الغلاف الأسود – محمّد الزّواري ـ تونس

منذ أربعين سنة خلت أوصانا معلّمنا في بداية السّنة الدّراسيّة بأن نقتني الأدوات المدرسيّة اللاّزمة.. كان ذلك أمرا مفرحا لنا و نحن أطفال صغار نرتقي رويدا في مراقي العلم و العرفان.. و كان بين تلك الأدوات المدرسيّة غلاف لإحدى الكرّاسات.. ولكنّ ذلك الغلاف لم يكن أزرق أو أحمر أو أخضر أو أصفر كما تعارف عليه النّاس في ذلك الزّمان.. بل كان لونه لونا غريبا. إنّه اللّون الأسود.. و كيف للمرء في ذلك الوقت أن يجد غلافا أسود اللّون.. و كيف يمكن أن يتوفّر هذا الغلاف الأسود في المكتبات.. و حتّى إن توفّر فلعلّه يوجد بمكتبة لم يعثر عليها أحد في ذلك العصر..
مرّ اليوم الأوّل.. و أخذنا نفكّر في اليوم الثّاني و نكدّس الأدوات و نغلّف الكرّاسات.. و بما أنّ الغلاف الأسود لم يكن موجودا.. اتّفق التّلاميذ على أن يعوّضوه بغلاف ذي لون آخر.. أقبل اليوم الموعود.. و شرع المعلّم في تفقّد الأدوات.. و أمعن النّظر في الطّاولات.. فلم يعثر على أثرللغلاف الأسود.. و لعلّ ذلك حزّ في نفسه و اعتقد أنّ التّلاميذ ينفّذون عصيانا مدنيّا منذ اليوم الأوّل.. فغضب منّا غضبا شديدا.. و توعّد.. و هدّدنا بالويل و الثّبور و عظائم الأمور.. و لعلّه لم يكن يعرف في تلك اللّحظات الحرجة أنّ الغلاف الأسود لم يكن إلاّ بيضة الدّيك الّتي نسمع عنها في الحكايات و لا نجد لها أثرا في الواقع..
مرّت الأربعون سنة كأنّها أربع سنوات.. و أمسى ذلك الغلاف اللّغز يتربّع على عرش الأدوات.. فعندما كنت أتجوّل يوم أمس في إحدى الفضاءات التّجاريّة الكبرى لمحت عن غير قصد مجموعة من الأغلفة المخصّصة للكرّاسات.. و يا للهول.. لقد عثرت على غلاف أسود.. يتلألأ سناه بين الأدوات المدرسيّة.. و دون أن أشعر انقضضت عليه انقضاض النّسر على الفريسة.. و اقتنيته و خرجت مزهوّا كأنّني اشتريت حاسوبا أو هاتفا جوّالا جديدا..
معلّمي الفاضل.. ها أنا أشتري اليوم الغلاف الأسود الّذي طلبته منّا في ذلك اليوم الأغرّ تكريما لك لأنّك معلّمي.. و ها أنا أهدي إليك ذلك الغلاف بلونه الّذي طلبت و لو في فضاء افتراضيّ لأنّك معلّمي.. و ها أنا أطيعك و لا أعصي لك أمرا لأنّك معلّمي.. و صدّقني.. إنّني لا أكنّ لك حقدا أو عداء في صدري.. معاذ الله.. لأنّك معلّمي رغم أنّك غضبت يومها من التّلاميذ أيّما غضب لذنب لم يقترفوه. و إنّ من أسعد لحظات حياتي عندما أقابلك اليوم صدفة في الطّريق فتناديني باسمي دون أيّ تكلّف.. و كأنّني مازلت ذلك الطّفل الصّغير الّذي كان يدرس عندك منذ عقود.. و فعلا.. فأنا مازلت أمامك ذلك التّلميذ الخجول الّذي يستحي من أن يحدّق في عينيك و يستحي من أن يذكّرك اليوم بحادثة الغلاف الأسود و لو على سبيل الدّعابة لأنّك معلّمي..
معلّمي الفاضل.. ليت تلك الأيّام الّتي فرّت من أيدينا تعود مرّة أخرى.. فتطلب منّي غلافا بألوان خرافيّة.. و أجلس في الطّاولة الأولى.. و تدرّسني بطريقتك الحازمة المعهودة.. و لكنّ الأيّام لا تعود.. فقط.. شكرا لأنّك معلّمي..
** **



