احترقَ ليكتُبَ/غدير حميدان الزبون

فلسطين
انشقّ ستر الدُّجى عن زفرة الشفق المُدمَّى، وسال كحل الليل في جمرة الأفق الثائر عندما طلعت شمس ذلك اليوم مثل مهند صقيل يفلج هامة الظلام ليستوي النهار على عرش من رماد الأسفار المفقودة.
تراءت المباني كأشباح قرون خلت منتظرة كفّ الملحمة كي تستلّ الحبر من جراح الوغى وتدون تاريخ ما احترق.
استقام شروق الشمس ليكشف عن رجل يجلس على طرف سريره تسكنه الهشاشة.
كان يهذي برأس أثقله الشيب المبكر، وعينين غائرتين تحيط بهما هالات داكنة تشبه آثاماً لم يرتكبها بعد.
اختُزل وجوده في حواسّ دقيقة تتغذى على الفاجعة، لتترامى على جانبي رأسه أذنان تتلقفان همس الانكسارات، وأصابع رفيعة ملوثة دائماً ببقع رمادية لا تزول.
ما إنْ مالت خيوط الشمس قليلا على جسد وجهه حتى شعر بشيء ينكسر في صدره على شكل حركة ارتجاج ثقيلة في أعمق قفصه الصدري.
وضع يده المرتجفة على صدره، ليكتشف التحول الفادح.
تحسّس بيده مكان قلبه ليصرخ من قحف رأسه: يا إلهي، ما الذي يحدث لي؟
لقد اختفى النبض الحيوي، واستُبدل قلبه بمحبرة نحاسية عتيقة سكب فيها غريبٌ حبراً أسود كثيفاً ولزجاً.
بدأت اللعنة يوم اتخذ قراره السّرّي الخاطئ بأنْ يصف المعارك، ويحلل الشغف، ويصوغ الرثاء.
شعر برائحة الحبر المُرّة تتصاعد مع كلّ نفَس، واستشعر ثقل السائل الأسود وهو يترسب في تجويف صدره متأهّبًا للتدفق عبر عروقه نحو أصابعه.
كان يعلم تماماً أنه لم يعد إنساناً يتنفس شهيقا وزفيرا، لقد تحوّل إلى مضخة للكلمات، وما عليه الآن سوى البحث عن الضحية الأولى التي سيكتبها هذا الصباح.
كان الثمن باهظاً وواضحاً منذ البداية، فلكي تكتب عن النيران عليك أنْ تحترق أولاً، ولكن بشرط ألا تصرخ.
فقط اجلس جانباً وسجّل ببرود سرعة اشتعال ثيابك.
جلس الرجل في المقهى أمام الطاولة الخشبية التي فقدت لونها من كثرة ما اتكأ عليها الخائبون.
انتظر قليلا، ثمّ جاء النادل يحمل قهوة رديئة، وسأله بنبرة آلية:
—كيف حالك اليوم؟
ابتسم الرجل ابتسامة صفراء، وتناول دفتراً صغيراً من جيبه، وسجل: النادل يسأل عن الحال وهو يرجو في سرّه أنْ أموت الآن كي لا يضطر لتنظيف الطاولة بعدي.
هذا هو المرض، لقد أصبح يرى الناس استعارات مكنية ومشاريع جمل مفيدة. عندما بكت المرأة التي كان يحبها في العام الماضي وهي تودعه إلى غير رجعة لم يبكِ معها، فقد كان مشغولاً بتأمل طريقة تساقط الكحل أسفل عينها اليسرى، وتفسير سقوط دموعها التي تشبه شتاءً سقط بالخطأ في أغسطس.
يبدو أنّه فقد القدرة على البكاء الحقيقي، وصار يملك بدلاً منه حصالة من التشبيهات.
لقد سرق مأساتها ليعيد بيعها لاحقاً في سطرين.
مرت سنوات وهو يقتات على الخسارات كلما سقطت مدينة، أو مات صديق، أو خاب أمل.
كان أقرانه ينوحون، بينما كان هو يهرع إلى قارورة الحبر كذباب يشمّ رائحة الجرح.
سرعان ما تحول من إنسان يخوض الحياة إلى طفيلي يتغذى على جثث المشاعر.
في ليلة باردة ألقى الرجل القلم جانباً، ونظر في المرآة، فلم يجد وجهه.
كلّ ما وجده هو ورقة بيضاء تجعدت أطرافها من كثرة المحو.
قرر أنْ يمارس فعل الحياة لمرة واحدة وأخيرة دون أنْ يكتب.
خرج إلى الشارع، وصرخ بأعلى صوته، وبكى، وحاول أنْ يحبّ، لكنه في كل لحظة انفعال كان هناك صوت في خلفية رأسه يهمس له: عد إلى الطاولة سريعا، فهذا الموقف يصلح لمقدمة الفصل الثالث.
أدرك الرجل القصاص الحقيقي للكلمات فهي تجعلك شاهداً على جنازتك الخاصة، وتدفعك لتقييم جودة النعش أثناء حملك فيه.
عاد إلى حجرته الضيقة، وجلس أمام الورقة، ثمّ ملأ السلسلة بالأحرف حتى جفت عروقه تماماً.
وعندما أفرغ آخر قطرة من الألم على الورق نظر إلى المرآة مجدداً، فلم يجد حتى الورقة البيضاء.
لقد أكلت الكلمات صاحبها، ولم يتبقَ في الحجرة سوى ثوب فارغ، وقلم ينقط حبراً على أرضية تشربت المأساة بابتسامة ونقطة سوداء.



