تَجْرِبَةُ الِاعْتِقَالِ فِي شِعْرِ محمود درويش: تَشَكُّلُ الوَعْيِ المُقَاوِمِ وَبِنْيَةُ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ-غدير حميدان الزبون– فِلَسْطِينُ

المداخلة البحثيّة الخاصة بمؤتمر أدب الأسرى مع وزارة الثقافة الفلسطينيّة
سَلَامٌ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي تُنْبِتُ القَصِيدَةَ وَالقَمْحَ،
وَسَلَامٌ عَلَى وَطَنٍ كُلَّمَا ضَاقَتْ زَنَازِينُهُ اتَّسَعَتْ فِي أَبْنَائِهِ الحُرِّيَّةُ،
وَسَلَامٌ عَلَى أَرْوَاحِ المُقَاوِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا مِنَ الكَلِمَةِ نَافِذَةً لَا تُغْلِقُهَا السَّلَاسِلُ.
وَسَلَامٌ عَلَى أَسْرَانَا البَوَاسِلِ، حُرَّاسِ الكَرَامَةِ خَلْفَ القُضْبَانِ.
وَسَلَامٌ عَلَى رُوحِ محمود درويش الَّذِي عَلَّمَ القَصِيدَةَ كَيْفَ تُقَاوِمُ، وَكَيْفَ يُولَدُ الضَّوْءُ مِنْ عَتْمَةِ الزَّنَازِينِ.
رُبَّمَا لَا يَكُونُ اخْتِيَارُ الحَدِيثِ عَنْ محمود درويش بِالنِّسْبَةِ لِي قَرَارًا نَقْدِيًّا خَالِصًا بِقَدْرِ مَا هُوَ اسْتِجَابَةٌ لِذَاكِرَةٍ شَخْصِيَّةٍ وَجَمْعِيَّةٍ تَشَكَّلَتْ فِي الوَعْيِ الفِلَسْطِينِيِّ مُنْذُ الطُّفُولَةِ.
لَقَدْ جَاءَ اخْتِيَارِي لِهَذَا المَوْضُوعِ؛ لِأَنَّنَا تَعَرَّفْنَا عَلَى شِعْرِ محمود درويش مِنَ الحَيَاةِ، وَمِنْ أَصْوَاتِ الِانْتِفَاضَةِ الأُولَى، وَالحِجَارَةِ الَّتِي كَانَتْ تَكْبُرُ فِي الشَّوَارِعِ قَبْلَ أَنْ تَكْبُرَ فِي أَيْدِينَا، وَمِنَ الأُمَّهَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُرَدِّدْنَ مَقَاطِعَ شِعْرِهِ مِثْلَ الدُّعَاءِ اليَوْمِيِّ.
لَقَدْ تَزَامَنَتْ طُفُولَتُنَا مَعَ زَمَنٍ كَانَتْ فِيهِ فِلَسْطِينُ تُقْرَأُ فِي القَصِيدَةِ، وَفِي نَشَرَاتِ الأَخْبَارِ. كُنَّا نَسْمَعُ:
“سَجِّلْ! أَنَا عَرَبِيٌّ” قَبْلَ أَنْ نُدْرِكَ تَمَامًا مَعْنَى الهُوِيَّةِ، وَنُرَدِّدُ: “عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةَ” قَبْلَ أَنْ نَفْهَمَ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْكَلِمَاتِ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى وَطَنٍ.
فِي ذَاكِرَتِي الطُّفُولِيَّةِ يَتَصَاعَدُ اسْمُ محمود درويش نَشِيدًا خَاصّا بِالرُّوحِ الفِلَسْطِينِيَّةِ.
كُنْتُ أَنْتَظِرُ صَوْتَهُ بِشَغَفٍ طُفوليٍّ خَالِصٍ، وَأَطِيرُ فَرَحًا كُلَّمَا أَعْلَنَ المِذْيَاعُ أَوِ التِّلْفَازُ عَنْ أُمْسِيَةٍ شِعْرِيَّةٍ أَوْ لِقَاءٍ مُبَاشِرٍ لَهُ.
كَانَ صَوْتُهُ يَدْخُلُ البُيُوتَ الفِلَسْطِينِيَّةَ بِهَيْبَةِ الوَطَنِ، وَتَتَحَوَّلُ اللَّحْظَةُ إِلَى طَقْسٍ جَمْعِيٍّ تَتَوَحَّدُ فِيهِ القُلُوبُ حَوْلَ الكَلِمَةِ.
أَتَذَكَّرُ كَيْفَ كُنْتُ أُصْغِي إِلَى نَبْرَتِهِ وَأَنَا أُحَاوِلُ فَهْمَ ذَلِكَ السِّحْرِ الَّذِي يَجْعَلُ القَصِيدَةَ أَقْرَبَ إِلَى الأَرْضِ وَالأُمِّ وَالحُلْمِ.
كَانَ اسْمُهُ يَحْمِلُ فِي وَعْيِي وأنا طفلة صُورَةَ فِلَسْطِينَ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ شَعَرْتُ أَنَّ الوَطَنَ يَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ أَعْمَقَ مِنَ الخُطَبِ وَالأَخْبَارِ.
وَعِنْدَ التَّأَمُّلِ فِي تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ فِي شِعْرِهِ يَبْدُو أَنَّ الزَّنْزَانَةَ تَحَوَّلَتْ فِي وُعْيِهِ الشِّعْرِيِّ إِلَى مَسَاحَةٍ لاِكْتِشَافِ الإِنْسَانِ لِقُوَّتِهِ الدَّاخِلِيَّةِ، ففِي تِلْكَ العَتْمَةِ وُلِدَ خِطَابٌ شِعْرِيٌّ يَمْلَأُ المَكَانَ بِالكَرَامَةِ وَالإِصْرَارِ وَالتَّعَلُّقِ بِالحَيَاةِ، وَسرعان ما صَارَتِ القَصِيدَةُ جِسْرًا بَيْنَ الأَسِيرِ وَوَطَنِهِ، وَبَيْنَ الجُرْحِ وَالأَمَلِ، وَبَيْنَ الذَّاكِرَةِ وَالمُسْتَقْبَلِ.
فِي شِعْرِ دَرْوِيش يَتَشَكَّلُ الوَعْيُ المُقَاوِمُ مِنْ تَفَاصِيلَ صَغِيرَةٍ تَحْمِلُ عُمْقَ الحَيَاةِ من رَائِحَة الخُبْزِ، وَصَوْت الأُمِّ، وَالنَّافِذَة المُطِلَّةُ عَلَى سَمَاءٍ بَعِيدَةٍ، وَخُطُوَات الحَالِمِينَ بِالحُرِّيَّةِ.
تِلْكَ الصُّوَرُ تَمْنَحُ القَصِيدَةَ قُدْرَةً عَلَى حِفْظِ الهُوِيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ فِي وَجْهِ المَحْوِ، وَتَجْعَلُ الأَسِيرَ حَاضِرًا فِي الضَّمِيرِ الجَمْعِيِّ رمزًا لِلصُّمُودِ وَالكَرَامَةِ.
محمود درويش يَكْتُبُ القَصِيدَةَ فيَفْتَحُ نَافِذَةً فِي جِدَارٍ مُغْلَقٍ، تَدْخُلُ مِنْهَا الشَّمْسُ وَأَصْوَاتُ القُرَى وَحُلُمُ العَائِدِينَ، وَمِنْ هُنَا اكْتَسَبَ خِطَابُهُ الشِّعْرِيُّ قُوَّتَهُ الإِنْسَانِيَّةَ وَالوَطَنِيَّةَ، حَتَّى غَدَتْ قَصَائِدُهُ مَسَاحَةً يَلْتَقِي فِيهَا الأَلَمُ بِالجَمَالِ، وَتَلْتَقِي فِيهَا فِلَسْطِينُ بِصَوْتِهَا الَّذِي لا يَغِيبُ.
وَهُنَا تَحْدِيدًا يَكْمُنُ الدَّافِعُ الحَقِيقِيُّ لِاخْتِيَارِ شِعْرِ محمود درويش؛ فهو الشَّاعِرُ القَرِيبُ مِنْ تَفَاصِيلِنَا، حتى بات جُزْءًا مِنَ الوَعْيِ الَّذِي تَشَكَّلَ دَاخِلَنَا مُبَكِّرًا.
لَقَدْ دَخَلَتْ قَصَائِدُهُ البُيُوتَ وَالمَدَارِسَ وَالمُخَيَّمَاتِ، وَاخْتَلَطَتْ بِصَوْتِ الِانْتِفَاضَةِ، وَصَارَتِ اللُّغَةُ عِنْدَهُ شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ البَقَاءِ النَّفْسِيِّ وَالوَطَنِيِّ.
إِنَّ عُنْوَانَ مُدَاخَلَتِي يَحْمِلُ شَبَكَةً مِنَ المَفَاهِيمِ الحَيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِالسِّيَاقِ الفِلَسْطِينِيِّ وَالإِنْسَانِيِّ مَعًا.
فَعِنْدَمَا نَقُولُ: “تَجْرِبَةُ الِاعْتِقَالِ”، فَنَحْنُ لُغَوِيًّا أَمَامَ كَلِمَةِ “تَجْرِبَةٍ” المُشْتَقَّةِ مِنَ الفعلِ “جَرَّبَ”، أَيْ: المُعَايَشَةُ وَالِاخْتِبَارُ وَالمُرُورُ الفِعْلِيُّ بِالأَلَمِ وَالمَعْرِفَةِ، وَالتَّجْرِبَةُ حَالَةٌ وُجُودِيَّةٌ تَتْرُكُ أَثَرَهَا فِي الوَعْيِ وَاللُّغَةِ وَالذَّاكِرَةِ.
أَمَّا “الِاعْتِقَالُ”، فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ مِنَ الفِعْلِ “اعْتَقَلَ”، أَيْ: الحَبْسُ وَالمَنْعُ وَالتَّقْيِيدُ. لَكِنَّهُ فِي السِّيَاقِ الفِلَسْطِينِيِّ يَتَجَاوَزُ الجُدْرَانَ الحَدِيدِيَّةَ؛ لِيُصْبِحَ صُورَةً لِحِصَارِ الإِنْسَانِ فِي وَطَنِهِ، وَمُحَاوَلَةِ السَّيْطَرَةِ عَلَى صَوْتِهِ وَذَاكِرَتِهِ وَهُوِيَّتِهِ.
وَعَنْ عِبَارَةِ “الوَعْيِ المُقَاوِمِ”، فَهِيَ مِنْ أَكْثَرِ المَفَاهِيمِ عُمْقًا فِي هَذَا البَحْثِ؛ فَالوَعْيُ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ مُشْتَقٌّ مِنْ “وَعَى”، أَيْ: أَدْرَكَ وَفَهِمَ وَحَفِظَ، لَكِنَّهُ فِي التَّجْرِبَةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ حَالَةُ يَقَظَةٍ وَطَنِيَّةٍ وَرُوحِيَّةٍ تَجْعَلُ الإِنْسَانَ قَادِرًا عَلَى مُقَاوَمَةِ الطَّمْسِ وَالنِّسْيَانِ.
وَلِذَلِكَ كَانَ شِعْرُ محمود درويش وَعْيًا يُعَادُ تَشْكِيلُهُ دَاخِلَ النَّصِّ، وَعْيًا يَصْنَعُ مِنَ الأَلَمِ مَعْنًى، وَيُهَنْدِسُ مِنَ الخَسَارَةِ قُدْرَةً عَلَى الِاسْتِمْرَارِ.
ثُمَّ تَأْتِي عِبَارَةُ “بِنْيَةِ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ” لِتَقُودَنَا إِلَى مُسْتَوًى آخَرَ مِنَ القِرَاءَةِ، فَالبِنْيَةُ تَعْنِي النِّظَامَ وَالتَّرْكِيبَ وَالعَلَاقَاتِ الدَّاخِلِيَّةَ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا النَّصُّ، بَيْنَمَا الخِطَابُ هُوَ مَوْقِفٌ وَرُؤْيَةٌ وَصَوْتٌ يَسْعَى لِلتَّأْثِيرِ وَالإِقْنَاعِ وَإِعَادَةِ تَشْكِيلِ الوَاقِعِ.
فَالقَصِيدَةُ الدَّرْوِيشِيَّةُ فَضَاءٌ كَامِلٌ تَتَدَاخَلُ فِيهِ اللُّغَةُ مَعَ التَّارِيخِ، وَالرَّمْزُ مَعَ الذَّاكِرَةِ، وَالفَرْدُ مَعَ الجَمَاعَةِ.
فَمَا الَّذِي يَجْعَلُ قَصِيدَةً كُتِبَتْ فِي زِنْزَانَةٍ أَوْ تَحْتَ الإِقَامَةِ الجَبْرِيَّةِ قَادِرَةً عَلَى البَقَاءِ كُلَّ هَذِهِ العُقُودِ؟
وَمَا الَّذِي يَجْعَلُ نُصُوصَ محمود درويش تَتَجَاوَزُ زَمَنَهَا السِّيَاسِيَّ؛ لِتُصْبِحَ جُزْءًا مِنَ الوِجْدَانِ الإِنْسَانِيِّ؟
إِنَّ السِّرَّ – فِي تَقْدِيرِي – يَكْمُنُ فِي أَنَّهُ كَتَبَ عَنِ الإِنْسَانِ الَّذِي يُخْتَبَرُ فِي حُرِّيَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ وَهُوِيَّتِهِ، لِذَلِكَ ظَلَّ شِعْرُهُ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ اسْتَطَاعَ أَنْ يُحَوِّلَ الخَاصَّ إِلَى إِنْسَانِيٍّ، وَاليَوْمِيَّ إِلَى رَمْزِيٍّ، وَالأَلَمَ إِلَى جَمَالٍ.
وَلَعَلَّ مَا يَلْفِتُ الانتباهَ فِي شِعْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ المُقَاوَمَةَ بِلُغَةٍ عَالِيَةٍ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ حَرَارَةَ الإِنْسَانِ البَسِيطِ، فالقَصِيدَةُ تبدو عَمِيقَةً وَمَفْهُومَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ؛ وَلِذَلِكَ شَاعَتْ نُصُوصُهُ وَذَاعَتْ بَيْنَ النُّقَّادِ، وَبَيْنَ النَّاسِ العَادِيِّينَ، بَيْنَ الأَطْفَالِ، وَالطَّلَبَةِ، وَالأَسْرَى، وَالأُمَّهَاتِ.
إِنَّ محمود درويش- بِحَقٍّ – شَاعِرٌ عِمْلَاقٌ نَحَتَ مِنَ اللُّغَةِ تِمْثَالًا أُسْطُورِيًّا لِلْوَطَنِ البَدِيلِ عِنْدَمَا ضَاقَ الوَطَنُ الحَقِيقِيُّ عَلَى أَبْنَائِهِ تَحْتَ الِاحْتِلَالِ.
وَمِنْ هُنَا جَاءَتْ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ مُحَاوَلَةً لِقِرَاءَةِ الكَيْفِيَّةِ الَّتِي تَحَوَّلَ فِيهَا الِاعْتِقَالُ مِنْ تَجْرِبَةِ قَهْرٍ إِلَى طَاقَةٍ شِعْرِيَّةٍ أَنْتَجَتْ خِطَابًا مُقَاوِمًا مَا زَالَ حَتَّى اليَوْمِ قَادِرًا عَلَى مُلَامَسَةِ الوَعْيِ الفِلَسْطِينِيِّ وَالعَرَبِيِّ وَالإِنْسَانِيِّ.
وَاعْتَمَدْتُ فِي وَرَقَتِي البَحْثِيَّةِ عَلَى المَنْهَجِ الوَصْفِيِّ التَّحْلِيلِيِّ، مُسْتَفِيدَةً مِنْ مُقَارَبَاتِ تَحْلِيلِ الخِطَابِ، عَبْرَ قِرَاءَةِ نَمَاذِجَ مُخْتَارَةٍ مِنْ شِعْرِ محمود درويش فِي مَرْحَلَتِهِ المُبَكِّرَةِ، خَاصَّةً النُّصُوصَ المُرْتَبِطَةَ بِالسِّجْنِ، وَالمُلَاحَقَةِ، وَالإِقَامَةِ الجَبْرِيَّةِ.
سَأَكْتَفِي في مداخلتي المخصّصة للعرض في المؤتمر بِتَنَاوُلِ نَصَّيْنِ شِعْرِيَّيْنِ يُمَثِّلَانِ تَجْرِبَةَ الِاعْتِقَالِ لِلشَّاعِرِ الرَّاحِلِ محمود درويش، وَهُمَا:
قَصِيدَةُ “بَرْقِيَّةٌ مِنَ السِّجْنِ” الَّتِي وَرَدَتْ فِي دِيوَانِ “عاشق من فلسطين”، وَالصَّادِرِ سَنَةَ 1966م، وَالقَصِيدَةُ مُثْبَتَةٌ ضِمْنَ قَصَائِدِ الدِّيوَانِ المُبَكِّرَةِ المُرْتَبِطَةِ بِتَجْرِبَةِ السِّجْنِ وَالمُقَاوَمَةِ.
وَقَصِيدَةُ “لَا جُدْرَانَ لِلزِّنْزَانَةِ” الَّتِي وَرَدَتْ فِي دِيوَانِ آخر الليل، وَالصَّادِرِ سَنَةَ 1967م، وَتُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ قَصَائِدِ تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ فِي هَذَا الدِّيوَانِ، وهما جزء من بحث ضافٍ يتضمّن نماذج متعدّدة للشاعر الراحل محمود درويش، والتي ستنشر ضمن جسم البحث الكامل فيما بعد.
وَعَنِ القَصِيدَةِ الأُولَى، يَقُولُ الشَّاعِرُ:
“مِنْ آخِرِ السِّجْنِ، طَارَتْ كَفُّ أَشْعَارِي
تَشُدُّ أَيْدِيَكُمْ رِيحًا عَلَى نَارِ
أَنَا هُنَا، وَوَرَاءَ السُّورِ أَشْجَارِي
تُطَوِّعُ الجَبَلَ المَغْرُورَ.. أَشْجَارِي
مُذْ جِئْتُ أَدْفَعُ مَهْرَ الحَرْفِ، مَا ارْتَفَعَتْ
غَيْرُ النُّجُومِ عَلَى أَسْلَاكِ أَسْوَارِي
أَقُولُ لِلْمُحْكَمِ الأَصْفَادَ حَوْلَ يَدِي:
هَذِي أَسَاوِرُ أَشْعَارِي وَإِصْرَارِي
فِي حَجْمِ مَجْدِكُمُ نَعْلِي، وَقَيْدُ يَدِي
فِي طُولِ عُمْرِكُمُ المَجْدُولِ بِالعَارِ.
أَقُولُ لِلنَّاسِ، لِلأَحْبَابِ: نَحْنُ هُنَاأسرى حبك في الموكب الزاحف
فِي اليَوْمِ، أَكْبُرُ عَامًا فِي هَوَى وَطَنِي
فَعَانِقُونِي عِنَاقَ الرِّيحِ لِلنَّارِ”
يَفْتَتِحُ الشَّاعِرُ النَّصَّ بِقَوْلِهِ:
“مِنْ آخِرِ السِّجْنِ، طَارَتْ كَفُّ أَشْعَارِي”
وَتَقُومُ الصُّورَةُ الشِّعْرِيَّةُ هُنَا عَلَى مُفَارَقَةٍ دَلَالِيَّةٍ؛ فَالسِّجْنُ مَكَانٌ لِلإِغْلَاقِ، بَيْنَمَا يَرْتَبِطُ الفِعْلُ “طَارَتْ” بِالتَّحَرُّرِ وَالِانْطِلَاقِ. وَهَذَا الِانْزِيَاحُ يَكْشِفُ قُدْرَةَ الشَّاعِرِ عَلَى قَلْبِ وَظِيفَةِ السِّجْنِ مِنْ فَضَاءٍ لِلْقَمْعِ إِلَى مُنْطَلَقٍ لِلْحُرِّيَّةِ الشِّعْرِيَّةِ، ولكُم أنْ تتابعوا معي إِضَافَةَ “كَفٍّ” إِلَى “أَشْعَارِي”، والتي تَجْعَلُ القَصِيدَةَ امْتِدَادًا جَسَدِيًّا لِلشَّاعِرِ، فالشِّعْرُ يُمَارِسُ المُقَاوَمَةَ نِيَابَةً عَن الشّاعر.
ثُمَّ تَتَصَاعَدُ لُغَةُ التَّوَتُّرِ وَالمُقَاوَمَةِ فِي قَوْلِهِ:
“مُذْ جِئْتُ أَدْفَعُ مَهْرَ الحَرْفِ”
فالكِتَابَةُ كانت سَبَبًا لِلِاعْتِقَالِ، و”الحَرْفُ” قِيمَةٌ نِضَالِيَّةٌ تَسْتَحِقُّ التَّضْحِيَةَ، وَهُنَا يَتَجَلَّى وَعْيُ محمود درويش المُبَكِّرُ بِأَنَّ الشِّعْرَ مَوْقِفٌ سِيَاسِيٌّ وَوَطَنِيٌّ، وَلِذَلِكَ يُصْبِحُ السِّجْنُ ثَمَنًا لِلْكَلِمَةِ الحُرَّةِ، واسْتَحضَرْتُ هنا الشاعرَ عبد يغوث الحارثي الفارس الجاهلي اليَماني الذي أسَرَتهُ بنو تميم، وتجربتُهُ في الأسرِ تُعدُّ من أكثر التجارِب الشّعرية انفجارًا بالصدق والألم، ففي قصيدته “ألا لا تلوماني” قال:
أَلاَ لا تَلُومَانِي كَفى اللَّوْمَ ما بِيَا *** وما لَكُما في اللَّوْمِ خَيْرٌ ولا لِيَا
أَقُولُ وقد شَدُّوا لسانِي بِنَسْعَةٍ *** أَمَعْشَرَ تَيْمٍ أَطْلِقُوا عن لِسَانِيَا
فأصبحَ الأسرُ سببًا في خلودِ صوتِه لا في غيابه، ومن هنا يتقاطعُ مع تَجرِبةِ محمود درويش، فكلاهما جعلَ من القيدِ ولادةً للكلمةِ الحُرةِ، فالأسرُ كان مَهْرًا للشعرِ الذي بقيَ حيًا عَبْرَ الزمن.
وَفِي قَوْلِهِ:
“هَذِي أَسَاوِرُ أَشْعَارِي وَإِصْرَارِي”
يَعْمِدُ الشَّاعِرُ إِلَى تَحْوِيلِ الأَصْفَادِ مِنْ رَمْزٍ لِلإِذْلَالِ إِلَى رَمْزٍ لِلصُّمُودِ، وَهِيَ تِقْنِيَّةٌ تَقُومُ عَلَى إِعَادَةِ إِنْتَاجِ المَعْنَى المُضَادِّ؛ فَالقَيْدُ صَارَ دَلِيلًا عَلَى التَّمَسُّكِ بِالمَوْقِفِ بَعِيدًا عَنِ الهَزِيمَةِ، وَمِنْ خِلَالِ هَذَا التَّحْوِيلِ تَنْبَنِي لُغَةُ الخِطَابِ المُقَاوِمِ الَّتِي تَرْفُضُ الِاعْتِرَافَ بِسُلْطَةِ السَّجَّانِ النَّفْسِيَّةِ.
كَمَا يَبْرُزُ البُعْدُ الجَمَاعِيُّ فِي النَّصِّ مِنْ خِلَالِ الِانْتِقَالِ مِنْ ضَمِيرِ الأَنَا إِلَى ضَمِيرِ الجَمَاعَةِ:
“أَقُولُ لِلنَّاسِ، لِلأَحْبَابِ: نَحْنُ هُنَا”
فَالسَّجِينُ يَتَحَدَّثُ عَنْ جَمَاعَةٍ وَطَنِيَّةٍ كَامِلَةٍ، وَبِذَلِكَ تَتَحَوَّلُ تَجْرِبَةُ الِاعْتِقَالِ إِلَى تَجْرِبَةِ شَعْبٍ تَحْتَ الِاحْتِلَالِ، وَيُؤَكِّدُ هَذَا البُعْدَ قَوْلُهُ:
“فَعَانِقُونِي عِنَاقَ الرِّيحِ لِلنَّارِ”
لاحظوا معي كيف تَتَوَلَّدُ صُورَةٌ حَرَكِيَّةٌ عَنِيفَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ الرِّيحِ وَالنَّارِ، بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ دَلَالَاتِ الثَّوْرَةِ وَالِاشْتِعَالِ وَالِاسْتِمْرَارِ.
أَمَّا عَلَى مُسْتَوَى البِنْيَةِ الخِطَابِيَّةِ، فَإِنَّ القَصِيدَةَ تَقُومُ عَلَى أُسْلُوبِ المُوَاجَهَةِ المُبَاشِرَةِ، وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ فِي كَثْرَةِ أَفْعَالِ القَوْلِ.
• أَقُولُ لِلْمُحْكَمِ الأَصْفَادِ.
• أَقُولُ لِلنَّاسِ.
فَالنَّصُّ يَتَحَوَّلُ إِلَى خِطَابٍ احْتِجَاجِيٍّ يُوَاجِهُ السَّجَّانَ مِنْ جِهَةٍ، وَيَتَوَاصَلُ مَعَ الجَمَاعَةِ الوَطَنِيَّةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَلِهَذَا تَتَدَاخَلُ فِي القَصِيدَةِ اللُّغَةُ الوِجْدَانِيَّةُ بِاللُّغَةِ التَّحْرِيضِيَّةِ، فَتُنْتِجُ خِطَابًا شِعْرِيًّا مُقَاوِمًا يَجْمَعُ بَيْنَ الأَلَمِ وَالتَّحَدِّي.
أَمَّا النَّصُّ الثَّانِي المُتَمَثِّلُ فِي قَصِيدَةِ “لَا جُدْرَانَ لِلزِّنْزَانَةِ”، فَهِيَ أُنْمُوذَجٌ مُتَقَدِّمٌ لِتَحَوُّلِ تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ فِي شِعْرِ محمود درويش مِنْ تَجْرِبَةِ قَمْعٍ مَادِّيٍّ إِلَى تَجْرِبَةِ وَعْيٍ دَاخِلِيٍّ وَفَلْسَفِيٍّ، فَيَقُولُ:
“كَعَادَتِهَا
أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ زِنْزَانَتِي
وَمِنْ صَدَأِ الفِكْرِ، وَالِاحْتِيَالِ
عَلَى فِكْرَةٍ مُنْهَكَةٍ
وَجَدْتُ عَلَى سَقْفِهَا وَجْهَ حُرِّيَّتِي
وَبَيَّارَةَ البُرْتُقَالِ
وَأَسْمَاءَ مَنْ فَقَدُوا أَمْسِ أَسْمَاءَهُمْ
عَلَى تُرْبَةِ المَعْرَكَةِ
سَأَعْتَرِفُ الآنَ،
مَا أَجْمَلَ الِاعْتِرَافَ
فَلَا تَحْزَنِي أَنْتِ يَوْمَ الأَحَدِ
وَقُولِي لِأَهْلِ البَلَدِ:
سَنُرْجِئُ حَفْلَ الزَّفَافِ
إِلَى مَطْلَعِ السَّنَةِ القَادِمَةِ
تَفِرُّ العَصَافِيرُ مِنْ قَبْضَتِي
وَيَبْتَعِدُ النَّجْمُ عَنِّي… وَاليَاسَمِينُ
وَتَنْقُصُ أَعْدَادُ مَنْ يَرْقُصُونَ
وَيَذْبُلُ صَوْتُكِ قَبْلَ الأَوَانِ
وَلَكِنَّ زِنْزَانَتِي
كَعَادَتِهَا،
أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ
زِنْزَانَتِي…وَجَدْتُ عَلَى سَقْفِهَا وَجْهَ حُرِّيَّتِي
فَشَعَّ فَوْقَ الجِدَارِ”
يَفْتَتِحُ الشَّاعِرُ النَّصَّ بِمُفَارَقَةٍ دَلَالِيَّةٍ لَافِتَةٍ:
“أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ زِنْزَانَتِي”
فالزِّنْزَانَةُ الَّتِي يُفْتَرَضُ أَنْ تَكُونَ رَمْزًا لِلْمَوْتِ وَالعَزْلِ تحولت إِلَى وَسِيلَةِ إِنْقَاذٍ، وَهَذِهِ المُفَارَقَةُ تَكْشِفُ طَبِيعَةَ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ عِنْدَ محمود درويش؛ فَهُوَ يُعِيدُ إِنْتَاجَ الأَشْيَاءِ بِصُورَةٍ مُضَادَّةٍ لِوَظِيفَتِهَا الوَاقِعِيَّةِ، فَالسِّجْنُ لَا يَقْتُلُ الشَّاعِرَ وهذا ما صرّحَ به، وَإِنَّمَا يَحْمِيهِ مِنْ:
“صَدَأ الفِكْرِ، وَالِاحْتِيَالِ عَلَى فِكْرَةٍ مُنْهَكَةٍ”
أَيْ مِنَ المَوْتِ الرُّوحِيِّ وَالرُّكُودِ الفِكْرِيِّ، فالِاعْتِقَالُ لَحْظَةَ وَعْيٍ وَتَجَدُّدٍ.
ثُمَّ يَنْتَقِلُ النَّصُّ إِلَى بِنَاءِ صُورَةِ الحُرِّيَّةِ دَاخِلَ فَضَاءِ السِّجْنِ:
“وَجَدْتُ عَلَى سَقْفِهَا وَجْهَ حُرِّيَّتِي
وَبَيَّارَةَ البُرْتُقَالِ”
وَتَقُومُ الصُّورَةُ هُنَا عَلَى جَدَلِيَّةِ الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ؛ فَالسَّقْفُ الَّذِي يُمَثِّلُ الحَدَّ المُغْلَقَ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَسَاحَةِ انْفِتَاحٍ بَصَرِيٍّ وَوَطَنِيٍّ، واسْتِحْضَارُ “بَيَّارَةِ البُرْتُقَالِ” يَحْمِلُ دَلَالَةً فِلَسْطِينِيَّةً وَاضِحَةً تَرْتَبِطُ فيها أرضُ البُرْتُقَالِ بِالهُوِيَّةِ وَالِانْتِمَاءِ، فَالوَطَنُ يَظَلُّ حَاضِرًا دَاخِلَ الزَّنْزَانَةِ رَغْمَ العَزْلِ.
كَمَا يَكْشِفُ النَّصُّ عَنْ لُغَةِ فَقْدٍ وَانْكِسَارٍ فِي قَوْلِهِ:
“تَفِرُّ العَصَافِيرُ مِنْ قَبْضَتِي
وَيَبْتَعِدُ النَّجْمُ عَنِّي”
فَالعَصَافِيرُ وَالنَّجْمُ رَمْزَانِ لِلْحُلْمِ وَالحُرِّيَّةِ وَالجَمَالِ، وَابْتِعَادُهُمَا يَعْكِسُ أَثَرَ السِّجْنِ النَّفْسِيَّ وَالوِجْدَانِيَّ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا الإِحْسَاسَ بِالفَقْدِ لَا يَقُودُ إِلَى الِاسْتِسْلَامِ بدليل أنّ الشَّاعِرَ يَعُودُ فِي نِهَايَةِ النَّصِّ إِلَى العِبَارَةِ المركزيّة:
“أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ زَنْزَانَتِي”
وَيَكْشِفُ هَذَا التَّكْرَارُ البِنْيَةَ الدَّائِرِيَّةَ لِلنَّصِّ القائمةَ على إِصْرَارِ الشَّاعِرِ عَلَى تَحْوِيلِ تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ إِلَى مَصْدَرِ قُوَّةٍ دَاخِلِيَّةٍ.
أَمَّا عَلَى مُسْتَوَى الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ، فَيُلَاحَظُ تَدَاخُلُ الذَّاتِيِّ بِالوَطَنِيِّ، فحَدِيثُ الشَّاعِرِ عَنْ تَأْجِيلِ حَفْلِ الزَّفَافِ في قوله: ” سَنُرْجِئُ حَفْلَ الزَّفَافِ إِلَى مَطْلَعِ السَّنَةِ القَادِمَةِ” يُقْرَأُ رَمْزًا لِتَأْجِيلِ الحَيَاةِ الطَّبِيعِيَّةِ تَحْتَ وَطْأَةِ الِاحْتِلَالِ وَالسِّجْنِ، فالتَّجْرِبَةُ الفَرْدِيَّةُ مِرْآةً لِمُعَانَاةٍ جَمَاعِيَّةٍ.
وَعَلَيْهِ، يُبْرُزُ النَّصُّ كَيْفَ اسْتَطَاعَ محمود درويش أَنْ يُحَوِّلَ الزِّنْزَانَةَ إِلَى فَضَاءٍ شِعْرِيٍّ مُقَاوِمٍ، وَأَنْ يَبْنِيَ خِطَابًا جَمَالِيًّا يَقُومُ عَلَى المُفَارَقَةِ وَالأَمَلِ وَاسْتِعَادَةِ الوَطَنِ دَاخِلَ اللُّغَةِ، وهذا بدورهِ يَجْعَلُ تَجْرِبَةَ الِاعْتِقَالِ عُنْصُرًا أَسَاسِيًّا فِي تَشْكِيلِ وَعْيِهِ الشِّعْرِيِّ المُقَاوِمِ.
تَكْشِفُ دِرَاسَةُ نَصَّيْ “بَرْقِيَّةٍ مِنَ السِّجْنِ”، وَ”لَا جُدْرَانَ لِلزِّنْزَانَةِ” فِي شِعْرِ محمود درويش أَنَّ تَجْرِبَةَ الِاعْتِقَالِ شَكَّلَتْ مَنْبَعًا أَسَاسِيًّا فِي مَسِيرَةِ دَرْوِيشَ الشِّعْرِيَّةِ، وَعَمِلَتْ عَلَى تَكْوِينِ خِطَابِهِ المُقَاوِمِ وَبِنْيَتِهِ الجَمَالِيَّةِ وَالفِكْرِيَّةِ.
وَقَدْ أَفْضَى تَحْلِيلُ النَّصَّيْنِ إِلَى النَّتَائِجِ الآتِيَةِ:
1.تَحَوُّلُ السِّجْنِ مِنْ فَضَاءِ قَمْعٍ إِلَى فَضَاءِ إِنْتَاجٍ شِعْرِيٍّ وَمُقَاوِمٍ
فَقَدْ نَجَحَ محمود درويش فِي قَلْبِ الدَّلَالَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ لِلسِّجْنِ المُتَمَثِّلَةِ بِالعَجْزِ وَالِانْكِسَارِ إِلَى فَضَاءٍ لِإِعَادَةِ اكْتِشَافِ الحُرِّيَّةِ وَالهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: “أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ زِنْزَانَتِي”.
2.بِنَاءُ خِطَابٍ شِعْرِيٍّ مُقَاوِمٍ قَائِمٍ عَلَى المُفَارَقَةِ
اعْتَمَدَ الشَّاعِرُ عَلَى المُفَارَقَةِ كَتِقْنِيَّةٍ مَرْكَزِيَّةٍ؛ فَالقَيْدُ يَتَحَوَّلُ إِلَى “أَسَاوِرِ أَشْعَارٍ”، وَالزِّنْزَانَةُ باتت مَصْدَرَ نَجَاةٍ، وَالسِّجْنُ هو مُنْطَلَقٌ لِلْحُرِّيَّةِ، وَهَذَا التَّحْوِيلُ الدَّلَالِيُّ يَعْكِسُ قُدْرَةَ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ عَلَى مُقَاوَمَةِ سُلْطَةِ الوَاقِعِ وَإِعَادَةِ تَشْكِيلِهِ جَمَالِيًّا.
3.تَدَاخُلُ الذَّاتِيِّ وَالجَمْعِيِّ فِي التَّجْرِبَةِ الشِّعْرِيَّةِ
لَقَدْ نَقَلَتِ القَصَائِدُ تَجْرِبَةَ الِاعْتِقَالِ مِنَ الإِطَارِ الفَرْدِيِّ إِلَى المُسْتَوَى الجَمْعِيِّ الَّذِي يُمَثِّلُ صوتَ الجماعةِ ووجعَ الوطنِ وحُلْمَ الحريّةِ والتمسّكَ بالهُويّةِ؛ لِذَلِكَ تَتَكَرَّرُ ضَمَائِرُ الجَمَاعَةِ وَصِيَغُ الخِطَابِ المُوَجَّهِ إِلَى الشَّعْبِ وَالأَحْبَابِ وَالوَطَنِ.
4.هَيْمَنَةُ المُعْجَمِ الدَّالِّ عَلَى المُقَاوَمَةِ وَالحَيَاةِ
أَظْهَرَتِ النُّصُوصُ حُضُورَ مُعْجَمٍ مُضَادٍّ لِمُعْجَمِ السِّجْنِ، فَإِلَى جَانِبِ مُفْرَدَاتِ: “السَّلَاسِلِ، وَالأَسْوَارِ، وَالمَوْتِ”، حَضَرَتْ مُفْرَدَاتُ: “الرِّيحِ، وَالعَصَافِيرِ، وَالبُرْتُقَالِ، وَالنُّجُومِ، وَالحُرِّيَّةِ”، وَهُوَ مَا يَكْشِفُ سَعْيَ الشَّاعِرِ إِلَى تَرْسِيخِ الأَمَلِ فِي مُوَاجَهَةِ القَمْعِ.
5.تَشَكُّلُ الوَعْيِ المُقَاوِمِ عَبْرَ اللُّغَةِ الشِّعْرِيَّةِ
إِنَّ الشِّعْرَ عِنْدَ محمود درويش وَسِيلَةُ تَعْبِيرٍ وِجْدَانِيٍّ، وَأَدَاةُ مُقَاوَمَةٍ وَتَثْبِيتٍ لِلْهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ؛ لِذَلِكَ ارْتَبَطَ الِاعْتِقَالُ عِنْدَهُ بِالفِعْلِ الشِّعْرِيِّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: “مُذْ جِئْتُ أَدْفَعُ مَهْرَ الحَرْفِ”.
6.اعْتِمَادُ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ عَلَى البِنْيَةِ الحِوَارِيَّةِ وَالتَّحْرِيضِيَّةِ
كَشَفَتِ القَصَيدتانِ عَنْ حُضُورٍ وَاضِحٍ لِأَفْعَالِ القَوْلِ وَالنِّدَاءِ وَالخِطَابِ المُبَاشِرِ، مَا مَنَحَ النُّصُوصَ طَابِعًا احْتِجَاجِيًّا وَتَعْبَوِيًّا، وَجَعَلَ القَصِيدَةَ أَقْرَبَ إِلَى رِسَالَةِ مُقَاوَمَةٍ جَمَاعِيَّةٍ.
تَوْصِيَاتُ البَحْثِ
1.تَوْسِيعُ دِرَاسَةِ أَدَبِ السُّجُونِ الفِلَسْطِينِيِّ
لِمَا يَكْشِفُهُ مِنْ تَحَوُّلَاتٍ نَفْسِيَّةٍ وَوَطَنِيَّةٍ وَجَمَالِيَّةٍ أَسْهَمَتْ فِي تَشْكِيلِ الوَعْيِ المُقَاوِمِ فِي الأَدَبِ الفِلَسْطِينِيِّ الحَدِيثِ.
2.الِاهْتِمَامُ بِالبِنْيَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالخِطَابِيَّةِ فِي شِعْرِ المُقَاوَمَةِ
وَعَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَى المَضَامِينِ الوَطَنِيَّةِ؛ لِأَنَّ جَمَالِيَّاتِ اللُّغَةِ وَالصُّورَةِ وَالإِيقَاعِ تُؤَدِّي دَوْرًا أَسَاسِيًّا فِي بِنَاءِ الخِطَابِ المُقَاوِمِ.
3.إِبْرَازُ تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ كَعُنْصُرٍ مُؤَسِّسٍ فِي شِعْرِ محمود درويش
لِمَا لَهَا مِنْ أَثَرٍ وَاضِحٍ فِي تَطَوُّرِ رُؤْيَتِهِ لِلْحُرِّيَّةِ وَالوَطَنِ وَالهُوِيَّةِ.
4.تَشْجِيعُ الدِّرَاسَاتِ المُقَارَنَةِ بَيْنَ تَجَارِبِ السِّجْنِ العَرَبِيَّةِ في العصور كافّة
مِثْلَ المُقَارَنَةِ بَيْنَ تَجْرِبَةِ محمود درويش وَتَجْرِبَةِ طَرَفة بن العبد، وأبي العلاء المعري، أو تجربة أمل دُنقُل، أو محمد الماغوط، لِلْكَشْفِ عَنِ اخْتِلَافِ تَمَثُّلَاتِ السِّجْنِ بَيْنَ الخِطَابِ الوَطَنِيِّ وَالخِطَابِ الوُجُودِيِّ.
5.إِدْخَالُ نُصُوصِ شِعْرِ السِّجْنِ ضِمْنَ المَنَاهِجِ التَّعْلِيمِيَّةِ وَالنَّقْدِيَّةِ
لِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ قِيَمٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَوَطَنِيَّةٍ، وَقُدْرَةٍ عَلَى تَرْسِيخِ الوَعْيِ بِالحُرِّيَّةِ وَمُقَاوَمَةِ القَهْرِ.
6.دِرَاسَةُ تَطَوُّرِ صُورَةِ السِّجْنِ فِي المَرَاحِلِ الشِّعْرِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ عِنْدَ محمود درويش
بَدْءًا مِنَ السِّجْنِ الوَاقِعِيِّ فِي القَصَائِدِ المُبَكِّرَةِ، وُصُولًا إِلَى السِّجْنِ النَّفْسِيِّ وَالوُجُودِيِّ فِي أَعْمَالِهِ المُتَأَخِّرَةِ مِثْل ديوانِ “جدارية” الذي نُشِر في عام ألفَين.
وأختمُ بسطورٍ من الجدارية فأقول:
سنكونُ يوماً ما نريدُ
لا الرحلةُ ابتدأتْ، ولا الدربُ انتهى
فلنذهبْ إلى أَعلى الجداريات:
أَرضُ قصيدتي خضراءُ، عاليةُ،
وأَنا البعيدُ
أَنا البعيدُ
غريبٌ أَنتَ في مَعناكْ.
يكفي أَنْ تكونَ هُناكْ.
اكتُبْ تَكُنْ!
واقرأْ تَجِدْ!
وإذا أردْتَ القَوْلَ فافعلْ، يَتَّحِدْ
ضدَّاكَ في المعنى.
وَفِي خِتَامِ هَذِهِ الوَرَقَةِ البَحْثِيَّةِ تَبْقَى تَجْرِبَةُ الِاعْتِقَالِ فِي شِعْرِ محمود درويش نَصًّا مَفْتُوحًا عَلَى وَجَعِ الإِنْسَانِ وَكَرَامَةِ الوَطَنِ وَجَمَالِ اللُّغَةِ.
فَمِنْ قَلْبِ الزَّنَازِينِ خَرَجَتِ القَصِيدَةُ مُثْقَلَةً بِرَائِحَةِ الأَرْضِ، وَمُضِيئَةً بِحُلْمِ الحُرِّيَّةِ، وَمَحْمُولَةً عَلَى صَوْتِ شَعْبٍ يُجِيدُ النُّهُوضَ كُلَّمَا اثْقَلَهُ الجُرْحُ.
هَا هِيَ القُيُودُ تَتَحَوَّلُ فِي اللُّغَةِ إِلَى أَسَاوِرَ مِنْ صَبْرٍ، وَهَا هِيَ الزَّنْزَانَةُ تَتَّسِعُ لِبَيَّارَاتِ البُرْتُقَالِ وَأَصْوَاتِ العَائِدِينَ وَخُطُوَاتِ الحَالِمِينَ بِفَجْرٍ يُشْبِهُ فِلَسْطِين. فالشَّاعِر كَانَ يَغْرِسُ فِي الجِدَارِ نَافِذَةً، وَيَغْرِسُ فِي القَلْبِ وَعْيًا، وَيَغْرِسُ فِي الزَّمَنِ قَصِيدَةً تُشْبِهُ البَقَاءَ.
يَا أَيُّهَا الحَرْفُ الفِلَسْطِينِيُّ، امْضِ فِي الطَّرِيقِ مُتَوَهِّجًا كَالسَّنَابِلِ فِي مَوْسِمِ الرِّيحِ، وَاحْمِلْ مَعَكَ حِكَايَاتِ الأَسْرَى إِلَى العَالَمِ؛ لِتَبْقَى أَسْمَاؤُهُمْ مُعَلَّقَةً عَلَى جِهَةِ الضَّوْءِ.
وَيَا قَصِيدَةَ محمود درويش، خُذِي بِيَدِ الوَطَنِ نَحْوَ مَزِيدٍ مِنَ الجَمَالِ وَالكَرَامَةِ وَالحَيَاةِ.
فَلْتَبْقَ الكَلِمَةُ جِسْرًا بَيْنَ الأَرْضِ وَأَبْنَائِهَا، وَلْتَبْقَ فِلَسْطِينُ مِئْذَنَةً لِلرُّوحِ وَالقَصِيدَةِ وَالحُرِّيَّةِ، وَلْيَكْتُبِ الأَحْفَادُ يَوْمًا عَلَى جُدْرَانِ الفَجْرِ: هُنَا مَرَّ شُعَرَاءُ حَوَّلُوا الأَلَمَ إِلَى وَرْدٍ، وَحَوَّلُوا السِّجْنَ إِلَى نَشِيدٍ يُرَدِّدُهُ الوَطَنُ عَلَى مَدَى الدَّهْرِ.
قائمة المصادر والمراجع:
•أبو العلاء المعري. اللزوميات. بيروت: دار صادر، د.ت.
•أدونيس. زمن الشعر. بيروت: دار العودة، 1972م.
•أمل دنقل. الأعمال الشعرية الكاملة. القاهرة: مكتبة مدبولي، 2007م.
•برادة، محمد. الأسئلة والرواية: مقاربات نقدية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996م.
•التبريزي، الخطيب. شرح ديوان الحماسة. بيروت: دار القلم، د.ت.
•الجيوسي، سلمى الخضراء. الأدب الفلسطيني الحديث. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997م.
•خليل، إبراهيم. الشعر الفلسطيني الحديث: من المقاومة إلى الانتفاضة. عمّان: دار المسيرة، 2003م.
•خليفة، خليل. تجليات السجن في الأدب الفلسطيني المعاصر. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2010م.
•درّاج، فيصل. ذاكرة المغلوبين: الهزيمة والصهيونية في الخطاب الثقافي الفلسطيني. بيروت: مركز الأبحاث الفلسطيني، 2002م.
•مجمع اللغة العربية. المعجم الوسيط. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2004م.
•محمد الماغوط. الأعمال الشعرية الكاملة. بيروت: دار العودة، 2006م.
•محمود درويش. آخر الليل. بيروت: دار العودة، 1967م.
•محمود درويش. الجدارية. بيروت: رياض الريّس للكتب والنشر، 2000م.
•محمود درويش. عاشق من فلسطين. بيروت: دار العودة، 1966م.
•يقطين، سعيد. تحليل الخطاب الروائي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1989م.
اضغط على النجوم واعتمد تقييمك فوراً.






تم التقييم بالنجوم بنجاح.
تم التقييم بالنجوم بنجاح.