📰 آخر الأخبار
رئيس الشرطة/كينجي ميازاوا-ترجمة هدى العليروب السلام/وليام سدني بورتر-ترجمة عبد الله يحيى عبد المؤمنشرح ديوان المتنبي:قافية الزاي/عبد الرحمن البرقوقيرحل النهار/ بدر شاكر السيابحكاية البَغيِّ إيفيلين رو/برتولت بريختصباح ممطر - قصيدة للشاعر الامريكي جيمس وايتكومب ريلي/ترجمة سالم الياس مدالوحميد/بدر شاكر السيابأناهيت العالم/خزعل الماجديمديح العتمة/عارف عبد الرحمنالعولمة والثقافة/حميد المصباحيNightingale And Canary Of Luck By Salim Elias Madaloثمن الرصاصة/جليل إبراهيم المندلاويEfi Chantzouli/WHITE MORNING-Athensحكاية معادة / بقلم: جواني عبدالنهاية عظيمة/محمد مركحأزمات بنيوية وإسقاطات نوعية/حازم الشهابيبين قصيدتي وأنا/خديجة بنانيأصوات! (في جدليَّة الحياة وتراجيديا الأحياء) شِعر: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيشظايا السلطة والمسؤولية/بلعربي خالدرواية "أشيرا" للروائي مروان عبد العال/وفاء حميدمسلسل "الثمن": بين جاذبية الميلودراما وإشكالية المقايضة الأخلاقية/د.ازهر سليمانضباب الحديقة / عبد الرزاق الصغير-الجزائرثلاث قصائد سيجو زن للكوري تشو أوه - هيون /ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالعين ثالثة - نورا عثمانغياب المنطق وغلبة الشاشة/ملفينا توفيق أبو مراد / لبنان
رئيس الشرطة/كينجي ميازاوا-ترجمة هدى العليروب السلام/وليام سدني بورتر-ترجمة عبد الله يحيى عبد المؤمنشرح ديوان المتنبي:قافية الزاي/عبد الرحمن البرقوقيرحل النهار/ بدر شاكر السيابحكاية البَغيِّ إيفيلين رو/برتولت بريختصباح ممطر - قصيدة للشاعر الامريكي جيمس وايتكومب ريلي/ترجمة سالم الياس مدالوحميد/بدر شاكر السيابأناهيت العالم/خزعل الماجديمديح العتمة/عارف عبد الرحمنالعولمة والثقافة/حميد المصباحيNightingale And Canary Of Luck By Salim Elias Madaloثمن الرصاصة/جليل إبراهيم المندلاويEfi Chantzouli/WHITE MORNING-Athensحكاية معادة / بقلم: جواني عبدالنهاية عظيمة/محمد مركحأزمات بنيوية وإسقاطات نوعية/حازم الشهابيبين قصيدتي وأنا/خديجة بنانيأصوات! (في جدليَّة الحياة وتراجيديا الأحياء) شِعر: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيشظايا السلطة والمسؤولية/بلعربي خالدرواية "أشيرا" للروائي مروان عبد العال/وفاء حميدمسلسل "الثمن": بين جاذبية الميلودراما وإشكالية المقايضة الأخلاقية/د.ازهر سليمانضباب الحديقة / عبد الرزاق الصغير-الجزائرثلاث قصائد سيجو زن للكوري تشو أوه - هيون /ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالعين ثالثة - نورا عثمانغياب المنطق وغلبة الشاشة/ملفينا توفيق أبو مراد / لبنان
دراسات أدبية

شرح ديوان المتنبي : قافية الباء/ عبد الرحمن البرقوقي

(٣٩) كم ها هنا خبرية بمعنى كثير، والواجب خفض تميزها، ولكنه نصب جدًّا هنا؛ لوجود فاصل بينها وبين معمولها فبطل الخبر، وغروب جمع غرب وهو الدمع، يقول: كم لك من جد لم تره عينك فلم تبكِ عليه فهب هذا مثلهم؛ لأنه قد غاب عنك، والغائب عن قرب كالغائب الذي طال عليه العهد، قال الخطيب: وهذا المعنى مدخول؛ لأن أجداده لم يرهم ولم يعرفهم، ويماك قد رآه وعرفه ورثاه. أقول: ونقد الخطيب واضح وفي محله كما ترى.

(٤٠) من يحسد: مبتدأ مؤخر، وفي تعب: خبر مقدم، ونورها: بدل من الشمس أو مفعول ثانٍ ليحسد، وأسكن الياء من يأتي ضرورة، وأكثر ما يكون ذلك في الياء والواو، والضريب النظير يقول: مثل حسادك معك مثل من يريد أن يأتي للشمس بنظير، وهذا في تعب لازب؛ لأنه يعالج المحال، وكذلك حسادك؛ لأنه لا نظير لك كالشمس.

(٤١) يخاطب ربع الحبيب ويدعو له، وقوله من ربع تمييز، ومن زائدة، والربع المنزل متى كان وبأي مكان كان، أما المربع ومثله المرتبع والمتربع فهو الموضع الذي ينزل فيه أيام الربيع، يقول: فديناك أيها الربع من أحداث الدهر ونوائبه برغم أنك زدتنا وجدًا بما هجت من ذكرى الحبيب الذي كان فيك كالشمس يخرج منك ويعود إليك، وكنت له كالمشرق حين يظهر، وكالمغرب حين يحتجب.

(٤٢) يتعجب من معرفته آثار ديار الحبيب بعد أن سلبه قلبه وعقله، ولم يدع له سبيلًا إلى إدراك الأشياء، ويدع رُوي بالياء وبالتاء، فمن روى بالياء فهو على لفظ من، ومن روى بالتاء حمله على المعنى؛ لأن المقصود بمن، امرأة.

(٤٣) الأكوار جمع كور وهو رحل البعير، وأن نلم مُؤَوَّل بمصدر مجرور بعن محذوفة صلة كرامة أي كرامة عن أن نلم به ركبانًا، ونلم ننزل يقول: لما أتينا هذا الربع نزلنا عن رواحلنا وترجلنا كرامة للحبيب — الذي كان فيه ثم زايله — وتقديسًا له أن ننزل بربعه راكبين وقد أوضح هذا المعنى السري الرفاء بقوله:

حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ أَجَابَ دُثُورُهُ

يَوْمَ الْعَقِيقِ سُؤَالَ دَمْعٍ سَائِلِ

نَحْفَى وَنَنْزِلُ وَهْوَ أَعْظَمُ حُرْمَةً

مِنْ أَنْ يُذَالَ بِرَاكِبٍ أَوْ نَاعِلِ

(٤٤) السحاب جمع، ومن ثم جاز وصفه بالغر؛ أي البيض: وإنما قال الغر لأنها كثيرة الماء، يقول: نذم السحاب لأنها عفت الربع وغيرت معالمه بما ينهل منها من المطر، وإذا طلعت عليه أعرضنا عنها وأشحنا بوجوهنا عتبًا عليها؛ لتعفيتها الرسوم، وفعلها بها ما فعلت.

(٤٥) هذا البيت متصل بالذي قبله، يقول: نحن نذم السحاب؛ لما تفعل بالربع، ولا حق لنا في هذا الذم؛ لأن من صحب الدنيا، وطال امتراسه بها تقلبت أحوالها عليه حتى يرى ما اطمأن إليه من صفائها ونعيمها قد تغير وحال عما كان عليه كأنْ لم يَغْنَ بالأمس، وهذا المعنى ينظر إلى قول أبي نواس:

إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ

لَهُ عَنْ عَدُوٍّ فِي ثِيَابِ صَدِيقِ

قال العكبري: وهذا من قول الحكيم: ليس ترداد حركات الفلك إلا تحيل الكائنات عن حقائقها.

(٤٦) يقول: كيف ألتذ بالعشايا والغدايا إذا لم أستنشق ذلك النسيم الذي كنت أجده من قبل: يعني نسيم الحبيب ونسيم أيام الشباب والوصال، والأصائل جمع أصيل على غير قياس وهو ما بين العصر إلى المغرب. والضحى؛ قال الجوهري: مقصور تؤنث وتذكر، فمن أنث ذهب إلى أنه جمع ضحوة، ومن ذكر ذهب إلى أنه اسم على فعل مثل صرد ونغر، وهو ظرف غير متمكن مثل سحر، تقول لقيته ضحى وضحى إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه، وقال ابن بري: ضحى مصروف على كل حال، قال الجوهري: وهو حين تشرق الشمس ثم بعده الضحاء ممدود مذكر وهو عند ارتفاع النهار الأعلى، وقيل: الضحى من طلوع الشمس إلى أن يرتفع النهار وتبيض الشمس جدًّا، ثم بعد ذلك الضحاء إلى قريب من نصف النهار.

(٤٧) يقول: تذكرت بهذا الربع وصلًا قصرت أيامه حتى كأنه لم يكن لسرعة انقضائه، وعيشًا وشيك الانقطاع كأني قطعته بالوثوب، ووثب: قفز وطفر، ومن قولهم وثب إلى الشرف وثبًا؛ أي وصل إليه دفعة واحدة، قال ابن جني: يريد قصر أوقات السرور، ومن بديع ما قيل في قصر أوقات السرور قول الوليد بن يزيد:

لَا أَسْأَلُ اللهَ تَغْيِيرًا لِمَا صَنَعَتْ

نَامَتْ وَقَدْ أَسْهَرَتْ عَيْنيَّ عَيْنَاهَا

فَاللَّيْلُ أَطْوَلُ شَيْءٍ حِينَ أَفْقِدَهُا

وَاللَّيْلُ أَقْصَرُ شَيْءٍ حِينَ أَلْقَاهَا

والشعراء أبدًا يذكرون قصر أوقات السرور وأيام اللهو، وسرعة زوالها وانقضائها فمن ظريفه قول بعض العرب:

لَيْلِي وَلَيْلَى نَفَى نَوْمِي اخْتِلَافُهُمَا

حَتَّى لَقَدْ تَرَكَانِي فِي الْهَوَى مَثَلَا

يَجُودُ بِالطُّولِ لَيْلِي كُلَّمَا نَحلَتْ

بِالطولِ لَيْلَى وَإِنْ جَادَتْ بِهِ بَخَلَا

وفي هذا البيت من الجناس الذي ترى ما يعجز عنه، وقال البحتري:

فَلَا تَذْكُرَا عَهْدَ التَّصَابِي فَإِنَّهُ

تَقَضَّى وَلَمْ نَشْعُرْ بِهِ ذَلِكَ الْعَصْرُ

وما أبدع ما يقول الرضي:

يَا لَيْلَةً كَادَ مِنْ تَقَاصُرِهَا

أَنْ يَعْثُرَ فِيهَا الْعَشِيُّ بِالسَّحَرِ

وقال بعضهم:

ظَلِلْنَا عِنْدَ دَارِ أَبِي نُعَيْمٍ

بِيَوْمٍ مِثْلَ سَالِفَةِ الذُّبَابِ

شبهه في القصر بعنق الذباب، ومثله لجرير:

وَيَوْمٍ كَأَبْهَامِ الْقَطَاةِ مُزَيِّنٍ

إِلَى صِبَاهُ غَالِبٍ لِيَ بَاطِلُه

وما أحسن قول إبراهيم بن العباس:

لَيَلَةٌ كَادَ يَلْتَقِي طَرَفَاهَا

قَصْرًا وَهْيَ لَيْلَةُ الْمِيلَادِ

ويقول متمم بن نويرة:

فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكَا

لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا

(٤٨) النفح: تضوع رائحة الطيب، يقال: نفح الطيب ونفحت رائحة الطيب، وعدى النفح على المعنى كأنه قال: إذا أصابت روائحها شيخًا شب، وفتانة عطف على وصلًا في البيت قبله؛ أي وذكرت به فتانة، يقول: وذكرت امرأة تفتن عيناها ويقتل هواها إذا فغمت روائحها شيخًا تصابى وعاد شابًا، وهذا مثل قول الصنوبري:

بِلَفْظٍ لَوْ بَدَا لِحَلِيفِ شَيْبٍ

لَفَارَقَهُ وَعَادَ إِلَى شَبَابِه

(٤٩) البشر: جمع بشرة وهي ظاهر الجلد، والدر: اللآلئ العظام، والشهب: الدراري من النجوم؛ يقول: إن لونها مثل لون الدر الذي تقلدته، وهي كالبدر حسنًا وجمالًا، وقلائدها كدراري النجوم ولم أرَ قبلها بدرًا قلد النجوم.

(٥٠) ويا لي: يروى وبالي بالموحدة، والنوى: البعد. يقول: فيا شوقي ما أبقاك فلست تنفد، ويا من لي يمنعني من ظلم الفراق، ويا دمعي ما أجراك، ويا قلبي ما أصباك وأشوقك، وقد حذف كما ترى ياءات الإضافة من شوق ودمع وقلب تخفيفًا؛ لأن الكسرة تدل عليها، ولك أن تقرأ شوق ودمع وقلب مبنية على الضم على أنها مفردة أي غير مضافة إلى ياء المتكلم، وحذف الكاف المنصوبة من أبقى وأجرى وأصبى للمخاطبة التي قبلها بالنداء، وقوله: ويا لي، استغاثة، قال العكبري: قوله ويا لي يحتمل أن يكون أراد اللام المفتوحة التي للاستغاثة كأنه استغاث بنفسه من النوى، ويحتمل أن يكون أراد اللام المكسورة التي للمستغاث من أجله كأنه قال: يا قوم اعجبوا لي من النوى.

(٥١) البين: البعد، والمشت: المفرق، والضب: حيوان من الزحافات معروف يضرب به المثل في الحيرة، يقال: أحير من ضب؛ لأنه إذا خرج من جحره لا يهتدي إليه عند أوبته، يقول: لعب الفراق بشملنا وزودني الضلال والحيرة فلا أهتدي إلى وجه، وليس إلى لقاء الحبيب من سبيل، وقيل: إن المراد كما أن الضب لا يتزود في المفازة؛ لأنه لا يحتاج إلى الماء أبدًا فكذا لم يزودني الفراق شيئًا؛ أي إنه لم يودع حبيبته وفارقها من غير وداع ولا التقاء فيكون التوديع زادًا كما قال بعضهم:

زَوَّدَ الْأَحْبَابُ لِلْأَحـْ

ـبَابِ ضَمًّا وَالْتِزَامَا

وَسُلَيْمَى زَوَّدَتْنِي

يَوْمَ تَوْدِيعِي السِّقَامَا

وقال ابن فوزجه: يريد زودني الضلال عن وطني الذي خرجت منه فما أوفق إلى العود إليه والاجتماع مع الحبيب، والضب يوصف بالضلال وقلة الاهتداء، وعبارة الواحدي يجوز أن يكون المعنى أن الضب مكانه المفازة فلا يتزود إذا انتقل منها، يقول: أنا في البين مقيم إقامة الضب في المفازة، وليس من عادة المقيم أن يتزود فالسير والبين كأنهما منزل لإلفي إياهما.

(٥٢) الضواري المضراة والمولعة بالصيد. يقول: من كان من نسل الشجعان وكان آباؤه كالأسود كان هو كذلك وعاش عيشة الأسود، وإذن يكون الليل له نهارًا فلا تعوقه الظلمة عن بلوغه مآربه، وكان مطعمه مما يأخذه من أعدائه قهرًا، قال ابن جني: قوله يكن ليله صبحًا من قول الآخر:

فَبَادِرِ اللَّيْلَ وَلَذَّاتِهِ

فَإِنَّمَا اللَّيْلُ نَهَارُ الْأَرِيبِ

(٥٣) كأنه يعتذر من الغضب الذي ذكر في البيت السابق، يقول: إذا أدركت معالي الأمور فلست أبالي بعد إدراكها أكان ما يحصل في يدي إرثًا أم كسبًا فالتراث المال الموروث: قال بعض الشراح: وكان الوجه أن يقول أتراثًا كان؛ لأن الهمزة لا يليها إلا المسئول عنه فأخره لإقامة الوزن.

(٥٤) فرب غلام؛ يعني نفسه، يقول: إن المرء يمكنه أن يعلِّم نفسه المجد وإن لم يكن له من يعلمه كما علم سيف الدولة نفسه الطعن والضرب ومجالدة الأبطال بشجاعته وحذقه، ويروى: «كَتَعْلِيمِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الدَّوْلَةَ الضَّرْبَا» أي: كما علم أهل دولته الطعان والنزال، والرواية الأولى أظهر، والمجد الأخذ من الشرف والسؤدد ما يكفي، وقيل: لا يكون إلا بالآباء، والظاهر أنه مأخوذ من قولهم مجدت الإبل إذا شبعت وامتلأت بطونها علفا وأمجدها راعيها، ويقال من هذا أمجد فلان عطاءه ومجده إذا كثره، ولما كان من أساس المجد كثرة المآثر والمساعي كان مأخوذًا من ذاك.

(٥٥) يقال: كفيته الأمر أعنته عليه وقمت به دونه، وقد استكفاني أمره فكفيته، وعداه هنا بالباء على تضمينه معنى استعانت به، يقول: إن الدولة إذا استعانت به في أية مهمة أو نازلة كفاها، وبلغت به وحده ما تريد؛ فكان سيفًا لها على أعدائها، وكفًّا تضرب بها، وقلبًا تقتحم به الأهوال؛ قال العكبري: يريد بهذا أن يفضله على سيف الحديد فإنه لا يعمل بنفسه ولا يعمل إلا بضارب، وسيف الدولة يعمل بنفسه.

(٥٦) يقول: إن السيوف تهاب مع أنها حديد لا عقل لها ولا قوة إلا بالضارب بها فكيف يكون حالها في الخوف منها إذا كانت عربية نزارية؟! أي تقطع بنفسها دون استعانة بغيرها، وسيف الدولة عربي نزاري، فيكون أحق بالخوف منه.

(٥٧) يقول: إن الليث يرهب إذا كان وحده فلا يجترئ أحد على مواجهته فكيف إذا كان معه ليوث آخرون؟ يريد سيف الدولة وأصحابه.

(٥٨) عباب البحر: تراكم أمواجه وشدتها، ويغشى: يغطي، وعب: زخر وتدفق، وقد سُمي الفرس الشديد الجري والنهر الشديد الجريان يعبوبًا من ذلك، يقول: والبحر تخاف أمواجه وهو مكانه فكيف الظن بمن إذا زخر وماج عم البلاد.

(٥٩) اللغى: جمع لغة، يقول: هو عليم بخفيات الديانات واللغات، يعلم منهما ما لا يصل إليه غيره، وله في ذلك خطرات تفضح العلماء وكتبهم؛ لأنهم لم يبلغوا في العلم ما يجري على خاطره.

(٦٠) يقال: بوركت وبورك لك وبورك فيك وبورك عليك، يدعو له بالبركة والنماء، ومن غيث: تمييز، والديباج: فارسي معرب وهو الثوب الذي سداه ولحمته حرير، والوشي: الثوب فيه ألوان شتى، والعصب: ضرب من برود اليمن، يقول: إنك تخلع علينا هذه الثياب فكأنك غيث تمطر علينا فتنبت جلودنا هذه الثياب، فبارك الله عليك غيثًا.

(٦١) الجزل: الكثير، وهلًا: اسم صوت تزجر به الخيل، والقصب: المعى والجمع أقصاب، وفي الحديث: «الذي يتخظى رقاب الناس يوم الجمعة كالجار قصبه في النار.» قيل اسم للأمعاء كلها، وقيل: هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء، يقول: وبوركت من رجل يهب العطاء جزلًا، ويزجر الخيل يستحثها، ويهتك الدروع بسيفه وسنانه، ويشق الأمعاء فينثرها.

(٦٢) رأيك: مرفوع بفعله وفعله هنيئًا، وأصله ثبت رأيك هنيئًا لهم فحذف الفعل وأقيم الحال «هنيئًا» مقامه فصارت تعمل عمله، وحزب الله: منادى أو منصوب على الاختصاص، يقول: ليهنهم حسن رأيك فيهم، وأنك صرت لهم حزبًا — أي أعوانًا وأنصارًا — في حال أنك حزب الله.

(٦٣) وأنك: عطف على وأنك حزب الله في البيت السابق، والضمير في فيها وفي بساحتها للأرض، وأرجعه إلى غير مذكور على حد قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ورعت: أفزعت، وريب الدهر: صروفه وحوادثه. يقول: هنيئًا لأهل الثغر أنك صرت لهم حزبًا، وأنك فعلت في الأرض أفعالًا أفزعت الدهر وصروفه، فإن شك الدهر في قولي فليحدث في الأرض خطبًا، يعني أن الناس آمنون من تصاريف الدهر فليس في استطاعته أن يمسهم بسوء هيبةً لك.

(٦٤) عنهم؛ أي عن أهل الثغر، والجدب: القحط.

(٦٥) السرايا: جمع سرية وهي الجماعة من الجيش، سُميت كذلك قيل: لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السري أي النفيس، وقيل: لأنهم ينفذون سرًّا وخفية، وتترى: متواترة متتابعة وبينها فجوات وفترات قال تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ وهو معلوم أن بين كل رسولين فترة، قال الجوهري: تترى فيها لغتان تنون ولا تنون، فمن ترك صرْفها في المعرفة جعل ألفها ألف تأنيث وهو أجود، وأصلها وترى من الوتر وهو الفرد، ومن نونها جعلها ملحقةً والمراد هنا التي يخلف بعضها بعضًا، ونهبى؛ أي منهوبة، والدمستق: اسم لقائد الروم.

(٦٦) مرعش حصن من أعمال ملطية؛ يقول: أتى الدمستق هذا الثغر مهزوزًا نشيطًا مبتهجًا يجد البعيد قريبًا، فلما أقبلت عليه ولى مدبرًا وهو يرى القريب بعيدًا خوفًا وذعرًا أن تدركه، قال العكبري: ولقد أحسن القائل الناظر إلى هذا المعنى:

وَاللهِ مَا جِئْتُكُمْ زَائِرًا

إِلَّا رَأَيْتُ الْأَرْضَ تُطْوَى لِي

وَلَا انْثَنَى عَزْمِيَ عَنْ بَابِكُمْ

إِلَّا تَعَثَّرْتُ بِأَذْيَالِي

(٦٧) يقول: كذا من أقدم على الحرب وهو يكره الجلاد جبنًا يترك أعداءه، ويخيم عن اللقاء، وينكص على عقبيه، وكذا يرجع عن الحرب من لم يغنم سوى الرعب؛ أي إن الدمستق عاد مرعوبًا فكان الرعب له بمنزلة الغنيمة لغيره.

(٦٨) اللقان: ثغر ببلاد الروم «الأناضول» والعوالي من الرماح: ما دخل في السنان إلى ثلثه، والخيل المطهمة: التامة الخلق، والقب: جمع أقب وهو الضامر البطن، ووقوفه: فاعل رد؛ قال الواحدي: كان الدمستق قد أقام باللقان فلما أقبل سيف الدولة انهزم. يقول: فهل أغنى عنه وقوفه وهل رد عنه الرماح والخيل الحسان الضامرة.

(٦٩) يريد بالرماحين رماح الفريقين فثنى الجمع كما قال أبو النجم:

بَيْنَ رِمَاحَيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلِ

الهدب: أشفار العين، يقول: انهزم بعد أن تشاجرت الرماح ساعة كما تختلط الأهداب الأعالي والأسافل عند الرقاد، وهذا مثل قول بعضهم:

مَا الْتَقَيْنَا بِحَمْدِ رَبِّيَ إِلَّا

مِثَلْ مَا تَلْتَقِي جُفُونُ السَّلِيمِ

(٧٠) السورة: الحدة، يقول: ولكنه انهزم، وللطعن في أصحابه حدة إذا تذكرها لمس جنبه قائلًا: هل أصابه شيء منه؟ أي إنه انهزم مدهوشًا مرعوبًا لا يدري ما حاله وهل أصابته طعنة نافذة؟ قال بعض الشراح: إنه هرب وبقي من دهشه لا يدري ما يصنع فكان يلمس جنبه هل يجد روحه بين جنبيه من الذهول والفزع، وهذا من قول أبي نواس:

إِذَا تَفَكَّرْتُ فِي هَوَايَ لَهُ

مَسَسْتُ رَأْسِيَ هَلْ طَارَ عَنْ بَدَنِي

(٧١) العذارى: جمع عذارء وهي البكر من النساء، والبطاريق: جمع بطريق وهم قواد الروم، والشعث: جمع أشعث وهو المغبر الرأس، والمراد بهم هنا الرهبان، والقرابين: جمع قربان وهو ما يتقرب به إلى الله والمراد هنا خاصة الملك، والصلب: جمع صليب وسكن اللام على لغة تميم. يقول: إنه انهزم وترك هؤلاء ولم يلتفت إليهم لهول ما رأى.

(٧٢) المستهام: الذي ملك عليه العشق أمره فهام على وجهه، والصبابة: رقة الشوق، يقول: كل منا يطلب الحياة عاشقًا لها محبًّا حريصًا عليها.

(٧٣) يقول: كل من الجبان والشجاع سواء في حب النفس وإن اختلف فعلهما، فالجبان حبًّا لنفسه وإبقاء على حياته اتقى الحرب وترك القتال، والشجاع إنما أقدم على الحرب دفاعًا عن نفسه، وذودا عن مهجته؛ لأنه يخاف على نفسه العدو إن هو قعد عن الحرب أو لأنه إذا أرى من نفسه الشجاعة تحاماه الناس واتقوه، فكان في ذلك بقاؤه كما قال الحماسي — الحصين بن الحمام:

تَأَخَّرْتُ أَسْتَبْقِي الْحَيَاةَ فَلَمْ أَجِدْ

لِنَفْسِي حَيَاةً مِثْلَ أَنْ أَتَقَدَّمَا

وتقول الخنساء:

نُهِينُ النُّفُوسَ وَهَوْنُ النُّفُوسِ

يَوْمَ الْكَرِيهَةِ أَبْقَى لَهَا

وروي أن الصديق — رضي الله عنه — قال لخالد بن الوليد — وقد ودعه لحرب أهل الردة: احرص على الموت توهب لك الحياة، ومعناه: إما أن الشجاع مهب مرهوب لا يحام حوله، وإما أن ذكره يبقى بعده فيكون كأنه حي كما قال حبيب:

سَلَفُوا يَرَوْنَ الذِّكْرَ عُقْبًا صَالِحًا

وَمَضَوْا يَعُدُّونَ الثَّنَاءَ خُلُودَا

وإما أنه إذا استشهد صار حيًّا كما قال تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ قال العكبري: وهذا البيت من الحكمة، قال الحكيم: النفس المتجوهرة تأبى مقارنة الذل كل الإباء، وترى فناءها في طلب العز حياتها، والنفس الدنيئة على الضد من ذلك، وروي بدل النفس الحرب.

(٧٤) قال الواحدي: يقول: إن الرجلين ليفعلان فعلًا واحدًا فيرزق أحدهما بذلك الفعل ويحرم الثاني حتى كأن إحسان المرزوق ذنب للمحروم، ومثال ذلك أن يحضر الحرب اثنان يغنم أحدهما ويحرم الآخر، فحضور الحرب إحسان من الغانم ذنب للمحروم، وكلاهما فعل فعلًا واحدًا، وكذلك مسافران مثلًا سافرا فربح أحدهما وخسر الآخر، فيعد السفر من الرابح إحسانًا يحمد عليه ومن الخاسر ذنبًا يلام عليه، وهذا كما أنشده ابن الأعرابي:

يَخِيبُ الْفَتَى مِنْ حَيْثُ يُرْزَقُ غَيْرُهُ

وَيُعْطَى الْمُنَى مِنْ حَيْثُ يُحْرَمُ صَاحِبُهْ

وفي هذا — أسعدك الله — من الدلالة على القضاء، وكونه ولعبه بالإنسان وعلى الحظ وأثره في تصرفات الناس ما لا سبيل إلى إنكاره، ونورد هنا بعضًا مما قاله الشعراء مما يتصل بهذا الباب، وهو باب واسع جدًّا. قال رهين المحبسين:

لَا تَطْلُبَنَّ بِآلَةٍ لَكَ رُتْبَةً

قَلَمُ الْبَلِيغِ بِغَيْرِ حَظِّ مِغَزْلُ

سَكَنَ السِّمَاكَانِ السَّمَاءَ كِلَاهُمَا

هَذَا لَهُ رُمْحٌ وَهَذَا أَعْزَلُ

وقال:

سَيَطْلُبُنِي رِزْقِي الَّذِي لَوْ طَلَبْتُهُ

لَمَا زَادَ وَالدُّنْيَا حُظُوظٌ وَإِقْبَالُ

إِذَا صَدَقَ الْجَدُّ افْتَرَى الْعَمُّ لِلْفَتَى

مَكَارِمَ لَا تُكْرِي وَإِنْ كَذَبَ الْخَالُ

الجد هنا الحظ، والعم: الجماعة، وتكري: من أكرى الزاد إذا نقص، وافترى: كذب، والخال: المخيلة. ويقول أبو تمام:

يَنَالُ الْفَتَى مِنْ دَهْرِهِ وَهْوَ جَاهِلُ

وَيُكْدِي الْفَتَى فِي دَهْرِهِ وَهْوَ عَالِمُ

وَلَوْ كَانَتِ الْأَرْزَاقُ تَأْتِي عَلَى الْحِجَا

إِذَنْ هَلَكَتْ مِنْ جَهْلِهِنَّ الْبَهَائِمُ

(أكدى الرجل: خاب ولم يظفر بشيء، وأصله من حافر البئر ينتهي إلى كدية أي صخرة صلبة، فلم يمكنه الحفر فيتركه.) ويقول أبو إسحاق الصابي:

إِذَا جَمَّعَتْ بَيْنَ امْرَأَيْنِ صِنَاعَةٌ

فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَدْرِي الَّذِي هُوَ أَحْذَقُ

فَلَا تَتَفَقَّدْ مِنْهُمَا غَيْرَ مَا جَرَتْ

بِهِ لَهُمَا الْأَرْزَاقُ حِينَ تُفَرَّقُ

فَحَيْثُ يَكُونُ الْجَهْلُ فَالرِّزْقُ وَاسِعٌ

وَحَيْثُ يَكُونُ الْعِلْمُ فَالرِّزْقُ ضَيِّقُ

وقال الإمام الشافعي:

لَوْ أَنْ بِالْحِيَلِ الْغِنَى لَوَجَدْتَنِي

بِنُجُومِ أَفْلَاكِ السَّمَاءِ تَعَلُّقِي

لَكِنَّ مَنْ رُزِقَ الْحِجَا حُرِمَ الْغِنَى

ضِدَّانِ مُفْتَرِقَانِ أَيَّ تَفَرُّقِ

فَإِذَا سَمِعْتَ بِأَنَّ مَحْرُومًا أَتَى

مَاءً لِيَشْرَبَهُ فَغَاضَ فَصَدِّقِ

أَوْ أَنَّ مَحْظُوظًا غَدَا فِي كَفِّهِ

عُودٌ فَأَوْرَقَ فِي يَدَيْهِ فَحَقِّقِ

وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى الْقَضَاءِ وَكَوْنِهِ

بُؤْسُ اللَّبِيبِ وَطِيبُ عَيْشِ الْأَحْمَقِ

والإشارة في قول المتنبي هذا ولذا للمرزوق والمحروم المفهومين من قوله ويختلف الرزقان.

(٧٥) فأضحت أي قلعة مرعش يقول — كما ذهب إلى ذلك الخطيب وتابعه جماعة من الشراح: إن هذه القلعة لعلوها في الجو كأنما ابتدى بها من الجو فأسست هناك فشقت الكواكب والترب؛ يعني الذي ارتفع منها إلى الجو حواليها فكأنها مقلوبة أسها في السماء وأعلى حائطها إلى الأرض، وروى ابن جني من فوق؛ برفع القاف، وبدؤه؛ بالرفع أيضًا جعل فوق معرفة وبناه كقبل وبعد، وأراد فوقه فلما حذف الهاء بناه كقبل وبعد، ورفع بدؤه على الابتداء، قال الواحدي: على رواية ابن جني لا يستقيم لفظ البيت ولا معناه؛ لأنه — أي المتنبي — يقول: أضحت هذه القلعة — يعني مرعشًا — كأن سورها من فوق بدئه أي من أعلى ابتدائه قد شق الكواكب بعلوه في السماء، وشق التراب برسوخه في الأرض، وهو كقول السموأل:

لَنَا جَبَلٌ يَحْتَلُّهُ مَنْ نُجِيرُهُ

مَنِيعٌ يَرُدُّ الطَّرْفَ وَهْوَ كَلِيلُ

رَسَا أَصْلُهُ تَحْتَ الثَّرَى وَسَمَا بِهِ

إِلَى النَّجْمِ فَرْعٌ لَا يُرَامُ طَوِيلُ

(٧٦) تصد: تعرض، والهوج: جمع هوجاء وهي الرياح الحمقاء التي تارة تأتي من هنا وتارة تأتي من هنا، وعنها: متعلق بتصد، ومخافة: مفعول من أجله، وأن تلقط: في موضع نصب على حذف حرف الجر؛ أي من أن تلقط، يقول: إن الرياح الهوج تعرض عنها مخافة أن تعجز عن الوصول إلى أعلاها، وكذلك الطير تحس من نفسها العجز عن الارتقاء إليها والتقاط الحب من ذراها، وقال القاضي أبو الحسن الجرجاني: يريد أن الرياح لا تدنو منها خوفًا من تثقيف سياسته والطير لا تقع عليها خشية أن يجري عليها إذا هي التقطت الحب ما توجبه حال المتناول من دون إذن، وهذا المعنى منقول من قول حبيب:

فَقَدْ بَثَّ عَبْدُ اللهِ خَوْفَ انْتِقَامِهِ

عَلَى اللَّيْلِ حَتَّى مَا تَدِبُّ عَقَارِبُهْ

وهو كقول الآخر:

وَكَانَتْ لَا تَطِيرُ الطَّيْرُ فِيهَا

وَلَا يَسْرِي بِهَا لِلْجِنِّ سَارِي

(٧٧) تردى: من الرديان وهو ضرب من العدو ترجم فيه الجياد الأرض بحوافرها، والجرد: القصار الشعر وهو من آيات العتق والكرم، والصِّنَّبْر: السحاب البارد الريح في غيم وأيضًا اسم اليوم الثاني من أيام العجوز، قالوا وهي سبعة أيام، وأنشدوا لابن أحمر وقيل لابن شبل الأعرابي:

كُسِعَ الشِّتَاءُ بِسَبْعَةٍ غُبْر

أَيَّامِ شَهْلَتِنَا مِنَ الشَّهْرِ

فَإِذَا انْقَضَتْ أَيَّامُهَا وَمَضَتْ

صِنٌّ وَصِنَّبْرٌ مَعَ الْوَبْرِ

وَبِآمِرٍ وَأَخِيهِ مُؤْتَمِرٍ

وَمُعَلِّلٍ وَبِمُطْفِئِ الْجَمْرِ

ذَهَبَ الشِّتَاءُ مُوَلِّيًا هَرَبًا

وَأَتَتْكَ وَافِدَةٌ مِنَ النجْرِ

(الكسع: شدة المر، يقال: كسعه بكذا وكذا، إذا جعله تابعًا له ومذهبًا به، والشهلة: العجوز، والنجر: الحر، وكل شهر في صميم الحر ناجر للعطش الذي يسببه.)
يقال: إن عجوزًا كان لها سبعة أولاد خرج كل واحد منهم في يوم من هذه الأيام فقتله البرد، والعطب: القطن، والعطب مثله كعسر وعسر. قال الشاعر:

كَأَنَّهُ فِي ذُرَى عَمَائِمِهِمْ

مُوَضَّعٌ مِنْ مَنَادِفِ الْعُطْبِ

يقول: خيلك تعدو فوق جبال هذه القلعة، وقد امتلأت طرقها بالثلج الذي كأنه قطن ندفه فيها برد الشتاء وصقيعه.

(٧٨) أن يعجب: فاعل كفى، وعجبًا: تمييز، وتبًا؛ أي خسرا وهلاكا. يقول: من العجب أن يعجب الناس ممن بنى هذه القلعة، وتبًا لآرائهم حين لم يدركوا أنه يقدر على كل ما يقصد إليه، فكيف يتعجبون من قادر يبلغ ما يريد؟

(٧٩) يقول: وأي فرق بينه وبين غيره، وأية مزية يمتاز بها عما سواه إذا كان يخشى ما يخشاه غيره، أو كان ممن يستصعب الصعب؟ إنما ينفصل عن الأغيار ويفضلهم؛ لأنه لا يخشى شيئًا، ولا يتصعب عليه أمر مهما كان.

(٨٠) الصارم العضب: السيف القاطع، يقول: إن الخلافة ما أعدته لأعدائها وسمته سيف الدولة دون غيره إلا لأمر عظيم، وذلك أنه بلغ من الشجاعة والحزم والسياسة مبلغًا لم يبلغه أحد.

(٨١) يقول: إن أعداءه لم يخيموا عن لقائه وينهزموا أمامه رحمة له وإشفاقًا، ولم يجلوا عن الشام محبة له ورغبًا، ولكنهم فعلوا ذلك فرقًا وفزعًا، وهذا المعنى كقول مروان بن أبي حفصة:

وَمَا أَحْجَمَ الْأَعْدَاءُ عَنْكَ بَقِيَّةً

عَلَيْكَ وَلَكِنْ لَمْ يَرَوْا فِيكَ مَطْمَعَا

(٨٢) قوله: غير كريمة؛ حال؛ أي نفى هذه الأسنة عنه في حال كونها غير كريمة، كريم الثناء … إلخ، والمراد نفي أصحابها، يقول: لم تتفرق عنه أعداؤه، ولا تركوا الشام حبًّا له، وإنما نفاهم عن الشام أذلاء صاغرين أنه رجل كريم الثناء ما سبَّه أحد؛ لأنه لا يفعل ما يسب عليه ولا سب أحدًا لأدبه وكرمه، والثناء ممدود ولكنه قصره هنا ضرورة اسم من أثنى عليه إذا وصفه بخير أو شر ولكنه غلب في المدح، ويروى النثا وهو قريب من الثنا، وقوله كريم الثنا تجريد على إضمار محذوف أي نفاها منه رجل كريم الثنا … إلخ.

(٨٣) قوله: وجيش؛ عطف على كريم الثنا، والطود: الجبل العظيم، والخريق: الريح الشديدة كأنها الإعصار، يقول: ونفاها عنه جيش إذا مر بجبل كان لكثرته كأنه جبل آخر فصار به الجبل جبلين، وهذا معنى قوله: يثني كل طود، ثم قال: وهو مع هذه الكثرة والكثافة إذا لاقى عدوًا كان لشدته كأنه عاصف من الريح لقي غصنًا رطبًا فخسف به وحطمه، وعبارة الشراح أن هذا الجيش إذا مر بجبل شقه نصفين؛ لكثرته، له صلصلة تسمع كالريح الخريق إذا مرت بغصن رطب، قال الشاعر:

كَأَنَّ هُبُوبَهَا خَفَقَانُ رِيحٍ

خَرِيقٍ بَيْنَ أَعْلَامٍ طِوَالِ

وهذه العبارة من الغموض بحيث تحتاج هي الأخرى إلى شرح …

(٨٤) مغاره؛ أي إغارته، والعجاجة: الغبار، يقول: إن غبار هذا الجيش حجب السماء حتى لم تبدُ النجوم، فكأن النجوم خافت إغارته عليها فاحتجبت عنه بذلك الغبار حتى لا يراها، وقد أخذ هذا المعنى الجميل الحيص بيص فقال:

نَفَى وَاضِحَ التَّشْرِيقِ عَنْ أَرْضِ رَبْعِهِ

دُخَانُ قُدُورٍ أَوْ عَجَاجَةُ مِصْدَمِ

(رجل مصدم: محرب. من التصادم.)

(٨٥) يقول: إذا كان هناك من الملوك من يرضي اللؤم والكفر بأن ينزل على حكمهما، ويعمل ما يقتضيانه فهذا يرضي المكارم بجوده وسخائه، ويرضي الله بجهاده في سبيله، وقال الشريف بن الشجري في أماليه: الإشارة في قوله: فهذا إلى الملك لا إلى الممدوح لأمرين؛ أحدهما: أنه لو أراد الممدوح لقال فأنت الذي ترضى؛ لأن الخطاب في مثل هذا أمدح، والآخر: أنه أشار إلى الملك فجعل الإرضاء له؛ لأن الإرضاء الأول مسند إلى الملك، فوجب أن يكون الإرضاء الثاني كذلك؛ لأن وجه الإشارة إليه أن قوله: ملكه؛ قد دل عليه كما توجهت الإشارة في الضمير إلى الصبر من قوله تعالى: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لدلالة صبر عليه، وكما عاد الضمير إلى الملك من قول القطامي:

هُمُ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ هُمُ

وَالْآخِذُونَ بِهِ والسَّاسَةُ الْأُوَلُ

قال: وكان الوجه لأبي الطيب أن يقول في المقابلة يرضي المكارم والإيمان؛ ليقابل بالإيمان الكفر كما قابل بالمكارم اللؤم، ولكن لما اضطرته القافية وضع لفظ الرب موضع الإيمان فكان ذلك في غاية الحسن؛ لأن المراد في الحقيقة إرضاء أهله، وإرضاء أهله تابع لإرضاء الله تعالى.

(٨٦) مستعتبًا: مسترضيًا. قال الواحدي: لما انصرف أبو الطيب من مجلس سيف الدولة وقف له رجالة في طريقه؛ ليغتالوه، فلما رآهم أبو الطيب ورأى السلاح تحت ثيابهم سل سيفه، وجاءهم حتى اخترقهم فلم يقدموا عليه، ونُمي ذلك إلى أبي العشائر؛ فأرسل عشرة من خاصته فوقفوا بباب سيف الدولة، وجاء رسوله إلى أبي الطيب فسار إليه حتى قرب منهم فضرب أحدهم يده إلى عنان فرسه، فسل أبو الطيب السيف فوثب الرجل أمامه، وتقدمت فرسه الخيل، وعبرت قنطرة كانت بين يديه، واجترهم إلى الصحراء فأصاب أحدهم نحر فرسه بسهم فانتزع أبو الطيب السهم ورمى به، واستقلت الفرس، وتباعد بهم؛ ليقطعهم عن إمداد إن كان لهم، ثم كرَّ عليهم بعد أن فني النشاب فضرب أحدهم فقطع الوتر وبعض القوس، وأسرع السيف إلى ذراعه؛ فوقفوا عنه، واشتغلوا بالمضروب، فسار وتركهم، فلما يئسوا منه قال له أحدهم في آخر الليلة: نحن غلمان أبي العشائر، ولذلك قال: ومنتسبٍ عندي إلى من أحبُّه … ثم عاد أبو الطيب إلى المدينة في الليلة الثانية مستخفيًا فأقام عند صديق له، والمراسلة بينه وبين سيف الدولة، وسيف الدولة ينكر أن يكون قد فعل ذلك أو أمر به، وعند ذلك قال هذه الأبيات، وجاء في الصبح المنبي ما يأتي: قال أبو فراس الحمداني يومًا لسيف الدولة: إن هذا المتشدق — يعني المتنبي — كثير الإدلال عليك وأنت تعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينار عن ثلاث قصائد، ويمكن أن تفرق مائتي دينار على عشرين شاعرًا يأتون بما هو خير من شعره، فتأثر سيف الدولة من هذا الكلام وعمل فيه، وكان المتنبي غائبًا، وبلغته القصة، ولما حضر دخل على سيف الدولة وأنشده:

أَلَا مَا لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ الْيَوْمَ عَاتِبًا

فدَاهُ الْوَرَى أَمْضَى السُّيُوفِ مَضَارِبَا

الأبيات. قال: فأطرق سيف الدولة ولم ينظر إليه كعادته، فخرج المتنبي من عنده متغيرًا، وحضر أبو فراس وجماعة من الشعراء فبالغوا في الوقيعة في حق المتنبي، وانقطع أبو الطيب بعد ذلك، ونظم القصيدة التي أولها:

وَا حَرَّ قَلْبَاهُ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبمُ

ثم جاء وأنشدها، وجعل يتظلم فيها من التقصير في حقه بقوله:

مَا لِي أُكَتِّمُ حُبًّا قَدْ بَرَى جَسَدِي

وَتَدَّعِي حُبَّ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الْأُمَمُ

إلى أن قال:

قَدْ زُرْتُهُ وَسُيُوفُ الْهِنْدِ مُغْمَدَةٌ

وَقَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَالسُّيُوفُ دَمُ

فهم جماعة بقتله في حضرة سيف الدولة؛ لشدة إدلاله، وإعراض سيف الدولة عنه، فلما وصل في إنشاده إلى قوله:

يَا أَعْدَلَ النَّاسِ إِلَّا فِي مُعَامَلَتِي

فِيكَ الْخِصَامُ وَأَنْتَ الْخَصْمُ وَالْحَكَمُ

قال أبو فراس: قد مسخت قول دعبل وادعيته، وهو:

وَلَسْتُ أَرْجُو انْتِصَافًا مِنْكَ مَا ذَرفَتْ

عَيْنِي دُمُوعًا وَأَنْتَ الْخَصْمُ وَالْحَكَمُ

فقال المتنبي:

أُعِيذُهَا نَظَرَاتٍ مِنْكَ صَادِقَةً

أَنْ تَحْسَبَ الشَّحْمَ فِيمَنْ شَحْمُهُ وَرَمُ

فعلم أبو فراس أنه يعنيه، فقال: ومن أنت يا دعي كندة حتى تأخذ أعراض أهل الأمير في مجلسه؟ فاستمر المتنبي في إنشاده، ولم يرد عليه إلى أن قال:

سَيَعْلَمُ الْجَمْعُ مِمَّنْ ضَمَّ مَجْلِسَنَا

بِأَنَّنِي خَيْرُ مَنْ تَسْعَىَ بِهِ قَدَمُ

أَنَا الَّذِي نَظَرَ الْأَعْمَى إِلَى أَدَبِي

وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ

فزاد ذلك أبا فراس غيظًا، وقال: قد سرقت هذا من عمرو بن عروة بن العبد حيث يقول:

أَوْضَحْت مِنْ طُرُقِ الآدَابِ مَا اشْتَكَلَتْ

دَهْرًا وَأَظْهَرْت إِغْرَابًا وَإِبْدَاعَا

حَتَّى فَتَحْت بِإِعْجَازٍ خصصت بِهِ

لِلْعُمْي وَالصُّمِّ أَبْصَارًا وَأَسْمَاعَا

ولما انتهى إلى قوله:

الْخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي

وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُ وَالْقَلَمُ

قال أبو فراس: وماذا أبقيت للأمير إذا وصفت نفسك بكل هذا؟ تمدح الأمير بما سرقته من كلام غيرك، وتأخذ جوائز الأمير؟ أما سرقت هذا من قول الهيثم بن الأسود النخعي الكوفي المعروف بابن العربان العثماني:

أَعَاذِلَتِي كَمْ مَهْمَهٍ قَدْ قَطَعْتُهُ

أَلَيفَ وُحُوشٍ سَاكِنًا غَيْرَ هَائِبِ

أَنَا ابْنُ الْفَلَا وَالطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَالسُّرَى

وَجَرْدِ الْمَذَاكِي وَالْقَنَا وَالْقَوَاضِبِ

حَلِيمٌ وَقُورٌ فِي الْبِلَادِ وَهَيْبَتِي

لَهَا فِي قُلُوبِ النَّاسِ بَطْشُ الْكَتَائِبِ

فقال المتنبي:

وَمَا انْتِفَاعُ أَخِي الدُّنْيَا بِنَاظِرِهِ

إِذَا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الْأَنْوَارُ وَالظُّلَمُ

فقال أبو فراس: وهذا سرقته من قول معقل العجلي:

إِذَا لَمْ أُمَيِّزْ بَيْنَ نُورٍ وَظُلْمَةٍ

بِعَيْنَيَّ فَالْعَيْنَانِ زُورٌ وَبَاطِلُ

ومثله قول محمد بن أحمد بن أبي مرة المكي:

إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يُدْرِكْ بِعَيْنَيْهِ مَا يَرَى

فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعُمْيِ وَالْبُصَرَاءِ

وضجر سيف الدولة من كثرة مناقشته في هذه القصيدة، وكثرة دعاويه فيها؛ فضربه بالدواة التي بين يديه، فقال المتنبي في الحال:

إِنْ كَانَ سَرَّكُمُ مَا قَالَ حَاسِدُنَا

فَمَا لِجُرْحٍ إِذَا أَرْضَاكُمُ أَلَمُ

قال أبو فراس وهذا أخذته من قول بشار:

إِذَا رَضِيتُمْ بِأَنْ نَجْفَى وَسَرَّكُمُ

قَوْلُ الْوُشَاةِ فَلَا شَكْوَى وَلَا ضَجَرُ

ومثله قول ابن الرومي:

إِذَا مَا الْفَجَائِعُ أَكْسَبْنَنِي

رِضَاكَ فَمَا الدَّهْرُ بِالْفَاجِعِ

فلم يلتفت سيف الدولة إلى ما قال أبو فراس، وأعجبه بيت المتنبي، ورضي عنه في الحال، وأدناه إليه، وقبل رأسه، وأجازه بألف دينار ثم أردفها بألف أخرى، فقال المتنبي:

جَاءَتْ دَنَانِيرُكَ مَخْتُومَةً

عَاجِلَةً أَلْفًا عَلَى أَلْفِ

أشبههَا فِعْلكَ فِي فَيْلَقٍ

قَلَبْتَهُ صَفًّا عَلَى صَفِّ

(٨٧) فداه الورى: دعاء، وعاتبًا: حال، وأمضى السيوف: خبر مبتدإ محذوف؛ أي هو أمضى السيوف مضاربًا، أو تقول: إنه منصوب على المدح، ومضاربًا: تمييز، ومضارب السيوف: حدودها. يقول: ما لسيف الدولة غضبان؟ أي لم غضب؟ وما سبب غضبه؟ فلست أعرف لي ذنبًا يوجب ذلك، ثم دعا له، ثم قال: لا سيف أمضى منه مضربًا.

(٨٨) التنائف: جمع تنوفة وهي المفازة، والسباسب جمع سبسب وهي الفلاة القفر. يقول: ما لي إذا اشتقت إليه أبصرت بيني وبينه فلوات بعيدة مترامية الأطراف من عتبه وتجافيه واستيحاشه؟

(٨٩) أراد بالسماء مجلسه، جعله كالسماء رفعة له، وجعله كالبدر، ومن حوله من ندمائه وأهل مجلسه كالكواكب. وعبارة الخطيب التبريزي: شبه مجلسه بالسماء، وجعله بدرًا وحوله كواكب، فهو كقوله أيضًا:

أُقَلِّبُ مِنْكَ طَرْفِي فِي سَمَاءٍ

وَإِنْ طَلَعَتْ كَوَاكِبُهَا خِصَالَا

(٩٠) حنانيك: كلمة موضوعة موضع المصدر استعملت مثناة كأنه حنان بعد حنان، أي تحننا بعد تحنن، ومثلها لبيك من لب به إذا لزمه، وحسبي وحسبك: خبران مبتدآهما محذوفان؛ أي وأنت حسبي وأنا حسبك، والمنصوبات كلها على الحال، وقيل: على التمييز. يقول: تحنن علي تحننا بعد تحنن إذا كنت مسئولًا، ولك الإجابة إذا كنت داعيًا، وكفى بي موهوبًا؛ أي إنني أشكر من يهبني، وأشيد بذكره، وكفى بك واهبًا؛ أي إنك أشرف الواهبين، ولست أحتاج إلى واهب آخر بعد هباتك.

(٩١) قال الواحدي؛ أي إن كنت صادقًا في مديحك فليس ما تعاملني به جزاء لصدقي، وإن كنت كاذبًا فليس هذا جزاء الكاذبين؛ لأني إن كذبت فقد تجملت لك في القول، فتجمل لي أنت أيضًا في المعاملة.

(٩٢) يقول: إن كان ذنبي ذنبًا ليس بعده ذنب فالتوبة من الذنب محو ليس بعده محو، وهذا المعنى مأخوذ من الحديث الشريف: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له.»

(٩٣) الذي صح عن المتنبي: وخاضبيه — على التثنية — وهو عطف على ما؛ أي وأحسن خاضبيه، والنجيع: الدم. يقول: إن هناك خضابين الذهب والدم وأحسنهما الدم، وهناك خاضبان الصناعة والغضب — لأن خضبه بالذهب لا يكون إلا بصناعة الصيقل، وخضبه بالدم إنما يكون بسبب الغضب الباعث على الجلاد بالسيف — وأحسن الخاضبين الغضب، وروي: وخاضبِيه — بكسر الباء — على أنه جمع خاضب، قال ابن جني: وخاضبيه عطف على ما، وجمع الخاضبين جمع تصحيح؛ لأنه أراد من يعقل وما لا يعقل كقوله تعالى: وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ الآية. كأنه خلط الجميع، وكنى عنهم بما يكنى به عمن يعقل، وذكر الغضب مجازًا وأراد صاحبه، وقال ابن فورجه: خفض خاضبيه على القسم أي وحق خاضبيه، وجعل الغضب خضابًا للحديد؛ لأنه يخضبه بالدم على سبيل التوسع، وحسن ذلك؛ لأن الغضب يحمر منه الإنسان، وهذا كقولك أحسن ما يخضب الخدود الحمرة والخجل؛ لأن الخجل يصبغ الخد أحمر، فلما كانت الحمرة تابعة للخجل جمعهما تأكيدًا، كذلك لما كان النجيع تابعًا للغضب جمعهما وهو يريد للدم وحده، ويكون الغضب تأكيدًا للنجيع؛ أتى به للقافية.

(٩٤) شانه: عابه، والنضار: الذهب، يقول: لا تشنه بالأذهاب فإنه إذا أذهب — ولا يكون ذلك إلا بعد إحمائه — ذهبت سقايته أي ماؤه.

(٩٥) أرابه: أفزعه وأوقع به شيئًا يشك في عاقبته؛ أخيرًا يكون أم شرًا؟ يقول: هل يدري هذا الدمل أي الناس قد أقلق؟ وهذا استفهام تعجب واستعظام، ثم قال متعجبًا: وهل ترقى خطوب الدهر وأحداثه إلى الفلك؟ جعله كالفلك لعلو قدره ورفعة شأنه.

(٩٦) الضمير في أقلها يعود إلى كل داء: كما في قوله تعالى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ أو تقول: إن الضمير يعود على المجموع المستفاد من المعنى؛ أي أقل الأدواء يقول: إن جسمك لا ينبغي أن تنال منه الأدواء، فمن العجب أن يقربك أقل الأدواء، وجعل للأدواء همة مجازًا.

(٩٧) التجميش: شبه المغازلة والملاعبة بين الحبيبين؛ قال أبو العباس ثعلب: قيل للمغازلة تجميش من الجمش وهو الكلام الخفي، وقيل من الجمش الذي هو ضرب من الحلب؛ لجمشها بأطراف الأصابع، والمقة: المحبة، وأصلها ومق. يقول: إن الذي ألم بك إنما هو تجميش من الزمان لحبه إياك وتعلقه بك؛ لأنك جماله وأمثل أهله، وقد يكون الحب سببًا لإيذاء المحبوب.

(٩٨) يقول: أنت طبيب الدنيا الذي تشفي أدواءها؛ فتقوم المعوج، وتطرد الظلم والعيث والفساد، فكيف تعلك وأنت طبيبها؟

(٩٩) يقول: وكيف تلم بك الشكوى وبك يستغاث مما ينوب من نوائب الدهر فتغيث وترفع الشكوى؟

(١٠٠) مقام: مصدر ميمي بمعنى الإقامة، يفتح ويضم، وصبيب: مصبوب، ويقال: ماء صبيب وصب كما تقول: ماء سكب وماء غور، قال دكين بن رجاء:

تَنْضَحُ ذِفْرَاهُ بِمَاءٍ صَبِّ

مِثْلِ الْكُحَيْلِ أَوْ عَقِيدِ الرِّبِّ

(الذفرى: الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن وهما ذفريان، والكحيل: النفط الذي تطلى به الإبل الجرباء، ورب السمن والزيت: ثفله الأسود، وعقيده: ما غلظ منه.)
والحشايا: جمع حشية معدولة عن المحشوة وهي الفرش المحشوة. يقول: لقد اعتدت الطعان والجلاد وسفك دم الأعداء، ولبعد همتك لا ترى شفاء لك إلا في ممارسة الحروب، ولا آلم ولا أجلب للأدواء من الجلوس على الفرش المحشوة أو النوم عليها، ومن أجل ذلك تمل الإقامة يومًا واحدًا لا تخرج فيه للغزو، ولا يكون فيه طعن صادق ودم مصبوب.

(١٠١) مقام: مصدر ميمي بمعنى الإقامة، يفتح ويضم، وصبيب: مصبوب، ويقال: ماء صبيب وصب كما تقول: ماء سكب وماء غور، قال دكين بن رجاء:

تَنْضَحُ ذِفْرَاهُ بِمَاءٍ صَبِّ

مِثْلِ الْكُحَيْلِ أَوْ عَقِيدِ الرِّبِّ

(الذفرى: الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن وهما ذفريان، والكحيل: النفط الذي تطلى به الإبل الجرباء، ورب السمن والزيت: ثفله الأسود، وعقيده: ما غلظ منه.)
والحشايا: جمع حشية معدولة عن المحشوة وهي الفرش المحشوة. يقول: لقد اعتدت الطعان والجلاد وسفك دم الأعداء، ولبعد همتك لا ترى شفاء لك إلا في ممارسة الحروب، ولا آلم ولا أجلب للأدواء من الجلوس على الفرش المحشوة أو النوم عليها، ومن أجل ذلك تمل الإقامة يومًا واحدًا لا تخرج فيه للغزو، ولا يكون فيه طعن صادق ودم مصبوب.

(١٠٢) الضمير في تراها للخيل وإن لم يجر لها ذكر لتقدم ما يدل عليها؛ والعثير: مثال درهم الغبار، والجنيب: الذي تقوده إلى جنبك، يقول: ما بك مرض غير نزاعك إلى ملاقاة العدو بخيل يتبع الغبار قوائمها كأنه جنيب تقوده؛ أي إنك انقطعت عن ذلك فنال منك حبه كما ينال الحب من العاشق إذا انقطع عن رؤية معشوقه.

(١٠٣) مجلحة: حال ثانية للخيل، والحال الأولى جملة وعثيرها لأرجلها جنيب، ومجلحة مصممة ماضية شديدة الأقدام، ويُروى محجلة، وعلى هاتين الروايتين يكون لها خبرًا مقدمًا عما بعده. وروى الخوارزمي: محللة؛ أي قد أحلت لها أرض العدو فهي تطؤها. والسمر: الرماح، والمناحر: جمع منحر وهو موضع النحر من الحلق، والجنوب: جمع جنب وهو ما يلي الإبط إلى الكشح. يقول: وما بك مرض غير أن ترى الخيل على تلك الحال، وأن تراها مصممة ماضية أحلت لها أرض الأعادي تطؤها وتجتاحها وأحلت للرماح حناجرهم وجنوبهم تنفذ فيها.

(١٠٤) الأعنة: جمع عنان سير اللجام، وقرط الفارس عنان فرسه أرخاه حتى يجعله في قذاله للحضر (القذال: ما بين الأذنين من مؤخر الرأس، والحضر: الجري) فيصير لأذنه بمنزلة القرط، يقول: أرخ لها الأعنة؛ لترجع إلى بلاد الأعادي، فإنها لا تبعد عليها إذا طلبتها لسرعتها.

(١٠٥) الهمزة للاستفهام المحض أو للتقرير، وذا: اسم إشارة، وهفا: زل، والضريب: النظير، وبقراط: الطبيب اليوناني المشهور. يقول: أهذا الداء — داء ولوعه بالحرب إلى حد أن فيها شفاءه، وأنه لو قعد عنها يومًا ضجر ومرض — أهذا داء معضل لم يهتدِ إليه بقراط، وليس لصاحبه نظير؛ لأنه لا يُعرف أحد يمرض لترك الحرب، ويروى: إذا داء، على أن إذا أداة شرط وداء فاعل لفعل محذوف يؤخذ من لازم ما بعده؛ أي إذا خفي داء أو إذا أعضل داء ونحو ذلك. وقوله: فلم يعرف؛ جواب إذا، والفاء زائدة على مذهب البصريين، فيكون الفعل بعدها مستقبلًا. يقول: الداء الذي لم يذكره بقراط لا نظير لصاحبه بين الناس؛ لأنه لو كان له نظير لسبق مثله فذكره الأطباء، ويروى: أَذَا داءٍ — بجر داء — على أن الهمزة للنداء وذا بمعنى صاحب؛ أي يا صاحب الداء الذي هذه صفته.

(١٠٦) الوُضاء بضم الواو وتشديد الضاد: الشديد الوضاءة؛ أي الحسن من صيغ المبالغة كحسان وكبار، يقول: إنه ينظر منه إلى شمس لا تغيب؛ لأنه موجود ليل نهار بخلاف الشمس.

(١٠٧) أن يشحوا أي في أن يشحوا؛ أي إني أعذر الحساد في شحهم؛ أي بخلهم بالنظر إليه.

(١٠٨) يقول: إن القلوب تحسد العيون على نظر الممدوح، فإذا حسده على ذلك أحد فهو معذور.

(١٠٩) راعيًا وصارمًا: منصوبان على التمييز، وأصل العبث اللعب، ويقال: عبث به إذا ابتذله واستباح حرمته، والصارم: السيف القاطع، والضراب: بمعنى المضاربة؛ شبهه بالراعي وشبه هؤلاء الثائرين بالذئاب. يقول: إن الذئاب تعبث بغيرك في حال رعيه وسياسته، وبثلم الضراب غيرك في حال قطعه: أي إذا كنت أنت الراعي لم تعبث الذئاب بسوامك، وإذا كنت أنت الصارم لم يثلمك الضرب، والمعنى إذا كنت أنت الحافظ لرعيتك لم يحم حولهم أحد بما يضرهم خوفًا منك.

(١١٠) طرًّا أي جميعًا نصب على الحال. يقول: أنت تملك أنفس الإنس والجن جميعًا فكيف يكون لهذه القبيلة — قبيلة بني كلاب — أن تملك أنفسها؟

(١١١) معصية نصب على أنه حال أو مفعول لأجله، ويعاف: يمقت ويتحاشى، والورد: ورود الماء، والواو في قوله والموت الشراب: للحال، يعتذر لهم يقول: إنما تركوك وانهزموا حين طلبتهم خوفًا منك لا عصيانًا، وتمردوا عليك؛ لأنهم إذا ثبتوا أوردوا أنفسهم موارد التلف والهلاك.

(١١٢) يقول: تتبعت أمواه البادية في طلبهم حتى خشي السحاب أن تفتشه تطلبهم لديه لما فيه من الماء.

(١١٣) خب الفرس: أسرع، وقيل: الخبب أن ينقل الفرس أيامنه جميعًا وأياسره جميعًا، وقيل هو أن يراوح بين يديه ورجليه وكذلك البعير، والمسومة: الخيل المعلمة بعلامات تعرف بها. وقال أبو زيد في قوله تعالى: وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ: الخيل المسومة، المرسلة وعليها ركبانها وهو من قولك سومت فلانًا إذا خليته وسومه، أي وما يريد، والعراب: العربية. يقول: تعدو بك الخيل العربية المعلمة في طلبهم لا تعرف النوم.

(١١٤) العقاب: طائر من الجوارح يطلق على الذكر والأنثى قوي المخالب له منقار أعقف. شبهه — وهو في قلب الجيش والجيش حوله يضطرب للسير — بعقاب تهز جناحيها وتحركهما لدى طيرانها.

(١١٥) الفلوات: الصحاري، جعل طلبه إياهم في الفلوات كالسؤال عنهم، وجعل الظفر بهم كالجواب، وليس ثم سؤال ولا جواب، وإنها لاستعارة رائعة، يقول: ما زلت تتبع آثارهم في الفلوات حتى أدركتهم في إحداها.

(١١٦) ندى كفيك: فاعل قاتل، والواو من وفَرُّوا للحال؛ أي والحال أنهم قد فروا، وأصل الحريم ما يحميه الرجل ويذود عنه، والمراد هنا النساء، والقراب: القريب، يقول: إنهم فروا أمامك وهربوا وظفرت بحريمهم، فما كان منك إلا أن أحسنت إلى الحريم، وحلت دون سبيه وصنته فكأن جود كفيك والنسب القريب الذي بينك وبينهم قاتلا دون حريمهم.

(١١٧) يقول: وقاتل عنهم حفظك فيهم سلفي معد — يريد ربيعة ومضر؛ لأن سيف الدولة ينتهي إلى ربيعة لأنه من تغلب، وبنو كلاب ينتهون إلى مضر لأنهم من قيس، وربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان — وأنهم عشائرك وأنهم أصحابك.

(١١٨) تكفكف: تكف، والصم: الصلاب، والعوالي: صدور الرماح، وشرقت: غصت، والظعن: جمع ظعينة وهي المرأة ما دامت في الهودج، ثم كثر حتى قيل للمرأة ظعينة وإن لم تكن في هودج، والشعاب: جمع شعب وهو الطريق في الجبل، يقول: إنك تكف عنهم الرماح إشفاقًا عليهم، وقد فروا وغصت بظعائنهم شعاب الجبال.

(١١٩) الأجنة: جمع جنين وهو الولد في بطن أمه، والولايا: جمع ولية وهي شبه البرذعة تحمل على سِنام البعير، أو كساء يجعل تحت البرذعة، وقيل: كل ما ولي ظهر البعير من كساء أو غيره فهو ولية، وأجهضت: أسقطت، والحوائل: جمع حائل؛ الأنثى من أولاد الإبل، والسقاب: جمع سقب الذكر منها. يقول: لشدة فزعهم والهول الذي ألم بهم أجهضت النساء في البراذع؛ أي على ظهور الإبل، وأسقطت نوقهم أولادها ذكورًا وإناثًا.

(١٢٠) عمرو قبيلة منهم ذهبت ذات اليمين وتفرقت فصارت عمورًا، وكعب ذهبت ذات اليسار وتفرقت فصارت كعابًا. يريد أنهم لما انهزموا تفرقوا فصارت عمرو عمورًا وكذلك كعبًا، وفي هذا المعنى يقول كعب بن مالك:

رَأَيْتُ الشِّعْبَ مِنْ كَعْبٍ وَكَانُوا

مِنَ الشَّنَآنِ قَدْ صَارُوا كِعَابَا

(يريد أن آراءهم تفرقت وتضادت فكان كل ذي رأي منهم قبيلًا على حدته، فلذلك قال: صاروا كعابا.)

(١٢١) هؤلاء بطون بني كلاب، وأنث أبا بكر على معنى القبيلة أو العشيرة. يقول: إنهم لما انهزموا خذل بعضهم بعضًا؛ لتشاغلهم بأرواحهم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية