مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة: سوريا وبلاد الرافدين✍️ فراس السواح
(٢) تنظيم الكون
بعد أن فصل إنليل بين السماء والأرض، وأعطاهما شكلهما الذي نعرفه اليوم، انصرف إلى خلق بقية عناصر الكون. وهنا أيضًا يأتي الخلق نتيجة الحركة المادية والفعَّالية الحياتية للآلهة، لا نتيجة الكلمة الخالقة والأمر الإلهي. فظهور القمر والشمس إلى الوجود، وبعض الآلهة الأخرى، يأتي نتيجة الفعَّالية الجنسية للإله إنليل الذي ضاجع الإلهة ننليل فولدت له القمر. والقمر بدوره أنجب الشمس بفعل جنسي آخر. تُحدِّثنا أسطورة سومرية عن سلسلة الخلق هذه في نص شعري جميل مؤلَّف من مائة واثنَين وخمسين سطرًا، معظمها في حالةٍ سليمة تسمح بقراءةٍ واضحة للألواح الموزَّعة عليها:١٥
تبدأ الأسطورة بمقدمةٍ وصفية لمدينة نيبور التي وُجدت قبل ظهور الإنسان، وكانت تسكنها الآلهة:
انظر (إلى نيبور) عماد السماء والأرض (هي) […]
انظر إلى نيبور المدينة […]
ترى أسوارها العالية، مدينة […]
ترى نهرها الرقراق إيد سالا.
ترى رصيفها كاركورانا، حيث ترسو السفن.
ترى بولال نبعها الصافي.
ترى أدنو نبردو، جدولها العذب.
هناك إنليل فتاها الغض،
هناك ننليل فتاتها الشابة،
هناك ننبار شيكونو سيدتها العجوز.
بعد هذه المقدمة تبدأ القصة، فنجد سيدة نيبور العجوز وهي تحدِّث ابنتها ننليل في كيفية استمالة الإله إنليل:
في تلك الأيام قامت الأم بإرشاد ابنتها،
قامت ننبار شيكونو بنصح ابنتها:
«عند النهر الصافي يا فتاتي، عند النهر الصافي اغتسلي.
وعلى ضفة نهر الننبردو، أي ننليل، تمشي.
ذو العينَين البرَّاقتَين، السيد ذو العينَين البرَّاقتَين،
الجبل العظيم، إنليل الأب، ذو العينَين البرَّاقتَين سيراك.
الراعي، سيد المصائر، ذو العينَين البرَّاقتَين سيراك.
حيث […] وحيث يُقبِّلك.»
نفَّذت ننليل مشورة أمها. وأبصرها إنليل فحاول غوايتها ولكنها تمنَّعت، فتحايل عليها وحملها بمعونة وزيره نسكو إلى قارب، وهناك اغتصبها وتركها حُبلى بالإله القمر. إلا أن الآلهة تغضب لفعلة إنليل، ويقرِّر المجمع نفيه إلى العالم الأسفل. يرضخ إنليل لمشيئة الآلهة ويبدأ رحلته نحو العالم الأسفل، ولكن ننليل التي تمكَّن منها حب الإله الشاب تلحق به وتدركه عند بوابة الجحيم. ولكن إنليل يطلب من حارس البوابة، ولسبب لا ندريه، تضليل «ننليل»، ويتخذ هو نفسه هيئة الحارس ويقبع في انتظارها. وعندما تصل وتسأله عن حبيبها، يُجيبها وهو في هيئة الحارس مُضلِّلًا، ثم يجامعها ويتركها حُبلى بنرجال إله العالم الأسفل.
إنليل […] غادر المدينة.
نونا منير غادر المدينة.
انطلق إنليل، والفتاة اقتفت أثره.
انطلق نونا منير والفتاة اقتفت أثره.
قال إنليل لحارس البوابة:
«يا حارس البوابة، يا صاحب القفل،
يا رجل المزلاج، يا صاحب القفل المقدس،
ننليل الملكة آتية،
ننليل الملكة آتية،
فإن توجَّهَت لك بالسؤال عني،
لا تكشف لها عن مكان وجودي.»
اقتربت ننليل من حارس البوابة قائلة:
«يا حارس البوابة، يا صاحب القفل،
يا رجل المزلاج، يا صاحب القفل المقدَّس،
إنليل مليكك أين مضى؟»
فأجابها إنليل عن حارس البوابة:
«لقد أمرني إنليل سيد كل البلاد.»
(يلي ذلك أربعة أسطر تحتوي مضمون الأمر إلا أن معناها غامض، ثم الحوار الآتي):
– إن إنليل، حقًّا، مليكك، ولكني أيضًا مليكتك.
– إذا كنت حقًّا مليكتي، فدعيني ألمس […]
– إن ماء مليكك في داخلي نانا١٦ إنه في داخلي.
– ليذهب ماء مليكي إلى السماء، ليذهب نانا إلى السماء،
واتركي مائي يمضي إلى الأرض.
إنليل في هيئة حارس البوابة اضطجع،
فقبَّلها وجامعها،
وسكب في داخلها ماء ميسلاميتا.
مشى إنليل وننليل اقتفت أثره،
نونا منير مشى والفتاة اقتفت أثره،
قال إنليل لصاحب نهر العالم الأسفل:
«يا صاحب نهر العالم الأسفل،
ننليل الملكة آتية،
ننليل الملكة آتية،
فإن توجَّهت لك بالسؤال عني،
لا تكشف لها مكان وجودي.»
اقتربت ننليل من صاحب النهر قائلة:
«يا صاحب نهر العالم الأسفل،
إنليل مليكك، أين مضى؟»
فأجابها إنليل عن صاحب النهر:
«لقد أمرني إنليل سيد كل البلاد.»
يتكرَّر ثانيةً المضمون غير المفهوم للأمر، ثم يليه الحوار الآتي، بين إنليل في هيئة صاحب النهر، والفتاة ننليل:
– إن إنليل حقًّا مليكك، ولكني أيضًا مليكتك.
– إذا كنت حقًّا مليكتي، فدعيني ألمس …
– إن ماء مليكك في داخلي، الماء الملتمع في جوفي ماء نانا الملتمع في جوفي.
– ليذهب ماء مليكي إلى السماء، واتركي مائي يمضي إلى الأرض.»
إنليل في هيئة ملَّاح النهر اضطجع،
فقبَّلها وجامعها،
وسكب في جوفها ماء ننازو.١٧
وتُتابع الأسطورة على المنوال نفسه، فتصف مولد إله رابع من الإلهة السفلى هو الإله إليجيبيل، وهنا يتخذ إنليل هيئة ملَّاح العالم السفلي الذي ينقل بقاربه عبر النهر.
وتنتهي الأسطورة بترتيل حمدٍ لإنليل:
إنليل هو السيد والملك،
إنليل لا مبدِّل لكلماته.
الحمد لأمنا ننليل،
الحمد لأبينا إنليل.
والجدير بالذكر أن الأساطير اليونانية اللاحقة قد نسخت بعد ألفَي سنة، حرفيًّا وصف العالم الأسفل السومري، فنجد بوابات العالم الأسفل، ونهره، وملاحه، وملكه ومليكته.
ولعل ممَّا يلفت النظر في هذه الأسطورة ظهور القمر للوجود قبل الشمس، وكونه فيما بعد أبًا للشمس. ويرجع ذلك، في اعتقادي، إلى أسبقية عبادة القمر على عبادة الشمس في المجتمعات البدائية السابقة لظهور الحضارات، مجتمعات الثقافة التي قدَّست القمر واعتبرته رمزًا للأم الكبرى إلهة المجتمع الأمومي، وقدَّمته على الشمس التي كانت رمزًا للذكر، والتي قدَّستها المجتمعات الأبوية بعد ذلك باعتبارها رمزًا للإله الذكر، إله السماء الأعلى. ومن ناحية أخرى فإن فكرة الإله الابن الذي يتفوَّق على أبيه، ويأخذ سلطاتِه، هي فكرة شائعة في ميثولوجيا المنطقة وميثولوجيا الشعوب الأخرى. فإنليل نفسه قد صار الإله الأول في مجمع آلهة سومر، ومردوخ فيما بعدُ تفوَّق على أبيه، وصار سيد آلهة بابل. وعند الكنعانيين نجد الإله الأكبر إيل وقد تخلَّى عن مكانه للإله بعل الذي تفوَّق على أبيه داجون. وفي المعتقد المسيحي نجد الإله الابن وقد غدا أكثر أهميةً لخلاص الإنسان من الإله الأب.
(٣) إنكي ينظِّم العالم
لم يكن الخلق مهمةً تولَّاها إله واحد في سومر؛ فها هو الإله إنكي يتابع ما بدأه إنليل، ويضع اللمسات الأخيرة على صورة الكون، فتخرج حيةً نضرة. وإنكي هو إله الماء العذب عند السومريين وإله الحكمة أيضًا. ومَن غير إله الماء العذب يستطيع أن يبعث الحياة في كون جامد لا حركة فيه؟ ومَن غير إله الحكمة يستطيع أن يدفع الحياة نحو غايتها، ويحدِّد أغراضها ومراميها؟
حول هذا الموضوع وصلتنا أسطورة سومرية، تتحدَّث عن نشاط الإله إنكي الخاص بتنظيم العالم، وتيسير أسباب الحياة والحضارة. ولكن الجزء الأول من النص، وهو الجزء الأساسي، مُشوَّه بشكل لا نستطيع معه أن نتبيَّن معنًى واضحًا. وعندما يصبح اللوح الفخاري قابلًا للقراءة، نلتقي بالإله إنكي وقد وصل في تطوافه الكوني إلى بلاد سومر، فيتوقَّف هناك ويُعيِّن لتلك البلاد مصائرها:١٨
سومر، يا أعظم بلدان العالم،
أيها المغمور بالنور الدائم، والشرائع المطاعة،
أقدارك عظيمة لا تتبدَّل،
وقلبك واسع عميق، لا يُسبر له غور،
و[…] كالسماء، لا يمكن مسُّها.
الملك الذي تُنجبه، مُزَيَّن أبدًا بحُلِي دائمة.
السيد الذي تُنجبه، على رأسه تاج لا يميل.
سيدك، سيد مُعظَّم، يجلس مع آن في العرش السماوي.
مليكك، هو الجبل العظيم، الأب إنليل.
وكمثل […] هو أب لكل البلاد.
أمَّا الأنوناكي، الآلهة العظيمة،
ففي وسطك قد أقامت مساكنها
وفي غاباتك الواسعة تتناول طعامها.
سومر، لتتضاعف إصطبلاتك وتتكاثر أبقارك،
لتتضاعف زرائبك، وبالآلاف فلتتكاثر أغنامك،
لتكن […] باقية.
ألَا فلترفع […] الراسخة يدها إلى السماء،
ألَا فليقرِّر الأنوناكي، في وسطك، المصائر.
(بعد ذلك يمضي إلى مدينة أور، وكانت عاصمة سومر في ذلك الوقت المبكِّر من تاريخه، فيقرِّر لها مصائرها):
إلى أور أتى
إنكي، سيد الأعماق، أتى ليقرِّر مصائرها:
أيتها المدينة الموفورة، يا مدينة الماء الثر، والثِّيران القوية،
يا مصدر رزق البلاد، أيتها الخضراء، يا متباعدة الركبتَين أبدًا،١٩
يا غابة الظل الوارف […]،
أقدارك الكاملة، هو الذي قدَّرها،
إنليل، الجبل العظيم، قد نطق اسمك المقدس،
إنليل، الجبل العظيم، قد نطق اسمك المقدس في الآفاق،
أيتها المدينة التي رسم مصائرها إنكي،
أي أور، أيها الهيكل المقدس، لترفعي هامتك نحو السماء.
ثم يذهب إنكي إلى بلاد ملوخا فيباركها أيضًا، وإلى دجلة والفرات فيملؤهما بماء نقي ويخلق فيهما السمك، وعلى شاطئَيهما ينثر القصب، ثم يوكل بهما الإله إنبيلولو. ثم يلتفت إلى البحر فينظِّم شئونه ويوكل به إلهةً اسمها سيرارا.٢٠ ثم إلى الرياح فيتسلَّم قيادها ويوكلها إلى الإله أشكور، صاحب القفل الفضي، الذي ينظِّم من خلاله الأمطار، ثم إلى شئون الزراعة، وما يتصل بها من أدوات، حيث يخلق النير والمحراث، ويوكل الإله إنكمدو بالقنوات والسواقي. وفي المدن يهتم بالعمران فيقيم للآجر إلهًا خاصًّا، ويحفر الأساسات وينشئ الجدران، ويعين الإله شداما للإشراف على أعمال البناء. ثم يملأ السهول بالأعشاب والمراعي، وينثر فيها القطعان، ويعيِّن لأمورها الإله سوموقان. ثم الحظائر يملؤها بالمنتجات الحيوانية، ويُعيِّن عليها الإله الراعي دوموزي.
وإلى هنا ينتهي النص المفهوم، حيث يعود اللوح للتشوُّه مرةً أخرى.
(٤) خلق الإنسان
بعد أن أخذ الكون شكله، واستقرَّت السماء في موضعها، وكذلك الأرض. بعد أن انتظمت دورة النهار والليل، وحركة الفصول. بعد أن أخرجت الأرض زرعها وشجرها وتفجَّرت ينابيعها. بعد أن ظهرت الحيوانات بأنواعها وامتلأت البحار بأسماكها، بعد ذلك صار المسرح مهيَّئًا لظهور الإنسان.
والأسطورة السومرية المتعلِّقة بخلق الإنسان، هي أول أسطورة خطَّتها يد الإنسان عن هذا الموضوع. وعلى منوالها جرت أساطير المنطقة، والمناطق المجاورة التي استمدَّت منها عناصرها الأساسية، وخصوصًا فكرة تكوين الإنسان من طين، وفكرة تصوير الإنسان على صورة الآلهة.
أمَّا لماذا خُلق الإنسان؟ فإن الأسطورة السومرية لا تتردَّد في الإجابة على هذا السؤال ولا توارِب؛ فالإنسان خُلق عبدًا للآلهة، يقدِّم لها طعامها وشرابها، ويزرع أرضها ويرعى قطعانها. خُلق الإنسان لحمل عبء العمل ورفعه عن كاهل الآلهة؛ فمنذ البدء كان الآلهة يقومون بكل الأعمال التي تُقيم أودهم وتحفظ حياتهم. ولكنهم تعبوا من ذلك فراحوا يشتكَّون لإنكي الحكيم ليجد لهم مخرجًا. ولكنه، وهو المضطجع بعيدًا في الأغوار المائية، لم يسمع شكاتهم. فمضَوا إلى أمه الإلهة نمو، المياه البدئية التي أنجبت الجيل الأول من الآلهة؛ لتكون واسطتهم إليه، فمضت إليه قائلة:٢١
«أي بني، انهض من مضجعك، انهض من […]
واصنع أمرًا حكيمًا،
اجعل للآلهة خدمًا، يصنعون [لهم معاشهم].»
فتأمَّل إنكي مليًّا في الأمر، ثم دعا الصُّنَّاع الإلهيين المهرة وقال لأمه نمو:
«إن الكائنات التي ارتأيت خلقها، ستظهر للوجود،
ولسوف نعلِّق عليها صورة الآلهة.٢٢
امزجي حَفنة طين، من فوق مياه الأعماق،
وسيقوم الصُّنَّاع الإلهيون المهرة بتكثيف الطين (وعجنه)،
ثم كوِّني أنت له أعضاءه،
وستعمل معك ننماخ٢٣ يدًا بيد،
وتقف إلى جانبك، عند التكوين، ربات الولادة.
ولسوف تُقدِّرين للمولود الجديد، يا أماه، مصيره،
وتعلِّق ننماخ عليه صورة الآلهة
[…] في هيئة الإنسان […]».
بعد ذلك يتشوَّه اللوح الفخاري حامل النص، ثم نجد أنفسنا، بعد وضوح الكتابة، مع إنكي يحتفل بإنجازه المبدع في وليمةٍ يدعو إليها الآلهة.
وفي أسطورة سومرية أخرى تحكي عن خلق الماشية والحبوب، نجد روايةً أخرى لقصة خلق الإنسان:٢٤
كالبشر، عندما خُلقوا أول مرة.
لم يعرف الأنوناكي أكل الخبز،
لا ولم يعرفوا لبس الثياب،
بل أكلوا النباتات بأفواههم،
وشربوا الماء من الينابيع والجداول.
في تلك الأيام، وفي حجرة الخلق،
في دلكوج بيت الآلهة، خُلق لهار وأشنان.٢٥
وممَّا أنتج لهار وأشنان،
أكل الأنوناكي ولم يكتفوا،
ومن حظائرهما المقدَّسة شربوا اللبن،
شربوا ولكنهم لم يرتووا؛
لذا ومن أجل العناية بطيبات حظائرهما
تمَّ خلق الإنسان.
تسرَّبت العناصر الرئيسية لهذه الأسطورة إلى معظم أساطير الشعوب المجاورة؛ ففي الأساطير البابلية اللاحقة يتم خلق الإنسان من الطين، ويُفرض عليه حمل عبء العمل. وفي سفر التكوين العبراني نجد إله اليهود يهوه يقوم بخلق الإنسان من طين بعد انتهائه من خلق العالم، ويجعله على شاكلته: «وجبل الإله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة الحياة، فصار آدم نفسًا حية».٢٦ ورغم أن الهدف الذي يُقدِّمه النص التوراتي لخلق الإنسان هو السيطرة على «سمك البحر، وطير السماء، وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى جميع الدابات التي تدب على الأرض»،٢٧ إلا أنه يعود فيفرض عليه عبء العمل، تمامًا كالنص السومري: «لأنك سمعت لقول امرأتك، وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلًا لا تأكل منها. ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك … بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أُخذت منها؛ لأنك من التراب وإلى التراب تعود.»٢٨ وفي الأساطير المصرية نجد تردادًا للفكرة نفسها، وكذلك الأمر في الأساطير الإغريقية،٢٩ التي تعزو لبرومثيوس خلق الإنسان. فقد قام هذا الأخير بخلق الإنسان من تراب وماء، وعندما استوى الإنسان قائمًا نفخت الإلهة أثينا فيه الروح، ثم راح برومثيوس بعد ذلك يزوِّد الإنسان بالوسائل التي تعينه على البقاء والاستمرار، فسرق له النار الإلهية من السماء، ضد رغبة كبير الآلهة زيوس، وأفشى له سرها وكيفية توليدها واستخدامها، فنال بذلك غضب زيوس وعقابه.
فإذا تركنا أساطير الشعوب المتحضِّرة نجد أن فكرة الخلق من طين ترد في أساطير الشعوب البدائية. تقول أسطورة أفريقية:٣٠ إن الإله الخالق أخذ حَفنةً من طين شكَّلها على هيئة إنسان، ثم تركها في بركة مليئة بماء البحر مدة سبعة أيام، وفي اليوم الثامن رفعها فكانت بشرًا سويًّا. وفي أسطورة من الفلبين،٣١ يقوم الإله الخالق بجلب حَفنةٍ من الطين على هيئة إنسان ويضعها في الفرن، ولكنه يسهو عنها فتسود، وهذا هو أصل الإنسان الأسود، ثم يضع أخرى ويُخرجها قبل أوانها، فهذا هو أصل الإنسان الأبيض. وفي المرة الثالثة يأخذ الطين كفايته من النار فيخرج الإنسان الفلبيني، ذو اللون البرونزي. وفي أسطورة هندية أمريكية نجد أيضًا التكوين الطيني ونفخة الحياة التي تهب الشكل الجامد روحه وحركته.
هذا ولا يُزوِّدنا العلم الحديث بنظرية أو حقيقة، تُثبت علاقة جسم الإنسان بتراب الأرض، ولكنه يقول لنا إن العناصر المكوِّنة لجسم الإنسان هي نفس العناصر الموجودة في التراب.
وأخيرًا يثبت القرآن الكريم خلق الإنسان من تراب في أكثر من موضع: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ.٣٢قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.٣٣
(٥) استراحة الخالق
بعد الانتهاء من عناء الخلق يخلد إنكي للراحة والسكينة، ويشرع في بناء بيت له في الأعماق المائية. وتحدِّثنا أسطورة سومرية عن بناء بيت الرب، الذي يبدو هنا إلهًا للأعماق المائية بشكل عام، أكثر منه إلهًا للمياه العذبة الباطنية؛ فالأسطورة ترسم إنكي في صورة تذكِّرنا بالإله بوسيدون إله البحار عند الإغريق، أو نبتون عند الرومان. تقول الأسطورة:٣٤
بعد أن تفرَّقت مياه التكوين،
وعمَّت البركة أقطار السماء،
وغطَّى الزرع والعشب وجه الأرض.
إنكي، إله الغمر، إنكي، الملك.
إنكي، الرب الذي يقرِّر المصائر،
بنى بيته من فضة ولازورد،
فضة ولازورد كأنها النور الخاطف،
حيث استقرَّ هناك في الأعماق.
وبعد أن انتهى من بناء بيته كان لا بد له، ككل الآلهة العظام، من مدينة أيضًا، فرفع من أعماق البحر مدينة أريدو،٣٥ وغطَّاها شجرًا وخضرةً ونباتًا، وملأ مياهها سمكًا، ثم قرَّر السفر إلى أبيه إنليل ليحصل على بركته، فارتفع من الأعماق المائية في مشهد مهيب مُروِّع:
عندما ارتفع إنكي، ارتفعت معه كل الأسماك،
واضطرب الغمر واصطخب،
زال عن البحر وجه المرح،
وساد الرعب في الأعماق،
واستبدَّ الهلع بالأنهار العالية،
ورفعت ريح الجنوب الفرات على مدٍّ من الأمواج.
وعندما يصل إنكي في مركبته إلى نيبور مدينة إنليل، يُقيم مأدبةً للآلهة، يقدِّم لهم فيها الطعام والخمر. وفي نهايته يقف إنليل فيثني على ما فعله إنكي من بناء للبيت ويمنحه بركاته ورضاه.
ويبدو أن بناء البيت للإله هو أمر ضروري بعد ارتفاع شأنه وعلوِّ مقامه، وبعد البيت يأتي بناء مدينةٍ للإله أيضًا؛ فهذا مردوخ إله بابل، يبني له الآلهة بيتًا يناطح برجه المدرَّج عَنان السماء، بعد انتهائه من فعل الخلق. وحول الهيكل المقدِّس يبني الآلهة أيضًا مدينة بابل. وها هو بعل، إله سوريا، يُطالب ببناء بيت له بعد أن تغلَّب على المياه الأولى ممثَّلةً بالإله يم، وعلى قوى الشر والقحط الممثَّلة بالإله موت، فيكون له ما أراد. ويقلِّده في ذلك إله اليهود الذي يُطالب ببناء بيت له بعد أن تعب من التجوال في خيمة مع بني إسرائيل. نقرأ في سفر صموئيل الثاني من العهد القديم ٧: ٣: «وفي تلك الليلة كان كلام الرب إلى ناثان قائلًا: اذهب وقل لعبدي داود، هكذا قال الرب، أأنت تبني لي بيتًا لسكناي؟ لأنني لم أسكن في بيت منذ أصعدت بني إسرائيل من مصر إلى هذا اليوم، بل كنت أسير في خيمة.»
وهكذا نغادر التكوين السومري بعد أن وضعت لنا تلك الأساطير القليلة، الناقصة والمبعثرة، الإطارَ العام لتصوُّرٍ أسطوري سيستمر ويتطوَّر وينضج في بقية أساطير المنطقة. كما وسنلتقي مع من تعرَّفنا عليهم من الآلهة، في أماكن أخرى لشعوب أخرى؛ فإن إله السماء السومري سيغدو آنو إله السماء البابلي، وإيل إله السماء السوري، وإنكي إله الماء العذب سيغدو إيا إله الماء العذب البابلي. وننماخ الأم-الأرض، ستظهر باسمها نفسه أو باسم ننخرساج أو باسم ننتو أو مامي. ونمو المياه الأولى سنجدها في شخصية تعامة المياه الأولى عند البابليين ويم، عند الفينيقيين (الكنعانيين). وسنلتقي أيضًا بإريشكيجال إلهة العالم الأسفل وقد حافظت على اسمها ووظائفها.
لقد استولت الحضارة السومرية على الفاتحين ثقافيًّا، بعد أن دانت لهم عسكريًّا.
١ S. N. Kramer. Sumerian Mythology. Harper and Row. New York, 1961.
٢ ibid.
٣ ibid.
٤ راجع فصل التكوين البابلي فيما يأتي، نص الإينوما إيليش.
٥ راجع فصل التكوين الكنعاني فيما يأتي، نصل بعل ويم.
٦ J. Viaud, Egyptian Mythology. Larousse Encyclopedia of Mythology. London. 1977. p. 11.
٧ F. Guirands, Greek Mythology. Hamlyn. London. 1963, p. 63.
٨ سورة هود: الآية ٦. سورة الأنبياء: الآية ٣٠.
٩ سورة الأنبياء: الآية ٣٠.
١٠ أبو إسحاق الثعلبي، عرائس المجالس، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، ص١٢.
١١ تاريخ الطبري، دار سويدان، بيروت ١٩٦٧م، الجزء الأول، ص٥٢.
١٢ محي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، السفر الأول، القاهرة ١٩٧٢م، ص٤٩.
١٣ Philip Freund. Myths of Creation. W. H. Alien-London. 1964.
١٤ New Larousse Encyclopedia Of Mythology. Hamlyn London 977. p. 88.
١٥ S. N. Kramer, Sumerian Mythology. Harber and Row. N. Y. 1961.
١٦ نانا القمر.
١٧ من آلهة العالم الأسفل.
١٨ نفس المرجع.
١٩ لم يُشِر مترجِم النص السيد كريمر بشيء إلى تعبير متباعدة الركبتَين. وأعتقد أن في التعبير إشارة لخصب الأرض. فقديمًا كانت المماثلة قائمةً أبدًا بين خصب المرأة وخصب الأرض، وفي بعض الأعمال الفنية التي وصلتنا من تلك الفترة، نجد إلهة الخصب عشتار، وقد جلست على الأرض عاريةً مباعدةً ساقَيها.
٢٠ ويذكِّرنا اسمها بالسيرين الإغريقيات، حوريات البحر، الوارد ذكرهن في ملاحم هوميروس.
٢١ نفس المرجع.
٢٢ إذا اتبعنا ترجمة كريمر، تكون ترجمة هذَين البيتَين على الوجه الآتي:
إن المخلوقات التي نطقت باسمها موجودة، فعلِّقي عليها صورة الآلهة.
وقد ارتأيت التغيير في الترجمة العربية لاستقامة معنى هذَين البيتَين مع السياق العام للنص.
٢٣ ننماخ هي الأرض الأم في الأسطورة السومرية.
٢٤ نفس المرجع.
٢٥ لهار إله الماشية، وأشنان إلهة الحبوب.
٢٦ العهد القديم، سفر التكوين، الإصحاح الثاني.
٢٧ العهد القديم، سفر التكوين، الإصحاح الأول.
٢٨ العهد القديم، سفر التكوين، الإصحاح الثالث.
٢٩ Philip Freund, Myths of Creation. W. H. Allen, London, 1964.
٣٠ ibid.
٣١ ibid.
٣٢ سورة الرحمن: الآية ١٣ و١٤.
٣٣ سورة الأعراف: الآية ١١.
٣٤ S. N. Kramer, Sumerian Mythology, Harper and Row, 1961.
٣٥ ويعتبرها علماء الآثار من أقدم مدن سومر، وما زال معظمها مطمورًا تحت الأرض.



