مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
قرأت لك

غابرييل غارسيا ماركيز خلف الستار الحديدي: رحلة من الوهم إلى الواقع/إيمان البستاني

Gemini Generated Image dsdao0dsdao0dsda 300x275 1

لم يكن غابرييل غارسيا ماركيز روائياً كبيراً فحسب؛ فقد كان صحفياً يمتلك عيناً لا تفوّت التفاصيل. وربما كان هذا هو سر فرادة كتابه «رحلة إلى البلدان الاشتراكية: 90 يوماً وراء الستار الحديدي». ففي هذه الرحلة لا يكتفي ماركيز بالنظر إلى الأنظمة السياسية من بعيد، ولا يتعامل مع الاشتراكية بوصفها فكرة مجردة، أو مع الرأسمالية بوصفها نقيضاً جاهزاً لها، بل يحاول أن يرى ما يحدث عندما تتحول الأفكار الكبرى إلى حياة يومية: إلى طعام، وملابس، وقطارات، ومبانٍ، وأجساد، ووجوه بشرية.

كان ماركيز يعيش في باريس ويعمل مراسلاً لصحيفة «مومنتو» الفنزويلية عندما قرر، في صيف عام 1957، القيام برحلة إلى البلدان الاشتراكية. رافقه في الرحلة فرانكو، وهو إيطالي محب للسفر يعمل، بين حين وآخر، مراسلاً لبعض الصحف في ميلانو، وجاكلين، وهي فرنسية من أصول هندو-صينية تعمل مصممة في إحدى المجلات الباريسية.

انطلقت الرحلة من ألمانيا الشرقية، مروراً ببولونيا وتشيكوسلوفاكيا، وانتهت في موسكو، حيث حضر ماركيز المهرجان الدولي السادس للشباب والتقى أشخاصاً ومسؤولين في الدولة. وقد نشر لاحقاً مشاهداته في عشرة فصول متتابعة في مجلة «كروموس» الكولومبية بين شهري يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول من العام نفسه.

كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت قبل اثني عشر عاماً فقط، لكن آثارها كانت لا تزال واضحة في المدن التي زارها. غير أن ماركيز لم يكن يبحث عن آثار الحرب وحدها، بل عن آثار الأفكار السياسية على حياة الناس. وهنا تكمن قيمة الرحلة: إنه لا يرى الاشتراكية كما حلم بها منظروها، ولا كما صورتها الدعاية الغربية، بل كما تبدو حين تنزل من الكتب والخطب إلى الشوارع.

ولعل هذه الصراحة هي التي أغضبت شيوعيين كثيرين، فاتهموه بالعمالة للرأسمالية والولايات المتحدة الأميركية. لكن ماركيز لم يكن، في الحقيقة، يقوم برحلة دفاع عن نظام أو هجوم على آخر. كان يفعل شيئاً أكثر إزعاجاً للأنظمة كلها: كان ينظر.

الستار الحديدي: أول الوهم

كان أول ما اكتشفه ماركيز أن الستار الحديدي الذي طالما تحدثت عنه الدعاية الغربية لم يكن، في الواقع، ستاراً ولا حديداً. فقد أدت الدعاية التي استمرت اثنتي عشرة سنة إلى الاعتقاد بأن عارضة خشبية مطلية بالأحمر والأبيض مثل إشارات صالونات الحلاقة تفصل بين العالمين الشرقي والغربي، وأن خلفها عالماً هائلاً من معسكرات التعذيب والأسلاك الشائكة المكهربة.

لكن الواقع كان أكثر بساطة، وربما أكثر تعقيداً. كانت هناك منطقة عازلة تمتد نحو 800 متر، مقفرة من كل شيء تقريباً. هكذا بدأ ماركيز رحلته باكتشاف أول: إن الصور التي تصنعها الدعاية عن العالم ليست بالضرورة العالم نفسه.

وبعد ذلك بقليل، واجه مشهداً أكثر قسوة من أي ستار حديدي. فقد دخل مع رفيقيه مطعماً صغيراً بجوار محطة وقود في الطريق إلى برلين، وهناك رأى ما وصفه بأنه أحد أكثر مشاهد البؤس التي عرفها في حياته. كان نحو مئة رجل وامرأة يأكلون الفطور. وجوه ذاهلة، ملابس رثة، كميات من البطاطا واللحم والبيض المقلي، وهمهمة غامضة في صالة يغطيها الدخان. لم يكن المشهد السياسي هو الذي صدم ماركيز، بل ذلك التناقض بين فعل يومي بسيط، مثل تناول الفطور، وبين مقدار البؤس الذي يمكن أن يختبئ داخله.

وحين دخل الغرباء، شعروا بما سماه «وخز مئة نظرة منفلتة من العيون»؛ عيون أناس بدوا له، كما وصفهم، تالفي الروح ومعذبين.

برلين: مدينتان لا يفصل بينهما جدار فقط

في برلين الغربية، لم يجد ماركيز مدينة أوروبية بالمعنى الذي كان يتوقعه. وجد مدينة وصفها بأنها «مزيفة»، فقد محا الأميركيون كل شيء تقريباً ليبدأوا صفحة جديدة.

بدت برلين الغربية، في قلب العالم الاشتراكي، وكأنها شوارع نُقلت من نيويورك. كانت الشركات الكبرى حاضرة، والتجارة طاغية، حتى إن السياح الأميركيين كانوا يزورون المدينة في الصيف لشراء بضائع مستوردة من بلدهم بأسعار أرخص من أسعارها في نيويورك.

أما اللغة الإنجليزية فكانت حاضرة في الإعلانات والمحلات وقوائم الطعام ومحطات الإذاعة، حتى بدت المدينة لماركيز «وكالة ضخمة للدعاية الرأسمالية»، غايتها إبهار ألمانيا الشرقية التي كانت تتأمل هذا المشهد من كوة ضيقة، فاغرة الفم.

لكن عبور المدينة إلى قسمها الشرقي كان أشبه بالانتقال إلى عالم آخر. هناك، كانت الحرب لا تزال حاضرة في المباني المدمرة، وفي الأحياء السكنية، وفي المحلات التجارية القذرة التي تعرض سلعاً متواضعة وغير جذابة. وكان بعض الناس يعيشون في الطوابق السفلية من أبنية دُمر جزءها العلوي، بلا مرافق ولا مياه جارية، وفي مدن تفتقر إلى الإضاءة التي تنير لياليها.

لم يكن الفارق بين شطري برلين، في نظر ماركيز، مجرد فارق بين نظامين سياسيين. كان أعمق من ذلك. كان فارقاً بين عقليتين، كل واحدة منهما تحاول أن تعيد تشكيل المدينة والإنسان وفق تصورها الخاص.

وخارج برلين، في لايبزغ، وجد ماركيز وجهاً آخر لليأس. ففي أحد الملاهي، أخبره نادل كان قد عاش في معسكر اعتقال أن حياته هناك، على الرغم من الطعام السيئ، كانت أسعد من حياته الحالية. كان معطفه وحده يكلف راتب شهر كامل.

وفي المكان نفسه، صادف أشخاصاً جُردوا من أملاكهم بعد تأميمها في زمن الاشتراكية. كانوا يعيشون على أمل سقوط النظام واستعادة شيء من الحياة البرجوازية التي عرفوها في عهد هتلر، قبل أن تُؤمم ممتلكاتهم. كانوا يملكون تعويضات حصلوا عليها مقابل أملاكهم، لكنهم ينفقونها في الملاهي، في محاولة لتخفيف أحزانهم. وهكذا بدا أن الدولة تستعيد منهم أموال التعويضات بطريقة غير مباشرة.

براغ: حين لا تنجح الصور الجاهزة

بعد برلين ولايبزغ، كان من السهل أن يتوقع القارئ مدينة أخرى يغلب عليها البؤس. لكن براغ جاءت لتفسد هذه الصورة. كانت مدينة نابضة بالحياة، لا يختلف سلوك سكانها اليومي كثيراً عن سكان أي بلد رأسمالي. كانت الزراعة قائمة، والصناعة نشطة، وقيل لماركيز إن مصانعها تصدر الحافلات والآلات الزراعية إلى مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك البلدان الغربية.

لم تكن الحياة اليومية في براغ تحمل ذلك الفارق الكبير بين النظامين الذي قد يتوقعه المرء. أما التفصيل الذي كشف الفارق الحقيقي، فلم يكن سياسياً ولا اقتصادياً، بل كان زوجاً من جوارب النايلون.

في أحد الملاهي الليلية، كانت مغنية ترتدي جوربي نايلون باليين. لفت الأمر انتباه فرانكو، ومن هذه الملاحظة الصغيرة بدأت المفارقة: فالشيء الذي يبدو عادياً في مكان قد يكون جوهرة ثمينة في مكان آخر. في نظر المرأة التشيكية، كانت جوارب النايلون جوهرة. وهكذا، قد يكون الفارق بين النظامين، أحياناً، مختبئاً في سعر الأشياء الصغيرة لا في الشعارات الكبرى.

لذلك كتب ماركيز عن براغ:

«هكذا هي براغ: ماضيها لا يبدو منقطعاً عن حاضرها».

وأضاف:

«أمضينا عدة أيام نتجول فيها على غير هدى، ولم نعثر على دليل واضح يسمح لنا بالاعتقاد أننا في مدينة من مدن أوروبا الشرقية».

بولونيا: الإنسان الذي يقرأ في الطابور

في بولونيا، انتقل ماركيز من مقارنة المدن والأنظمة إلى تأمل الإنسان نفسه. كانت الحرب قد تركت آثارها الثقيلة، وكانت بقايا معسكرات الاعتقال تذكّر بما عاشته البلاد. لكن ما أثار إعجاب ماركيز هو كبرياء البولونيين وعزة أنفسهم.

كانت المكتبات مزدحمة، وكان الناس يقرأون حتى في طوابير الانتظار. لم يكن الأمر مجرد عادة ثقافية، بل بدا كأنه محاولة للتمسك بشيء من الكرامة في بلد أنهكته الحروب والفقر والتاريخ. كان البولونيون، في نظر ماركيز، يحاولون الاستمرار في الحياة بقدر من الكبرياء، حتى حين لا تمنحهم الحياة الكثير.

ولهذا وجد من الصعب فهمهم تماماً. فهم يجمعون بين رهافة حس تكاد تكون أنثوية، وميل إلى التفكير والعقلانية. وكانت الأوضاع التي يعيشونها، في رأيه، شديدة الشبه بطبائعهم.

موسكو: تفكيك الأساطير

كلما اقترب ماركيز من موسكو، اتسعت الصورة. كان الاتحاد السوفياتي عملاقاً هائلاً، يضم نحو 200 مليون نسمة، و105 لغات، وقوميات لا تحصى، ويمتد على مساحة تشكل سدس مساحة اليابسة.

كانت القطارات دقيقة المواعيد، وعرباتها فخمة، لكن حقائب المسافرين وأكياسهم كانت رديئة النوعية. وكان هذا التناقض الصغير يلخص شيئاً من البلاد كلها: مظهر هائل، وتفاصيل يومية قد تكون متواضعة.

لم يجد ماركيز دعاية واحدة لشركة كوكا كولا. بل لم يجد الدعاية التجارية كما يعرفها العالم الرأسمالي، إذ لم يكن هناك إنتاج خاص ولا منافسة بالمعنى المعروف. وكان الأدب والسينما الروسيان قد منحاه، قبل وصوله، صورة عن البلاد. وقد أعجب بصدقهما في تصوير المشاهد التي أخذ يراها من نافذة القطار.

أما الشعب الروسي، فوجده متعطشاً إلى الصداقة. ولم يجد الناس يأكلون الكلاب كما كانت الصحافة الرأسمالية تروج، ولم يصادف شخصاً واحداً يعرف مارلين مونرو. لكن موسكو نفسها لم ترقه.

كانت، في وصفه، «أكبر قرية في العالم»، لكنها لم تكن مصممة على مقاس الإنسان. بدت مرهقة وخانقة وقليلة الخضرة والأشجار. أما مبانيها فبدت كبيوت القرى الأوكرانية نفسها، لكن بأحجام عملاقة.

الروس لا يشربون القهوة لأنها، كما يقولون، مضرة بالصحة، ويستبدلونها بشاي معطر ، كان ماركيز مغرماً به إلى درجة أنه كان يشتهي، بدلاً من شربه، أن يسكبه على رأسه!

ستالين: حين يصبح الرجل أكبر من النظام

في موسكو، لم يكن ممكناً أن يتحدث ماركيز عن الاتحاد السوفياتي دون أن يتحدث عن ستالين. فأفضل ما يمكن أن يقال في مدحه، في رأيه، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأسوأ ما يمكن أن يقال في ذمه. إذ لم يكن في الاتحاد السوفياتي شيء تقريباً لا يحمل أثره. لقد أراد ستالين أن يحكم أكبر البلدان في العالم كما لو كان يدير متجراً.

وكان ماركيز يرى أن جانباً من فساد الذوق العام يعود إلى ستالين ، ذلك الرجل الذي جاء من قرية جورجية فقيرة، ثم وجد نفسه أمام كنوز الكرملين وفخامته. ولم يكن قد سافر خارج بلده، ولذلك كان يرى أن مترو موسكو هو أجمل مترو في العالم. كان ستالين حاضراً في كل شيء، حتى بعد موته.

لكن النظام بدأ يتخلخل بعد وفاته، وظهر خروتشوف بصورة مختلفة. لم يحكم الناس بالصور والتماثيل كما فعل ستالين، بل خالطهم. كان يذهب إلى المزارع التعاونية، ويشرب الفودكا، ويراهن الفلاحين على قدرته على حلب الأبقار، ثم يحلبها فعلاً أمامهم.

ولم يكن الناس، كما يرى ماركيز، يولون خروتشوف الأهمية نفسها التي كانت الصحافة الغربية توليه إياها. فالشعب السوفياتي كان يرى أنه من قام بالثورة، وصنع الحرب، وأعاد إعمار البلاد، وأطلق القمر الصناعي، يستحق حياة أفضل.

النهاية: خلف الزجاج

أنهى ماركيز رحلته بزيارة ضريح الساحة الحمراء. هناك، وصل إلى الصندوقين الزجاجيين اللذين يرقد فيهما لينين وستالين.

كان لينين يبدو كأنه مصنوع من الشمع. أما شعر ستالين الأبيض فقد بدا مائلاً إلى الأحمر تحت تأثير الإضاءة. ولم يظهر من الجثمانين سوى الجزء العلوي، وكانا يرتديان سترات مزينة بالأوسمة. أما يدا ستالين، فبدتا رقيقتين إلى درجة جعلتهما تشبهان يدي امرأة.

ربما كان هذا المشهد هو الخاتمة الأكثر دلالة لرحلة ماركيز كلها. فبعد أن عبر الحدود، واكتشف أن الستار الحديدي ليس من حديد، وشاهد برلين المنقسمة، ولايبزغ البائسة، وبراغ الحية، وبولونيا التي تقرأ في طوابيرها، وموسكو التي لا تأكل كلاباً ولا تعرف مارلين مونرو، انتهى أمام جثمانين محفوظين خلف الزجاج.

لينين، صاحب الحلم الأول.

وستالين، الرجل الذي بنى فوق ذلك الحلم دولة هائلة، ثم ترك ظله في كل مكان.

وخارج الزجاج، كانت الحياة الحقيقية مستمرة.

فالأنظمة تموت، والزعماء يتحولون إلى جثامين محفوظة، والدعاية تتغير، والحدود تسقط. لكن الإنسان يبقى في النهاية هو الحقيقة الأصعب على كل نظام أن يخفيها.

وهنا تكمن قيمة رحلة ماركيز: لم يكن يبحث عن إجابة جاهزة حول أي النظامين أفضل، بل كان يحاول أن يرى ما وراء الشعارات. لقد ذهب ليرى الستار الحديدي، فاكتشف أن الستائر الحقيقية لا تكون دائماً من حديد. أحياناً تكون من دعاية. وأحياناً من خوف. وأحياناً من صورة مسبقة يصدقها الناس قبل أن يروا العالم بأعينهم.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة