أيُختصرُ الكون في إنسان؟غدير حميدان الزبون-فلسطين

أيُعقل أنْ تتّسع قبضةٌ من ترابٍ لما ضاقت عن الإحاطة به المجرّات؟
وهل لك أنْ تتصور كيف تُودَع في كيانٍ محدودٍ أسرارُ وجودٍ لا تحدّه الجهات، وكيف تنطوي في نفسٍ واحدةٍ خرائطُ المعنى الممتدة بين أول السؤال وآخر اليقين؟
ما الإنسان إلّا لغزٌ يتجدّد كلما ظنّ أنه فكّ شيفرته.
هو آيةٌ تتجاوز ظاهرها كلما أوغل العقل في تأملها.
تراه واقفًا بين الأرض والسماء على قدم تشهد أصله الطيني، تنازعه روحه نحو الأعالي، ولا يفتأ عقله يطرق أبواب المجهول مستفهمًا: من أنا؟ وما هذا الكون الذي أراه خارجًا عنّي، وأجده على نحوٍ عجيب مستقرًّا في أعماقي؟
فسبحان من جعل في الذرّة معنى الكون! وسبحان مَن جعل في الإنسان مرآة الوجود!
فإذا تأمّل الناظر دبيب النملة أدرك حكمة السعي، وإذا أطال النظر في الْتِماع النجوم أبصر جلال الامتداد، ثمّ عاد إلى نفسه ليكتشف أنّ ما تفرّق في الآفاق قد اجتمع فيها، وما تناثر في أرجاء الكون قد انعقد خيطه في سرّها الخفي.
فأيُّ سرٍّ هذا الذي أودعه الخالق في الإنسان؟ وأيُّ كونٍ ذلك الذي اختصره في قبضةٍ من طين ونفخةٍ من روح؟!
اعلمْ يا صاحِ أنّ الإنسانَ ما هو إلا آيةٌ تمشي على الأرض، كلما ازداد تأملًا في الوجود ازداد يقينًا بأنّ أعظم الأسرار كامنةٌ في أعماقه.
وكيف لا، وقد قيل: “وتحسبُ أنك جرمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالم الأكبر”.
فيا للعجب! ما بين ومضةِ فكرٍ تعبر الخاطر، ومجرةٍ تسبح في فضاءٍ لا تحدّه الأبصار، إنّه نسبٌ خفيٌّ لا تدركه العيون، وإنما تهتدي إليه البصائر.
إنّ الإنسان ساكنٌ في هذا الكون، وإنّ هذا الكون ساكنٌ فيه.
تتجاور في روحه الفوضى والنظام، ويتصارع في وجدانه الشكُّ واليقين، وتتعانق في قلبه رهبةُ السؤال ولذّةُ الاكتشاف.
تأمّلوا كيف تمضي النملة في دربها الواهن، لا يثنيها طول المسير، ولا يفتّ في عزمها وعثاء الطريق؟
أليس في دبيبها درسٌ يفوق ضجيج الخطب وبلاغة الكلمات؟
وانظروا إلى النجوم كيف تنثر ضياءها في صحائف الليل دون أنْ تطلب ثناءً أو تنتظر جزاءً.
أليس في صمتها من الحكمة ما يعجز عن بيانه كثيرٌ من المتكلمين؟
ما أضيق الإنسان عندما يحبس نفسه في حدود الجسد!
وما أوسعه عندما يدرك أنّ المعرفة انكشافٌ متدرّجٌ للحقيقة!
فكلما فتح بابًا من العلم وجد وراءه أبوابًا، وكلما ظنّ أنه بلغ شاطئ الفهم باغتته أمواج الأسئلة من جديد.
وهل خُلق العقل إلا ليُبحر؟
وهل وُجدت الدهشة إلّا لتبقى جذوة المعرفة متّقدة؟
يا بنَ التراب، لا تغترّ بما تعلم، ففوق كلّ علمٍ علم، وفوق كلّ كشفٍ حجاب، وفوق كلّ أفقٍ أفق.
وما الحياة إلا رحلةُ ارتقاءٍ بين سؤالٍ وسؤال، وبين تأملٍ وتأمل.
فهلمّ إلى الإنصات لدبيب النملة، وإلى الإصغاء لصمت النجوم، ففي همس الأرض، ونداء السماء حكمٌ لا تُلقّن، وأسرارٌ لا تُوهب إلا لمن أحسن التأمل.
وهكذا نظلّ نتعلّم من ذرةٍ في قرار الأرض، ومن نجمٍ في أقاصي السماء، ومن لحظةِ وعيٍ تشرق في أعماق النفس.
وما أعظم الإنسان الذي يعرف قدره الحقيقي، فهو كونٌ كبيرٌ أودع في جرمٍ صغير!





