📰 آخر الأخبار
جان بول سارتر: الفيلسوف الذي جعل من الجحيم انعكاسًا للذات/عايدة جاويشتفاصيل مجهولة عن علاقة محمود درويش وتامار بن عامي/عبده وازنSynopsis for the Novel: The Price of Freedom By Biljana Petkovićمن أنا؟هشام فرجيحول زوجته المتوفاة - قصيدة للشاعر الانكليزي جون ملتون/ترجمة سالم الياس مدالوكاتب وشاعر سوري (عبد الكريم مراد): حوّل خساراته إلى كتابة، وجعل من الألم مادةً للتأمل...حاوره بسام الطعانفي ذكرى مولد سيّد الأنام/ غدير حميدان الزبونفِكرتُنا الأولى..رجاء الغانمي - العراقتساؤلات في مأزق المثقف العضوي*/ابتهال عبد الوهابالطبيعة / راما وهبةذكرى المولد النبوي الشريف/مناسبة عظيمة وذكرى عطرة لتعزيز الأخلاق الفاضلة والقيم والمُثل العليا-تحقيق / علي صحن عبد العزيزMisery by Nedaa Al-Durubiلا ابكي زجافا - عبد الرزاق الصغيرشرح ديوان المتنبي : قافية الباء/ عبد الرحمن البرقوقيشرح ديوان المتنبي: قافية الهمزة /عبد الرحمن البرقوقيالغيمة الغريبة/ بدر شاكر السيابأمام باب الله / بدر شاكر السيابأم البروم / بدر شاكر السيابحدائق وفيقة/ بدر شاكر السياببوذا/ داميان كيون - ترجمة صفية مختار On A Cold Winter Morning – A Haibun Poem By Salim Elias Madaloبين صحبة العالِم ومتعة النص يتجلى فن قراءة الكتاب/ صادق جواد المطر- القطيفسُنّة النساء/ عايدة محجوب أنيتا كوران غوينين .. الغرق : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالFIR TREES AREN\'T By Rita Kogan-Russia
جان بول سارتر: الفيلسوف الذي جعل من الجحيم انعكاسًا للذات/عايدة جاويشتفاصيل مجهولة عن علاقة محمود درويش وتامار بن عامي/عبده وازنSynopsis for the Novel: The Price of Freedom By Biljana Petkovićمن أنا؟هشام فرجيحول زوجته المتوفاة - قصيدة للشاعر الانكليزي جون ملتون/ترجمة سالم الياس مدالوكاتب وشاعر سوري (عبد الكريم مراد): حوّل خساراته إلى كتابة، وجعل من الألم مادةً للتأمل...حاوره بسام الطعانفي ذكرى مولد سيّد الأنام/ غدير حميدان الزبونفِكرتُنا الأولى..رجاء الغانمي - العراقتساؤلات في مأزق المثقف العضوي*/ابتهال عبد الوهابالطبيعة / راما وهبةذكرى المولد النبوي الشريف/مناسبة عظيمة وذكرى عطرة لتعزيز الأخلاق الفاضلة والقيم والمُثل العليا-تحقيق / علي صحن عبد العزيزMisery by Nedaa Al-Durubiلا ابكي زجافا - عبد الرزاق الصغيرشرح ديوان المتنبي : قافية الباء/ عبد الرحمن البرقوقيشرح ديوان المتنبي: قافية الهمزة /عبد الرحمن البرقوقيالغيمة الغريبة/ بدر شاكر السيابأمام باب الله / بدر شاكر السيابأم البروم / بدر شاكر السيابحدائق وفيقة/ بدر شاكر السياببوذا/ داميان كيون - ترجمة صفية مختار On A Cold Winter Morning – A Haibun Poem By Salim Elias Madaloبين صحبة العالِم ومتعة النص يتجلى فن قراءة الكتاب/ صادق جواد المطر- القطيفسُنّة النساء/ عايدة محجوب أنيتا كوران غوينين .. الغرق : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالFIR TREES AREN\'T By Rita Kogan-Russia

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

من أنا؟هشام فرجي

WhatsApp Image 2026 03 04 at 00.15.20 e1779231550426 300x220 1

قف قليلًا أمام المرآة. لا لتتفقد ملامحك، وإنما لتسأل سؤالًا أعمق: من الذي ينظر إليّ من هناك؟

هذا الوجه الذي حفظته منذ سنوات، هاتان العينان اللتان يتغيّر لونهما مع الضوء ولا يتغيّر ما وراءهما، هذا الجسد الذي حملك من مهدك إلى هذه اللحظة بالذات — هل هو أنا؟ أم هو المكان الذي أسكنه مؤقتًا، كما يسكن مسافر فندقًا لا يملكه ولا يعرف متى سيغادره؟

تخيّل، للحظة، أن كل شيء يُنزع عنك: اسمك الذي اختارته لك أمك قبل أن تتفوه بكلمة، مهنتك التي حدّدت مكانك على طاولة الآخرين، مكانتك التي بنتها سنوات من التعب أو الحظ، نجاحك الذي صفّق له الناس، وفشلك الذي أخفيته عنهم، ذاكرتك التي رتّبت أحداثك في حكاية تُشبهك، وعلاقاتك التي عرّفتك بوصفك ابنًا، أبًا، صديقًا، خصمًا، حبيبًا. انزع كل هذا، طبقة بعد طبقة، كما تُقشَّر بصلة لا يُعثر في قلبها على شيء صلب. ماذا يبقى؟

هذا هو السؤال الذي لا يشيخ: من أنا؟

أنا التي أراها في المرآة
أول وهم يقع فيه الإنسان هو الظن بأن جسده هو حدوده. نتحدث عن “جسدي” كما نتحدث عن سيارتنا أو بيتنا، وكأن ثمة “أنا” منفصلة تملك هذا الجسد وتقوده. أين تسكن، إذن، هذه الـ”أنا” المالكة؟ في الدماغ؟ في القلب الذي جعلته الثقافات مقر العاطفة؟ في نبضة كهربائية عابرة بين خليتين عصبيتين؟

الجسد يشيخ، وتتجدد أغلب خلاياه وأنسجته على مدى سنوات معدودة، حتى إن جسدك اليوم لا يشبه، من الناحية المادية البحتة، جسدك قبل عقد من الزمن، ومع ذلك تظل تشعر بأنك أنت. هذا التناقض وحده كافٍ لزعزعة اليقين الساذج بأن الهوية جسد. الصورة التي في المرآة سطح يعكس الضوء فحسب، أما الذات — إن وُجدت — فتسكن مكانًا لا تصل إليه المرايا. ومع ذلك، لا يمكن الاستهانة بهذا السطح: فنحن نتعرّف على أنفسنا أولًا من خلاله، ونتعلم أن نكون “أنا” عبر نظرة الآخر إلينا قبل أن نملك لغة نصف بها أنفسنا. الجسد عتبة، لا قناعًا يُخلع بسهولة؛ منه تبدأ كل هوية، حتى حين تتجاوزه لاحقًا.

أنا التي صنعتها طفولتي
قبل أن تختار شيئًا، كنت قد اخترت لك أشياء كثيرة: البيت الذي وُلدت فيه، اللغة التي فكرت بها قبل أن تفكر بها، نبرة الصوت الذي ناداك بالحب أو باللامبالاة، الغرفة التي بكيت فيها ولم يسمعك أحد، أو التي احتضنك فيها أحد قبل أن تطلب ذلك.

الطفولة قالبٌ نُصَبُّ فيه أكثر مما هي فترة نمرّ بها بمحض المصادفة. الخوف الذي زرعته فيك عاصفة ليلية، أو غياب أب، أو صراخ لم تفهم سببه، يظل يعمل تحت السطح سنوات طويلة بعد أن تنسى مصدره. والحب الذي مُنح لك بسخاء، أو حُجب عنك بقسوة، يشكّل الطريقة التي ستحب بها لاحقًا، وربما الطريقة التي ستخاف بها من أن تُحَب. ما نسميه “شخصيتنا” غالبًا ندوب تعلّمت أن تتنكّر في هيئة طباع، أكثر مما هي اختيار واعٍ. الطفل الذي كان يبحث عن الاعتراف يكبر ليصبح رجلًا يطارد النجاح بلا هوادة، دون أن يعرف أنه ما زال يبحث عن نظرة أم أو ابتسامة أب. نحمل طفولتنا كما تحمل الشجرة حلقاتها الداخلية: غير مرئية من الخارج، لكنها الدليل الصامت على كل عام مرّ بنا.

أنا التي صنعها الآخرون
الطفولة نفسها لم تُبنَ في عزلة. الإنسان يكتشف نفسه في عيون الآخرين، لا أمام مرآة صامتة وحسب؛ يكتشفها في اللحظة التي يبتسم فيها أحدهم فيشعر أنه مقبول، أو يشيح بوجهه فيشعر أنه منبوذ.

نبني هويتنا من مواد استعرناها من الآخرين: كلمة مدحٍ سمعناها فتشبثنا بها، حكم قاسٍ أُلقي علينا فحاولنا طوال العمر إثبات عكسه، مكانة اجتماعية سعينا إليها لأن غيابها كان يعني أن نُرى أقل، أكثر مما سعينا إليها لأننا نريدها فعلًا. حتى تمرّدنا على المجتمع شكل آخر، غالبًا، من أشكال حاجتنا إلى أن يرانا هذا المجتمع. التحرر من نظرة الآخر لا يكون بإنكارها، فهي جزء لا يُمحى من نسيجنا، وإنما بفهمها، وبتمييز صوتنا الخاص وسط كل هذه الأصوات المتراكمة فوقه.

أنا التي أختبئ منها
وهنا تبدأ المنطقة الأشد ظلمة: تلك التي نخفيها عن أنفسنا، قبل أن نخفيها عن الآخرين.

كل إنسان يحمل في داخله متحفًا سريًا من الرغبات التي لم يجرؤ على تسميتها، والغيرة التي أنكرها حتى في لحظة اشتعالها، والشعور بالذنب الذي لا يملك له تفسيرًا واضحًا، والضعف الذي واراه خلف صرامة مصطنعة. نبني أقنعة لنخدع أنفسنا أولًا، قبل أن نخدع الآخرين، لأن مواجهة الحقيقة العارية مرهقة إلى درجة لا تُحتمل أحيانًا. هذه الأقنعة آلية بقاء أكثر منها كذبًا خالصًا. والمفارقة أن هذا الجزء المُختبَأ، الذي نظن أننا تخلّصنا منه بدفنه، هو غالبًا الأكثر تحكمًا في قراراتنا، لأنه يعمل من الظل، بلا رقابة الوعي. من هنا يصبح السؤال “من أنا؟” أخطر مما يبدو: إنه سؤال عمّن أهرب منه فيّ، أكثر مما هو سؤال عمّن أعرفه من نفسي.

أنا بين الحرية والحتمية
فإذا كانت الطفولة قد شكّلتني، والآخرون قد صنعوا جزءًا مني، وداخلي يحمل ما لا أعترف به — فهل أنا حرّ أصلًا؟ هل اخترت نفسي فعلًا، أم أنني نتيجة حتمية لعائلة وُلدت فيها، وطبقة اجتماعية لم أختر الانتماء إليها، وثقافة سبقتني بقرون، وجينات لم تستشرني؟

هنا يقف سبينوزا ليقول إن ما نسميه حرية غالبًا ما يكون جهلًا بالأسباب التي تحرّكنا؛ نظن أننا نختار بينما نحن نُساق. وابن خلدون وكانط، كلٌّ من زاويته، يعكسان هذا التوتر نفسه: الأول يُبرز في تحليله للعمران والعصبية كيف تتشكّل طباع الأفراد والجماعات ضمن شروط تسبقهم، والثاني يمنح الإنسان، رغم كل شيء، قدرة على أن يشرّع لذاته قانونًا أخلاقيًا يتجاوز به سلاسل السببية، ولو في لحظة واحدة من لحظات وعيه. ثم يأتي سارتر بأشد الصيغ جرأة: الإنسان محكوم عليه بأن يكون حرًا، لأنه، مهما كانت ظروفه، يظل مضطرًا لأن يختار كيف يتعامل معها.

وربما هذا ما أعرفه من تجربتي وحدها، بمعزل عن كل هؤلاء: أنني لم أختر شيئًا مما وضعني هنا، ومع ذلك أشعر، في كل صباح، بأن ثمة قرارًا صغيرًا ما زال بين يدي. الحرية هنا فعلٌ أقوم به داخل قيودي، لا غيابًا للقيود نفسها. ربما لا أستطيع اختيار الأرض التي وُلدت فيها، لكنني أختار كيف أمشي عليها.

أنا التي أرويها لنفسي
ومع ذلك، حين أحاول أن أستعيد “من أنا؟” عبر ذاكرتي، أكتشف أنني أستعيد ما اخترت أن أتذكره، بالترتيب الذي يخدم الصورة التي أريد أن أراها عن نفسي، أكثر مما أستعيد ما حدث فعلًا وبالتسلسل الذي حدث به.

الذاكرة أقرب إلى ورشة تحرير مستمرة منها إلى شريط مسجَّل نعيد تشغيله بأمانة. كل مرة نستعيد فيها ذكرى، نُعيد كتابتها قليلًا، نُلوّنها بمزاج اللحظة الحاضرة، نحذف تفصيلًا محرجًا، ونضخّم آخر يخدم الحبكة. بهذا المعنى، نحن مؤلفو قصصنا، وإن كنا مؤلفين لا يعترفون بأنهم يكتبون، فوق كوننا أبطالها فحسب. حين أقول “أنا شخص قوي تجاوز محنته”، فأنا أروي حكاية اخترت بنيتها لتمنحني معنى أستطيع أن أعيش به، أكثر مما أصف واقعة جرت كما أرويها بالضبط. وهذا لا يجعل الحكاية كذبًا، لكنه يجعلها بناءً، لا حقيقة صافية. جوهر ما نسميه “الشخصية”، إذن، هو الحكاية التي اخترنا أن نرويها عمّا حدث، أكثر مما هو ما حدث بذاته.

أنا والزمان
لكن إذا كانت الذاكرة تُعاد كتابتها باستمرار، والجسد يتجدد خلية بعد خلية، والأفكار التي كنت أؤمن بها قبل عشرين عامًا صارت اليوم غريبة عني كأنها لشخص آخر — فأين تكمن استمرارية هذه “الأنا” التي أشير إليها بضمير ثابت؟

الفيلسوف الذي يتأمل هذا السؤال يجد نفسه أمام نهر هرقليطس: لا يمكنك أن تخوض النهر نفسه مرتين، لأن المياه تتغيّر، وأنت أيضًا تتغيّر. ومع ذلك، حين تلتقي صديق طفولتك بعد ثلاثين عامًا، تقول له “ما زلت أنت”، رغم أن كل خلية في جسده تغيّرت، وكل فكرة في رأسه تبدّلت. ما الذي يبرر هذا الحكم؟ ربما الهوية أقرب إلى خيط سردي يربط بين اللحظات المتعاقبة، منها إلى جوهر ثابت يبقى معلّقًا خلف التغيّرات، تمامًا كما يربط اللحن نغماته المتتالية دون أن تكون أي نغمة بمفردها هي اللحن. “أنا” استمرارٌ، قبل أن أكون شيئًا واحدًا ثابتًا.

أنا والمجتمع
وهذا الاستمرار نفسه يُنسج داخل نسيج اجتماعي يحدّد له خيوطه وألوانه، فلا وجود له في فراغ. المجتمع يسكن أعمق مما نظن؛ لا يكتفي بمراقبتنا من الخارج.

بورديو يسمي هذا “الهابيتوس”: تلك الميول والأذواق والطرق في الكلام والمشي والحكم على الأشياء، التي تشرّبناها من طبقتنا الاجتماعية حتى صارت تبدو لنا طبيعة فطرية، بينما هي في الحقيقة تاريخ متجسّد؛ حتى مهنتنا وطريقة عيشنا، كما يذكّرنا ماركس، تصوغان كثيرًا مما نظنه “أفكارنا الخاصة” أكثر مما تعكسانه. وفوكو يذهب أبعد، فيرى أن السلطة تُنتجنا من الداخل عبر مؤسسات المدرسة والطب والقانون التي تعلّمنا كيف “نُراقب أنفسنا” حتى قبل أن يراقبنا أحد، ولا تكتفي بقمعنا من الخارج. حين أقول “أنا مسلم” أو “أنا مغربي” أو “أنا باحث”، فأنا أستخدم مفردات لم أخترعها، صاغها تاريخ طويل من العلاقات والصراعات والسلطات، ومع ذلك أشعر أنها “أنا” بامتياز. وهذه بالضبط هي حيلة المجتمع الكبرى: أن يجعل ما صنعه فينا يبدو، في نظرنا، وكأننا اخترناه بأنفسنا.

أنا في عصر الصورة والذكاء الاصطناعي
واليوم، تضاف طبقة جديدة على هذا التشكّل القديم: الشاشة.

فإذا كان الآخرون، كما رأينا، يصنعون جزءًا مني بنظرتهم، وإذا كانت الأقنعة التي أرتديها انعكاسًا لما أريد أن أُرى عليه، فإن الخوارزمية لا تكتفي اليوم بأن تكون “آخر” جديدًا يراقبني؛ إنها مرآة من طبيعة مختلفة كليًا، لا تعكس ملامحي كما تفعل المرآة العادية، بل تحسب احتمالاتي.

صرنا قادرين، على نحو غير مسبوق، على صناعة نسخة رقمية “مثالية” منّا: صورة مُنقّحة، منشور مُنتقى بعناية، سيرة مصقولة تخفي التردد والملل والفشل، وتُظهر فقط اللحظات التي تستحق أن تُرى. هذه النسخة قناعٌ من جنس الأقنعة التي تحدثنا عنها سابقًا، غير أنه هذه المرة يُعرض على العالم كله دفعة واحدة، لا على شخص بعينه في لحظة بعينها. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: من هو الإنسان الحقيقي خلف هذه الواجهة؟ هل ما زلنا نصنع صورة عن أنفسنا، أم أن الصورة صارت تصنعنا، فنبدأ نعيش لنُصوَّر، عوضًا عن أن نُصوَّر لأننا نعيش؟

وفي الخلفية، تعمل خوارزميات لا تكل، تجمع كل نقرة، وكل توقف أمام منشور، وكل بحث خجول في ساعة متأخرة من الليل، حتى تبني عنّا صورة قد تكون أدق من الصورة التي نحملها عن أنفسنا. والفارق الجوهري بينها وبين نظرة الآخر التقليدية أن ذلك الآخر كان يعرفني عبر لقاء، وحوار، وزمن نتشاركه، بينما تعرفني الخوارزمية عبر إحصاء بارد لا يكترث بي، ولا يفهمني، ولا يحبني، ومع ذلك يتنبأ بسلوكي أحيانًا أدق مما أتنبأ به أنا لنفسي. حين تعرف الآلة ميولي قبل أن أعترف بها لنفسي، يصبح السؤال “من أنا؟” أكثر إرباكًا من أي وقت مضى: لم أعد وحدي، بعد اليوم، من يملك حق الإجابة عنه.

أنا أمام الموت
وفي النهاية، يقف الموت مرآةً أخيرة لا يمكن الهروب منها، أكثر مما هو خصمٌ يُهزم أو يُتجاوز.

هايدغر يرى أن الإنسان لا يعيش حياته بأصالة إلا حين يواجه كونه “كائنًا-من-أجل-الموت”، حين يتوقف عن الهروب إلى ثرثرة اليوميّ ويقف وجهًا لوجه أمام حتمية نهايته، فتصبح كل لحظة أثقل وزنًا وأصدق معنى. وكامو يذهب في اتجاه آخر: العالم لا معنى فيه بذاته، والإنسان يبحث عن معنى فيه، وبين هذين الطرفين تولد “اللامعقولية”، التي تدعونا إلى تمرّد هادئ يجعلنا نعيش رغم غياب الضمانات، أكثر مما تدعونا إلى اليأس. وفي تراثين مختلفين تمامًا، يلتقي الرواقيون والغزالي على فكرة واحدة: أن التأمل في الموت ليس دعوة للقنوط، وإنما تدريبٌ على التصالح مع ما لا نملك السيطرة عليه، وتذكيرٌ للقلب الغافل بقيمة الوقت الذي بين يديه.

سؤال الموت الحقيقي ليس “متى ستموت؟”، وإنما سؤال أكثر قسوة: “كيف كنت تعيش، وأنت تعرف أنك ستموت؟” وهذا السؤال، إذا أخذناه على محمل الجد، يعيد ترتيب كل ما سبق: الجسد الذي أهملته، والطفولة التي لم أُصالحها، والأقنعة التي أرهقتني، والحرية التي تهربت منها، والحكاية التي زيّفتها، كل هذا يُوزَن فجأة بميزان واحد: هل عشتُ، أم مررتُ فقط؟

فهل توجد “أنا” حقيقية أصلًا؟
بعد هذه الرحلة، لا يسعنا إلا أن نسأل السؤال الأشد جرأة: هل ثمة جوهر ثابت اسمه “أنا”، ينتظر أن يُكتشف تحت كل هذه الطبقات، أم أن الطبقات نفسها هي كل ما هنالك؟

ربما الذات أقرب إلى عملية مستمرة من التشكّل منها إلى جوهر صلب يُشبه حجرًا كريمًا مدفونًا في أعماقنا ننتظر أن ننقّب عنه، أشبه بنهر لا يتوقف عن الجريان، وهويته تكمن في مجراه المتجدد أكثر مما تكمن في مائه الثابت. وربما هي مجموعة من الذكريات المعاد ترتيبها باستمرار، أو حكاية يرويها الدماغ لنفسه كي يشعر بالتماسك في عالم فوضوي، أو نسيج من العلاقات لا يمكن فصله عن الآخرين الذين صنعوه. وربما، وهذا الاحتمال الأكثر إزعاجًا، هي وهم ضروري: قناع يصنعه الوعي كي يستطيع الإنسان أن يتصرف، ويحب، ويقرر، ويكمل يومه، دون أن يُصاب بالشلل أمام حقيقة أنه، في كل لحظة، مزيج متغيّر من مادة وذاكرة وعلاقات وصدفة.

لكن حتى لو كانت “الأنا” وهمًا، فهو وهم نعيش به ومن خلاله، وهذا وحده يمنحه ثقلًا لا يُستهان به. والمهمة، ربما، ليست العثور على إجابة نهائية عن “من أنا؟”، وإنما تعلّم كيف نحمل هذا السؤال طوال الحياة، دون أن يسحقنا ثقله، ودون أن نخدع أنفسنا بإجابات جاهزة.

والآن، أيها القارئ، بعد أن أغلقت آخر سطر، وعادت الغرفة إلى صمتها المعتاد، وابتعدت عنك كل الأصوات التي كانت تخبرك من تكون: أهلك، ومهنتك، وصورك المنشورة، وأصدقاؤك الذين يظنون أنهم يعرفونك جيدًا —

من أكون أنا، حين لا يعود أحد ينظر إليّ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة