مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
الاخبار الثقافية

رحيل أقوى صوت غربي مدافع عن القضية الفلسطينية و الشرق الاوسط:ديفيد هيرست ، صوت الحق والشجاعة-| مجيدة محمدي

امرأة ترتدي حجابًا أخضر، وتبتسم في الصورة، خلفية داكنة

غيب الموت هذا الاسبوع 22/09/2025  عن عمر 89 سنة رجلا بارزا ، وهو الصحفي البريطاني ديفيد هيرست بوصفه أحد أبرز الأقلام الحرة التي آثرت الانحياز إلى الحقيقة والعدالة، بعيدًا عن إغراءات التوازن الزائف أو الخطاب الموارب. فقد كرّس مسيرته المهنية للكتابة عن الشرق الأوسط، متخذًا من القضايا الإنسانية والحقوقية منطلقًا لرؤيته الصحفية، وجاعلًا من مأساة الشعب الفلسطيني محورًا لمقالاته وتحليلاته.

هيرست، الذي تولّى مناصب رفيعة في صحيفة الغارديان البريطانية قبل أن يؤسس موقع Middle East Eye، اشتهر بجرأته في نقد السياسات الغربية والإسرائيلية على حد سواء. وهو لا ينظر إلى الشرق الأوسط من زاوية الجغرافيا السياسية الباردة فحسب، بل يقرأه من خلال حكايات البشر، من خلال معاناة المدنيين تحت القصف، وصوت اللاجئ في المخيم، وصمود الأسرة التي فقدت كل شيء ولم تفقد إيمانها بالحق.

موقفه من القضية الفلسطينية

يحتل الموقف من فلسطين مركزًا محوريًا في فكر ديفيد هيرست. ففي مقالاته وتحليلاته المتعددة، يؤكد أن القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع إقليمي، بل قضية إنسانية وأخلاقية بامتياز، تكشف التناقضات العميقة في خطاب الديمقراطيات الغربية التي ترفع شعارات حقوق الإنسان فيما تغض الطرف عن معاناة الملايين من الفلسطينيين.

هيرست يرى أن إسرائيل قامت على سردية قائمة على القمع ونفي الآخر ، احتلالٌ للأرض، وتشويهٌ للهوية، وتبريرٌ للعنف باسم الأمن. ويذهب أبعد من ذلك في وصف هذه السردية باعتبارها مشروعًا مستمرًا لإلغاء وجود الشعب الفلسطيني، سواء عبر سياسات التهجير القسري، أو عبر الحصار والحرمان من أبسط مقومات الحياة. ومن هنا، فإن دفاعه عن الفلسطينيين ليس دفاعًا عن “طرف في نزاع”، بل عن شعب محروم من العدالة منذ عقود.

حقوق الإنسان كمرتكز لمشروعه الصحفي

ينطلق هيرست من قناعة راسخة بأن الصحافة لا معنى لها إن لم تكن منحازة إلى الإنسان في وجه القوة الغاشمة. ولهذا نجده ينتقد بلا تردّد الحملات العسكرية الإسرائيلية في كل الارض الفلسطينية و في غزة أخيرا، معتبرًا إياها تجسيدًا صارخًا للعقاب الجماعي، ومظهرًا من مظاهر انهيار المعايير الأخلاقية. وهو يذهب إلى أن إسرائيل، مهما امتلكت من ترسانة عسكرية، تخسر على المدى البعيد لأنها تُفقد نفسها الشرعية الأخلاقية أمام العالم، على غرار ما جرى مع الولايات المتحدة في حرب فيتنام.

كما يحذّر من مخاطر التطهير العرقي ونقل السكان قسرًا، معتبرًا هذه السياسات جريمة لا تغتفر في القانون الدولي، وخطوة ستؤدي إلى عزلة متزايدة لإسرائيل حتى وسط حلفائها الغربيين. في الوقت نفسه، لا يتردّد في إدانة المواقف الغربية المتواطئة أو الصامتة، التي يرى أنها تُسهم في إطالة أمد الاحتلال وتعميق معاناة الفلسطينيين.

فهم عميق للسردية الإسرائيلية

ما يميّز هيرست أيضًا هو فهمه الدقيق للسردية الإسرائيلية الداخلية، تلك السردية التي تقوم على الخوف من الآخر وتبرير العنف باعتباره وسيلة للبقاء. وهو يكشف في مقالاته أن هذا الخطاب، الذي طالما ساد في الأوساط الغربية بوصفه رواية مقنعة، بدأ يتصدّع تحت ضغط الصور الخارجة من غزة والضفة الغربية، ومع تنامي وعي عالمي يرفض تبرير القمع باسم الأمن.

هيرست لا يكتفي بوصف الوقائع، بل يضعها في سياق تاريخي ممتد، ليبرهن أن ما يجري اليوم هو امتداد لنكبة 1948، وأن الاحتلال ليس حدثًا عابرًا بل بنية ممنهجة لإلغاء الآخر. ولهذا يؤكد أن أي سلام حقيقي لا يمكن أن يتحقق ما لم يُعترف بحق الفلسطينيين في الأرض والحرية والسيادة الكاملة.

إرث صحفي قائم على الشجاعة

في مسيرته الطويلة، لم يتردّد ديفيد هيرست في أن يكون صوتًا مغايرًا في الإعلام الغربي. فبينما تميل بعض الصحف الكبرى إلى إعادة إنتاج الرواية الرسمية فقد سعى هو إلى تفكيك هذه الرواية، وكشف ما يُخفيه الخطاب السياسي والإعلامي من حقائق مؤلمة على الأرض رغم ماعاناه من تضييق ومحاولات اغتيال فقد  اتخذ موقعه الصحفي منصة لإسماع الصوت الفلسطيني، وللدفاع عن حقوق الإنسان في كل مكان،  لكن اهمها مظلمة فلسطين، معتبرًا أن الظلم واحد مهما اختلفت الجغرافيا.

خاتمة

يمكن القول إن ديفيد هيرست يمثّل نموذجًا للصحفي الحر الذي يرفض أن يكون شاهد زور في زمن الطغيان. مواقفه النبيلة من فلسطين ومن حقوق الإنسان في العالم جعلت منه شخصية يحترمها كثيرون في الشرق الأوسط، ويخشى صوته كثيرون في الغرب. وهو في كل ما يكتب يذكّر بأن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل  رسالة لقول الحقيقة، وللانتصار للإنسان ضد آلة الاحتلال والقمع ونفي الآخر.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading