مقالات نقدية

قصيدة الباب الموارب ( في إيقاعيّة النّصّ الشّعريّ ) ✍️محمّد الزّواري ـ تونس

صورة شخصية لرجل يرتدي نظارات وقميص بني، يقف أمام معلم تاريخي يظهر في الخلفية.

يكاد النّقّاد يجمعون على أنّ النّصّ الشّعريّ العربيّ قد تشكّل تاريخيّا عبر أشكال فنّيّة مخصوصة تتمثّل في النّصّ الشّعريّ العموديّ.. يليه النّصّ الشّعريّ الحرّ.. وصولا إلى النّصّ الشّعريّ النّثريّ..

و يعود ظهور النّصّ العموديّ إلى الفترة الجاهليّة الّتي عرف فيها العرب انبثاق الشّعر مع الشّعراء الجاهليّين الّذين كانوا ينشدون الشّعر مشافهة.. و كان من أشهرهم شعراء المعلّقات.. و منهم امرؤ القيس و عنترة بن شدّاد العبسيّ و زهير بن أبي سلمى.. فتأسّست آنذاك القصيدة العربيّة بمعناها الفنّيّ.. و كانت مرتكزة على أبيات شعريّة متتالية.. وينقسم كلّ بيت إلى صدر و عجز متساويين في عدد التّفعيلات..و يختم كلّ عجز برويّ متكرّر في كامل أبيات القصيدة..

و في هذا الإطار لا ينكر الدّارس تطوّر النّص العموديّ في شكله بعد قرون من ظهوره.. فغدت الأبيات متنوّعة الرّويّ مع بزوغ فنّ الموشّح في الأندلس.. و قد يكون للصّدر رويّه و للعجز رويّه..

ثمّ ظهر التّيّار الرّومنطيقيّ في الأدب العربيّ.. فحافظ بعض الشّعراء على هذه السّنّة الجديدة الّتي تقضي بتنوّع الرّويّ.. و منهم جبران خليل جبران و إيليا أبو ماضي و أبو القاسم الشّابّيّ.

و في منتصف القرن العشرين.. ظهر الشّعر الحرّ في العراق على يدي بدر شاكر السّيّاب و نازك الملائكة.. فأصبح النّصّ متحرّرا من بعض قيود النّصّ العموديّ.. و أقصد بذلك شكل البيت الشّعريّ بشطريه و وحدة الرّويّ.. و هكذا صار النّصّ الشّعريّ الحرّ مكوّنا من أسطر شعريّة متفاوتة الطّول.. لكنّها محافظة على التّفعيلة العروضيّة.. و للشّاعر أن ينوّع الرّويّ و يستحضره أنّى شاء مؤسّسا بذلك نسقا إيقاعيّا جديدا..

و مع تطوّر الزّمن.. ارتأى بعض الشّعراء صياغة نصّ شعريّ حديث.. يتحرّر من قيود القصيدة العموديّة و القصيدة الحرّة معا.. فظهرت قصيدة النّثر الّتي يتحرّر فيها صاحبها من البيت و التّفعيلة و الرّويّ في آن.. و يصبح الإيقاع فيها إيقاعا داخليّا يقطع مع الإيقاع الخارجيّ للنّصّ الشّعريّ.. و قد كان من روّاد قصيدة النّثر أدونيس و أنسي الحاجّ و محمّد الماغوط..

يبدو في الظّاهر أنّ هذه الأشكال الثّلاثة للنّصّ الشّعريّ العربيّ متنافرة أشدّ التّنافر.. لا تكاد تلتقي إلاّ لتفترق.. و لكنّ واقع الأمر يشير إلى أنّ هذا الأشكال الفنّيّة رغم تباينها ظاهريّا تعكس في باطنها تقاطعا محوره الوظيفة التّعبيريّة التّأثيريّة للنّصّ..

و الآن لندخل مربط الفرس.. فنتساءل.. هل من حقّ الشّاعر أن يمزج اليوم بين هذه الأشكال في كتابته ؟ هل له أن يجعل نصّه الشّعريّ منطلقا من الشّكل العموديّ.. ثمّ يضيف إليه شيئا من قصيدة النّثر ؟ قد يكون ذلك ممكنا.. و قد نطالعه و نسمعه في الكثير من الأحيان.. فإذا الوزن العروضيّ مختلّ اختلالا واضحا.. يخز الأذن الموسيقيّة وخزا ؟ و هل له أن ينطلق من الشّكل الحرّ.. ثمّ يضيف إليه شيئا من قصيدة النّثر ؟ ذلك ممكن.. و ينشر أحيانا.. فإذا التّفعيلة قد فقدت وزنها.. و إذا النّصّ يتأرجح بين التّفعيلة و النّثر في مزيج غريب قد لا تستسيغه الأذن.. و هل يمكن له أيضا أن ينطلق من قصيدة النّثر.. ثمّ يضيف إليها شيئا من الشّعر الحرّ و العموديّ ؟ ذلك موجود حتما.. نراه و نسمعه.. فإذا النّصّ يغدو في شكل أبيات حينا.. و في شكل أسطر متفاوتة الطّول حينا آخر.. لا تظهر فيها التّفعيلة إلاّ لماما.. و يختم كلّ سطر برويّ موحّد ساكن.. فنتحصّل على نصّ أشبه ما يكون بسجع الكهّان.. يفتقد افتقادا تامّا للإيقاع الشّعريّ الّذي نشأت عليه الذّائقة الفنّيّة العربيّة..

إنّني في هذا السّياق.. لا أعترض على شاعر يكتب في العموديّ أو الحرّ أو النّثريّ.. فكلّ هذه الأشكال تكون مستساغة إذا وعى الشّاعر بالإيقاع الّذي اختاره.. و إنّني لا أعترض في هذا المقال على شاعر يرتكب هفوة عروضيّة في نصّه.. رغم أنّ البعض قد يستشيط غضبا بسبب زحاف مبتدع أو علّة لم يقرّها العروضيّون.. و إنّني لا أعترض على شاعر يكتب قصيدة النّثر.. فهي نصّ قائم الذّات له معاييره و خصائصه الفنّيّة و جماليّته.. و لكنّ ما يقضّ مضجعي أن يصوغ الشّاعر نصّه مشوّش الإيقاع.. ثمّ ينشره مباشرة ورقيّا أو رقميّا.. دون أن يشذّبه و دون أن يراجع الإيقاع الّذي يعدّه بعض النّقّاد عنصرا أساسيّا لملامسة وجدان المتلقّي.. و حينئذ يصبح النّصّ أقرب إلى صورة الشّبح الّذي لا تدري كنهه و لا تكاد تفهم شكله..

 لعلّ هذا ما جعلني أطلق على النّصّ الشّعريّ الّذي يصعب تحديد هويّته من حيث الإيقاع اسم قصيدة الباب الموارب.. فلا هو مفتوح.. و لا هو مغلق.. و كذلك هو النّصّ الشّعريّ المقصود.. فلا هو عموديّ.. و لا هو حرّ.. و لا هو نثريّ..

و هذا ما يجعلني اليوم أفكّر في مصير النّاشئة الشّغوفة بكتابة الشّعر.. فلعلّها مدعوّة إلى مراجعة الإيقاع في نوادي الشّعر و القصّة.. و لم لا يتمّ تنظيم ورشات خاصّة ينطلق فيها المؤطّرون من نصّ يصوغه الشّاعر المبتدئ لإصلاح الإيقاع فيه مثلما يتمّ إصلاح الأخطاء اللّغويّة.. و إن كان النّصّ المصوغ ينتمي إلى قصيدة النّثر.. فليكن ذلك مع توجيه صاحب النّصّ إلى فهم أسرار قصيدة النّثر و جماليّتها و جرسها الموسيقيّ..

و لئن عنيت بالباب الموارب في هذا المقال النّصّ المشوّش إيقاعيّا.. فإنّني لا أريد أن يفهم كلامي بأسلوب القياس.. فلا يعني ذلك أنّ الباب الموصد يرمز إلى النّصّ العموديّ..  و لا يعني أيضا أنّ الباب المشرع يرمز إلى النَصّ الشّعريّ الحرّ أو النّثريّ.. فالنّصّ الإبداعيّ في نهاية الأمر يشير إلى الانفتاح و الانطلاق إذا كان متكاملا من حيث المبنى و المعنى.. فلتكن إذن نصوصنا نصوص الباب المفتوح لا نصوص الباب الموارب..  

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading