الفحم والحائط كانا أول الأدوات والخامات التي انطلق منها الإنسان في رحلته الطويلة مع فن الرسم ، في بداياته الحياتية الأُولى كان يخرج لالتقاط فريسة ، يبحث عنها ، يترصدها ، تتناوبه مشاعر متعددة ما بين الخوف والتردد وما بين الشجاعة والإقدام ، قد تهرب الفريسة فيلاحقها .. قد تكون أقوى منه فتؤذيه .. قد ينال منها حين يعتمد هجومًـا مفاجئا لا تتوقعه ، وفي هذه الأحوال كلها تختزن ذاكرته صورًا ومشاعر تعيش معه ، ولا يجد لها متنفسًا سوى الحائط ، فاتخذ من الرسم على حيطان كهوفه فرصة للتعايش مع هذه الحالات الشعورية التي تنتابه ، يبدو أنّه حاول من جهة تسجيل مشاهد الصيد ، ومن جهة أُخرى – ربّما – فكّر أنَّ رسم صورة الحيوان على الحائط هي فرصة للسيطرة على هذا الجسد ، وإخضاعه لرغبته ، أو هي فرصة للحصول على هذا الجسد بدون أضرار جسدية للصائد نفسه ، واستمرارية الحصول عليه أيضًا ؛ لأنَّه وسيلة العيش والاستمرار .
مع تطوّر مظهرية حياة الإنسان ، كانت أدواته تتطوّر ، وتصوراته هي الأُخرى تعيش متغيراتها التي لم تعرف التوقف ، وكلّما تراكمت أيام وسنوات الوجود الحياتي للإنسان على سطح الأرض ، تراكمت بالمقابل خبراته بواقعه العياني ، وابتدأ الخيال نشاطه المتعدد الأوجه ، فكان النتاج مبتدعات تُسهّل حياته من جهة ، وتُـنـمّي معطياتها من جهة أُخرى ، فابتدأت أوّل الأفكار ، وأوّل الطروحات ، وأوّل المذاهب والنظريات ، لتصبح – فيما بعد – كيانًـا مستقلا يُقلِّب المُتلقي في أرجائه فكره ووعيه ومعرفيته ، فاشتغلت باتجاه إعادة بناء ذلك الواقع من جديد ، وعبر أدوات تمتلك قدرتها على اختصار المسافات ، والأبعاد والأشكال والحجوم ، وكذلك ايقاف الزمن رغم ديمومته الأبدية ، من هنا كان للجمال حضوره ، وللقبح حضوره ، وللألوان وللدلالات حضورها أيضًا .
الفن إذًا – كما يعرِّفه الباحثون – ادراك حيوي فعّال لمعطيات الوجود المحيط بالإنسان ، وقدرة – في الوقت ذاته على إعادة صياغة هذه المعطيات ، وهذا ما شغل ذاكرة الإنسان فحاولت تقنين هذا الإدراك ، وهذا الاشتغال ، فكان النتاج محاولات لوضع تعريفات للفن تحدد أُطره المعرفية ، فمن هذه التعريفات ما حاول إبراز علاقة الفن بإثارة المتعة لدى المتلقي ، ومنها ما توقّف في رحبة الجمال الذي يثيره الفن في نفس الفنان أول ، وفي نفس المتلقي ثانيًـا ، ومنها ما عرض فكرة غائية الفن في حياة الإنسان مبدعًـا كان أم متلقيًـا.
يشير الفنان دي لاكروا إلى أنَّ الفن نشاط مُعيّن ، ويربط بينه وبين الصناعة ، من خلال تحديده : لا يمكن أن ثمّة فن حيث لا تكون هناك صناعة ، فالفنان شارل لالو اشتغل باتجاه إخراج الفن من حدودٍ ضيّقة إلى مجال أوسع ، مؤشرًا محاولة الفنان في إجراء عمليتي التحوير والتغيير ، وهما عمليتان يتعامل بهما الفنان مع معطيات الطبيعة التي تحيط به ، من هنا سيكون لالو قد جمع الفنون الصناعية والميكانيكية والتطبيقية أيضًا إلى مجال الفن ، مع ملاحظته القائلة بأنَّ على الفن أن يبتعد عن آلية الصناعة ؛ ليقترب من الفنون الجميلة من خلال تفعيل الخيال الخلاّق للفنان .
أمّا د. عزت السيد احمد فقد عمل على تصنيف الفنون ، من خلال تقسيمها على أقسام هي:
1 / فنون كلامية : تشمل الشعر والقصة والرواية والمسرحية .
2 / فنون بصرية ثابتة : يقع في حيّزها الرسم والنحت والعمارة والخط والزخرفة .
3 / فنون بصرية حركية : تتمثل في كل من : الموسيقى والرقص والتمثيل والغناء .
4 / فنون مُركّبة : هي السينما والمسرح والإعلان والإعلام .
وطرح يوسف ميخائيل أسعد مفهومه للفن من خلال انشاء علاقة تكوينية تربط بين الفنان من جهة ، وبين واقعه العياني المُعاش من جهة ثانية ، فبنى مفهومه هذا من خلال تحديد معانٍ للفن ، هي :
أولا : المعنى الانتقائي : يحدد الباحث هذا المعنى في حدود خاصيةٍ امتاز بها الفنان عن غيره ، هي قدرته على الانتقاء من بين الموجودات المحيطة به ، أو التي يتخيلها نوعيات ذات معينة ذات صفات متباينة ، ثم يشتغل باتجاه صياغتها صياغة مغايرة ، ليعرضها لمتلقيه بصيغتها المغايرة لما كانت عليه . وبهذا يكون قد أخرج الأعمال الفنية من حيّز النمط أو القولبة .
كما يقدّم يوسف تقسيمًـا لأنواع الانتقاء التي يعتمدها الفنان ، فإمّا أن تكون موضوعية – عامة ، وإمّا أن تكون شخصية تكشف عن مزاجه الشخصي ، وحالته الانفعالية ، ونشأته الأُولى .
ويضيف د . عزت إلى ما سبق تحديده للأُسس التي يعتمدها الفنان في الانتقاء، وهي :
1 – النمط النفسي الذي يحدد طبيعة شخصية الفنان بوصفه شخصًا انبساطيًا أم يميل إلى الانطواء والانعزال.
2 – ترسبات الطفولة الباكرة التي تشتغل باتجاه تشكيل الخبرات الوجدانية للفنان ، وتمتد تأثيراتها إلى ما بعد فترة الطفولة .
3 – الأساس النفسي والاجتماعي الناتج عن الإطار الاجتماعي الذي يعيش فيه الفنان ، وهذا الإطار سيعمل على تكوين ذائقته الخاصة التي ستوجّه حالة الانتقاء ، فضلا عن التفاعل النفسي بين الفنان وبيئته الاجتماعية التي يعيش في ظلّها .
4 – الأحداث والمواقف الآنية الوقوع التي تثير وجدان وانفعال الفنان بشدّة ، وتدفعه باتجاه تشكيل موقف خاص منها ، فينتج عملاً فنيًا يكون لهذه المؤثرات دورها وتمظهرها في نتاجه .
ثانيًا : المعنى الانطباعي للفن : يتمظهر هذا المعنى من خلال تلقّي الفنان للمؤثرات الجمالية التي يجدها في واقعه العياني اليومي ، فيعمد إلى تخزينها في ذاكرته ؛ ليقيم بينها علاقات مُستحدثة لم تكن موجودة في هذا الواقع ، فالفنان مُتـلـقٍّ قبل كل شيء ، ولكنه يحيل ما يتلقاه إلى عمل فنّي حين يقدمه بصياغاته المغايرة.
إنَّ المعنى الانطباعي للفن يعتمد في تكوّنه إذًا على مساراتٍ متوالية هي : قدرة الفنان على تلقّي ما يحيط به ، واعادة تصنيع ما يتلقاه في ذاكرته ، ثم ينتج عمله الفني .
هنا لا بُدَّ من الإشارة إلى ميزتين يمتلكهما الفنان المبدع : الأُولى هي سرعة الالتقاط ، والثانية هي الدقّـة في الالتقاط ؛ لأنَّ الفنان لا يكتفي بأن يميز الأشياء حوله ، أو أن يقف على الجمال في واقعه ، بل أنَّه يعمد لا شعوريًـا إلى استيعاب وامتصاص ما يؤرّقه ، فالفنان بهذا يعيش بين عالمين ، الأول هو عالمه الداخلي الخاص به ، والثاني هو العالم الخارجي الموضوعي الذي يعيش فيه ، ويتأثر به ، ويـتـقـبّـله تقبلا فاعلا لا يخضع لشرط من الشروط .
إنَّ قابلية الأداء والانتاج الفني تعتمد على مهارة الفنان ، وقد ينطبع نتاجه بطابع مُعيّن ، أو ينتمي إلى مذهب أو مدرسة فنية ، وهذا كلّه لا يحدُّ من قدرته على الابتكار والتجديد .
ثالثًا : المعنى الاجتماعي للفن : يتمثّل هذا المعنى عندما يتخذ الفنان موقف الثائر على واقعه العياني المُعاش ، وعلى القيم الاجتماعية السائدة ، فلكي يثور الفنان لا بُـدَّ من وجود معطيات يثور عليها ، ويعمل على تغييرها ، كأن يحثَّ مجتمعه على النهوض من رقاده وسكونه واستسلامه ، مما يدفع بالفنان إلى اتجاهين متعارضين ، وكل اتجاه منهما يحاول شدّه إليه ، الأول يتمثّل بالقيم الفنية التي تتسيّد في مجتمعه ، والاتجاه الثاني هو الذي يكشف له عن قيم فنية لمجتمع آخر بعيد عنه ، وهذا ما سينتج الصراع والتعارض في ذاكرة الفنان ، إلاَّ أنّ التناغم يؤشر حضوره حين يعمد الفنان إلى الاستعانة ببعض القيم التي يمتلكها المجتمع الآخر ، ويدخلها في نتاجاته ، مما سيمنح هذه النتاجات المحلية بُعـدًا جديـدًا .
لعل الجدة الفنية التي يتسم بها الفنان المُجدد ترجع إلى ما يحمله من انفعالات ، وإلى هضم جزئي للعناصر المستمدة من فنون غريبة عن فنون بيئته المحلية ، وكذلك يؤدي التفاعل الفني بين الخبرات الذاتية والخبرات المنقولة عن بيئات اجتماعية أُخرى مغايرة إلى وسم النتاج الفني بوسم الجدة الفنية .
يشير د . عزت أيضًا إلى أنَّ ثمّة حالات عند بعض الفنانين يمكن أن نسميها بالفصام الفني ، تنشأ عن عدم التفاعل فنيًـا مع الفنون المستمدة من مجتمعات أُخرى ، وقد ينجم عن هذه الحالة اغتراب نفسي .
يوجد من بين الفنانين مَن ينسلخ عن الواقع العياني ، ويقدم رموزًا مجردة ، ويتمظهر هذا الانتماء التجريدي الرمزي في مجالين ، الأول : هو المجال الموسيقي ؛ لأنَّ الموسيقى استقلت عن الموضوع الأصلي الذي بدأت به ، وهو تقليد الأصوات الموجودة في الطبيعة الناتجة الأمواج وحركة الرياح وتأثيراتها على الموجودات الطبيعية الأُخرى مثل حفيف أوراق الأشجار ، واصطفاق الأشياء ببعضها ، وكذلك أصوات الطيور بأنواعها. أمّا المجال الثاني فهو الرسم ، إذ خرج الفنانون من محاولة تقليد الواقع المجرد ، وأخذ اهتمامهم ينصبُّ على تصوير الانفعالات والعواطف والصفات الشخصية ، التي تميّز الأشخاص الذين يقومون برسمهم ، وثمّة حالات من التجريد أدّت إلى انتاج أشكال بعيدة عن الواقع تمامًـا .
خامسًا : المعنى الموضوعي للفن : يرتبط الفن من خلال هذا المعنى ارتباطًـا مباشرًا بواقعه العياني ، فيتحوّل بذلك الى مجرد مصوّر يستمد نتاجه الفني مما تقع عليه بصيرته ، بحيث يبدو واقع اللوحة أقرب ما يكون إلى الواقع العياني الذي يعيش فيه . وهذا الواقع ( الموضوعي ) ينهض على ثلاثة أبعاد هي :
1 – البُعد الأُفقي : ويقصد به الأشياء كما تبدو لحواسنا .
2 – البُعد الرأسي : ويقصد به الأشياء ما لا نقف عليه بإحدى الحواس مباشرة ، بل نستعين في سبيل ذلك بالأجهزة المُقرّبة .
3 – البُعد الرمزي : يقصد به أنَّ التراث الإنساني هو رموز مكتوبة أو مرسومة ، وتتعلّق بالواقع الموضوعي قد يتساءل أحدنا : ما الإبداع ؟
الإبداع فعل مُركّب من مجموعة من الخطوات التي يمارسها الفنان بدءا من تخزين مدركات حسية يلتقطها من معطيات الواقع ، ثم فرز هذه المعطيات وتكثيفها بفعل الذاكرة والحس الفني العالي والخيال ، ثم تبدأ أصابعه بتشكيل المواد الخام منتجًا عملا ابداعيًـا .
إذًا الإبداع يعتمد الفنان أساسًا لتشكّله ، الفنان الذي يمتلك القدرة على تحسس ما حوله بعمق وتأمّل أولا ، والاستعداد الفني للإنتاج عمل تحكمه معرفية فنية ثانيًـا ، والوعي الاجتماعي ثالثًـا . وهنا تلعب الخبرة الجمالية دورها في اكساب العمل مسحة جمالية لافتة لنظر المتلقي ، تؤازرها أصول وتقاليد ومعطيات فنية متعارف عليها ، يسهم النقد الفني في إرسائها وإبرازها ، ونشرها ومحاورة الآخرين بها .
يشكّل الموجود الطبيعي مصدرًا أساسًا للخامات التي يعتمدها الفنان في انتاج عمل فني ، ولهذا نجده يتأمّل فيه ، وينتقي منه ، فيعمد إلى الطين أو الحجر أو الصخر ، أو الخشب ، وقد يعمد إلى الموجود الصناعي ليكون خامته ، مثل القماش أو قطعة معدنية نحاسية مثلا وغيرها ، لكنها بين يديه تنسلخ عن شكلها الخام لتظهر بشكل فني وجمالي أيضًا ، يتحقق عندما يكون الفنان قد منحها موضوعاً تقدمه ، أو واقعًـا جديدًا غير الواقع الذي خبره كل من الفنان والمتلقي ، وهكذا تبرز الدلالات إلى حيّز الوجود ، الدلالات التي يمنحها الفنان عبر العمل ، ويتلقاها المتلقي بشكل أو آخر حسب مقوماته الذاتية ؛ لأنّها شبكة تنشر وجودها على أجزاء العمل كافة ، كاشفة عن نوعية العلاقة المتحكمة والثرية بين رؤية الفنان لموضوعه وقدرته على التعبير عن هذه الرؤية .
لا يمكن للفنان أن ينطلق من فراغ ، ولا من ذاكرة بيضاء أو صقيلة ، ولا من أصابع متخشبة جامدة ، ولا من خيال متآكل عاجز ، بل العكس تمامًـ ، يبدأ الإبداع رحلته في حياة الفنان ، ويسم عمله بوسمه حين يمتلك حواسًا لاقطة ، فاعلة ، ذكية ، مُدرّبة ، تجيد الالتقاط ، وتحسن ترتيب الملتقطات من الواقع على اختلافاتها ، وتعيد هذه الملتقطات من مكامن اللاوعي إلى مكامن الوعي حين يستدعيها الفنان ، فتبدأ الذاكرة فورانها يؤازرها الخيال الخلّاق ، والشحنة الانفعالية الدافعة ليبدأ أول التخطيطات ، خطوط أولية تعلن عن وجودها على سطح الخامة .
أخبرني أحد إخواني الفنانين _ وهو فنان معروف ومتميز _ أنّه في وقت من الأوقات هيّأ ظروفه كما يريد تمامًـا ، ووضع أمامه بياض القُماشة ليرسم لوحة ، ولكنه ظل صافنًـا لساعات دون أن يمسّ البياض ، فتركها لأيام … ولكنَّ ذاكرته ظلّت خفّاقة حيّة تمور بالانفعالات التي أوقعته في حالة من القلق والتوتر والفوضى بل من الرعب ، ثمَّ هدأت تمامًـا ؛ لتبدأ بضخِّ فكرة لوحة سارع الى تنفيذها قبل أن تهرب. حديثه هذا ذكّرني بوصف فان جـوخ لهذه الحالة التي يعانيها الفنان حين يصبح { شخصاً يتآكل قلبه من فعل ظمئه الشديد للعمل الذي لا يستطيع أن يقوم به فعلاً لأنَّ من المستحيل عليه أن يتحرك وهو سجين شيء ما } .
وهذا ما دعاني للبحث عن فكرة السجن هذه ، وكان التساؤل الذي أرّقني حينها هو : لماذا يصبح الفنان سجينًـا ؟
فوجدتُها في حديث دي لاكروا عن معاناة الفنان، وتخصيصًا في هذه الحالة حيث منحها صفة الصدمة حين قال { بأنَّها صدمة بالانفعال يختلُّ ساعتها اتزانه فيحاول أن يمضي الى اتزان جديد وتتوالد في الذهن حالة وجدانية عنيفة حتى تبلغ الحماسة وتنساب في الذهن الافكار والصور } . فالقلق إذًا حالة طبيعية تنتاب الفنان ، تقلقه وتؤرق ذاكرته ، لكنها ما تلبث أن تشرق ، وتدفع العتمة عنها بالحضور الجميل للإلهام ، هذا الإلهام الذي يعيد تنظيم معطيات الذاكرة ، ليمنحها شيئًـا من الاستقرار ، ومن وضوح الأفكار ، وأيضًا استدعاء الخبرات المتراكمة ، هنا يبدأ الفنان أُولى خطواته التنفيذية لإنتاج عمل فني .
إذًا بدأ العمل الفني يصل إلى اكتماله ، أو ربّما اكتمل ، هنا يخلع الفنان رداء الفن ، ليرتدي رداء الناقد ، فتبدأ التساؤلات بانثيالاتها ، لتمرَّ على عناصر اللوحة عنصرًا .. عنصرا ، والشكل العام للعمل ، والدلالات التي أراد إبرازها ، هنا يمكن للفنان أن يفـكَّ أسر اللوحة ، ويمنح الفرصة للآخر ليستكشفها ويحاورها ، فتكتسب بذلك قيمة مُضافة أو ربّما تسقط في العتمة حين يحدد الآخر نقاط ضعفها .
عندما يتأمل الفنَّان في واقعه العياني ، ستلتقط ذاكرته بعض المشاهد التي لا يشعر بالرضا والتآلف معها ، بل غالبًـا ما ستكون انفعالاته سلبية إزاءها ، وفي غالب الأحيان يواجهه الفشل القاتل في تغييرها ، فيلجأ إلى الفن بوصفه سبيلا من سُبل التغيير ، هنا يبدأ بإعادة تشكيل هذا الواقع متبعًـا معطيات رؤيته الخاصة ، معتمـدًا على ثلاثة مصادر : أولها ذاته ، وثانيها من الطبيعة ، وثالثها من الفنانين السابقين عليه أو المعاصرين له .
يتغيّر التكوين الذاكرتي للفنان دائمًـا ؛ لأنَّ الواقع العياني يعيش تغيراته أيضًا ، السريعة حينًـا والمتباطئة حينًـا آخر ، من هنا ينشأ الاختلاف والمغايرة ، فالفنان بحكم استمراره التجريبي ، والتراكم في الخبرة ، وتغيرات المواقف ، وتطوّر الوعي ، قد تنشأ لديه حالة عدم الرضا حتى عن أعماله التي أنتجها هو ، بعد مرور فترة قد تطول وقد تقصر ، وهي حالة لا بُـــدَّ للفنان من ايجاد حلول لها ، قبل أن تصل حدَّ الاغتراب الذي سيتسبب في خلق حالة من العزلة بين الفنان وبين الواقع . هنا سيظهر الفرق واضحًـا بين فنان وآخر ، فمن الفنانين مَن اكتسب خبرة عالية في السيطرة على الفجوة التي يشعر بها ما بين الواقع العياني والخيال الشخصي ، ما بين حركية الواقع واستمراريته وبين حركية الخيال وتقلباته ، وتحويل القلق والتوتر المُحبِط إلى قلق وتوتر ابداعي ، ينتج على أثره عملا فنيًـا مبدعًـا ، فيما يسقط آخرون في عمق الفجوة ، مما سيدفع بهم إلى اجترار تجربتهم الذاتية ، دون أن يلوح في الأُفق ما يشير إلى قدرتهم على الإبداع ، وبالتالي لن تكون لأعمالهم قيمة فنية أو جمالية .
في طروحات الباحثين ما يكشف عن خصائص عدّة لا بُـدَّ من حضورها بشكل فاعل ؛ لكي تمنح العمل توصيف الإبداع ، وتمنح الفنان توصيف المبدع ، من هذه الخصائص ، الحرفية : وهي قدرة يكتسبها الفنان من خلال التجريب المستمر ، ومعالجة أكثر من موضوع ، ومحاورة الأعمال التي ينتجها ، فيكون بذلك أول ناقد لعمله ، بل يعاملها وكأنَّها نتاج غيره من الفنانين ، فيستكشف نقاط ضعفها وقوتها، ويحاول تجاوز نقاط الضعف هذه التي تسئ إلى العمل ، بهذا يبدأ بتكوين حرفية مميزة تسهم في إضفاء جمالية خاصة للوحاته ، وتمنح ذائقة متلقيها طعمًـا خاصًا بها .
أمّا الموهبة فهي القدرة التي يهبها الله سبحانه وتعالى للإنسان ؛ ليتفـرّد بصفات لا يملكها غيره ، ولكن هل يمكن أن نسم كل فنان بسمة الموهبة ؟
بالتأكيد لا ؛ لأنَّ الموهبة إن لم تحضر فبإمكان التعلم أن يسجِّل حضوره ، حين يشتغل الفنان باتجاه بذل جهد متواتر لصقل وتدريب قدراته الذاكراتية ، واكتساب المعرفية ليصلَّ إلى الابتكار والتجديد ، فنجده في كل عمل فني يقدم فكرة جديدة ، أو انتقاءً جديدًا ، أو طريقة جديدة في اشتغال موضوعه ، وبهذا يمكن له أن يتجاوز مسألة فقدان الموهبة .
كما طرح الباحثون فكرة الاستمرارية في رفد الحركة الفنية بالجديد من النتاج الفني ، وأشاروا إلى ضرورة الانتباه إلى دور المصادفة في الانتاج ، فقد يصبح ظرفًـا ما دافعًـا قويًـا لتفـريغ الشحنة الانفعالية التي تؤرِّقه ، فيظهر هذا التفريغ في نظم قصيدة أو رسم لوحة ، أو نحت منحوتة ، ثم يتوقف عطاء هذا الإنسان بانتهاء توترات الظرف المتسبب به ، فهل يصح أن نصفه بتوصيف : فنان ؟ بالتأكيد ستكون الإجابة : لا .
إذًا لا يمكن للمصادفة أو للظروف أن تُكسِب الإنسان صفة الفنان ، ما لم يستمر في نتاجاته ، بل يبدع فيها ، ويثير متلقيه في كل مرة يلتقي بها بنتاج جديد للفنان .
والتفـرُّد هي الأُخرى سمة تنشأ من خلال قدرات الفنان الذي يبحث – دائماً – عمّا هو جديد ، سواء أكان هذا التجديد على مستوى العناصر الأساس في العمل ، أم على مستوى دلالات العمل ، ولا بُـدّ من ملاحظة أنَّ هذه السمة لا تجد غالبًـا اتفاقًـا حول حدودها ، فقد يرى المتلقي – ناقداً أم غيره – في عملٍ ما سمة التفـرُّد ، فيما يرى آخر انعدام هذه السمة ، هنا تلعب المعرفية والذائقة الفنية طريقها للظهور لتسهم في تكوين رأي محدد يؤشر امتلاك العمل سمة التفـرُّد ، أو عدم امتلاكه لها .
التقييس هو الآخر له مقوماته الخاصة به ، أي أنّه يمتلك مبادئ وأُصولا ومحددات ، فلا يوسم الفنان ونتاجه أيضًا بسمة التقييس إلاّ بالتزامه بهذه المقومات ، كلها أو البعض منها أحيانًـا ، رغم أنَّ بعض النتاجات الفنية لم تلتزم بهذه المقومات إلاّ أنَّها قد تجد متلقياً يُعجب بها ؛ لأنّه لا يعير أهمية للقياسات بقدر انشغاله بمقومات أُخرى للعمل . علمًـا بأنَّ خضوع العمل للقياس يمنحه فرصة للانضواء تحت توصيف الفن ، ولكن مع تسارع ظهور المتغيرات الحضارية ، وإيقاعاتها المتوالية التمظهر ، بدأ الفن _ عالميًـا – هو الآخر يتجه اتجاهات حديثة تخرج عن التقييس والقواعد والأصول التي تواضع عليها كل من الفنانين والنُـقـاد ، وأصبحت قارّة بحكم الاحتكام إليها ، ولعلَّ أهم هذه التوجهات هو ظهور الفن المفاهيمي ، الذي حاول الخروج عن كثير من أُطر التقييس التي كانت حاضرة دائمًا وبشكل فعّال في طروحات النُـقاد .