مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

تجديد الفكر العربي:غربة الروح بين أهلها-زكي نجيب محمودMp3

•••

إنَّ استعارتنا لما استعرناه من أبي حيان التوحيدي، للتشابه الذي رأيناه بين وقفته في زمنه والوقفة التي نظن أن الكاتب العربي المعاصر يقفها من معاصريه، لتَصلُح دليلًا على ما يؤخذ من التراث وما لا يؤخذ. وأستطيع أن ألخص رأيي في ذلك بعبارة واحدة قصيرة — تفصيلها وارد في سائر فصول هذا الكتاب — وهي أن ما نأخذه من تراثنا هو الشكل دون مضمونه؛ فقد نجد الأسلاف ذوي وقفة يغلب عليها النظر العقلي، فنأخذ منهم هذه العقلانية في النظر، وأمَّا موضوعاتهم التي صبوا عليها الفكر المنطقي، فلم تعد أغلب الحالات هي موضوعاتنا. وها هو ذا أبو حيان التوحيدي يضيق بنفسه، وتأخذه الحيرة؛ إذ يجد نفسه لا هو من أهل الدنيا الناجحين في أمورها، ولا هو من أهل الآخرة الذين يتجردون لها. وقد نضيق نحن بأنفسنا وتأخذنا الحيرة كذلك، لكن قلما يكون هذان هما الطرفان اللذان نتردد بينهما: الدنيا والآخرة، بل قد يكون الطرفان أمامنا هما: حياة معاصرة بكل أجهزة العصر وأدواته الفكرية، أو حياة تقليدية. وهكذا يكون التشابه في بنية الإطار، لا يتعداه إلى حشوه وفحواه.

وها أنا ذا أحمل طرفًا من مشكلاتي الراهنة — وقد أشرت إلى بعضها في الفصل السابق — لأعود به إلى جماعات الأسلاف باحثًا عن جماعة منها تصلح أن أنضوي تحت لوائها، لأجد عندها ما يرسم لي طريق الخلاص، فإذا وجدت تلك الجماعات كلها في وادٍ غير الوادي الذي أجتازه بهمومي، وإذا وجدت أن مسائلهم الشاغلة أمور أستكثر عليها اليوم لحظة واحدة من وقتي وجهدي ودراستي؛ لأنها أمور لا تشغل من ذهني خلية واحدة من خلاياه، إذا وجدت ذلك، كانت النتيجة التي لا مناص من قبولها، هي أن التراث الباقي من تلك الجماعات، هو أقرب إلى الآثار المحفوظة في المتاحف، لا أفرط فيها، لكني كذلك لا أستخدمها في شئون الحياة الجارية.

وأرجع إلى مؤرخي «الفِرَق» الإسلامية لأطالع ما كان يشغل تلك الفرق من مسائل، فأجدني كالتائه الغريب في مدينة تشعبت طرقاتها، يتكلم أهلها لغة لا يفهمها، ويتكلم هو لغة لا يفهمونها، كأهل الكهف إذ دخلوا المدينة بعد نومهم الطويل، فإذا هم في مدينتهم غرباء، في أيديهم نقود لم تعد قادرة على شراء، وعلى ألسنتهم ألفاظ لم تعد مؤدية.

نعم، إني لأرجع إلى مؤرخي «الفِرَق»، فأجدهم يبدءون عادةً بحديثٍ يُروى عن النبي عليه السلام بروايات تختلف قليلًا في لفظها، لكنها تتفق جميعًا على معنًى واحد، مؤداه أن أمة الإسلام ستتفرق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها على ضلال إلا واحدة فقط، هي وحدها الفرقة الناجية، يصفها عبد القاهر البغدادي فيقول إنها: «أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث، دون من يشتري لهو الحديث، وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدِّثوهم ومتكلمو أهل الحديث منهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته وعدله وحكمته، وفي أسمائه وصفاته، وفي أبواب النبوة والإمامة، وفي أحكام العُقبى، وفي سائر أصول الدين، وإنما يختلفون في الحلال والحرام من فروع الأحكام، وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تضليل ولا تفسيق، وهم الفرقة الناجية، ويجمعها الإقرار بتوحيد الصانع وقِدَمه، وقِدَم صفاته الأزلية، وإجازة رؤيته من غير تشبيه ولا تعطيل، مع الإقرار بكتب الله ورسله، وبتأييد شريعة الإسلام، وإباحة ما أباحه القرآن، وتحريم ما حرَّمَه القرآن، مع قبول ما صحَّ من سنة رسول الله ﷺ، واعتقاد الحشر والنشر، وسؤال الملكين في القبر، والإقرار بالحوض والميزان» (راجع «الفَرْق بين الفِرَق» ص٢٦).

فواضح من ذلك أنَّ البغدادي يفتح أبواب الجنة لأهل السنة والجماعة، ويوصدها دون سائر الفِرَق من خوارج، وروافض، وقدرية، وغيرها، مما يحاول أن يشققها ويفرعها حتى تبلغ اثنتين وسبعين فرقة، ليتم الصدق لحرفية الحديث النبوي السالف الذكر، ولو كان المؤرخ من الخوارج أو من الروافض أو من القدرية، لجعل فرقته التي ينتمي إليها هي الناجية وحدها، وأمَّا سواها فصائرة إلى جحيم.

وواضح كذلك أننا منذ البداية واجدون أنفسنا بين جماعات تدير اهتماماتها على مشكلات دينية، مأخوذةً من زاوية بعيدة بُعدًا شديدًا عن المجال الفكري الذي يتحرك فيه هذا العصر ومن يريدون العيش فيه، فما الذي كان يشغل القوم مما استدعى بينهم ضروبًا من الاتفاق والاختلاف؟

كان من أهم ما اهتموا به إمامة علي — رضي الله عنه — فهل كان أولى بالخلافة من الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان؟ وهل نصَّ الرسول على إمامته؟ وإذا كان قد فعل، فهل كان هذا النص بالوصف أو بالاسم؟ وهل كفر الصحابة الذين اختاروا خلفاء غير علي، أو لم يكفروا؟ … ولَكَ أن تتصور تحت هذه المسائل وأشباهها فروعًا، وفروعًا للفروع، ثم لَكَ أن تقرر بعد ذلك من ذا يكون على صواب ومن ذا يكون على خطأ، لكن هل تستطيع أن ترى على أي وجه يمكن لهذا الباب كله، بفروعه وفروع فروعه، أن يعيننا فيما نحن بصدده اليوم من معضلات؟

كان «الروافض» هم الذين أثاروا هذا الإشكال وجعلوه مدار اهتمامهم، وهم — فيما يذهب البغدادي — ثلاث فرق، تتفرع كل فرقة منها فروعًا، فالزيدية منهم ثلاثة فروع، والكيسانية فرعان، والإمامية خمسة عشر فرعًا، وكانت الأفكار الرئيسية التي يدور حولها البحث والحوار هي — كما أسلفنا — الطريقة التي نص بها الرسول على إمامة علي؛ فبعضهم يقول إنه نص بالوصف، وبعضهم الآخر يقول بل هو نص بالاسم؟ وتكفير الصحابة بتركهم بيعة علي؛ فبعضهم يقول إن الصحابة كفروا عندما اختاروا الأئمة الراشدين وتركوا عليًّا، وبعضهم الآخر يكتفي بالقول إنهم أخطئوا، لكنه خطأ لا يبلغ أن يكون كفرًا. ثم مسألة الإمامة بعد ذلك لمن تكون؟ فبعضهم يجعلها لأي واحد من أولاد علي، ما دام قد خرج شاهرًا سيفه، داعيًا إلى دينه، وكان عالمًا عارفًا، وبعضهم الآخر يقصر الإمامة على رجل بعينه، هو المهدي المنتظر الذي يخرج فيملك الأرض، مع اختلافهم بعد ذلك حول هذا الإمام المنتظر من يكون؟

ولقد ذهب غلاة من الروافض إلى تكفير علي نفسه؛ لأنه إذا كان الصحابة قد كفروا — في رأيهم — لتركهم بيعة علي، فعلي كذلك قد كفر لتركه قتالهم، وكان يلزمه قتالهم، كما لزمه قتال أصحاب صِفِّين، ومن القائلين بهذا بشار بن برد الشاعر، على أن الروافض جميعًا — على اختلافهم في المسائل التي ذكرناها — قد اجتمعوا فيما يظهر على رأي واحد بالنسبة لمرتكبي الكبائر، وهو أنهم مخلدون في النار.

وينقلنا هذا الرأي إلى جماعة أخرى، هي جماعة «الخوارج» التي تتشعب عشرين فرقة، تختلف فيما بينها على تفصيلات هنا وهناك، لكنها تجتمع كلها على تكفير علي وعثمان والْحَكمَيْن وأصحاب الْجَمل، وتكفير كل من رضيَ بتحكيم الحكمين، وتكفير مرتكبي الذنوب، ثم أوجبوا جميعًا خروج الناس على الإمام الجائر.

فالخوارج — في عبارة الشهرستاني — هم كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين والأئمة في كل زمان. وأول من خرج على أمير المؤمنين جماعة ممن كانوا معه في حرب صِفِّين، حين طُلب إلى أمير المؤمنين الاحتكام إلى كتاب الله فيما بينه وبين معارضيه من خلاف، وكان أمير المؤمنين يريد إقامة الحق بالقتال، فخرج عليه هؤلاء الخوارج قائلين: القوم يدعوننا إلى كتاب الله، وأنت تدعونا إلى السيف؟! وحملوه على قبول التحكيم، وعلى أن ينيب عنه أبا موسى الأشعري في التحكيم، وكان مبدؤهم ألا حَكَمَ إلا الله، ويجمع الخوارج أيضًا — كما يقول الشهرستاني — «على التبرِّي من عثمان وعلي، ويكفِّرون الكبائر، ويرون الخروج على الإمام — إذا خالف السنَّة — حقًّا واجبًا.»

وإن القول بتكفير المذنب مقترف الكبائر، ليدعونا إلى ذكر جماعة «الْمُرْجِئة» الذين نادوا بألا يكون لأحد حكم على أحد في هذه الدنيا من حيث معصية أوامر الله أو طاعتها، بل ينبغي أن يرجأ الحكم إلى يوم الحساب، يوم يكون العبد بين يدي خالقه. وفي رأيهم أن يفسح الأمل أمام الإنسان في مغفرة، فلا تضر — مع الإيمان — معصية، ولا تنفع — مع الكفر — طاعة، كما كانوا يقولون. وإنَّا لنلمح في هذا القول من المرجئة موضعًا من مواضع التعارض بينهم وبين المعتزلة (وسيرد ذكرهم بعد قليل)، الذين يرتبون على العدل الإلهي نتيجة ضرورية، هي ألا يعامل المؤمن والكافر على حد سواء، وذلك عندهم هو مبدأ «الوعد والوعيد».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading