ملامح أمّي في ذاكرة الضوء/: آدم دانيال هومه
ثمّ صعدنا نحو جبال آشور
حيث نحتتْ أصابعُ التاريخ حكاياتِها على الصخور الشاهقة
وحيثُ تحملُ الريحُ بقايا صلواتٍ لم تنقطعْ عن طلب الحياة
ترجّلتُ، ووضعتُ كفّي على الصخر
فأحسستُ تحت خشونته نبضَ أيدٍ غابَ أصحابُها
يدَ بنّاءٍ… ويدَ فلّاحٍ
ويدَ أمٍّ ترفعُ طفلَها ليرى من علٍ اتّساعَ الوادي.
قرأتُ ما استطعتُ من كتابة الزمن وما استعصى عليَّ
أصغيتُ إليه بقلبي
فثمّةَ حكاياتٌ لا تكشفُ الحروفُ وحدَها سرَّها
ويحتاجُ المرءُ كي يفهمَها إلى أن يضعَ أذنَه على التراب وينتظر.
هناك سمعتُ أسماءً تخرجُ من صمتها الطويل
وسمعتُ ضحكاتٍ لم تحفظْها سجلاتُ الملوك
وأنينَ أناسٍ حملوا حجارةَ المدن ثمّ ناموا خارجَ أسوارها
فجمعتُ أصواتَهم في قصيدتي وتركتُ لكلّ واحدٍ منهم موضعاً يتنفّسُ فيه
وعند بركة الشمس رأيتُ الثورَ المجنّح يغسلُ جراحَه
كان الماءُ يحمرُّ قليلاً ثمّ يصفو
وكان جناحُه المثقلُ بالغبار يرتفعُ ببطء
فتسقطُ من ريشه شظايا أبوابٍ محترقة وذرّاتٌ من ليلٍ قديم
وقفتُ أمامه ففاحَ من موضع قدميه عطرُ التاريخ
رائحةُ التراب حين يبتلُّ بالمطر
ورائحةُ خبز التنّور في أوّل النهار
ورائحةُ الأرز في سقوف المعابد.
ومن عينيه تدفّقَ ضوءُ الفجر الأزلي فأضاءَ وجهي
ورأيتُ في الماء ملامحَ أمّي تختلطُ بملامح الأرض
لم يتكلّم… أطرقَ نحو جرحٍ في جنبه ثمّ رفعَ رأسَه إلى الأفق
كأنّه يسألُ عمّا ينتظرُ أبناءَه خلفَ هذا الليل.
غسلتُ بيديَّ موضعَ الدم تذكّرتُ كيف كانت أمّي تغسلُ جرحَ جبيني
حين أعودُ باكياً من اللعب في شوارع القرية
كانت تنفخُ عليه برفق وتقولُ إنّه سيبرأ
فأصدّقُها… ويخفُّ الألم.
يا أمّي!… ها أنا أستعيرُ من يديكِ ما تعلّمتاه من مداواة الجراح
وأضعُه على حجرٍ أنهكَه الانتظار.
علّمتِني أن أقتربَ من الوجع
وأن أمنحَ المتألّم وقتاً ليحكي وماءً ليغسلَ وجهَه ومكاناً آمناً ليستريحُ.
نهضَ الثورُ المجنّح وانسابَ الماءُ عن صدره
وبدا الجرحُ واضحاً تحت الشمس
خطا، فارتجَّ في الأرض صدى بعيد
ثمّ خطا ثانيةً نحو دربٍ أخذَ الضوءُ يكشفُ حجارتَه
على وقع خُطاه تلاقى الماضي والحاضر والمستقبل
جاء الماضي يحملُ ألواحَه المكسورة
وجاء الحاضرُ بكفّين متعبتين
وأقبلَ المستقبلُ طفلاً يسألُ عن موضعٍ يغرسُ فيه شجرة
جلسوا عند الماء وتبادلوا خبزَهم
وكانت أمّي، في خاطري، تفسحُ لهم مكاناً حول المائدة
وتملأُ الكؤوس وتطلبُ منّي أن أقرّبَ المقعدَ للضيف البعيد.
فهمتُ عندها أيَّ زادٍ أحملُ إلى العالم
وأيَّ خبرٍ يستحقُّ أن أسابقَ به الرياح
سأحملُ إليه أسماءَ مدني وأنغامَ لغتي وما تركَ الأجدادُ من أثر
وأحملُ أيضاً رغيفَ أمّي
كي يعرفَ الجالسون معي كيف كانت تقسمُه حين يزيدُ الضيوف.
وأفتحُ في القصيدة باباً يدخلُ منه المختلفون
كلٌّ بصوته
ولونِ وجهه
وحكايةِ رحلته
فيجدون ماءً وظلّاً ويتركون على جدرانها شيئاً من أغانيهم.
أريدُ لطفلٍ في أقصى الأرض أن ينامَ مطمئنّاً حين ينطفئُ المصباح
ولأمٍّ أنهكَها الانتظار أن تسمعَ خُطى ابنها تصعدُ درجات البيت
ولغريبٍ أضاعتْه الطرقات أن يجدَ من ينطقُ اسمَه بألفةٍ وحنان.
هذه واحاتُ الأمل التي أبحثُ عنها في وهج الغد
أرى أشجارَها تنمو كلّما امتدّتْ يدٌ إلى يد
وأسمعُ مياهَها تجري كلّما عادَ إلى قلبٍ خائف بعضُ الأمان
وأنتِ، يا أمّي ما زلتِ عند ساقية الشمس
تغسلين عن وجه الصباح بقايا ليلِه الطويل
أراكِ الآن أوضحَ ممّا كنتُ أراكِ حين أثقلَ الدمعُ عينيَّ
أراكِ في كفٍّ تسندُ شيخاً
وفي امرأةٍ تضمُّ طفلاً تائهاً
وفي خبزٍ يُقتسمُ بصمتٍ ومحبّة
أمضي، وأحملُ ملامحَكِ في ذاكرة الضوء
كلّما تعبتُ أخرجتُ من صوتكِ كلمةً واستندتُ إليها
وأمضي وقلبي الجوادُ يعرفُ وجهتَه
والثورُ المجنّحُ يتقدّمُ عند الأفق يفتحُ بجناحيه للريح ممرّاً
كي تحملَ بذورَ الربيع إلى الحقول البعيدة
وحين أصلُ إلى واحات الفجر سأترجّلُ عند أوّل شجرة
وأضعُ ما جمعتُه من تعبٍ وحنين قربَ جذعها
ثمّ أجلسُ بين القادمين وأحدّثُهم عنكِ
سأقولُ: كانت لي أمٌّ إذا مسّتْ رغيفاً امتلأَ البيتُ بركة
وإذا نادتْ اسمي عدتُ من منفاي
وإذا وضعتْ يدَها على قلبي هدأَ فيه العالم.
ثمّ أرفعُ وجهي إلى النور فأراكِ تبتسمين
وأسمعُ الماءَ يجري
وأمدُّ يدي إلى الرغيف لأقسمَه مع الجميع.



