أشتهيك- سوزانة زين الدين

أشتهيك قربا لا يعرف البعد، وحضنا يتوقف عنده الزمن، فلا تمضي الساعات وتسرق منا لحظات اللقاء.
أشتهيك نبضا لقلب ذاب في هواك عشقا، ووطنا أغلق في حماه أبواب الغربة، فلا تشرد روحي بعدك، ولا تعرف عيناي دموع الفراق.
أشتهيك روحا لا تميل لسواي، وقلبا إذا اختارني، لم تتسلل إليه رغبة الرحيل، ولا عرفت مشاعره طريقا إلى الفتور.
أشتهيك قربا لا يعقبه غياب، ولا يترك في الروح ظمأ، ولا يعلم القلب كيف يتألم وحده بعدما ذاق حلاوة الوصال.
أشتهيك كأنك آخر أمانيي، وأجمل ما أخفته لي الأقدار، وكأن كل ما عشته قبلك كان مجرد انتظار للحظة تضمّني فيها الحياة إليك.
أشتهيك كأسا من ترياق الحياة، أرتشف منه طمأنينة الروح، فلا سقم في المشاعر، ولا وجع في الذكريات، ولا خوف من غد قد يحمل لنا مرارة الفراق.
أشتهيك حين يتعبني العالم، وحين تضيق بي المسافات، وحين أحتاج أن أضع روحي على عتبة قلبك، فأجدك لا تسألني لماذا تعبت، بل تفهم من صمتي ما عجزت عن قوله كل كلماتي.
أشتهيك حبا لا أضطر فيه إلى استجداء الاهتمام، ولا إلى عد الرسائل، ولا إلى تفسير الغياب، ولا إلى انتظار لحظة من الحنين. حبا يأتيني باختياره، ويبقى في حياتي لأنه يريدني، لا لأنني أخشى رحيله.
أشتهيك عهدا لا تنقضه المسافات، ووعدا لا تكذبه الأيام، ويدا تتمسك بي حين تضطرب الطرق، لا يدا تفلتني عند أول مفترق.
فأنا لا أشتهي من الحب لحظة تشعلني ثم تتركني للرماد، ولا قربا يغرقني في الأحلام ثم يلقيني في وحشة الحقيقة. أنا أشتهي حبا يستحق كل هذا النبض، ويحفظ للروح كرامتها، وللقلب طمأنينته.
أشتهيك أن تكون آخر مخاوفي وأول أمانيي، آخر غربتي وأول أوطاني. أن أجد فيك ذلك المكان الذي لا أحتاج فيه إلى أن أكون قوية دائما، ولا إلى أن أخفي وجعي خلف ابتسامة، ولا إلى أن أتظاهر بأنني لا أحتاج إليك.
أشتهيك أن تكون الحب الذي إذا جاء، توقفت في داخلي حروب الخوف، وسكتت أصوات الحنين المتعب، واطمأنت روحي بعد طول ارتحال.
فإن كان للعمر أن يمنحني أمنية واحدة، فلن أطلب أن يتوقف الزمن، ولا أن تخضر كل الطرق، بل سأطلب قلبا يختارني كل يوم، وحبا لا يجبرني على الخوف من نهايته، وقربا أستطيع فيه أن أغمض عيني مطمئنة، وأنا أعلم أنني لست عابرة في حياتك.
أشتهيك… لا لأهرب من العالم إليك، بل لأجد معك عالما لا أضطر فيه إلى الهرب.
أشتهيك حبا إذا سألني العمر عن أجمل ما عشت، أشرت إليك، وإذا سألني القلب عما يستحقه، لم أخف من الإجابة.
أشتهيك… وكأن كل ما في داخلي يقول لك:
كن قربا لا يتعبني، وحبا لا يخيفني، ووطنا لا أضطر يوما إلى مغادرته، وأنا ما زلت أحمل مفاتيحه في قلبي.



