مقابلة مع ماري جايتسكيل*✍️ لوريل ناكادات-ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيم


على نحو ما، تعرفت أولاً على ماري جايتسكيل في الظلام. في عام ٢٠١١، بدأت مشروعًا التقطت فيه صورًا لمعارفي ليلاً، باستخدام الإضاءة المتاحة ومصباح يدوي واحد، كتحضير لمجموعة أكبر من الصور للغرباء والأقارب البعيدين بعنوان “غرباء وعلاقات“. كنت ذلك الصيف في حرم كلية سكيدمور، حيث كانت ماري تدرّس ورشة كتابة، فسألتها إن كانت توافق أن أصورها. كنت قد التقيت ماري في الصيف السابق أيضًا، لكننا كنا نصبح أصدقاء الآن؛ كان أمرًا مثيرًا أن أتعرف على كاتبة قرأتها بحماس كبير منذ مطلع التسعينيات، عندما قرأت “سلوك سيء“، مجموعتها القصصية الأولى.
الصورة التي التقطتها تكشف الكثير عن ماري التي عرفتها في تلك الأيام، ذات بشرة شاحبة، جادة، على خلفية الوهج الليلي الغريب لحرم كلية سكيدمور. كانت ماري – وما زالت – شخصية غير متوقعة ومثيرة كصديقة. إنها صريحة، كريمة، مضحكة، ولا تتردد؛ في إحدى ليالي العشاء في سكيدمور، خاضت نقاشًا حاميًا مع كاتب آخر حول الإفراط في استخدام كلمة “إذلال“ من قبل العامة. أرادت أن تؤخذ الكلمة على محمل الجد، أن تُستخدم فقط لوصف أشد أشكال الإساءة، وليس للمشاكل اليومية العابرة. وكما هو الحال غالبًا مع ماري، لم تتخل عن فكرتها حتى عبّرت عن نفسها تمامًا. في مناسبة أخرى، ظهرت في الحرم بحكايات عن صديق جديد أشارت إليه فقط باسم “الأفعى“. وعندما وصل الصديق لاحقًا، اختلقت ماري قصة مفصلة عنه كمراقب طيران محترق من توسكون. حسها الفكاهي الفريد والمُبهج، وضحكتها المعدية، كانا من بين العديد من الأمور التي تعرفت عليها في ماري جايتسكيل.
تمثل مجموعات ماري القصصية الثلاث – “سلوك سيء“، و“لأنهم أرادوا ذلك“، و“لا تبكي“ – بعضًا من أبرز كتابات القصة القصيرة المستمرة والرائعة في الثلاثين عامًا الماضية. تنقب وتكون صريحة مثل دي. إتش. لورنس وهنري ميلر، لكنها مكتوبة برقة جون أبدايك أو فلاديمير نابوكوف الذين تحترمهم. قصص ماري لا تتجنب أي شيء، وتكون في أفضل حالاتها عندما تستقصي بعمق المشاعر البشرية وعلم النفس. أما رواياتها – “فتاتان، سمينة ونحيفة“، و“فيرونيكا“، و“المهرة“ – فتمتد بها براعتها في فن القصة القصيرة إلى لوحة أوسع.
ومجموعة المقالات الصادرة هذا الشهر “شخص ما بمطرقة صغيرة“ (بانثيون)، والتي تضم مقالات من العقدين الماضيين، تحتوي بعضًا من كتاباتها الأكثر وخزا وعنادا. بشكل ما، ماري كاتبة المقالات أكثر استفزازًا من كاتبة القصص، وأكثر إثارة للقلب أيضًا (انظر على سبيل المثال المقالة المؤلمة بعنوان “قطة ضائعة“). لا يُغفل أي جانب من الحياة، وتُعالج السياسة والسينما والأدب بنفس الكثافة الاستقصائية، بنوع من التركيز الحاد الذي يبدو فريدًا لدرجة أنه أشبه بأداء، وكأن ماري فنّانة أداء تشابكات الحياة وانفعالاتها.
أشعر أنني تعرفت على ماري بشكل أعمق بقراءة مقالات “شخص ما بمطرقة صغيرة“. أو ربما بدأت فحسب أرى مرة أخرى ماري جايتسكيل التي التقيتها في الظلام، أرها تتألق من خلال الكلمات. إنها مفكرة وكاتبة فريدة من نوعها، وكان من دواعي سروري أن أحاول إبرازها في هذه المقابلة التي أجريت في شقتها في ويليامزبرج، بروكلين، في يوم شتوي دافئ بشكل غير طبيعي.
نص الحوار :
لوريل ناكادات: إذن، لماذا المقالات؟ ولماذا الآن؟
ماري جايتسكيل: في الواقع بعت هذا الكتاب عام 2008 لأنني أدركت أن لدي مجموعة مقالات يمكنني بيعها، رغم أنها كانت غير مكتملة آنذاك، وأضفت عدة مقالات لاحقاً. وقد أخر الناشرون إصدارها لأنهم أرادوا أن أنشر رواية أولاً. بصراحة أنا مندهشة أنهم اشتروها، لأنه كما قال محرري “المقالات تبيع أقل من الشعر“.
ناكادات: وكنا بالفعل نشعر بقليل من الحزن على الشعر. لكن هذا كتاب رائع. أحب غلاف هذا الكتاب. من صمم هذا الغلاف؟
جايتسكيل: شكراً. في الحقيقة أنا من صممته. المخلوق على الغلاف هو “سيريبوس الخنزير الأرضي” من القصص المصورة الرائعة التي تحمل نفس الاسم.
ناكادات: آه نعم! ثم هناك ملصقات من كتب الأطفال الفيكتورية ونجمة صوفية فوقهم. هل أنتِ الخنزير الأرضي؟
جايتسكيل: نوعاً ما، نعم. بالتأكيد أشعر أحياناً أنني هذا الخنزير الأرضي.
ناكادات: عندما كنتِ تراجعين مقالاتك وتحددين أيها سيظهر في الكتاب، هل مررتِ بلحظة من نوع “هذه هي حياتك” أثناء مراجعتك للمقالات من التسعينيات مثلاً؟
جايتسكيل: نعم. لكن الغريب أن الأمر كان يتعلق أكثر بالنبرة بدلاً من الموضوع. كانت هناك نبرات معينة لن أستخدمها الآن بدت غريبة جداً عني. أعتقد أننا أثناء رحلة الحياة نكتسب أحياناً – بينما نظل أوفياء لأنفسنا – بعض التكلفات أو أساليب التعبير التي تشبه الزخارف. وقد لاحظت الكثير من ذلك في بعض الأحيان. وتذكرت أحياناً – بغموض – لماذا شعرت تلك العبارات بالذوقية لي، ولماذا أحببت ذلك التكلف بالذات. لكن من وجهة نظري الآن، بدا ذلك غير دقيق تقريباً. لقد غير معنى ما كنت أقوله بطريقة بدت وكأنها تشويه.
ناكادات: هناك لحظة تكتبين فيها: “في النسخة الأصلية من هذا المقال، انتهى الأمر بهذه الطريقة.” ثم اقتبستي النهاية الأصلية. لكن في معظم الحالات تركتيها كما هي.
جايتسكيل: في معظم الحالات. المقالات التي شعرت أن اللغة فيها صيغت بطريقة لم تعد تشعرني بالصدق، ببساطة لم أدرجها. المقالة التي تتحدثين عنها غيرتها أكثر لأنني في بدايتها تحدثت عن تعاطي عقار إل.إس.دي. وشعرت أنني لا أنقل بشكل كافٍ معنى أن تكون تحت تأثير هذا العقار لشخص لم يجربه من قبل. لست متأكدة حتى إذا كان الناس ما زالوا يتعاطونه، لكن آخر مرة علمت أن الناس ما زالوا يتعاطونه كانت في الثمانينيات، ولم يكن قوياً كما كان. أن تكون تحت تأثير الإل.إس.دي في أوائل السبعينيات – كان من الصعب علي حتى التحدث. وكانت هناك هلوسات شديدة. لم أشعر أن المقال أوضح ذلك بما يكفي. كما أن النهاية بدت متكلفة للغاية. بدت وكأنها تقول: “حسناً، لقد حللت كل هذا الآن، وأعرف الإجابات، وهذا كل شيء. عليك أن تعرف الإجابات أيضاً.”
ناكادات: أعتقد أن هذا مثير للاهتمام لأنه ربما عندما كُتبت، كان ذلك شيئاً يبحث عنه المحررون أو الجمهور – ليس نهاية سعيدة ولكن نهاية يمكننا التعايش معها؟ وبالاعتراف بما قلته، نسمعك تفكرين، ونرى التاريخ يحدث في الكتابة وفي العالم وفي حياة امرأة، وهو أمر مذهل بلا شك.
جايتسكيل: حسناً، كانت تلك المقالة تتعلق بما كان يسمى آنذاك “اغتصاب المواعدة“. وأتذكر عندما كتبتها في التسعينيات – كنت في الثلاثينيات من عمري آنذاك – عندما كنت أسمع عن اغتصاب المواعدة، كنت مثل العديد من النساء في عمري أفكر: “عم تتحدث هؤلاء الفتيات؟ إذا لم يقاتلن، أو لم يوضحن أنهن لا يردن ممارسة الجنس، فكيف يمكن أن يقلن أنهن تعرضن للاغتصاب؟ هذا سخيف.” ثم تذكرت تلك اللحظة في السبعينيات عندما لم أقاتل أو أوضح حقاً أنني غير مهتمة، ومررت بلحظة من التنافر المعرفي. ليس فقط أن ذلك حدث، لكنني وصفته للناس بأنه اغتصاب، وهو ما لم يكن صحيحاً. ومع ذلك، لسنوات عديدة، شعرت أنه حقيقي. أعني، لم أكن سأذهب إلى الشرطة. الأشخاص الذين تحدثت معهم عن الأمر لم يعرفوه. كنت في مدينة مختلفة، لذا لم يكن الأمر وكأن الكذب يؤذي أحداً بشكل صريح. لكنه كان مؤذياً بطريقة أكثر خفاءً. وكان غريباً أنني شعرت أنني أقول شيئاً صحيحاً بينما كنت أعرف عقلانياً أنني لست كذلك. لذا كان هذا الغموض هو ما دفعني لكتابة المقال. لذا فإن إنهاءه بالقول: “حسناً، هذا ما كتبته في عام 1994، وهو ليس كذباً، لكنه ليس وجهة نظري الآن”، كان متناغماً مع طبيعة المقال. وجهة النظر تتغير كثيراً مع مرور الوقت. ومن المهم الاعتراف بأن الحقيقة متعددة الأوجه. ومع ذلك، فإن لهذه المحادثة معنى مختلف جداً الآن بسبب كل هذه القضية حول “الحقائق البديلة”، وتسمية كل شيء لا يعجبك “أخباراً مزيفة”. عندما أدرّس، أحياناً أوزع محاضرة منشورة لفلاديمير نابوكوف أحبها كثيراً. عنوانها “فن الأدب والحس السليم”. وهو يتحدث أساساً عن مدى تناقض الحس السليم مع الفن. فكرته عن الحس السليم مختلفة جداً عن فكرتي؛ يبدو أنه يعتقد أن الحس السليم هو وحشية. مثل، لماذا لا تحتل وتستعمر البلد الأصغر لأنه سيكون من السخيف عدم القيام بذلك. هذا، بالنسبة لي، ليس حساً سليماً. [يضحك كلاهما] لكن المقال رائع حقاً. هناك عبارة: “تلك الشخصيات المهزلة والمزيفة التي تسمى حقائق…” في سياق مقاله، هذا منطقي تماماً، لأنه عندما تكتب الرواية، فأنت حقاً تحرف طبيعة ما هو واقعي. حتى إذا كنت تكتب عن شيء حقيقي، فأنت تمزجه وتحرفه بطريقتك الخاصة. لكن أن تفعل ذلك في المجال السياسي هو شيء مختلف تماماً. لكن الفرق دقيق جداً. كان يتحدث تحديداً عن الاستعارة وكيف تجد الاستعارة روابط خفية بين أشياء تبدو متباينة وتغير للحظة طبيعة كيفية رؤيتنا للواقع وتخلق شيئاً لا يمكن للواقع التقليدي منافسته، شيء يحررنا من الرؤية النفعية الصارمة. كان نابوكوف يتحدث أيضاً عن كيف تبدو الأمور سيئة في الأخبار – كان يجب أن يكون هنا الآن. كان يتحدث عن الحرب والأسلاك الشائكة والعنف، وتحديداً عن الاتحاد السوفيتي، قائلاً: “نعم، هذا يبدو قاتماً جداً، لكن هناك مكان آخر لا يمكن لهذا أن يمسه.” استخدم عبارة “العالم الجميل المحبوب الذي يستمر بهدوء” في أحلك ساعات الموت والدمار. أحب هذه العبارة لأنني أعرف ما يتحدث عنه. إنه ليس شيئاً فاخراً. إنه مجرد شخص يلطف في لحظة لا يجب عليه ذلك، شخص في مترو الأنفاق يحمل فراشة في جيب قميصه ليطلقها عندما ينزل من القطار، على سبيل المثال. إنه خير غير نفعي.
ناكادات: هل ما تزال هذه اللحظات تحدث لنا؟
جايتسكيل: أوه نعم! ستظل موجودة دائماً. إنه محق. إنها أشياء غير قابلة للتدمير. ومع ذلك، فالظلام الآن كبير جداً وقوي للغاية.
ناكادات: ألن يكون مذهلاً لو كان نابوكوف يغرد الآن؟
جايتسكيل: لا يمكنني حتى تخيل فكرة أن ينشر نابوكوف تغريدات. لن يفعل ذلك. كان سينشر تلاعبات لفظية ونكاتاً.
ناكادات: أريد العودة إلى البداية والتحدث عن قدومك الأول إلى نيويورك. هل لديك قصة “ترحيبية” عن نيويورك؟
جايتسكيل: كنت أقيم في شقة مستأجرة رخيصة جداً مع فتاتين كانت تقع مباشرة فوق نادي “هيلفاير” القديم. كان نادياً شهيراً للممارسات السادية والماسوشية في 14 و9. ولم نكن نعلم. ذهبت رفيقتيّ إلى هناك ليلة وعادتا قائلتين: “لن تصدقي ما يحدث تحتنا”. لكن تلك الشقة لم تستمر سوى ثلاثة أشهر، ولم أجد مكاناً آخر. لم يكن لدي أي مال. حقاً لم يكن لدي شيء. كنت أعمل كمدققة حقائق مستقلة في مجلة صغيرة.
ناكادات: هل كان هذا بعد الانتقال مباشرة من ميشيجان؟
جايتسكيل: نعم. أعني، كنت قد عشت في مدن أخرى من قبل.
ناكادات: كم كان عمرك؟
جايتسكيل: لم أكن صغيرة جداً. عدت إلى المدرسة متأخرة لأنني لم أتخرج من الثانوية. هربت من المنزل أولاً عندما كنت في الخامسة عشرة ثم مرة أخرى في السادسة عشرة. عندما بلغت الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة، أدركت أنني بحاجة لفعل شيء ما. كنت قد حصلت على شهادة GED (دبلومة تعادل الثانوية العامة ) قبل بضع سنوات، وكنت محظوظة لأن والدي كان يدرس في كلية مجتمعية فاستطعت الدراسة مجاناً. ثم انتقلت منها إلى جامعة ميشيغان، لكن تعليمي كان متقطعاً جداً. ثقافياً، كنت متأخرة عن الجميع في الجامعة. شعرت بارتباك شديد هناك. لكن في المقابل، كنت قد عشت في العالم الحقيقي. من نواحٍ كنت أكثر نضجاً لأنني مررت بالكثير وعولت نفسي ورأيت جوانب قاسية من الحياة. لكن من ناحية أخرى كنت ساذجة جداً. قبل مجيئي للجامعة، كنت أعرف مجلة “إنترفيو” لأن لدي صديقة كانت مهووسة بآندي وارهول، واعتقدت أنها رائعة. لكن طريقة اهتمامها بها كانت مختلفة تماماً عن طريقة الناس في الجامعة الذين كانوا يضفون عليها كل هذه الدلالات الاجتماعية. بدا لي الأمر مخيفاً وغريباً وبعيداً عني. لكان الأمر مضحكاً جداً لو علمت أنني سأظهر في “إنترفيو” يوماً ما. لكن عندما تخرجت من الجامعة، أردت فقط الخروج من هناك. سألني أحدهم: “هل ستذهبين لبرنامج كتابة في آيوا؟” وقلت: “لا!” ذهبت إلى نيويورك، لكن لم تكن لدي فكرة واضحة عن كيفية الحصول على عمل هناك، وكانت لدي شهادة في الصحافة، وهو أمر غبي لأنني لم تكن لدي مهارات تذكر في هذا المجال، رغم أنني طورتها لاحقاً. لم أكن أعرف كيف أعمل في صحيفة. لم أكن أعرف شيئاً. ولم أستطع الحصول على عمل. لذا كنت أنام على أريكة صديق وأتجول بلا هدف. كنت أسير في ويست فيليج يوماً ما، ورأيت صدفة شخصاً أعرفه من آن آربر، فقال: “ما الذي تفعلينه هنا؟” فقلت: “أحاول إيجاد مكان للإقامة. أود حقاً العيش في هذا الحي، لكن هذا لن يحدث”. فقال: “في الواقع، أعرف شخصاً يريد تأجير استوديوه في جين ستريت. هل أنت مهتمة؟” وأجرته لي مقابل 250 دولاراً تقريباً. لكن المشكلة كانت أنه إيجار غير قانوني. بمجرد أن اكتشف المشرف أنني هناك، بدأوا محاولة طردي. وهذه ربما تكون قصتي مع نيويورك – لم أدرك كم كنت محظوظة. الشخص الذي كنت أعمل لديه في المجلة عرفني على محامٍ متخصص في قانون المستأجرين. أخذ القضية وطلب مني 500 دولار، سمح لي بدفعها على أقساط 50 دولاراً. أتذكر أنني قلت له: “لكن ليس لدي قضية. ما أفعله غير قانوني”. فقال: “لا يهم. القانون شيء رائع. سأخلق الكثير من الارتباك لصاحبة الشقة لدرجة أنها بنهاية العام قد تعرض عليك عقد إيجار”. وبالفعل هذا ما حدث.
ناكادات: كم من الوقت مكثت هناك بعد ذلك؟
جايتسكيل: انتقلت للعيش هناك حوالي عام 1981، ولم أغادر حتى 1992. قد يبدو هذا رائعاً، لكنه كان مليئاً بالخوف والقلق، لأنني لشهور كنت أجد إخطارات الإخلاء على الباب دون أن أعرف إن كنت سأُطرد أم لا. كل شيء كان هشاً. أحصل على عمل ثم أُطرد. كنت أفعل كل شيء لكسب المال، بعضه كان سيئاً جداً. وكان الوضع غير مستقر بشكل لا يصدق. لكنه كان رائعاً لهذا السبب بالذات. لأنه شعرت بأن أي شيء يمكن أن يحدث. كنت أكتب القصص. ثقتي بنفسي كانت منخفضة من ناحية، لكن لا بد أنني كنت واثقة سراً، وإلا لما استمررت في فعل ذلك. أحد الأعمال التي استمرت معي لأطول فترة كان في مكتبة “ستراند”. كنت أعمل هناك طوال اليوم، أعود للمنزل – أحياناً أذهب لحصتي في الفنون القتالية – آكل، أغفو قليلاً، أستيقظ حوالي العاشرة مساءً وأكتب حتى الثانية صباحاً، أنام ثم أستيقظ في الثامنة للذهاب للعمل. كانت حياة مملة حقاً. كنت أضع قدماً أمام أخرى، لكنني لم أعرف أبداً ما سأواجهه بعد ذلك. لكنني كنت مدركة أنني محاطة بأشخاص يحاولون بجد، وكانوا جميعاً في نفس الوضع. كل شخص في “ستراند” كان يحاول أن يكون موسيقياً أو كاتباً أو أي شيء. كان الأمر عبثياً. وكنت أعرف أنه عبثي. عندما عدت إلى ميشيغان لعيد الميلاد، فجأة شعرت أن كل شيء تباطأ لخمسة أميال في الساعة. كان الأمر مريحاً جداً. لكنه كان غريباً حقاً، لأنه لم يكن هناك أحد يحاول أن يكون شيئاً ربما لن ينجح فيه أبداً. وكان هناك شيء جميل في وجود هذا في نيويورك. لا أقول هذا بازدراء عندما أسميه عبثياً. الناس أرادوا خلق عالمهم الخاص.
ناكادات: هل ما زلت صديقة مع أي من الأشخاص الذين عرفتيهم في ذلك الوقت؟
جايتسكيل: ليس الكثير. بصراحة لم يكن لدي الكثير من الأصدقاء. ربما كنت شخصاً صعباً لأنني كنت خائفة ومكتئبة كثيراً. وكنت أفعل أشياء غبية – لم تكن درامية – أشياء غبية ربما يفعلها الكثيرون. أستطيع القول إنني صديقة لثلاثة أشخاص عرفتهم في ذلك الوقت.
ناكادات: هذا يبدو كثيراً.
جايتسكيل: حسناً، إنه كذلك. انقطعت عن التواصل مع إحداهن لفترة، ثم رأيتها في الشارع ولم أعرفها، لكنني فكرت: “واو، هذه المرأة جميلة حقاً”. عندما تعرف شخصاً وهو صغير، جزء منك يظل يراه كذلك. حتى قبل أن أعرفها، رأيتها كفتاة صغيرة جميلة رغم أنها لم تبدو كما كانت بالضبط.
ناكادات: كيف نشرتِ لأول مرة؟ وكيف غير ذلك الأمور بالنسبة لك؟
جايتسكيل: أوه، لقد غير الأمور جذرياً. بدأت أحاول بيع القصص بنفسي للمجلات. كنت أرسلها، وكل يوم، أتلقى الكثير من الرفض. صندوق بريدي كان ممتلئاً بالرفض. حصلت أخيراً على وكيل. وقال إنه يحب القصص حقاً – وأن القصص صعبة البيع، لكنه يريد المحاولة. حاول لمدة عام تقريباً. كنت ما زلت أكتب قصصاً جديدة لكنه لم يبع أي شيء. وأدركت أن العلاقة ليست إلى أي مكان عندما اتصلت به يوماً وأقسم أنه هو من رفع السماعة. قلت: “مرحباً روبرت”. فقال: “روبرت ليس هنا. هل تتركي رسالة؟” تركته رسالة ثم قلت: “روبرت، هذا أنت، أليس كذلك؟” فقال: “ليس أنا. وأشعر بالإهانة من هذا الاقتراح”. فقلت: “حسناً”. [يضحكان] أعتقد أنه ببساطة أصيب بالإحباط. ومن يستطيع لومه؟ كان هناك الكثير من الرفض. عندما يسألني كتّاب شباب عن النصيحة، أقول دائماً أنه يجب أن تتحمل الكثير من الرفض لأنه، إلا إذا كنت محظوظاً جداً، هذا ما سيحدث. لكنني كنت محظوظة في الواقع، لأن وكيلي التالي استطاع بيع القصص أخيراً. كدت لا أصدق ذلك. كدت لا أعرف من أكون بعد الآن. أتذكر أنني كنت أعيش في مبنى صغير، وكانت الجارة المقابلة لي راقصة لـ”تريشا براون”. كان هذا قبل أن أبيع “سلوك سيء”. لكنني رأيتها مرة تدخل شقتها تبدو كئيبة وغريبة. سألتها: “كيف حالك؟” فقالت: “أشعر بشعور غريب جداً”. وتحدثت عن حصولها على مراجعة كبيرة في “نيويورك تايمز” وقالت: “وودي آلن سيأتي لرؤيتي. كنت أذهب لمشاهدة أفلامه. هذا غريب جداً”. تذكرت أنني فكرت: “يا إلهي، ما خطبك؟ يا له من موقف غريب”. لكن عندما صدر الكتاب، كان الأمر محيراً جداً. صحتي تدهورت. لم أعرف كيف أتعامل مع الناس. فكرت: “الآن لدي طريقة للوجود في العالم ستكون رائعة. سيكون مثل قيادة سيارة رائعة، انسيابية حقاً”. لكنه كان صعباً في الواقع لأنه، إذا كان لديك شخصية عامة، شيء ليس لديك سيطرة كاملة عليه، فالأمر أشبه بكونك في سيارة بضوابط لا تفهمها حقاً. في الواقع تركت نيويورك وانتقلت إلى مارين لأكون وحدي لأنني لم أعرف كيف أتعامل مع السيارة! وكان هذا خفيفاً مقارنة بما يحدث للناس الآن. أعني، إذا كنت ألتقي بشخص لأول مرة، لا أبحث عنه في ويكيبيديا، أو أحاول ألا أفعل، لأنني لا أريد أن يفكر شخص أنه يعرفني بناءً على ذلك. حتى المواطنون العاديون عليهم التعامل مع ظاهرة الشخصية العامة هذه.
ناكادات: هل تعتقدين أن جزءاً من ذلك كان أنك كنت صغيرة عندما أحدثت ضجة كبيرة بمجموعتك الأولى وكان هناك الكثير من الاهتمام عليها؟
جايتسكيل: لم أكن صغيرة جداً، وأعتقد أن هذا كان جيداً. كنت في الثالثة والثلاثين. إنه عمر صغير نسبياً، لكنه لا يزال ناضجاً. لو حدث هذا لي في الرابعة والعشرين، أعتقد أنه كان سيدمرني حقاً. كنت سأصدق أي شيء يقال عني. لما عرفت الفرق بين أي شيء حقيقي وهذا الإسقاط الذي يحدث عندما تكون شخصية عامة. كنت سأجد الأمر محيراً جداً. أعتقد أن الشباب يشعرون بعدم أمان لا يصدق الآن لهذا السبب، الجميع معرضون لذلك الآن مع كل هذا الكم من التعليقات والتقييمات التي لا تنتهي.
ناكادات: أردت التحدث عن تحذيرات المحتوى الحساس، والأماكن الآمنة، وقبعات “بوسي“. عندما رأيت قبعات “بوسي” لأول مرة، أردت أن أسألك عن رأيك فيها.
جايتسكيل: حسنًا، بصراحة، من ناحية، أعتقد أنها محزنة بعض الشيء. لست ضدها على الإطلاق، وأعلم أنها مخصصة لتكون ملهمة حقًا، لكن الاعتقاد بأنك تستطيع أن تأخذ شيئًا سلبيًا وتمتلكه… لا يمكنك دائمًا. والطريقة التي يتحدث بها الناس الآن عن كل شيء – عن العرق، عن الأماكن الآمنة، عن تحذيرات المحتوى الحساس – يبدو الأمر وكأنهم جميعًا يرتدون نفس القبعة. صحيح أن الكثير من الناس متحفظون سياسيًا ويجب أن تكون اللغة روتينية، بطريقة معينة تمامًا. إذن هناك ذلك من جهة، وهو مزعج جدًا، ثم من الجهة الأخرى، هناك هذه الوحشية الحقيقية، هذه الوحشية المجنونة التي يتمثل بها دونالد ترامب وستيف بانون، الذي أعتقد أنه أحد أكثر الأشخاص رعبًا الذين رأيتهم في حياتي، وحش. قبعات “بوسي” تافهة جدًا مقارنة بذلك. من ناحية أخرى، ربما يعيشون في ضاحية من العالم الجميل المحبوب! تذكرني بمقالتي عن كتاب نورمان ميلر “جيوش الليل“، الذي كان عن المسيرة المناهضة لحرب فيتنام أمام البنتاغون في عام 1967. وصفت المتظاهرين بأنهم “قوات السخيف، والمنتعلين بالرومانسية، والشعراء والمجانين” – يمكن أن تناسب قبعات “بوسي” تمامًا، وعلى الأقل في عام 1967، فاز هؤلاء الرجال. لكنه أمر غريب: لقد حاولت أن أفهم سبب إعجاب الناس بترامب. لا أعتقد حقًا أنني أستطيع. لا أعتقد أن الأمر بسيط مثل العنصرية فقط. أعتقد أن هناك خوفًا لدى البيض، حتى لو لم تكن لديهم رغبة خبيثة في إيذاء السود، فإنهم يخشون فقدان مكانتهم الأولى. لكني أعتقد أيضًا أن هناك بعض الرغبة في الحكم الاستبدادي. إنه أمر غير عقلاني للغاية. مثل، لم أكن متفاجئة عندما كشف النقاب عن أن معظم النساء البيض من جيلي صوتن له، لأنهن يستجبن لتلك الثقة المطلقة. “أنا وحدي أستطيع إصلاحه.” كنت أدرس في جامعة بيتسبرغ أثناء الانتخابات وأجعل الفصل يقرأ “في المستعمرة العقابية” لكافكا و”اليانصيب في بابل” لبورخيس. أحد الأشياء الرئيسية التي تتناولها هذه القصص هو الحكم الاستبدادي، الطبيعة الجذابة لكيفية رغبة الناس على مستوى بدائي للغاية – ليس جميع الناس ولكن كثير من الناس – سرًا في الحكم الاستبدادي. مثل، كنت في روسيا منذ حوالي عشر سنوات وأخبرني أحدهم محادثة دارت بينه وبين رجل عجوز جدًا قال إنه كان أفضل عندما كان لديهم ستالين. وقال الرجل: “لماذا؟ ستالين جوع الروس وقتلهم بالملايين.” فقال العجوز: “لأن الناس كانوا خائفين منا آنذاك. لم نكن رقم واحد، لكننا كنا رقم اثنين. الناس احترمونا.” لم يكن لديه أي سلطة، لكنه شعر وكأنه يمتلكها بسبب ستالين.
ناكادات: هناك الكثير من الحزن في هذه المقالات. وبينما كنت أقرأها، كنت في رهبة من كيفية توجهك مباشرة نحو الحزن، أنتِ لستِ خائفة.
جايتسكيل: بالنسبة لي، إحدى أكثر القطع حزناً هي تلك التي تتحدث عن ليندا لوفليس. شعرت أن هناك ليس مجرد حزن بل معاناة حقيقية في قصتها، رغم أنه من ناحية أخرى، كان الأمر مثيرًا للسخرية. كان نوعًا من المعاناة التي لم يكن من السهل تفسيرها، حتى أن العنف المنزلي كان تفسيرًا بسيطًا جدًا. شعرت أنها عانت بشدة وأن ذلك لم يُفهم على الإطلاق. وشعرت أنني أحاول… لا أعرف ما هي الكلمات الصحيحة. أي شيء أقوله يبدو متعجرفًا. مثل، كنت على وشك أن أقول، “لتكريمها”، لكن هذا ليس دقيقًا. فقط للاعتراف بأن بعض أنواع الجحيم يصعب رؤيتها أو فهمها، خاصة عندما يبدو أن الناس يختارونها. لأنها تشبه التواجد في بيت المرح، وقد تكون إحدى الغرف في بيت المرح سخيفة، أو حتى ممتعة، لكن بعد ذلك تذهب إلى الغرفة التالية. وبعد ذلك لا يمكنك العودة إلى الغرفة الأخرى. وشعرت أن الكثير من الناس يمرون بأشياء لا يراها الآخرون على الإطلاق. لا أعرف لماذا أعتقد أنه من المهم الاعتراف بهذه الأشياء. لكنني أفعل.
******************
* ماري جيتسكيل/ Mary Gaitskill (وُلدت في 11 نوفمبر 1954) هي روائية وكاتبة مقالات وقصص قصيرة أمريكية. ظهرت أعمالها في مجلات مرموقة مثل ذا نيويوركر، هاربرز ماغازين، إسكواير، بالإضافة إلى أفضل القصص القصيرة الأمريكية (أعوام 1993، 2006، 2012، 2020)، وقصص جائزة أو. هنري (1998، 2008).من أبرز كتبها مجموعة القصص القصيرة سلوك سيئ (1988)، ورواية فيرونيكا (2005)، التي رُشّحت لجائزتين مرموقتين: الجائزة الوطنية للكتاب في فئة الرواية، وجائزة نقاد الكتاب الوطنية في فئة الرواية أيضا .
****************
سيرة موجزة : لوريل ناكادات/ Laurel Nakadate: فنانة فيديو ومخرجة أفلام ومصورة مقيمة في نيويورك . وُلدت لوريل ناكادات في أوستن، تكساس، ونشأت في أميس، أيوا. تعيش وتعمل حاليًا في بوسطن ونيويورك. تُعرض أعمال ناكاداتي في مجموعات متحف الفن الحديث، ومتحف ويتني للفن الأمريكي، ومعرض جامعة ييل للفنون، ومتحف هيسل للفنون، وكلية بارد، ومتحف جامعة برينستون للفنون، ومتحف كلية سميث للفنون، ومتحف مقاطعة لوس أنجلوس للفنون، ومتحف غوغنهايم، ومجموعة ساتشي، وغيرها من المجموعات الخاصة. حصلت ناكاداتي على بكالوريوس الفنون الجميلة من جامعة تافتس وكلية متحف الفنون الجميلة في بوسطن، وماجستير الفنون الجميلة في التصوير الفوتوغرافي من جامعة ييل.
https://www.interviewmagazine.com/culture/mary-gaitskill





