أدب عالمي

بانو مشتاق كاتبة متمردة – بقلم : ديبا بهاشتي -ترجمة : د.محمد غنيم

                                                                            د.محمد غنيم

صورة لرجل يجلس في غرفة، يرتدي بدلة داكنة وقميص أبيض، ويبدو عليه التفكير والجدية.

     نشأت بانو في أسرة تقدمية، وتلقّت تعليمها بلغة الكانادا، وليس بالأوردو كما كان شائعًا لدى المسلمين آنذاك. وقد تفتّحت وعيها خلال عقود أصبحت فيها فكرة “الخاص هو السياسي” موضوعًا محوريًا في الفكر النقدي. كتبت أثناء وبعد حركة باندايا، واتجهت أعمالها بوعي بعيدًا عن ما تسميه كليشيهات “فتى يلتقي فتاة” في الأدب الرومانسي، وبدلًا من ذلك، سعت إلى خلق سرديات تنتقد النظام الأبوي وتقاليده وممارساته المنافقة. وبينما ظهرت العديد من الكاتبات المتأثرات بالمشهد الأدبي والسياسي في الثمانينيات، تبقى بانو واحدة من القليلات اللواتي واصلن الكتابة بانتظام على مدار العقود التالية.

    مدينة حسن، الواقعة في السهول جنوب غرب ولاية كارناتاكا، حيث قضت بانو معظم حياتها، ومدينة ماديكيري، الواقعة في سلسلة جبال الغات الغربية، حيث وُلدتُ وأقيم اليوم مجددًا، لا تبعد إحداهما عن الأخرى سوى مئة كيلومتر تقريبًا. كلتاهما مدينتان صغيرتان، مليئتان بسمات لغوية واجتماعية مميزة، وبميلٍ سياسي محافظ، وهي سمات شائعة في المدن الهندية الصغيرة.

    في منزلها، تتحدث بانو بلغة دَكني، التي تُعدّ أحيانًا — خطأً — لهجة من الأوردو، لكنها في الحقيقة مزيج من الفارسية والدلهوية والماراثية والكانادا والتيلوغو. أما لغة الكانادا فهي أداة بانو في العمل، وهي اللغة التي تصادفها في الشارع. مع ذلك، فإن الكانادا التي تتحدث بها بانو، وتلك التي نشأتُ عليها أنا — المتأثرة إلى حد كبير بلكنات المناطق الساحلية ولهجة هافياكا الخاصة بالطبقة الاجتماعية التي أنتمي إليها — تختلفان كثيرًا. وبيننا، نتحدث أيضًا أكثر من نصف دزينة من اللغات الأخرى، كثيرٌ منها يتسلّل إلى أحاديثنا وكتاباتنا بشكل طبيعي. في قصص بانو، هذا التبديل اللغوي بين ثلاث أو أربع لغات نتعامل معها يوميًا ينتج مزيجًا ساحرًا من: الكانادية، والأردية، والعربية، والداخني، بالإضافة إلى كانادية كما تتحدثها مجتمعات معينة في مناطق محددة من منطقة حسن.

     هذا التعدد اللغوي ليس أمرًا نادرًا أو استثنائيًا لكثير من الهنود، كما أنه لا يرتبط بالضرورة بالطائفة أو الطبقة أو التعليم أو الجماعة، وهي الهويات التي تحدد، في المقابل، كل جانب من جوانب الامتيازات الخاصة والحياة العامة في البلاد. حين بدأت العمل على ترجمة قصص بانو، وجدت نفسي أواجه سؤالًا جوهريًا: ما الذي سيكون عليه هذا المشروع؟ هندوسية سابقة ومن الطبقة العليا تترجم صوتًا ينتمي إلى أقلية دينية، إلى لغة مشتركة غريبة عن كلينا. سيكون من المجحف اختزال أعمال بانو في هويتها الدينية، إذ إن قصصها تتجاوز حدود الإيمان وتقاليده الثقافية. ومع ذلك، في الهند اليوم — حيث انزلقت السياسة اليمينية المتطرفة خلال العقد الماضي بشكل خطير إلى أيديولوجية الأغلبية بقيادة الهندوتفا، وإلى الكراهية والاضطهاد الشديد للأقليات (وهي أشكال من العنف تتكرّر في بلدان كثيرة حول العالم، وإن كنا نميل إلى نسيان ذلك) — من الضروري الإشارة إلى السياق الذي تعيش وتكتب فيه بانو. وبالطبع، لا يُشترط أن يكون المترجم من الخلفية نفسها التي ينتمي إليها الكاتب، لكنني شعرت أن من المهم الاعتراف باختلافاتنا، وبمواقعنا وامتيازاتنا المختلفة، واستخدام هذا الوعي كأساسٍ لأكون أكثر مسؤولية وحساسية في الترجمة.

    ومع ذلك، أختار أن أعزو جرأتي  – أو قل تهوري –  في ترجمة أعمال بانو إلى شيء قالته لي ذات مرة: إنها لا ترى نفسها كاتبة تُختزل في تصوير نمط واحد من النساء ينتمين إلى مجتمع بعينه، فالقهر الذي تواجهه النساء – وإن اختلفت تفاصيله – هو جوهر ما تكتب عنه. هذه الأُخوّة التي تجمع كل من عرفن أنفسنا كنساء، هي الوسادة التي أستند إليها في ترجمة نصوصها. آليات التكيف التي نبتكرها، والحلول التي نجدها، والتعديلات التي نجريها حول الرجال – كلها استراتيجيات بقاء تُغذّى عبر الأجيال. قد تختلف التفاصيل، لكن الجوهر يظل واحدًا: مقاومة السيطرة، “التدجين”، أو منعنا من استكشاف طاقاتنا الكاملة. نحن نؤمن – أنا وبانو – أن هذه التجارب يعاد إنتاجها في كل مكان بالعالم. بعضنا يخطو على كرات الفحم المتّقدة ليشقّ لنفسه طريقًا. بعضنا يتعلّم كيف يعيش قريبا من النار. لكن لا أحد منّا يخرج من هذه التجربة بلا ندوب.

      لغة الكانادا، شأنها شأن العديد من اللغات التي ظلت مستخدمة لأكثر من ألف عام، تحمل في طياتها تقليدًا ثريًا وحيويًا من السرد الشفهي. ويمكن رؤية هذا الإرث بوضوح في قصص بانو، حيث تمزج الأزمنة الزمنية باستمرار، وتتوقف فجأة، وتُقحم ملاحظة أو مونولوجًا وسط حوار، وكأنها تجلس أمامك مباشرة.والكانادا، مثل العديد من اللغات الهندية الأخرى، لغة غنية بالتعابير والأمثال والعبارات التي لا تبدو فقط شاعريّة في نغمتها، بل تضفي أيضًا طابعًا مسرحيًا محببًا على الكلام اليومي. هنا، يُعدّ الكلام أداءً جسديًا تقريبًا، بل موسيقيًا في بعض الأحيان، حيث يعتمد معنى الكلمة بقدر ما يعتمد على المعلومات التي تنقلها، على هافا-بهافا — أي الإيماءات والتعابير — وعلى النبرة وطريقة الإلقاء. لقد حاولت قدر الإمكان الحفاظ على هذا الإحساس في الترجمة، بحيث لا أجعل الجمل وتوقفاتها المفاجئة أو تعرجاتها تبدو نافرة بصريًا على الصفحة. على سبيل المثال، فإن المبالغة (كأن يُقال: “دعه يتزوج ألف مرة”) وتكرار الكلمات (“متألّق متألّق” أو “ينقط ينقط”) أمرٌ شائع في الكلام اليومي. وأنا أؤمن بأنها تضيف قدرًا لذيذًا من الدراما إلى المحادثة، ولهذا اخترت أن أحتفظ بهذه السمات الغريبة الجميلة في النسخة الإنجليزية أيضًا.

     من الجدير بالذكر أن الترجمة ليست مجرد استبدال كلمات بلغة ما بما يقابلها في لغة أخرى؛ فكل لغة، بما تحمله من تعابير اصطلاحية وأعراف في الكلام، تنقل معها قدرًا كبيرًا من المعرفة الثقافية التي كثيرًا ما تحتاج بدورها إلى “ترجمة”.على سبيل المثال، في قصة “ألواح حجرية لقصر شيستا”، تتحدث شيستا إلى صديقتها الجديدة زينات عن زوجها افتخار. لكنها لا تستخدم عبارة “زوجي” أو تناديه باسمه، بل تشير إليه بقولها: “أخوكي البهاي صاحب” [أي: “أخوكِ الكبير”]. زينات ليست قريبة لافتخار من الناحية البيولوجية — بل إنهما التقيا لتوهما — لكن هذه الإشارة ترحّب بزينات فورًا كفرد من العائلة، وبالفعل تُستقبل بحفاوة. هذه العبارة تحمل دلالات ثقافية كثيرة: إذ في البيوت المحافظة، لا تنادي النساء أزواجهن عادةً بأسمائهم، بل يشِرن إليهم عبر علاقتهم بالمُخاطَب (كما في “أخوك”)، أو يستخدمن كلمات معينة مثل “ري” عند الحديث المباشر إليهم. كذلك، لا يُنادى الكبار عادةً بأسمائهم دون أن تُضاف لاحقة تدل على علاقة قرابة محترمة مثل: عم، خال، أخ أكبر، أخت كبرى، إلى آخره (وفي هذا المثال: “صاحب”). تُظهر هذه الأعراف قدرًا من الاحترام، نعم، لكنها أيضًا تؤدي وظيفة ثقافية: إذ تخلق مساحة لشخص جديد ضمن العائلة، وتضمه إلى دائرة الألفة من خلال نسج هذه العلاقات اللغوية. فهي تُشير إلى أن القرابة لا تُبنى فقط على رابطة الدم أو الزواج، وتُعزّز الفكرة السائدة في المجتمعات الأسرية مثل الهند بأن كل شخص ينتمي إلى جماعة، وهو ما يخفّف من حدّة مفاهيم “الفردانية” و”الهوية الشخصية” الوافدة. لقد جعل مراعاة هذه التقاليد الاجتماعية والثقافية  من ترجمة القصص — التي تمتلئ بطبقات متعددة من العلاقات — تحديًا حقيقيًا، لكنه أيضًا فرصة جميلة للتأمل في ممارسات نعيشها ونتعامل معها وكأنها بديهيات. ومن أجل الحفاظ على نكهة كل علاقة كما وردت في الأصل، سواء استخدمت بانو المقابل الكانادي أو الأردي، فقد اخترتُ أن أحتفظ بكل مصطلح على حاله، بدلًا من تسويته في الترجمة بعبارة عامة مثل “عمة” أو “عم”.

     على الرغم من أن اللغة الكانادية لغة رئيسية يتحدث بها نحو 65 مليون نسمة، إلا أن وجودها في العالم الرقمي يشبه أرضاً بكراً مقارنةً بالأردية والعربية. فالكلمات التي يمكن البحث عنها عبر “جوجل” في صيغة نقل الحروف قليلة جداً. لذا، عند كتابتها بالإنجليزية، اخترت أحياناً ما يقترب من نطقها الأصلي، وأحيانًا أختار الشكل الأرجح بناءً على الموارد القليلة المتاحة على الإنترنت. على سبيل المثال، نقلت كلمة “خبز مسطح” كـ”روتّيس” وليس “روتيس” الأكثر شيوعاً، لأن الأخيرة تعكس لهجة شمال الهند. وينطبق الأمر ذاته على “لونغي” و”بانشي” بدلاً من “دوتي”. إذ إن التسمية الأولى أكثر محلية ودقة.

   أما عند نقل الكلمات من الأردية أو العربية، فقد واجهت خيارات عديدة، واتبعت المنطق نفسه. فكلمات مثل “قرآن” و”جماعة” حافظت على ألف المد (’) احتراماً للوقفة الصوتية المميزة في نطق الناطقين الأصليين. بينما ينقل متحدثو الداخني، بمن فيهم بانو، حرف “القاف” كـ”خ” بسبب اختلاف بسيط في النطق. وهكذا، نُقلت كلمة “مقبرة المسلمين” كـ”خاباريستان” وليس “قاباريستان” كما هو شائع.

    بعيدًا عن الجدل العقيم حول ما يُفقد ويُكتسب في الترجمة، يسعدني أن أقول إن لغة الكانادا قد وجدت، من خلال هذه المجموعة، قرّاءً جدداً . لقد اتخذت قرارًا واعيًا بعدم استخدام الخط المائل للكلمات الكانادية والأردية والعربية التي حافظت على شكلها الأصلي في النص الإنجليزي. فالخط المائل لا يشوش على القارئ بصريًا فحسب، بل ويعلن عن الكلمات وكأنها غريبة مستوردة من لغة أخرى، يجعلها تبدو دخيلة وغير مألوفة للإنجليزية. من خلال الامتناع عن استخدام الخط المائل، آمل أن يتمكّن القارئ من استقبال هذه الكلمات بلا عوائق، وربما، أثناء انسيابه مع النص، يتعلم كلمة أو اثنتين بلغة أخرى. الأمر نفسه ينطبق على الهوامش التفسيرية – فهي غير موجودة هنا.

(انتهى )   

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading