مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

رجلان -مهرنوش مزاري

images
unnamed 1

إلى منصور خكسار الفدائي العظيم

      بينما كانا يفرغان من الزجاجة الأولى، قال الرجل ذو الشعر الأشيب:

    –  لقد انتهت الفودكا كلها.

    ما زال لدينا زجاجة من الويسكي.

     –  عظيم. لنفتحها.

      مشى الشاب إلى الخزانة، وأخرج زجاجة من الويسكي، وملأ كأسيهما، ثم عاد إلى كرسيه وجلس.

    هل سمعت عن دريوش؟

   نعم. هو في باريس. لقد جاء إلى برلين لرؤيتي .

  –   ماذا يفعل في باريس؟

   يذهب إلى مدرسة اللغات في الصباح ويقود سيارة أجرة في المساء.

    ماذا عن عباس؟

   أي عباس؟

  –  صاحب الشامة الكبيرة على خده. لقد كان زميل دريوش في غرفة السكن…

   – نعم بالتأكيد. لقد تحررنا من سجن الشاه معًا قبل الثورة مباشرة .

     وبعد برهة، قال الرجل ذو الشعر الأشيب:

    –  لقد استشهد في قتال مع باسداران العام الماضي في طهران .

    أخفض الشاب عينيه ولعب بالثلج الموجود في كأسه.

    وبعد دقائق قليلة قال بصوت حزين:

   – دعنا نقرأ بعضا من الشعر .

   – هل لديك أي  شىء لحافظ؟

   أخرج الشاب كتابًا لحافظ من أحد الرفوف ووضعه على الطاولة أمام الرجل الأكبر سنًا.

   فقال الرجل الأكبر:

  – لماذا لا تقرأه بنفسك؟

  التقط الشاب الكتاب، وتصفح صفحاته، وقرأ بصوت عالٍ.

  وعندما فرغت الزجاجة الثانية، قال الرجل الأكبر ذو الشعر الأشيب  :

  – لقد انتهى الويسكي أيضًا.

  رفع الشاب عينيه عن الكتاب، ونظر إلى الخزانة، وقال:

  – لدي بعض النبيذ.

   قال الرجل الأكبر سنا:

   – هذا جيّد.دعنا نفتحه .

  لا ينبغي لنا نخلط. فى الشراب.

  – لا يزعجني هذا.

    أخذ الشاب، الذي كان يمشي غير متمايلا بعض الشيء، زجاجة نبيذ من الخزانة وبدأ بفتحها. قال:

   – انكسرت الفلينة .

    تأمل الرجل الأكبر الزجاجة.

   – لا أعتقد أنها ستخرج. ادفعها إلى أسفل.

     قام الشاب بدفع الفلينة المكسورة في الزجاجة وملأ كأسيهما ،بينما قام الرجل الأكبر سناً بوضع شريط الكاسيت في المسجل. طافت الفلينة نصف المكسورة في الزجاجة.

   تبادلا النخب :

     فى صحتك.

   ملأت الموسيقى الهادئة الغرفة.

  شرب الشاب نصف شرابه ثم قال:

  – انظر إلينا، انظر إلى ما حل بنا!

    ابتسم الرجل الأكبر ذو الشعر الأشيب بمرارة، وأخذ نصف الفلينة من الطاولة ولفها بين إبهامه وسبابته.

   عندما فرغا من الزجاجة، قال الرجل الأكبر ذو الشعر الأشيب:

  – هل لديك المزيد؟

     حدق الشاب في الزجاجة الفارغة.

    –  لماذا سارت الأمور بهذه الطريقة؟ ألم نفعل كل ما في وسعنا؟

    نظر إليه الرجل الأكبر سناً ذو الشعر الأشيب بإشفاق لكنه لم يقل شيئاً.

     ألح الشاب:

    – ألم نفعل كل ما في وسعنا؟

    شاهد الرجل الأكبر ذو الشعر الأشيب الفلينة وهى تدور بين أصابعه.

  – لماذا سارت الأمور بهذه الطريقة؟

     وانهمرت الدموع بكثرة على وجنى الشاب

     كانت عينا الرجل الأكبر ذو الشعر الأشيب رطبتين الآن. خلع نظارته وقال للشاب :

      – لماذا لا تقرأ قصيدة أخرى؟

      التقط الشاب  ديوان لحافظ وفتحه مرة أخرى. ونظر إلى الغزلية الأولى في الصفحة اليسرى، وقال:

      – لقد بذلنا كل ما في وسعنا.

       ثم وضع الكتاب جانبًا.

      انتهت الموسيقى. فقال الرجل الأكبر ذو الشعر الأشيب :

     – هل تود الذهاب في نزهة على الأقدام؟

       قال الشاب، دون أن يتحرك:

      – حسناً.

     – البس معطفك. دعنا نذهب إلى الرصيف البحرى. 

     نهض الشاب ببطء، وحمل معطفه، وأطفأ النور.

     نزلا الدرج معًا، وكان الرجل الأكبر سنًا يعرج.

    كان الوقت متأخرًا، لكن الناس ما زالوا متجمعين في أكشاك الكرنفال وأماكن الوقوف على جانبي رصيف سانتا مونيكا. من وقت لآخر يندلع التصفيق حول المنصة. دمى الدببة ذات العيون الزجاجية المستديرة معلقة على بعض المدرجات. توقف الشاب عند حفل الملهى، ونظر إلى الخيول الخشبية، ثم تبع الرجل الأكبر سنًا.

       عند حجرة الرماية، توقف الرجل الأكبر سنًا وقال:

     – هل تعرف كيف تطلق النار؟

      قال الشاب وعيناه تلمعان:

     – يمكنني تفكيك وإعادة تجميع عوزي في بضع ثوانٍ!

     قال الرجل الأكبر سناً:

    – كنت الأسرع في مجموعتي.

     كرر الشاب:

    – يمكنني أن أفعل ذلك في بضع ثوانٍ. كم عدد الأفراد الذين كانوا في مجموعتك؟

   – خمسة. كنا نعبر الحدود ليلاً….

   – أكلهم من الإيرانيين؟

   – لا. فلسطينيان وإيرانيان وواحد من نيكاراجوا .

   –  في أي عام كان ذلك ؟ 

    – 1972.

    سار الرجلان إلى نهاية الرصيف. استند الشاب إلى السياج. نظر الرجل الأكبر سنا إلى السماء. وقال:

   – كانت سماء لبنان مليئة بالنجوم. السماء هنا ليس بها أية نجوم.

     نظر الشاب إلى الأعلى.

    قال الرجل الأكبر سنًا:

   – في إحدى الليالي، قبل أن نهاجم العدو، كنت أنا والنيكاراجواى مستلقيين على الأرض نراقب النجوم. سألني بمن كنت أفكر. كنت خجولًا جدًا من أن أقول ذلك، فقلت: “أمي”. قال: “أنا أفكر في صديقتي”. قد لا أراها مرة أخرى. أعجبني ذلك. لقد كان جريئا جدا. أخرج صورة من جيبه ونظر إليها لبعض الوقت.

     خلع الرجل الأكبر سنًا نظارته ونظفها وقال:

    – في تلك الليلة أطلق الإسرائيليون النار عليه .

    قرع جرس الكنيسة في مكان ما على الجانب الآخر من الرصيف اثنتي عشر دقة وقال الشاب:

    – هل تريد العودة؟

     متكئا على ذراع الرجل الأكبر سنا، سار الشاب وهو يترنح . كان الضوء في حجرة الرماية ما زال مضاءً وكانت الدببة لا تزال معلقة هناك. سار الشاب نحو الكابينة وسحب ذراع الرجل الأكبر سنا.

     – دعنا نطلق النار!

    شاهد الرجل الأكبر سناً الشاب وهو يضع ربعين في صندوق متصل ببندقية ثم جلس على سرج، كما لو كان راعي بقر في البرارى. وعندما ضغط الشاب على الزناد، كان الرجل الأكبر سنا قد ابتعد بالفعل إلى الظل.

(تمت)

المؤلفة : مهرنوش مزاري / Mehrnoosh Mazarei كاتبة إيرانية ولدت ونشأت في إيران. وهي مؤلفة للعديد من مجموعات القصص القصير الفارسية، بما في ذلك “غريب في غرفتي” التي رُشحت مرتين في إيران لأفضل مجموعة قصصية عام 2011. تم نشرت العديد من القصص بالانجليزية ونشرتها  في بلدان أخرى مثل: الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وكندا وألمانيا. تعيش مزاري في فالي سنتر بولاية كاليفورنيا مع زوجها.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading