كتاب “ثلاث مدن مقدسة”.. النص الكامل- جون ماري غوستاف لوكليزيو- ترجمة وتقديم خالد النجار

لوكليزيو وأساطير التّيه
جون غوستاف ماري لوكليزيو وريث مترحلي القرن التاسع عشر ولكن بتفرّده المميز… وكان ذلك زمن القلق الكبير في أوروبا… حين اجتاح ما سمي حينها بمرض العصر تلك الكآبة الرومانسية التي دشنها فارتر بطل غوتة في روايته آلام الشاب فارتر والتي دفعت الكثير من شعراء الرومنطيقية إلى الانتحار…
وكان أن بدأ شباب أوروبا بهدم الأسوار والانطلاق خارج القارة العجوز….
وكانت هناك هجرة كبيرة فوق ودروب العالم… رامبو المتنقل أبدا من شارلفيل مدينته الميلاديّة، إلى باريس، الى بروكسل الى لندن إلى قبرص، إلى جزيرة جاوا، إلى اليمن، إلى أثيوبيا…
من ثلوج بلجيكا المزرقة بقمر الشتاء، إلى أزاهير حرار الصّحراوية الشديدة الحمرة. كان يغوص بقدميه، وينتزعهما مدى أسفاره الطويلة مشيا فوق طرقات أوروبا وكأنّه يقوم بطقس رمزي ينتزع به ومن خلاله نفسه، يجتثها من سجون الأم، والعائلة، والكنيسة، والدولة والوطن، ومن أوروبا الكاثوليكية البرجوازية الصاعدة، والضاغطة….
وبول غوغان الذي ذهب إلى الجزر الدافئة، جزر الماركيز بحثا عن منابع الحياة الوحشيّة، والبدائيّة، والبكر خارج أوروبا، ومات في أوقيانوسيا وهو يحلم بدفء أجساد المستحمات…
… ورحلات شارل بودلير الواقعية والخياليّة…. ومن قبله ذهب جيرار دي نرفال إلى مصر وكتب عنها أجمل الصحائف… وقبله ذهب أوجين دي لاكروا إلى المغرب… وذهب تيوفيل غوتييه إلى روسيا الأمّ، روسيا المقدّسة وريثة كنيسة بيزنطة.
وذهبت طوائف الشباب الحالمين اليوطوبيين إلى أميركا، وذهب الاشتراكيون الخياليون من السان سيمونيين إلى مصر…
وذهب… وذهب….
السفر خارج القارة كان تعبيرا عن رفض، وفعل تحرر… وكان هناك قلق كبير في أوروبا النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وما ان انتهى هذا القرن حتى كان شباب أوروبا قد اخترقوا أسوارها الجغرافية والثقافية وتوزعوا بعيدا في القارات… بعيدا فوق دروب العالم….
ريلكة ذهب إلى اقاصي روسيا الصوفية مع صديقته وصديقة نيتشة من قبله لو اندرياس سالومي، ثم مال إلى الجنوب إلى تونس، حيث خلبته كوى سوق العطارين ثم ذهب إلى مصر أرض الأسرار و” الأنين” كما كان يسميها… منزّلا في النيل مع البحارة النوبّيين، واصفا رحلته في تلك الرسائل الطويلة التي كان يكتبها إلى زوجته كلارا…
وذهب هرمن هسه إلى آسيا باحثا عن الروحانية التي افتقدتها أوروبا العقلانية مقتفيا الينابيع الصوفية القصية في الهند… وسان جون بيرس… وعلى خطى صديقه الكاتب الفرنسي إيتيامبل ذهب إلى الصين حيث كان يقضي أوقاتا طويلة يجول فوق صهوة حصانه على تخوم صحراء غوبي، أو يختلي لأيام في معبد بوذي وسط القفر الآسيوي حيث كتب مقاطع كبيرة من قصيدته الملحميّة آناباز.
… وتاه الأب جاك مونو في الصحاري وكأنّه اراد أن يكون تحققا لمقولة فريديريك نيتشة: الصحراء تنمو، والويل لمن يخبئ الصحاري… إنها تجربة مواجهة المطلق واللا شيء التي تلقي بالإنسان في أقاصيه الدّاخليّة، وتوسع وعيه.
وأخيرا طار أندري مالرو من جيبوتي إلى اليمن بطائرات ما بين الحربين المروحية في مغامرة بحثا عن موقع خرائب مملكة سبا ولم ير سوى ورود بلاد العرب القانية….
جون غوستاف ماري لوكليزيو… وريث كل هؤلاء الرحالة الغاضبين، ولكن بتفرده، ولكنه يظل في آخر الأمر ابن أوروبا، ابن ثقافة الغرب ينتمي شاء أم أبى إلى تقليد عريق تصل جذوره إلى اليونان ما قبل سقراط
فترحله تيه أكثر منه تسفارا… تيه في الداخل في مجاهل الأنا؛ وتيه في الخارج في الجغرافيات بحثا عن تلك الطبيعة البشرية البكر التي افتقدها الغرب واستمرت في الثقافات غير الغربية التي يصمها علماء الأنثروبولوجيا الثقافية الغربيون بالبدائية.
يقول:
أن تسافر هو أن تمضي حقا للبحث عن الذات وعن الحقيقة الكبرى للحياة…
فهو لا يتنقل بحس الهرب من أوروبا الرومنسية، يقول: الهروب هو أن تمضي لألاّ تعود أبدا. ثمة كتاب وصلوا إلى هذا الحال مثل رامبو.
وليس رغبة في اللجوء إلى أراضي بكارة العالم كما هو شأن دعاة العود إلى الطبيعة مثل جون جاك روسو… وإنما كان سفره بقصد آخر، وفلسفة أخرى تقوم على التخلص من شروط الترويض والتدجين الثقافي، بالابتعاد عن عالم الغرب الذي يستند على قيم الهيمنة والسلطة.
بدا لوكليزيو كما لو أنه كان يحيي الروابط الإنسانية الأولى بالعالم والطبيعة مثل روبنصن كروزوي…. فقد جاء هذا الكاتب بعد ظهور علمي الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا أي بعد أن صارت معرفة الغرب بالشرق اكثر موضوعيّة وبالنّتيجة أقل تخييلا، وهذا ما قلب مفاهيم الغربي عن الأقوام الأخرى…
ذهب لوكليزيو في الأوّل إلى المكسيك لآنّه هزّته كما يقول ذات يوم من أيام طفولته صور بركان باريكوتين في المكسيك الذي كان قد ثار أيامها… وبعد ثلاثين سنة ذهب ليعيش في سفح هذا البركان.
جال لوكليزيو في كل القارات في الغابة الافريقيّة وهو طفل صحبة أبيه الطبيب… وعندما كما تقول العرب اشتدّ عوده، وكان عليه أن يكمل تحصيله الجامعي وضع رسالة بعنوان العزلة في شعر هنري ميشو.
وفي 1966 كتب مقالا حول رواية ترومان كابوت ” بدم بارد” قال فيه: إن روائيّ القرن العشرين لم يعد من الممكن أن يظل ذاك “الانسان المؤتمن” المزهو بثقافته، وبتجربته، وبأسلوبه. ومثلما كان الكتاب مدوني حوليات في القرون الوسطى فالكاتب الحديث هو اثنولوجي في الآن نفسه”. في تلك اللحظة، كان يبدو للوكليزيو أنه يكتب مجرد عرض لكتاب صدر حينها ولكنه كان في حقيقته يفصح عن نفسه. وفي ضوء أعماله التاليةالتي نشرها على امتداد الثلاثين سنة، بدت هذه الفقرة وكأنما هي نبوءة لما سينشره فيما بعد من أعمال، أوقل كانت بمثابة مانيفستو، وبرنامج عمل… فأغلب قصص لوكليزيو ورواياته، وسردياته، هي وبشكل ما عبارة عن مدونات ومرويات اثنوغرافيّة لحياة الشعوب التي يزورها…. ولهذا السبب أيضا كانت رسالته الأساسيّة للدكتوراة عملا اثنولوجيا…
كانت تجربته في المكسيك كما يقول جوهريّة في حياته، لقد لمس فيها الحدود القصوى التي من الممكن أن يصل إليها الانسان.
يقول:
” شكلت المكسيك بالنسبة لي صدمة فيزيقيّة عارمة، كانت قاسية جدّا. كان الطقس شديد الحرارة، وكان علي ان اقطع المسافات الطويلة عاري الاقدام. كان لزما علي اكتساب صلابة ومن ذلك الوقت، من تلك اللحظة التي لامست فيها ذلك العالم المكسيكي كففت عن ان اكون مجرد مثقف ذهنيّ…. هذا التحوّل الكبير، والتعامل اللاذهني غذّيا فيما بعد كلّ اعمالي. “
هكذا هي أعمال جون ماري غوستاف لوكليزيو، فيها شيء من أدب الرحلة، وفيها شيء من أدب المذكرات، وفيها شيء من الرواية وفيها شيء من الاثنولوجيا، وفيها شيء من الاتوبيوغرافيا أي السيرة الذاتية… كل هذا معبر عنه بواسطة كتابه تتمازج فيها شاعرية الكلمة بشاعريّة الأشياء. كتابة جوهرها كما يقول الإيقاع تعتمد الوصف الحيادي العالم الخارجي وتفاصيل والمشاعر الأولية متبعا حدسه
رجل القارات…
لوكليزيو رجل مفرد في نصه، مفرد في حياته أصدر في الثالثة والعشرين روايته الأولى التحقيق وحصل على جائزة فرومنتان ومن يومها 1963 لم يكف عن الكتابة. أصدر الحمى، والطوفان، وتيرّا أرماتا وكتاب التيهان، والحرب، والعماليق، وثلاث مدن مقدسة، ونبوءات شيلام بيلام، والباحثون عن الذهب، والسمكة الذهبية
ولوكليزيو لا يشبه روائيي جيله. عاش في الهامش الروحي والأدبي وليس له علاقة بالرواية الفرنسية الجديدة ولا بتنظيراتها الحداثية رغم ظهوره لحظة كانت فيها الرواية الفرنسية الجديدة في أوج ازدهارها… كان يطير خارج السرب. بعيدا عن كتاب الرواية الجديدة.
ولكن لوكليزيو هو رجل القارات… أجل رجل القارات لأنه المثقف الباحث عن الثقافات المغايرة… وكأنّه يقول مع سان جون بيرس: تركت غباري فوق جميع القارات… وسفره ليس سفر رامبو الهارب إلى وهاد أثيوبيا القرن التاسع عشر من أم كاثوليكية متحكمة، ومن مجتمع تتحكم فيه ثقافة ديكارتية تعقلن كل الحياة. وليس هو سفر غوغان إلى تاهيتي بحثا عن بكارة العالم وعن حسيّة وبدائية تلك الجغرافيات الدّافئة، وليس سفر سان جون بيرس إلى صحراء غوبي في الصين ليصغي هناك في “رمالها الهائمة “وفي عرائها الألفيّ إلى ” الزّمن يصفّر فوق سطح الأرض… ” منشدا ملحمة الإنسان عبر الأزمنة وعبر الحضارات. وليست هي رحلة هرمن هسه الصوفية إلى الشرق، إلى ينابيع الشمس والحكمة في آسيا، ولا هو الولع الحديث بسحر الهند، بدياناتها وطريقة تفكيرها…وليس هو السائح البرجوازي الصغير اليوم في بلدان الجنوب، الذي يهجم مستبيحا حياة المدن والناس بكاميراه كانون بشكل من العنف الصّامت إزاء الأهالي كما لو كانوا أشياء، جزءا من الديكور، متبعا دليله السياحي المقدّس لا يحيد عنه، فهو في الحقيقة لا يسافر ولا يكتشف وإنّما يقوم بقراءة وباتباع دليله وما ينصح بزيارته من مطاعم ومتاحف وأماكن لهو ويحرم من معرفة كثير من الأشياء غفل عن ذكرها الدليل؛ سفره درس تطبيقي لما بين يديه من كتب وأدلّة سياحية. سفره فاقد لجوهر السفر الذي هو مغامرة واكتشاف وانبهار بما يصادف من الأشياء غير المنتظرة.
لوكليزيو رحالة مختلف عن كل هذه الأنماط التي عرفها الغرب بدءا من آخر القرن التاسع عشر: عندما بدأ أبناء أوروبا الغاضبون يبحثون عن كنوز الثقافات الشرقية والمدارية… أجل لوكليزيو… شخصيّة نوميديّة، هائمة على وجهها بلا هدف ولكن ليس بلا معنى. صوفي من رجال السياحة متدله بالطبيعة صوفي ولكن ببنطلون دجينز وبحذاء تامبرلند… ولد في نيس ولكنه ومن فجر طفولته وضعته الأقدار العائلية على طريق الأقوام البدائيّة أو قل أقوام الثقافات الأوّلية كما صارت تسمّى اليوم، فكلمة بدائي تحوي معاني التقييم والتعالي والعنصريّة… وكان أول بلد يزوره في طفولته هو الغابة النيجيرية حيث كان ابوه يعمل طبيبا.
كل شخصياته الرّوائية بدءا من شخصية هوغان في كتاب الفرار إلى شخصية ليلى في كتاب السمكة الذهبية؛ كل شخصياته مرصودة إلى التيه، والصعلكة والتطواف. الكل يؤسس وجوده على مبدأ الحركة الذي هو علامة حريتهم.
شعوبه هي قبائل المايا/ الأمبيراس / الهويخلوس / الكريستيروس / الفوناناس / الآميريديان.
وجغرافياته الواقعية والتخييلية هي أدغال نيجيريا /جزيرة رودريغيز /، جزيرة موريس، / مكسيكو/ ألبوكيرك في المكسيك الجديدة / جاكونا ـ المكسيك / كويوواكان ـ المكسيك / كل أقاليم الحضارات الما قبل كولومبية في الأمريكيتين/ دارتيان بباناما / هايتي/ مدغشقر/ طوكيو/ موسكو/ تايلاند / صحاري الساقية الحمراء.
ولكن ولعه الأساسي ظلّ هنود المكسيك، الذين عاش بينهم أكثر من اثنتي عشرة سنة.
كل نصوص وروايات لوكليزيو تروي / تقول هذه الأقوام وهذه الجغرافيات… لأنه ليس باحثا اثنولوجيا، أو أستاذا في الأنثروبولوجيا الثقافية تدوينه المباشر يقترب من تدوينهم… ويختلف عنهم في نقطة تتمثل في أن الثقافة الهندية لديه هي مصدر معرفة ونظرة أخرى غنية للعالم وأكثر إنسانيّة. فقد تعامل كما يقول أحد نقاده مع الأساطير من مقترب مادّي فيزيقي، تعلم من جماعات الأمبيراس الهندية كل علائق الإنسان بمحيطه الطبيعي التي نسيتها الحضارة الحديثة… الأمبيراس غيروا كل حياته… يقول عنهم: ” كل شيء يختلف لديهم: تصوّرهم للزمن، تصوّرهم للنفس، تصوّرهم للهدف من الوجود… إن العلاقات التي تربط بين أفراد العشيرة أو الجماعة لهي أهم لديهم من التطوّر التكنولوجي……” وهولا يقول هذا بوصفه باحثا اثنولوجيا، فقد عرف الهنود من الداخل وكل ما يهمه هو الناس اذ يتحركون في حياتهم النهارية الواقعية، لأنّ التنظير هو أيضا عنف يمارس على الآخر.
ويقول أيضا: ” الهندي لا يخاف من الموت ولا يخاف من المرض، ولديه غياب لذاك الارتباط الهوسي بالوجود الذي يتحكم فينا نحن الغربيين “… ولكنه يقدّم كل هذا من خلال نص مفتوح يقول عن كتابته: ” ليس من المهم تعريف ماهي الرواية، أو
ماهي القصّة القصيرة. أعتقد أن المسألة في الكتابة هي مسألة إيقاع… “
وهذا الكتاب الذي نقدم ترجمته اليوم للقارئ العربي أنجزه بعد إقامة في مدينتي يوكاتان وكينتانا روو أيام بدأ يتعلم لغة المايا، وهو نموذج للنص المفتوح، وللتعرّف على الناس في حياتهم اليومية ومن الداخل على هذه الثقافات الغنية والرائعة والتي ران عليها صمت كبير وانتبذت بالنسيان، فهو يحييها، يسترجعها يعيد اكتشافها اكتشاف قيمها الأكثر إنسانية من قيم الغرب الذي ابتعد فيه الانسان عن الطبيعة عن ينابيع الحياة السعيدة تخلى عن تلك الصلة الشاعرية بالشمس والهواء وضوء القمر وبالمياه والحشرات….
في هذا النص أيضا نلمح كل خصائص كتابة لوكليزيو: غياب أنا الكاتب، الحديث الآني عن الأشياء المادية اليومية من ناس وأحداث، وبالتالي ابتعاد عن التنظير والتجريد والعالم يتمظهر في النصّ بريئا، وحياديا، وبلا أيّ تدخل من الرّاوي.
صيحة أنطونان المختبل التي لم تضع في البريّة
جون ماري لوكليزيو جدول مفرد، متفرّد داخل الكتابة الحديثة في فرنسا. فقد جاء بعد تيار الرواية الجديدة الذي مثله في حينه أواخر الخمسينات وبداية الستينات الثلاثي آلان روب غرييه وميشال بيتور، ونتالي ساروت. وسبق من ناحية أخرى النّصّ الحديث المفتوح، الرواية الحديثة التي مضت في كل الاتجاهات وكسرت إلى الأبد المعمار البلزاكي الذي ظل مهيمنا على الرواية الفرنسية إلى ما بين الحربين ولعل رواية عائلة تيبو لروجي مارتان دي غار آخر نموذج لهذه الرواية.
ولوكليزيو متفرد في كل شيء: متفرد في الانتماء: لا جيل له ولا مدرسة ينتمي إليها. ومتفرّد في الصياغة فصياغته بسيطة تضع العالم قبل اللغة، قبل الأفكار حتى أن رواياته تبدو وكأنها بلا كاتب، فالمؤلف كما ذكرت غائب، لا يتدخل في النص، كما لوكان يملى عليه؛ لأن النص لديه هو الحياة متجلية في اللغة ولهذا السبب فهو متسع اتساع الحياة نفسها.
لدى لوكليزيو كما يقول عنه صديقه الشاعر الفرنسي الكبير جون غروجان اطلاع واسع على العلوم الانسانية من تحليل نفسي إلى علم اجتماع إلى انثربولوجيا ولكنه لا يستخدم معارفه العلمية في نصوصه الأدبية، لا يقحمها أو يفرضها على القارئ، وإنما يعرض الفكرة إذا ما صادف ورآها متجسّدة في الوجود اليومي للبشر. الوجود اليومي الذي هو حقيقتهم الأولى والأخيرة. ولوكليزيو متفرّد في اختيار مواضيعه. موضوعه هو حياة البشر الذين انتبذوا بالنسيان، أقوام الثقافات النّائية، والشعوب المنسية التي لا يذكرها أحد… قد يكون كتابه عن شعب صغير يعيش في واد ناء من أميركا الجنوبية أو افريقيا أو آسيا أو أستراليا، وهو ما منح أعماله نكهة اثنوغرافية. فنصّه يقع في جغرافيا ملتبسة بين تقارير الرحالة المكتشفين، والتحقيق الصحفي والتسجيل الاثنوجرافي وهذا أيضا منحه تفردا آخر، اذ نادرا ما تعرّض الأدب للأقوام الأخرى إلاّ في شكل أدب رحلات، أو معالجة ذهنية بحتة كما فعل أندري مالروـ فيما دعاه بالمتحف التخييلي لدى حديثه عن الهند ومصر واليمن ومقارنتها بالغرب، واستعراضه لتكرر التجارب، وتشابه الرموز عبر الحضارات المختلفة والمتنائية في المكان وفي الزمان. حضارات لم تتواصل ابدا ورغم ذلك يراها متشابهة ـ أ واعتماده رؤية مسبقة، كما هو شأن بيرل باك، وجوزيف كونراد، وهنري ميلر في كتابه عملاق ماروسي رغم تباعد أساليبهم.
لا، لوكليزيو شيء مختلف كلّ الاختلاف عن هذا التعاطي مع الشعوب الأخرى لأن مقتربه ابداعي؛ وكما هو شأنه دائما في التقاط الشخصيات المتحررة من الثقافة الغربية حتى وإن كانوا من داخل المدن الغربية فإنه يختار الأطفال لأنهم الأقرب إلى البدائيين مثل الطفل موندو في مجموعته القصصية التي بهذا العنوان أو الطفلة لولابي التي يقول الكاتب على لسانها:
إنّني أقوم ببعض الحماقات فلا تؤاخذني. كنت أشعر فعلا أنني في سجن لا يمكنك أن تعلم…. ربما تعرف كل هذا ولكنك تمتلك الشجاعة للبقاء أما أنا فلا أملك تلك الشجاعة. تخيل كل تلك الجدران في كل مكان عدد كبير من الجدران إلى حد أنك لا تستطيع عدها، حواجز بأسلاك شائكة وأسيجة وقضبان حديدية….
وكل هذه الجدران والقضبان التي يذكرها على لسان لولابي ليست سوى رموز لما يكبل الانسان الحديث في المدن الغربية
وهو يحاول ومن خلال كتابته الروائية تقديم عالم سعيد عالم يتمتع فيه الانسان بوجوده الأصلي وسط الطبيعة. رؤية تحولات ضوء النهار منذ البزوغ، وخفق النجوم ليلا وارتعاش مياه البحر وخيوط المطر وتقلبات الضوء في زجاج النوافذ
باختصار استعادة شعرية العالم التي افتقدها الانسان المعاصر في المدن الكبرى من لحظة فك ارتباطه بالطبيعة…. كتابة لا تتأسس على قاعدة ذهنيّه ولا تعتمد معمارا روائيا محددا، أو أي تدخل خارجي وحبكة. هو يسافر أيضا عبر الكلمات اذ يتشكل النص لديه
في ثلاث مدن مقدسة نرى لوكليزيو يكتب بكل بساطة عن الحياة اليومية التي خاضها وسط هؤلاء البشر، تلك الحياة السعيدة دون تدخل، لا تقييم ولا إرسال أحكام على عالم بشري ثقافي مختلف عن عالمه الغربي. لقد عاش بينهم كواحد منهم، لأنّ لديه تلك القدرة الفائقة كما يقول جون غروجان على التقاط أشياء العالم المباشرة: عندما نلتقي أنا ولوكليزيو يكلمني عن الشيء الذي رآه في حينه. قد تكون غيمة رائعة او شجرة بدأت اوراقها بالتساقط. هو يتكلم مباشرة عن شيء مجسد، عن تجربته المباشرة مع الاشياء المحيطة بنا… وفي نفس السياق يقول جون غروجان: عندما يكون لوكليزيو يعمل على موضوع ما فانه يترك نفسه تتشرب الموضوع وبعد ذلك يقدم لنا العالم الذي استسلم له، العالم الذي تشربه…. ومن هنا فان للكاتب دور ثانوي في نصه، بيد أن هذا لا يمنعه من استعمال ضمير المتكلم من حين لآخر.
ولكن ماذا يريد أن يبلغنا لوكليزيو من خلال هذا النمط من الكتابة؟
في الأوّل تبدوا أعماله وكأنّها تحقق كتابي لصيحة أنتونان آرتو في تولهه بطرائق التفكير المكسيكية. أنطونان أرتو الذي مارس تأثيرا واضحا على رؤية لوكليزيو إلى الثقافات الاثنية فقد سبقه التي تمجيد حضارة الانسان الذي يطلق عليه بدائي والذي يراه أرتو أكثر تحضرا من الانسان الغربي….
ورغم أن لوكليزيو يعتبر كتابه هذا: ثلاث مدن مقدّسة شبه تحقيق فإنّه لا يبدو في هذا الكتاب موثقا اثنولوجيا، أودارسا تقنيا للهنود الحمر حسب المناهج المتبعة في العلوم الانسانية. وإنّما الثقافة الهندية بالنسبة له هي مصدر معرفة، وعلى الرجل الغربي أن يتعلم من الهندي الأحمر أشياء كثيرة: يتعلم محافظة الهندي على تلك العلائق الروحية التي تربط الانسان بوسطه الطبيعي. والتي افتقدها الإنسان في مدن الغرب الحديثة، فهذه الثقافات التي نقول عنها بدائيّة هي ثقافات أكثر طبيعية وبالتّالي أكثر إنسانية. ولوكليزيو أحد الرواة النادرين الذي تعامل مع الأساطير من مقترب مادّي، فيزيقي. ومن يوم ذهب إلى قبائل الأمبيراس وهو يبحث عن التناغم بين الذهني والفيزيقي، عن توازن فلسفي…. تعلم أن يصغي إلى أصوات الصّمت التي لا نسمعها لأننا محكومين بطرق تفكير مغلقة. يقول: لوكليزيو وهو يتحدث عن ذهنية جماعة الأمبيراس الهندية:” كل شيء مختلف لديهم، تصورهم للزمن، تصورهم للنفس البشرية تصورهم للهدف من الوجود، إن العلاقات التي تربط بين أفراد العشيرة أو الجماعة لهي أهم عندهم من التطوّر التقني….
ولكن من هوجون ماري لوكليزيو؟
ولد جون ماري لوكليزيو في مدينة نيس الفرنسية سنة 1940 من اب انكليزي وام فرنسية. عاش طفولته أيام الحرب العالمية الثانية بمنطقة جبال الالب البحرية حيث التجأت عائلته… طفولة مليئة بالقراءات حول الجغرافيات البعيدة والاصقاع العجائبية والشعوب الغريبة. قرأ في طفولته عن بركان باريكوتين المكسيكي وبعد ثلاثين سنة ذهب ليعيش في منحدر هذا البركان… من سن الحادية عشرة بدأت أسفاره مع العائلة إلى غابات افريقيا حيث عمل ابوه طبيبا ريفيا… بدأ الكتابة مبكرا كتب في افريقيا كتابين: الرحلة الطويلة، والأورادي الأسود. ومن ذلك الوقت لم ينقطع عن الكتابة التي تحولت لديه الى اسلوب حياة إلى وجود. فجر الستينات جرب التمثيل السينمائي وفي 1963 نال أول جائزة عن روايته التحقيق. في 1964 وضع دراسة أكاديمية بعنوان العزلة في أعمال الشاعر الفرنسي هنري ميشو… من كتبه العديدة الحمّى، التحقيق، الطوفان، الغبطة الماديّة، كتاب الهروب، الحرب، العماليق، سفر من الناحية الأخرى، نبوءات شالام بالام، مجهول فوق الأرض، صحراء، رحلة إلى رودريغيز، السّمكة الذهبية أناس السحب (عن عوالم صحراء الساقية الحمراء ووادي الذهب)، دييغو وفريدا….
يعيش لوكليزيو الآن في نيس ببيت العائلة ذي العمارة الإيطالية أمام ميناء نيس القديم مع زوجته الثانية جاميّة المغربية التي جاءت من الصحراء والتي شاركته كتابه أناس السحب، ويواصل أسفاره، ورحلاته وكتاباته عن الثقافات والشعوب المنسية بشكل تخييلي – انساني ليقول للغرب أنه عليه أن يستعيد من الثقافات التي يسميها بدائية الثراء والعنفوان وتأصّل الانسان في الطبيعة وفي الكون؛ ذاك التأصّل الذي افتقده الانسان الغربي…
وفي الأخير يعد لوكليزيو مع جون جيني من أهم الكتاب الفرنسيين المتعاطفين مع الشعب الفلسطيني مع الوجع الفلسطيني الأمر الذي استجلب له ريبة بل عداء الكتاب الفرنسيين الموالين للصهيونية أمثال فيلكلكراوت وبرنار هنري ليفي وغيرهما، وخاصّة بعد ظهور نصه العتيد عن الفلسطينيين في مجلة دراسات فلسطينية التي تصدر باللغة الفرنسية في باريس.
***
**
*
ثلاث مدن مقدّسة
الفصل الأوّل
شانكاه
الأشجار المتراصّة تشكّل على جانبي الطّريق التي نوغل فيها جدارا غير قابل للاختراق، إنها أشجار صامتة جامدة في الهواء الجامد في الهواء الخاوي الذي بلا طيور وبلا حشرات، في الهواء الصّلب والكثيف الذي نخترقه الهواء الحادّ مثل شفرة مرهفة ومحمّاة داخل هذا الهواء نتقدّم في مسالك متعرجة وسط الغابة، متسلّقين المرتفعات أو مشاطئين الأخاديد، والأشجار من حولنا تشكل أسيجـة قاحلة تخفي الأفق، وتمسك الرّيح بمخالبها، نحن لا نسمع شيئا. فالأشجار تمتصّ ضجيج المحرّكات، تمتصّ جلبة وهزيم وتمزّقات محرّكات الشّاحنات وعربات الشيكلوروس، تلك الشّاحنات التي تبدو وكأنّها تريد أن تقتلع نفسها اقتلاعا من سّطح الأرض الأسفلتي الحارق، وهناك أيضا كل جلبة الطّائرات المقصوصة الأجنحة.
ليس الزّمان هو الذي يفصل بين الأشياء، ولا المكان. بل هي الأشجـار.
الأشجار المتراصّة النحيلة والجافة، شبيهة بالمومياوات، غبار داكن يغطّي أوراقها. والصّمت يرين على كلّ شيء. وهناك في قلب السّماء الزّرقاء الكثير من الصمت ومن الاقفرار ومن الخواء ممّا يوحي كما لو أنّ الكلمات لم توجد أبدا. ربّما من عمق الفضاء يأتي الغبار وكل حبّة عجاج بلون الرَماد تسقط من السماء وتقع على أيَ ورقة تسدّ مسامّها وتمتصّ الضّجيج كما يفعل الثّلج. لا توجد حجارة هنا، ليس ثمّة هواء، وقطعا لا يوجد ماء، ليس ثمّة هنا سوى هذا هذا الهباء اللاّماديّ الـذي يجعل كل شيء بطيء الحركة، نتقدم عبر الغابة التي تشتعل بلا لهب، والتي يسقط غبارها الرّمادي ثانية فوق الأرض المنبسطة، نتقـدّم على امتداد الطّريق البيضاء بلا هدى، وبجهد جهيد كما لو أنّنا ننيء بعبء. والغابة جدار، جدار واحد ثخين لدرجة أن لابدّ لنا من قضاء أشهـــر حتّى نعبره، والهواء الجامد سقف. وفي باطن الأرض ذات الصخور الحارقة تنتشر الشّبكة اللاّمرئيّة للجذور، والفضاء الكامد، المجهول، المتكاثف، والذي لا يسكنه أحد، يضغط عليك ويشدّك، ونحن نتقدّم كما لو أنّنا نسير القهقرى، دون أن نرى إلى أين نمضي، ودون أن ندري أيّ الأشياء نغادر. كنّا كما لو أنّنا نولـد من جديد، هنا، في هذه الفرجة مختنقين بين الأشجار وممدّديــن مباشرة على سرير من الأغصان مغبرّ، يقرضنا النمل الاسود. إنّما لأجل هذا نسير نحن فوق هذه الطّريق، وربّما لنظفر بمكان الولادة.
هل توجد الحريّة، عندما يكون كل هذا الكمّ الهائل من الأشجار المتراصّة؟ عندما يكون كل هذا الفضاء، وهذه السماء الشاسعة، والأرض المنبسطة، والغبار؟ لا توجــد الحريّة. إنّها مختنقة بالصّمت، بالرّماد، جامدة في الهواء الذي بلا نأمة ريح، منسيّة مع الكلمات الأخرى المنسيّة. والآلهة التي تعرف كيف تتكلّم كفّت عن الكلام.
نتقدّم عبر الأشجار كالنمل عبر الأعشاب. رجال صامتون يرتدون الأبيض يمضون نحو السرّ. الرجال شبيهون بالأشجار يمضون من جذع إلى جذع بلا حركة منفلتين في هبّة واحدة لا مرئيّة.
أين هي مدينة شان سانتاكروز، أين هي؟ الأرض أقفرت، والمدن، المدن الحقيقية المقدّسة أين اختفت؟ لقد كانت نيرانا تبهر بعض البشر فينجذبون إليها مثل الحشرات. إنّها عواصم سريّة هائلة يغطيها الذّهب واليشب، حيث لم يكن يتوقف صخب الملاحم: واليوم، ماذا بقي اليوم؟ سوى أنّه الزمن الحاضر.
الأشجار النحيلة أغلقت دائرتها، لقد تراصّت الواحدة تلو الأخرى، لقد سدّت المداخل، والعوسجان سدّ الطرقات. والجذور تطول تحت الأرض، إنها تبحث بلا أمل عن الماء، وهي التي تصدّع في الآن نفسه أساسات المدن القديمة.
وشان سانتاكروز، التي توهجت، وتشظّت، والتي دفعت الرجال الذين أوجدوها، دفعتهم على الطّرقات المحرقة. لم تعد اليوم حتّى مجرّد ذكرى، إنّها نقطة بيضاء في الزمن، لطخة، أثر جرح لدمل استؤصل، موضع دمامة وضجيج. والآن يوجد هذا المركز غير النابض ملتقى الطرق الأربعة التي تعبر الصحراء الرّماديّة. إنّه مركز انعدام الذاكرة، حيث تتوقّف الباصات ذات المحرّكات السّاخنة للحظة. وحيث ينتظر المسافرون، أمام مجمع البناء القديم المعرّى والذي يعلوه صليب من النّيون. كيف نصل ذات يوم إلى شان سانتاكروز؟
نتقدّم على امتداد طريق الغبار، على غير هدى، متجنبين حزوز الأسفلت الأسود حيث تطلع علينا، الباصات والشاحنات، والدراجات الناريّة. الضوء الشّاحب والسّاخن ينطوي على حلم تموج فيه أشباح غريبة. وهي منتصبة أمام شان كويك، الجنود والنوهوخ تاتيش، والأب اسبيون، وسادة الموسيقى. وقوافل البغال تعود من بيليز، والمحاربون يسيرون نهارا وليلا عبر الفيافي حتى خليج السييريتوسانتو وحتى أدغال مستنقع باكالار. رجال يغطيهم العرق وتخدشهم الأشواك يتسللون بصمت عبر الغابة، وبعد عبورهم احترق تيكوك، كوروزال، تيهو سيكو، تيماكس.
مخطئة هي كلمته، مخطئ فمه، مخطئ نظره، الكاتون katun مخطئ مدّة حكم آه بولون كين، سيّد الشموس التّسعة، وبولون آم سيّد العناكب التسعة…. عندئذ يدلى الحبل. خبز شجرة السايبا أسود وهو خبز الإله كاتون 9 آهاو، عندما تظهر علامة النهارين. وصفحة وجه الإله ساكو اكنال، بيضاء ساطعة طيلة تحكّمه. وقتئذ يرفع الماء، ويرفع خبز كاتون ويسود الخوف. فالحرب طعامه، والحرب شرابه، الحرب مسعاه، والحرب قلبه، والحرب عقله، ولكن الإله 9 آهاو يطلب الشيء القليل من سدنة معبد هالاش وينيك. وتكون للشعب منازعات كثيرة. ولكن ذاك هو خبزه، وذاك ماؤه، وذاك بساطه، وذاك مجده. ويقع سفاح كثير.
هذه هي كلمة عهد كاتون، وهي من تكليف الإله 9آهاو، كما أنبأ بذلك كاهن الشمس الأكبر شيلام بالام.
بيد أنّها أضغاث أحلام، أليس كذلك، فلم يحدث شيء، إنّها الأحلام التي تنكشف للشّيوخ الكبار ساعة الاحتضار.
كانت التّعاليم تنتشر في الغابة بشكل سريع، تخرج لامرئيّة من فم البالام نا. لقد كانت تعاليم موت. والغابة هي التي تذيعها حتى تخوم الأرض، تلقائيّا مع حركة أغصانها الجافّة وأوراقها وجذورها الباطنية. والأشواك السّامّة لم تكن تنبت اتفاقا، بل كانت تنبت بهدف القتل، إنّها سهام ثابتة تنتظر أقدام الأعداء. والآبار المحرّمة. ولم تكن أيضا الثّعابين، والبعوض. والعقارب حرّة الحركة. لقد كانت مرسلة بدءًا من الحجرة السّرية. وهي مطيعة لصوت الصّليب الحقيقيّ. كانت الكلمات تصوّت كما لو كانت ترسل من حلق عملاق، صوت حادّ ومحشرج يتلو وصاياه، ينبثق من قلب الغبش. وأولئك الذين يسمعونه كانت تأخذهم الرعدة. الأرض الكبيرة الرماديّة الخضراء كانت ترتعش، والريح الحارقة التي تغمر الأشجار تشيع هي أيضا كلمات النقمة والموت. كانت كلّ الأشجار رعايا للصليب. وكان الرجال يسكنون داخل الأشجار. لقد كانوا هم جنود الغابة. في الأماكن المقدّسة، وفي فوه الهاويات، أمام الصّدوع التي في الحجر والتي تفضيي إلى المياه الجوفيّة، هناك كانت الصلبان الخشبية تقف حارسة. تشير لأركان السماء الأربعة وفي وسطها كان الانفجار البطيء الذي يمزّق الأرض كلها.
نتقدم ببطء بين جدران من الأشجار، نقفو الآثار، كنا نتعرّف على المسار الذي اتخذه الحلم. في ميدان فيليب كاريّو بويرتو، في مركز تقاطع الطرق الكنيسة خاوية مثل طبل لا ترجيع له. وكنيس البالام نا خاو. لا أحد يتكلم. والصّليب، الصليب الحقيقي اختفى. وحلت محلّه صلبان أخرى، ولكنها صلبان من خشب موات مثل خشب المشانق. دارة الحاكم، وبيوت الحراس، والمدرسة، ومخيمات العبيد هي الأخرى خاوية. والضجيج يعمّ المكان: أجهزة الراديو وصناديق الغناء في الدكاكين الصغيرة، وهدير المحرّكات، ومضخّمات الصوت التي تبث بيانات المنتصرين. والصليب الجديد هو مادّة القار الأحمر الذي تسير فوقه الشاحنات.
نتقدّم ربما متقهقرين، لنمرق داخل عالم آخر، عالم بلا ذكريات ربما لنلمح ذات يوم قباب مدينة شان سانتا كروز البيضاء الشبيهة بالسّراب. طريق الغبار تمضي اتفاقا، تتبع درب أولئك الهاربين. وهي طريق رجراجة، عريضة حينا وضيقة حينا أخرى. إنها طريق العطش والجوع واليأس. والمدن المغزوة تظل منهزمة إلى الأبد. خاوية معابدها وأسوارها لاتحميها. والآلهة المهانة أشاحت أنظارها وتخلت عن البشر. هناك صمت كبير الآن، هناك خواء شاسع جدّا كما لوأن انفجار العنف قد استنفد مرّة واحدة كل قوى الأرض. الغبار يغطي ورق الشجر وآثار الأقدام. والشاحنات القويّة تنهب مسافات كبيرة من الأراضي الجافة والقاحلة فوق طرقات شيتومال، وتولوم، وتيهوسيكو. تعبر لامبالية، وخلف دواليبها يرتفع الغبار ثم يعود فيهوي من جديد. وضجيج محرّكاتها يكنس رؤوس الأشجار ثم يتلاشى. الأشجار المتراصة خرساء، والضجيج والكلمات لم تعد قادرة على الانتشار.
ثمة عنف كبير هنا. جفاف كثير، ورغم ذلك يخيّم هدوء شديد. الأشجار لا تهتزّ. الهواء مقفّر، سوى غيوم من الذباب الدقيق تجئ أحيانا لا ندري من أين. ونحن لا نرى الأرض. نشاهد فقط طريق الغبار. وكتلة الأشجار والعلّيق والعوسجان. وفي السماء الزرقاء لا توجد غيوم. والشمس حارقة.
نتقدّم كما لو أنّنا نحفر أخدودا في الأرض الجّافة. الأشجار والدغل وحتى الهواء المغبّر كانت محتمى وعطشى. لم تمطر منذ زمن بعيد، السماء خاوية، فيما مضى كانت الأمطار تحمل كلام الصليب الحقيقي، كانت تنزلق بهدوء من السحب. كانت تسيل في الأخاديد، مياها متدفقة حيّة تحت الصحراء تجري في الأوردة. واليوم لم تعد الآلهة تتكلم والصلبان جافّة. الشياطين الجديدة واللعينة، ترسل شاحناتها المصفحة فوق الطرقات السّوداء، وعندما تمرّ نلمح أسماءها المفعمة بالحقد وبالكراهيّة: بيبسي، كريستال، فانتا، ميزون كارتا بلانك، فينك، أورنح كروش، أسماؤها تطفو دوائر فوق الأرض المقفرة.
لأجل هذا نهرب فوق طريق الغبار، وبهذا الشكل حسب ما تمليه علينا الصدفة، ربّما نظفر في أحد الأيام بالمياه، بالمياه القديمة، وبالكلام.
وا حسرتاه، آه أيّها الإله اتزاس ! ها هي ديانتك الحقيقيّة لم تعد تساوي شيئا أمام الاله الحقيقي الذي ينزل علينا! كلامه هو الخطيئة، وتعليمه هو الخطيئة. وا حسرتاه! جاء هذا ليثقل على اخوتنا الصّغار، وقد تم هذا مدّة الكاتون 7 آ هاو: وهكذا حل الشقاء وحلّت الآلام من جرّاء الضرائب التي فرضت على الناس لأوّل مرّة، من جراء الضرائب التي عليكم تحملها غدا وبعد غد، والتي سوف تثقل كذلك على أطفالكم. هيّئوا أنفسكم لتحمل ثقل البؤس الذي سوف يرين على قراكم. لأنّ هذا الكاتون الذي يداول اليوم هو كاتون الشقاء، وهو كاتون الفتن التي من عمل الشيطان. استقبلوا ضيوفكم، الرجال الملتحين، رسل علامة الاله. إخوتكم الكبار يجيئون أخيرا، إنهم رجال التانتون. وسوف يطلبون منكم أن تشاركوهم قربانهم للإله. كاهن الشمس يسمى عندهم آه ميزنيلاكب. والباوما ّالمسيح الدّجّال حقيقة الزمن القادم، الزمن الذي سوف يحمل لكم وا حسرتاه أيها الأبناء كثيرا من النّحس وهذه كلمة الربّ إلهنا: “ستحترق الأرض، وسوف تظهر في السماء دائرة بيضاء كبيرة، زمن هذا الكاتون القادم”. إنّها الكلمة الحق التي تخرج من فم الرب الآب. وا حسرتاه! ثقيلة جدّا هي رسالة الكاتون الذي سيشهد إقامة المسيحيّة. وعندما تأتي، سوف تكون الكلمة هي العبوديّة، ويصير الناس عبيدا
إلى أين، وإلى متى؟ شان سانتاكروز انطفأت. لقد كانت عاصمة للأشجار، وحلما للجذور والأرواق، والرجال الذين سكنوها لم يكونوا سوى خدم الغابة، كانويعيشون في بساتين السايبا، وأشجار الرند والأرز المرّ وكانت أسماؤهم السحريّة هي أسماء الأشجار، المصطفة والمتراصّة، التي تمدّ أغصانها في الهواء.
فيغا
جاسنتوباط ناواط
ماي
غريسنسيوبووت تون
ألبرنزيوكاويش
ياه
اتزول آي
كوبول كاكوم
تيننت صولوب
سه
إك شان
خوان دولاكروز
وأسماء الأماكن، وأسماء المياه التي تنزلق تحت الأرض، والتي تمضي من شجرة إلى شجرة، وهي اليوم جروح ملتئمة، أسماء صموته، متوحدّة. أسماء قصيّة مثل فوهات براكين القمر، التي تنتظر جامدة أن يعود الصوت الحادّ الذي يجعل الأرض والأشجار والسماء تهتزّ من جديد.
إكسنوريا
إكسانشاكان
هواه
كوزوخ
اسكوزان
توهبكو تيكسهوالهتون
تيكساكلكوبول
اسكوكاي كانسوكس
كسانلاه ساهكابا
موشوكوكسكاه كسوسن
كسوكاب نوهييا اتزابتوم
شيكندزونوط نابالام خازيل
توب تيبيش كسكاييل
إكبادز آكام بالام
اكسالاك تزونوت دزيتوش
تيوزوكو شان شان
توزيك
اكمابـن



