مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

تجديد الفكر العربي:غربة الروح بين أهلها-زكي نجيب محمودMp3

•••

ونود أن نقف وقفة أطول عند فرقة لها أهميتها البالغة، هي فرقة «الشيعة» وما يصاحبها من نزعة «باطنية» (على أن نلحظ هنا بأن النزعة الباطنية ليست مقتصرة على الشيعة وحدها)، فقد مرَّت بنا جماعات خرج على علي خروجًا بلغ أحيانًا إلى حد تكفيره؛ لأنه لم يقاتل من انصرفوا عن بيعته، وأمَّا «الشيعة» فهم الذين شايعوا عليًّا وقالوا بإمامته وخلافته، نصًّا ووصيةً، سواء كان ذلك النص أو هذه الوصية قد وردت جلية أو خَفِيَّة، وهم كذلك الذين اعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاد علي، وعندهم أن الإمامة ليست قضية مصلحية تناط باختيار العامة، لكنها قضية أصولية تعد ركنا أساسيًّا من أركان الدين.

وليس يقتصر أمر الشيعة على الجانب السياسي وحده، الذي يفضِّل رجلًا على رجل، أو أسرة على أسرة في أحقية الخلافة، ولكنه يجاوز ذلك ليمتد إلى أبعاد بعيدة في الفكر الإسلامي. وقبل أن نقدم إلى القارئ صورة موجزة لهذه الأبعاد — معتمدين في تقديمها، بصفة أساسية، على كتاب «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، تأليف هنري كوربان، وترجمة الأستاذين نصير مروة وحسن قبيسي — نريد أن نبين للقارئ أجلى بيان مُستطاع، أن هدفنا في تتبع هذه التيارات الفكرية ليس هو أن نشايع أو أن نعارض، بل هو أن نمهد الطريق الذي يمكِّننا آخرَ الأمر من الإجابة المقنعة المنصفة على سؤال رئيسي طرحناه، وجعلنا هذا الكتاب كله محاولة للجواب عليه وهو: إلى أي حد يمكن للعربي المعاصر أن يستعين بالتراث الفكري في معالجة مشكلاته الراهنة. ولقد تناصرت في الصفحات السابقة لمحات، يدل مجملها على رأي نراه مرجحين لصوابه، وهو أن هذا التراث كله بالنسبة إلى عصرنا قد فقد مكانته؛ لأنه يدور أساسًا على محور العلاقة بين الإنسان والله، على حين أن ما نلتمسه اليوم في لهفة مؤرقة هو محور تدور عليه العلاقة بين الإنسان والإنسان.

ونعود إلى الأعماق الفكرية التي تمتد إليها النظرة الشيعية: فبين أيدينا كتاب أُوحي به إلى النبي عليه السلام، وواجب المسلم أوَّلًا وآخرًا هو أن يلم بما جاء في هذا الكتاب إلمامًا لا يكفي فيه الوقوف عند سطح اللفظ الظاهر، بل لا بد من أن يتعمقه إلى أبعد ما يكمن وراء هذا السطح من أغوار. لكن هذا الفهم المتعمق مرهون بوجود الإنسان الذي يستطيعه، ثم ينقله إلى الآخرين، فإذا ما وصل هذا الإنسان إلى الأعماق الكامنة وراء الظاهر، كان بذلك قد وصل إلى «الحقيقة» أي إلى المعنى «الحقيقي» الذي قصدت إليه الإيحاءات الإلهية كما هي بادية في ظاهر اللفظ القرآني. ولقد تستطيع أن تقف عند ظاهر النص فتفهمه من حيث هو تركيب لفظي ينكشف معناه بمعرفتك للألفاظ ودلالاتها القاموسية، لكن مثل هذا الفهم — وإن دلك على أحكام الشريعة في الحلال والحرام وما إلى ذلك — فهو ليس بالفهم الذي يوصلك إلى المعنى الروحي. على أن المسافة بين المعنى الظاهر في طرف، والمعنى الروحي في طرف آخر، ليست هي المسافة التي تقطعها بوثبة واحدة، إنما هي طريق تتدرج مستوياته، ولكل امرئ من هذه المستويات المتدرجة ما تسعفه به قدرته.

فهناك إذن «شريعة» و«حقيقة»؛ الشريعة هي المظهر الخارجي للحقيقة، والحقيقة هي البُعد الداخلي للشريعة؛ الأولى ظاهر والثانية باطن، والظاهر رمز يرمز إلى خفيٍّ مقصود، والباطن هو المرموز إليه، الظاهر له مكانه وزمانه، وأمَّا الباطن فأزلي بغير مكان أو زمان. ولقد ذكرنا أن إدراك هذا الباطن محتاج إلى عارف بالسر، وذلك هو النبي، لكن النبوة قد خُتمت بمحمد عليه السلام، فما وسيلتنا من بعده إلى كشف السر الحقيقي الخافي وراء الظاهر؟ لا بد أن يكون هنالك «إمام» معصوم من الخطأ، يخلف النبي، ليكون هو كاشف الأسرار، فالتشيع إلى إمام بعينه لا يستهدف الجانب السياسي وحده، بل أهم من ذلك أنه هو الإمام الذي سوف يركن إليه في فهم المسلم لدينه فهمًا حقيقيًّا، وإن هذا الإمام العارف بسر الحقيقة، لينقل ذلك السر إلى من يخلفه، وهذا إلى من يخلفه، وهكذا دَوَالَيْكَ إلى أن تنتهي السلسلة عند حلقة بعينها.

ويرتكز الشيعة في سعيهم إلى المعنى الحقيقي الباطن للقرآن، على حديثٍ يُروى عن النبي عليه السلام، يقول: إن للقرآن ظهرًا وبطنًا، ولبطنه بطن إلى سبعة أبطن، وهو حديث يجعله المتصوفة أيضًا سندًا يستندون إليه في محاولاتهم التغلغل وراء ظاهر النص القرآني إلى ما قد يهتدون إليه من معانٍ حقيقية، يكون ذلك الظاهر المنصوص بمثابة الإيحاء الذي يشير إليها، وما «الإمام» عند الشيعة إلا الولي الملهم في بلوغ المعاني الحقيقة المستبطنة طي النصوص الظاهرة، ينقلها إلى الناس بطريقة «التعليم»؛ أي أن مسألة الفهم ليست موكلة إلى «عقل» يتأمل ويدرك ويقيس (كما هي الحال عند المعتزلة)، بل هي مسألة مرهونة بإمام عارف يلقِّنها إلى الناس تلقينًا، مستندًا في معرفته إلى الإلهام الروحي، لا إلى المحاولات العقلية.

فالطريق إذن مزدوجة، لها شعبة للنزول وأخرى للصعود، إن جاز هذا التعبير، فهنالك «تنزيل» من ناحية، ثم «تأويل» من ناحية أخرى، أمَّا التنزيل فهو ما أملاه جبريل على النبي من آيات، وأمَّا التأويل فهو حركة نئول بها — أي نعود — بدءًا من هذه الآيات فرجوعًا إلى الحقيقة الأولى التي كانت ينبوعًا لها، فلو بلغنا بالتأويل تلك الحقيقة الأولى، فقد بلغنا الجوهر الأزلي، وعرفنا الله سبحانه؛ وإذن فوجهة الفكر هي معرفة الله الذي يتجلى في هذا الكتاب المنزل. على أن هذه المعرفة لا تكمل للإنسان إلى على مراحل، فإذا وجدنا فكرة «الانتظار» أساسية عند الشيعة، فليس هو انتظارًا لوحي بشريعة جديدة، بل هو انتظارًا حتى تنكشف كل المعاني المستورة، وما انتظارهم للإمام الغائب إلا انتظارًا لمن يتمم عملية الظهور لما تنطوي عليه الإيحاءات الإلهية من إشارات.

إنه إذا كان دور النبوة قد انتهى، فإن دور الولاية يبدأ بذلك الانتهاء، ودور الولاية هو دور الإمام يعقب النبي، أعني هو دور الباطن يعقب الظاهر، أو هو دور الحقيقة تتلو دور الشريعة. وها هنا تجد بين فِرَق الشيعة تفاوتًا في درجة التوازن الذي يقيمونه بين الشريعة والحقيقة، بين الظاهر والباطن، فهنالك من لا يستغني بأحدهما عن الآخر، وهنالك من إذا وصل إلى الحقيقة أسقط الشريعة. ومهما يكن من أمر اعتدال المعتدلين أو تطرف المتطرفين في العلاقة بين وجهي الظاهر والباطن: هل يتعادلان أو يطغى أحدهما على الآخر، فإنه لا بد — في جميع الحالات — أن يقترن الجانبان اقترانًا لا ينفك قائمًا. ولعل أبسط صورة تصور لنا العلاقة بين الرسالة والنبوة والولاية، أعني بين الرسالة وهي في ظاهرها والرسالة وهي في باطنها، أن نتصور هذه الجوانب الثلاثة في صورة دوائر ثلاث ذات مركز واحد، الدائرة الوسطى في قلب الدائرة الكبرى، والدائرة الصغرى في قلب الوسطى، فالرسالة في ظاهرها هي بمثابة الدائرة الخارجية، وباطنها — أي الدائرة الوسطى — هي النبوة، وباطن النبوة — أي الدائرة الداخلية — هي الولاية، وبهذا يكون الرسول رسولًا ونبيًّا ووليًّا في شخص واحد، وإنما تكون له هذه الصفات بحسب العمق الذي يتعمق به بواطن رسالته تأويلًا لها بحيث يئول إلى الحقيقة الأزلية التي عنها صدرت رسالته، ويكون النبي هو كذلك وليًّا، وأمَّا الولي فهو ولي فحسب، بمعنى أن الولاية تتحقق له حالة إدراكه للسر الإلهي الكامن تحت النصوص الظاهرة. وإذا شئت تصويرًا آخر لهذه الطبقات الثلاثة، فقل إن الرسالة هي قشرة الثمرة، والنبوة لبها، والولاية هي الزيت الساري في ذلك اللب، فلو أُخِذَت الرسالة وحدها كان ذلك هو الشريعة مجردة عن النظرية الصوفية، وعلى أساس هذا التصوير تكون الولاية هي الغاية القصوى المقصودة من وراء الرسالة والنبوة معًا؛ لأن هاتين وسيلتان مؤديتان إليها.

إنه لا بد للكتاب من قَيِّمٍ يُناط به العلم به علمًا كاملًا، فنص القرآن وحده لا يكفي، لأنه — فضلًا عن معناه المستور وراء ظاهره — يشتمل على تناقضات ظاهرية، لا ترتفع إلا بالتأويل، وهو تأويل لا ينفع فيه اللجوء إلى الجدل الكلامي القائم على منطق العقل وقياسه، وإنما يحتاج الأمر إلى رجل ملهم ورث عن سلفه إرثًا روحيًّا يمكنه من الإلمام بالظاهر والباطن معًا في وحدة متصلة، وهذا هو ما ننعته بأنه حجة الله، أو قيِّم الكتاب، أو الإمام.

ولست أرى كيف أنتفع بهذه العُدَّة كلها، بملحقاتها وملحقات ملحقاتها، سلاحًا أخوض به مَعْمَعان هذا العصر؟ إن أبناء هذا العصر في سباق مميت نحو القوة بكل ضروبها، من سلاح وصناعة وعلم ومال وصحة وغيرها، فهل تفيدنا هذه المئونة الفكرية زادًا على الطريق؟ نعم، قد تنفع زادًا على الطريق إلى الجنة في اليوم الآخر، وهذا هدف — لا شك — منشود، لكن سؤالنا في هذا الكتاب منصرف دائمًا — دون التغاضي عن السعادة الأخروية وسبلها — إلى هذه الحياة الدنيا، وفي هذا العصر الذي نعيش تحت سمائه؟ إنني أترك للقارئ أن يجيب.

بل قد تجد من صفوة الأئمة الأقدمين من ينكر عليَّ مثل هذا النظر أن يكون سبيلًا إلى سعادة اليوم الآخر، ويرى فيه محاولة للانسلاخ من شرائع الدين، فهذا هو الإمام الغزالي، يؤلف كتابًا بأكمله، يسميه «فضائح الباطنية»، ليكشف به ما قد تنطوي عليه هذه الوجهة من النظر، فيقول:

إنَّ الباطنية سُمِّيَت بهذا الاسم لدعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار، بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القشرة، وعندهم أن من ارتقى إلى علم الباطن، انحط عنه التكليف واستراح من أعبائه، وغرضهم الأقصى إبطال الشرائع، فإنهم إذا انتزعوا عن العقائد موجب الظواهر فهموا الباطن فهمًا يمكنهم من الانسلاخ عن قواعد الدين؛ لأنه إذا سقطت الثقة بموجب الألفاظ الصريحة، فلا يبقى للشرع عصام يُرجَع إليه ويُعوَّل عليه.

فالسبب الباعث لهم على نصب هذه الدعوة — هكذا يقول الغزالي في الفصل الثاني من الباب الثاني — هو الانسلال من الدين كانسلال الشعرة من العجين. ثم يقول: تشاور جماعةٌ من المجوس والمزدكية وشرذمة من الثنوية الملحدين وطائفة كبيرة من ملحدة الفلاسفة المتقدمين، وضربوا سهام الرأي في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين، وينفس عنهم كربة ما دهاهم من أمر المسلمين، حتى أخرسوا ألسنتهم عن النطق بما هو معتقدهم من إنكار الصانع، وتكذيب الرسل، وجحد الحشر والنشر والمعاد إلى الله في آخر الأمر.

فبعد أن استولى المسلمون على ملك أسلافنا — هكذا يتصور الغزالي مخاطبة تلك الطوائف لنفسها — وانهمكوا في التنعم في الولايات، مستحقرين عقولنا … ولا مطمع في مقاومتهم بقتال، ولا سبيل إلى استنزالهم عما أصرُّوا عليه إلا بمكر واحتيال … فسبيلُنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم، وهم الروافض، ونتحصن بالانتساب إليهم، ونتباكى لأهل البيت عما حل بآل محمد … ونتوصل بذلك إلى تطويل اللسان في أئمة المسلمين، حتى إذا قبَّحنا أحوالهم في أعينهم، انسدَّ عليهم باب الرجوع إلى الشرع وسهُل علينا استدراجهم إلى الانخلاع عن الدين، فإن بقيَ عندهم معتصَم من ظواهر القرآن ومتواتِر الأخبار، أوهمناهم أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن، وأن أمارة الأحمق الانخداع بظواهرها، وعلامة الفطنة اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليها عقائدنا، ونزعم أنها المراد بظواهر القرآن.

ويمضي الغزالي في بقية أبواب الكتاب وفصوله يبين مذهب الباطنية جملةً وتفصيلًا؛ ليظهر فيه مواضع المؤاخذة والتناقض، ويكفي أنه مذهب يستند إلى قول الإمام المعصوم، منكرًا على العقول أن تكون مدرجة للحق.

فإذا كان هنالك من يرى في هذا المذهب طريقًا مسدودةً بالنسبة إلى علاقة الإنسان بالله وباليوم الآخر، فماذا عساه أن يكون بالنسبة إلى أمور الحياة الدنيا، وفي هذا القرن العشرين؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading