ كيف ننجز الأشياء بالكلمات؛ ترجمة عبد القادر قنيني؛ أفريقيا الشرق؛ الدار البيضاء،
4- تزفيتان تودوروف؛ الشعرية؛ ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة؛ دار توبقال؛ الدار البيضاء،
5- ميك بال؛ علم السرد: مدخل إلى نظرية السرد؛ الترجمة العربية المتداولة،
6-التداولية (Pragmatics) – جورج يول (ترجمة: قصي العتابي؛ دار العربية للعلوم ناشرون)، يُعد المدخل العالمي الأبسط والأشمل لفهم مستويات التحليل التداولي الأساسية (الإشاريات؛ الاستلزام؛ أفعال الكلام)،
7- نظرية أفعال الكلام – ج، ل، أوستين (J،L، Austin)، المرجع الفلسفي والتأسيسي لمستوى الأفعال اللغوية (الإنجازية والقصدية)،



