من يخاف كتب النساء؟ قراءة فى رواية الدب لماريان إنجل -بقلم : باربرا تايلور

ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيم
من يخاف كتب النساء؟
— ماريان إنجل، من مقابلة عام 1973
في عام 1976، حصلت رواية عن علاقة جنسية بين امرأة ودب على أرفع جائزة أدبية في كندا. قد تُوصَف كندا عادةً بالملل، لكنها بين الحين والآخر تفاجئ العالم بومضات من الغرابة الفريدة، كما يتجلى في أعمال المخرج السينمائي ديفيد كروننبرج.
اجتاحت رواية الدب لماريان إنجل قوائم الكتب الأكثر مبيعًا في كندا والولايات المتحدة، وأثارت موجة واسعة من النقد النسوي. أما في بريطانيا، فقد نشرتها دار بندورا النسوية، لكنها لم تلقَ اهتمامًا يُذكر. ربما كان موضوعها “الكندي الصرف” (كما وصفه أحد النقاد) عائقًا أمام انتشارها في الأوساط البريطانية. ومع ذلك، فإن حماسي الشخصي لها كان يثير الفضول بين أصدقائي، بل إن من قرأها بناءً على توصياتي اعترف في النهاية بأنه استمتع بها.
عندما صدرت رواية الدب ، كنت قد أمضيت خمس سنوات في لندن، حيث انتقلت من غرب كندا لمتابعة دراساتي العليا، ثم بقيت لكتابة أطروحة الدكتوراه. كنت غارقة في أجواء حركة تحرير المرأة، محاطة بأفكارها وقناعاتها الراسخة. لذا، فإن إعجابي برواية إنجل يبدو لي الآن أمرًا مثيرًا للاستغراب.
فالرواية، مهما كانت، لم تتماهِ مع التيار النسوي التقليدي. لقد حملت سخرية لاذعة، وتناولت موضوعات مثل البهيمية، والعنف الذكوري، والماسوشية النسائية بروح من الدعابة السوداء، مما يجعلها بعيدة كل البعد عن أن تكون بيانًا نسويًا صريحًا. لكن في ذلك الوقت، كنت منهمكة في دراسة نظريات التحليل النفسي، ويبدو أن رواية الدب انسجمت مع الأفكار الصادمة التي كنت أستكشفها.
إلى جانب ذلك، كنت أعيش حالة من التعاسة العميقة، عالقة في علاقة ميتة، وأقف على شفا انهيار عاطفي. لذا، من المحتمل أن الرواية خاطبتني على مستويات عدة، بعضها لم أكن أعيه تمامًا في ذلك الحين.
تعمل لو، البطلة البشرية لرواية الدب أمينة مكتبة وأرشيفية في معهد تاريخي بمدينة كندية غير مُسمّاة. تعيش حياة انعزالية أشبه بحياة الخُلد، فهي امرأة وحيدة، مترهلة، في منتصف الثلاثينيات من عمرها، تقضي أيامها منغمسة وسط الملفات المغبرة في قبو المعهد. مرة واحدة في الأسبوع، تمارس علاقة جنسية خالية من المشاعر مع مدير المعهد فوق مكتبها.
ثم، في أحد فصول الصيف، ترسل من قبل إدارة المعهد لفهرسة مكتبة تبرّع بها أحد ورثة عائلة استعمارية للمعهد. يقع المنزل العائلي الذي يضم المكتبة في جزيرة نائية وسط الغابات الشمالية. ستقيم لو هناك بمفردها، مع مساعدة متقطعة من هومر، وهو صاحب متجر في البر الرئيسي يبحر إليها بين الحين والآخر لإيصال الإمدادات. فكرة هذه العزلة على غرار روبنسون كروزو تسحرها—ثم تكتشف الدب.
كان الدب حيوانًا أليفًا لصاحب العقار الراحل. خلال فترة إقامتها، ستتولى لو إطعامه حتى يتم تقرير مصيره. يعيش الدب مكبلاً بسلسلة خلف المنزل، وفي البداية، تنفر لو من حجمه الضخم ورائحته النفاذة. لكنه وحش لطيف، ولن يؤذيها طالما أنها تتبرز بجانبه يوميًا، ليتمكن من التعرف عليها من خلال رائحتها.
بمرور الوقت، تنشأ بينهما صداقة، فيسبحان معًا ويقضيان الوقت في غرفة العمل حيث تعمل لو على فهرسة المكتبة. تجد في رفقته نوعًا من العزاء الجسدي، فتستمتع بملامسة فرائه ومداعبته. ثم، في إحدى الأمسيات، بينما كانت ممددة أمام المدفأة، تبدأ في الاستمناء. عندها، يقرر الدب أن يشاركها، ويبدأ بلعقها.
كان ذلك اللسان، بعضلاته القوية وقدرته على التمدد كأنه ثعبان البحر، يتسلل إلى كل مواضعها الخفية. وعلى عكس أي إنسان عرفته، واصل بإصرار منحها اللذة. وعندما بلغت ذروتها، أصدرت أنينًا واهنًا، فقام الدب بلعق دموعها.
تتحول العلاقة إلى حالة من النشوة الحالمة، حيث تصبح المرأة متلهفة بسعادة («التهمني أيها الدب!»)، بينما يستجيب الدب برضى تام، خاصة عندما تغطي جسدها بالعسل. لكن داخل لو، يتصاعد إحساس بالرغبة في شيء أعمق. فالدب لا يشتهيها، بل يقوم فقط بتنظيفها كما لو كانت جزءًا منه. تهمس له بإغراء: «مزّق قلبي، أيها الدب. انزع رأسي.» تراودها أحلام عن الشيطان وكائنات شرسة تسعى إلى «نهش ثدييها». وفي إحدى المرات، تحاول أن تمتطي الدب، وأن تغريه ليخترقها، لكنها بعد ذلك تغرق في إحساس عميق بالذنب والبؤس. تدرك أنها تجاوزت الحد. «هناك شيء شرس بداخلها، شيء يدفعها دائمًا إلى تجاوز الحدود.»
ثم، في إحدى الأمسيات، بينما كانا متعانقين، استثار الدب. شعرت لو بإثارة عميقة، فركعت أمامه— لكن الدب مدّ كفه ومزّق ظهرها بضربة حادة. كانت لحظة العنف صادمة إلى أقصى حد. لكن العنف لم يكن داخل الدب، الذي لم يكن يشعر بالغضب أو الضغينة، بل كان فقط يتصرف بطبيعته كدب. العنف الحقيقي كان داخل لو نفسها، التي كانت تتوق إلى هذا الانفجار الجسدي من الطاقة المدمّرة. تصاب بالحمى وتضعف، وعندما تتعافى، تكتشف أن جسدها يحمل ندبة دائمة من مخلب عشيقها. ومع هذه الندبة، تتطهّر من الشعور بالذنب الذي كان يلاحقها. تشعر بالنقاء، والسلام، وكأنها مستعدة لأي شيء. تعود إلى المدينة، بينما يذهب الدب للعيش مع امرأة من السكان الأصليين في المنطقة. تلوّح له مودّعة عند رحيلها، لكنه لا يلتفت إليها. “لم تكن تتوقع منه ذلك.”
عند سرد القصة بشكل مجرد، قد تبدو غريبة تمامًا — وبلا شك، تتخللها لحظات طريفة وغريبة. لكنها أيضًا مثيرة، آسرة، ومقلقة في الوقت ذاته. يقول هومر، صاحب المتجر، للو: ” يصبح الناس هنا غريبي الأطوار عندما ينعزلون لفترة طويلة”، فبهجة العزلة هي أحد الموضوعات الأساسية. تمتلك لو شغفًا بالعزلة. في المدينة، لم يكن هذا الشغف سوى سبب لوحدتها، لكن الآن، وقد وجدت نفسها عالقة على الجزيرة مع عشيقها الدب، بات لديها السيناريو المثالي للوحدة. تفكر: “ليس الجميع مؤهلين للصمت”، لكن الدب بلا شك كذلك، إذ يمنحها الصحبة واللذة دون أن يكسر سكونها. إنه يلعقها ويستكشف جسدها، لكنه لا يتطفل عليها. يمكنها أن “ترسم أي وجه تريده عليه”، كما تتأمل، فتعابيره لا تعني لها شيئًا، تمامًا كما أن تعابيرها لا تعني له شيئًا. برفقته، تظل وحدها.
تحظى المرأة المنعزلة بسمعة سيئة. تسير حواء بمفردها في الجنة فتنخدع بإغراءات الأفعى. وتبحث الساحرات عن أماكن منعزلة للتواصل مع الشيطان. وعادة ما يُنظر للنساء على أنهن عرضة للفساد ولا يمكن تركهن لوحدهن. قال رجال الكنيسة في العصور الحديثة المبكرة: “عندما تفكر المرأة بمفردها، فإنها تفكر في الشر”. وفي القرن الثامن عشر، كانت القارئة المنعزلة للروايات موضع شك كبير. إذ كانت صورة المرأة المنعزلة في غرفتها، وهي تمسك برواية رومانسية بيد وتلمس أعضائها التناسلية باليد الأخرى، صورة إباحية شائعة؛ مع ظهور كلاب صغيرة أحيانًا. لقد تغيرت التخيلات مع مرور الوقت، لكن الافتتان بقي قائمًا. لا يزال الخيال الإباحي الغربي مأخوذًا بما تفعله النساء عندما يعتقدن أنه لا أحد (أو على الأقل لا أحد من البشر) يراقبهن.
تعد رواية “الدب” بمثابة تعليق ساخر غني بالفكاهة على هذا التقليد الإباحي، بل وتسهم فيه أيضًا. فسرّها النقاد النسويون على أنها احتفاء بالجنسانية الأنثوية المتحررة* وهناك العديد من النصوص التي تدعم هذا التفسير. إحدى الصديقات النسويات تراسل لو لتسألها عما تفعله، فترد لو بإرسال بطاقة بريدية عليها صورة دب صغير مرفقة بالرسالة: “أقضي وقتًا رائعًا”. وعند وصولها إلى الجزيرة، تكتب لو لمدير المعهد قائلة: “لدي شعور غريب بأنني أعيد ولادتي”، وعند مغادرتها، تشعر بأنها أصبحت أكثر جمالًا وحيوية، كأنها ولدت من جديد. عند قراءتي الأولى للرواية، لفتت هذه العناصر انتباهي بقوة. أعجبت بشهوة لو الجريئة وتحديها الصارخ للقيود. أما الآن، فأنا منبهرة بنفس القدر بشعورها بالذنب وحيرتها، وكذلك بعدائها الشديد تجاه الرجال، الذي يتخلل الرواية مثل تيار مرير. تقول لو للقارئ: “ما كانت تكرهه في الرجال ليس رغبتهم الجنسية، بل افتراضهم أن النساء لا يملكن مثل هذه الرغبة”. وهذا يبدو عادلًا إلى حد ما، لكنه ليس القصة كاملة.
يحتل الرجال مكانة بارزة في رواية “الدب”، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لا أقصد الرجال الأحياء*فأولئك القلائل الذين يظهرون في الكتاب (مدير المعهد؛ هومر صاحب المتجر، الذي تمارس لو الجنس معه مرة واحدة بدافع المجاملة أكثر من الرغبة)هم نماذج باهتة. بل أعني الرجال الحقيقيين: الجنود، المغامرون، والشعراء البايرونيون الذين تقرأ لو عنهم في مكتبة الجزيرة. هؤلاء الأبطال الجذابون يثيرون الرغبة، ولكن أيضًا الحسد. ومع تطور علاقتها مع الدب، تشعر لو بأنها “متفوقة” على هؤلاء الرجال، حيث ترى أن ممارستها الجنسية مع الحيوان “تتجاوز ما يمكن لهم تخيله”. كان لدى بايرون دب أليف أيضًا، لكن هل مارس الجنس معه؟ تقرأ لو بإعجاب عن إدوارد تريلوني، صديق بايرون المقدام. “يا له من رجل! ضخم، فظ، عملاق.” تفكر في تسمية الدب تريلوني، لكن الدب يكون أليفًا جدًا، متعاونًا، شبيهًا بالنساء (تتسلّى لو مرارًا بملاحظة شبهه بسيدة ممتلئة وبليدة)*باختصار، أقل رجولة من أن يكون تريلوني، حتى يستثار جنسيًا، وعندها يكاد يقتل لو. ماذا تريد لو من الذكر الوحشي؟ في مذكراتها من تلك الفترة، كتبت إنجل عن شغفها بـ “التدنيس”. إنها مفتونة بقصة “أو”، رواية آن ديسكلوز الشهيرة عام 1954 عن الماسوشية الأنثوية. “كيف أصبحت أنا وأو بهذه الطريقة؟ كيف يمكنني التخلص من عبء الشعور بالذنب؟” تجيب بأن “الاعتراف بأن الغضب أحيانًا يكون مشروعًا ولا يحتاج إلى عقاب”، وبالتالي تسمح لنفسها بأن “تصبح شخصًا حقيقيا”. هذا الحل يبدو سطحيًا: تحرر المرأة بشكل آلي. لكن الخليط الغني من الشهوة، والحب، والغضب، والحسد الذي تستحضره رواية “الدب” جامح جدًا، ومفرط جدًا، بحيث لا يمكن لأي رسالة بسيطة كهذه أن تستوعبه .
كتبت إنجل ذات مرة عن روايتها “الدب”: “إنها رواية شبه فارغة، حيث يضفي القراء عليها مضمونهم الخاص”. وبالفعل، تمت قراءة الرواية بعدة طرق: كعمل نسوي رعوي، أو كقصة قوطية جنسية، أو كبيان مبكر عن النسوية البيئية ، أو كنقد للاستعمار الكندي (وهناك الكثير حول هذا الموضوع الأخير لم أتطرق إليه هنا). أختار الآن أن أقرأها كخيال استمنائي، يعبر، مثل كل خيالات الاستمناء، عن رغبات وصراعات تكمن في أعماق أبعد من محتواها السطحي: في هذه الحالة، الرغبات والصراعات التي تثيرها الفحولة الذكورية لدى النساء. كان الرجال الأقوياء*، “رجال الدببة الكبار المشعرون”، كما وصفتهم إنجل في دفاترها*، معضلةً كبيرةً لإنجِل، لأنوثتها، ولنسويتها. هل كنا أنا وهي وحدنا في هذا؟ ربما، لكنني أشك في ذلك. قد لا تكون الرغبة في الانتصار على هؤلاء الرجال، وسحقهم (يرتدي الدب طوقًا وسلسلةً تمامًا مثل “O” في رواية ديسكل) من أكثر سمات النسوية استحقاقًا للثناء، لكنها بالتأكيد جزءٌ من تقاليدنا.
تتجلى براعة إنجل في الدب في قدرتها على تصوير هذه الرغبة—بكل ما يرافقها من شهوات، وشعور بالذنب، وتخيلات تتجاوز الحدود الجنسانية—بأسلوب جريء وذكي. لطالما كانت الخيالات الإيروتيكية عنصرًا غير متوقع في الخطاب النسوي، لكن إنجل واجهتها بجرأة نادرة، مما جعل الدب يقدم شكلًا جديدًا من الصراحة النسوية. حين قرأته شابة، تأثرت به دون أن أعي تمامًا أبعاده، أما اليوم، وبعد رحيل إنجل وهي في عمر أصغر مما أنا عليه الآن، فأجد صدقه ما زال مذهلًا ومؤثرًا بعمق.
(انتهى)
الكاتبة : باربرا تايلور/ Barbara Taylor هي أستاذة العلوم الإنسانية في جامعة كوين ماري في لندن والباحثة الرئيسية في مشروع “أمراض العزلة”.(من مواليد 1950) هي مؤرخة كندية المولد مقيمة في المملكة المتحدة، متخصصة في عصر التنوير ودراسات النوع الاجتماعي وتاريخ الذاتية. وهي أستاذة العلوم الإنسانية في جامعة كوين ماري، جامعة لندن. ولدت ونشأت في غرب كندا. وفي عام 1971، حصلت على شهادتها الأولى في الفكر السياسي من جامعة ساسكاتشوان. انتقلت بعد ذلك إلى لندن حيث حصلت على درجة الماجستير في نفس الموضوع من كلية لندن للاقتصاد، ثم حصلت على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة ساسكس. قامت بتدريس التاريخ في جامعة شرق لندن من عام 1993 حتى عام 2012 ثم انتقلت إلى كوين ماري، جامعة لندن، كأستاذة مشاركة في مدارس اللغة الإنجليزية والدراما والتاريخ.
.






