“قبل أنْ تُشعِلَ نجمةُ المساءِ فتيلَها” ✍ غدير حميدان الزبون

كان الأفقُ يشتعلُ بخيطٍ خافتٍ، والمساءُ يجمعُ أنفاسَه الأولى، ويدسُّ سرًّا صغيرًا في قلبِ الأزقّة.
تتسارعُ الخطى على الحجارة، وتتفجّرُ الروائحُ قهوةً وياسمينًا، فتوقظُ بابًا في الذاكرة يليه باب.
فجأةً يمدُّ القلبُ يده إلى الضوء المتكسّر، فيلتقطُ ارتعاشتَه، ويخبّئها بين نبضاته.
وفي تلك اللحظة يتهيّأ كلُّ شيءٍ لحدثٍ يقترب، حدثٍ يتشكّل قبل أنْ ترتفعَ نجمةُ المساءِ.
سرعان ما ينبثقُ المساءُ من شقوقِ الضوء قبل أنْ تنطقَ السماءُ بما تُخفيه، ويركضُ على أطراف الأزقّة مخلوقٌ أسطوريٌّ خرج من زمنٍ مغمور، وهو يحمل عباءةً مصبوغةً بلون العقيق والزعفران.
لا زالت الشمسُ تتدلّى وتتمطّى على حافة الأفق، وتبعثُ ومضاتها الأخيرة، فتتحوّل النوافذُ إلى مرايا تلتقطُ بقايا النهار، وتبعثرها على الجدران سيوفًا لامعة.
فجأةً يتمدّدُ الزمانُ، ويتخذ هيئةَ شيخٍ سومريٍّ يخطّ على ألواح الغيم حكايةَ جلجامش، ويزرعُ بين سطورها لغزًا لا يُفكّ.
بدأت الريح تهبّ من جهة النهر، وتحملُ رائحةَ طينٍ عتيقٍ ممزوجٍ ببخورٍ متصاعدٍ من معابد مطمورة في الذاكرة.
إنها الذاكرة، أظنّها لا زالت تعمل بشكل جيد، وتلتقط ما تفوحُ به الشرفات من رائحة القهوة المحمّصة، والتي تتسلّلُ إلى الأعصاب، فتوقظُ ما نام من حواسّ.
بتُّ أراها أكثر وضوحًا، ولا زلت أسمعها تتلاحقُ، وتتشابكُ، تتصاعدُ، وتهوي كخطوات طفلٍ تضربُ الأرضَ بإلحاح، فتقتربُ ثم تبتعد.
للحظة يضيقُ رنينُ الملاعق، ويتسعُ كإشارةٍ مشفّرة، ثمّ ترتفع همسات النسوة، وتنخفضُ كأنها تُخفي خبرًا.
وللمرة الأولى يمتدُّ الأذانُ من مئذنةٍ بعيدةٍ بصوته العميق، والذي يتسلّلُ بين الجدران، ثمّ يتركُ وراءه صمتًا مشحونًا.
يتقدّمُ القلبُ البريء وسط المشهد، فيسرّعُ نبضَه، ويبطّئه، ثم يسرّعه من جديد، لعله يختبرُ اقتراب شيءٍ غير مرئي.
تتحرّكُ الظلالُ حوله، تتمدّدُ وتلتفّ، وتلمعُ عروقه بلونٍ قانٍ، ثمّ يرتفعُ في صدره توتّرٌ خفيٌّ يفتحُ بابًا وراء باب.
مع هبوط الشمس أخذت الستائرُ تتحرّكُ بعنفٍ، ترتدُّ ثم تهدأ، لتنسابَ الأنفاسُ متقطّعةً في صدور البيوت.
باتت الأمنياتُ ترتفعُ من القلوب، لتتسلّق الهواء، فتتردّد لحظةً، ثم تنطلق سهامًا مضيئةً أطلقتها يدُ أرتميس.
كانت يده تخترقُ طبقات الغروب، وتتركُ خلفها أثرًا متوهّجًا.
تحتشدُ الألوانُ في الضفة الأخرى، ويشتدّ الأرجوانُ إلى أنْ يثقلَ في الأفق.
وفجأةً تتعمّقُ زرقةٌ، ويتكسّر ذهبيٌّ على الحواف.
أصبحت الظّلال الرماديّة تزحفُ ببطء، تقترب، وتقترب، فيتكثّفُ الصمتُ، وتتوقّفُ لحظةٌ بين نبضتين.
أخيرا ترتفعُ أولُ نجمةٍ في السماءِ، فينكشفُ سرُّ الحكاية، ويشتعلُ فتيلُ نجمة المساء.





