عشتار / د.ناظم علاوي

ما زالت تستذكر غبار عشقها وحبه غير المعلن وهو يرتعد حتى من مضجعه الذي ملّه، وذاكرته وهي تلح في التذكر، حاول الابتعاد حتى في الهروب من سريره، من حبها الدافئ، وهو يجتاحه كل مساء، ومن أزقة محلته المؤطرة ببراءة طين يغازل قمر الملهوفين، أعني العاشقين، ومن آخر تفاحة كانت ستهديها له ليتنفس سنابل وأزهار تاريخهما معاً، عشقا ممنوعا من البوح مثل حنظل يتجرعه دون أن يخبئ حبه، الآن أفكاره سيف مسلط على وحدته الحرجة وهو لن يبكي ليدرك أن زمن السقوط يساوي زمن القفزة الآن، وأن وثبته ربما تكون قصيرة الأجل! وهو ينحرف نحو مسعى جديد من قبلة تسرقها عن غفلة من الأهل، لكنها بريئة وغير محرّمة، فتنفلت بعيدا، وستظل شريدة في أثير غير مدرك.
في بيته الضاج بمحبة وألفة، بالتحديد في غرفته المنزوية في الطابق العلوي، ومنذ أن علّمه أبوه معنى الرجولة كان منغرساً في غرفته تلك مثل نقش حاكه ملك من سديم أزلي، تلك التي قضى سنينه وأيامه داخلها يحفر في أخاديد وعيه ومعرفته الشخصية خرائط عديدة عن أناس جالوا في قطارات ليست كالقطارات، تبدوا كالأحلام في أرجاء الأرض بحثا عن حب أو شهقة صادمة، وهو الذي لم يغادر حصافته المزروعة في رأسه من تلك الكتب والأحاجي والثوابت المدسوسة من كائنات تبدوا أزلية، وربما سرمدية قادمة من بعيد، ربما هناك أو هنا، تلك الأحاجي التي لم تنشطر إلا على محبة تتنفس هواء مدينته الموصل.. ومعها صبره الثابت.
لم يكن يدري أن مفترق دروبه منشطر ويتشظى مثل قنبرة نكاية به عند هذا الدرب الذي سلكه، وبعد أن عاد خالياً من عاطفة لا روح فيها.
في عزلته جلس يحيك ساعاته بمغزل الذكريات ليصنع من نسيجها قميصاً كبيراً كان يلائمه قبل هذا الوقت، ليتيقن أن النهاية تختلف في تكوينها وبنائها عن البداية التي عاشها، وأن حياكته وحكايته التي عاينها وأنصهر بها ومعها قبل البدء بمشروعه ذلك قد اختلف عنها الآن، لتلتصق بذكرياته تلك الحكايات التي كانت تنبثق – مثل ينبوع– من فم جدته مذ كان صبياً لتكّون عالمه الخاص.
تلك القصص الطويلة عن عمالقة أبطال، وأحياناً سذّج، ففي بعض الليالي الشتائية الباردة حينما يهرب النوم من عينيه كانت جدته تتعمد أن تسرد له حكايات غريبة تمتزج فيها مشاهد رهيبة عن البطولة والخوف ومقارعة الأهوال، من أجل أن تسكّن من روعه ليستلقي هادئاً في نوم جميل.
في عزلته هذه راح يتابع بحذر شديد انكساراته وخيبتاه الجاثمة على قلبه، ونسي أو تناسى أن هذا الخيال وليد تجارب حقيقية عديدة عن ما كان أو ما سيكون لتشكله، مثل بلورات تعبر عن ما تحمل داخلها صوراً ستنظم إليها صورته يوما ما، لتصبح سجينة في داخلها، كصمت مكانه وهدوء أزقته المميت، ولحظات ساكنة لمحاليل غادرها أهلها، وزاحمت قوة حبه لها، ليصبح كومة يابسة من أعشاب انتزعت من جذورها ورُكنت في بقعة منزوية تعوم ذاكرته وقلبه وفكره المشتت، وفي خضم انصهاراته وأحزانه تلك توجه مثل محارب منكسر إلى طاولته في ركن غرفته اليمنى، وعند كرسيه الوحيد مثل غريق يقاوم تلاطمات بحر هائج، جلس حزيناً يجمع كل أوراقه وما يثبت شخصيته أمام القانون، ليحرقها دفعة واحدة دون ندم، علّه يشعر بلذة تجاوز اللذات، أو أن يتحول إلى لاوجود! وهو المّحدب مثل سيف مثلوم يقاوم صداً يغطيه كبرقع امرأة شرقية، علّه يرفع أجزاء جسده الذي بدأ يتحول إلى رخام رمادي، أو ربما كموجة هوجاء قلقة أحسّها تنقله وتنتشله من خضم ظلمة حالكة في روحه، ليجد نفسه بعدها واقفاً في متحف منسي لا يدخله أحد!
هكذا بدا له أن يهرب دون مواراة إلى هدأة مريبة، لتتجلى له من جديد (عشتار) ربة الحب والحرب عند بقعة بين النهار والليل دكناء تسبح في انصهارات عشقه المذبوح، وهروبه غير الممكن من هواجس ذكرياته، لتجتاح ضلوعه وقلبه مترنمة نشيدها في غرور لا يقهر وهي تقص عليه بعد كل هذا الوقت آخر لعناتها عن رجل تحول إلى رخام.





