دلالات الليل، وازدواجية المشاهد في تركيبة ديوان “تصبح فرسًا” لمليكة العاصمي ✍️د.عبد المجيد بنجلالي- المغرب
كتاب ملاك الشعر وسحر القراءة، منشورات دار الثقافة للنشر والتوزيع الدار البيضاء، ط1، 2022.

ديوان “تُصبحُ فرسا” ، إلهامٌ شعريّ عكَسَ كلَّ رقْصةٍ أطربتْ وجدان الشاعرة مليكة العاصمي وسلبَتْ عقلها من جهة، كما يعكس كلَّ وخْز وألمٍ مرّ عابرا أو عمّر طويلا فغيّر من رؤيتها للحياة والإنسان والطبيعة من حولها من جهة أخرى. وكلّ من دخل عوالم هذا الديوان مُتجرِّدًا من علْمِه وعمَله ومرْجعياتِه وأحكامِه، سيجد أنّ الحياة في مجتمع هذا الديوان أصبحت مختلفة، وأنّ الزمنَ الذي يعيش فيه مختلفٌ، والبيئة أو الطبيعة المحيطة به قد تغيّرت معالمها…
إنّه ديوان شعريٌّ نسجتْه الشاعرة بحسِّها المُرهف، وبمَلَكتِها الإبداعية التي لا تُضاهى، وبِهَمْسِها الذي يخترق الحنايا والضّلوع، وبجهْرها الذي يَصُمُّ الآذان، وبإيقاع كلماتِها التي تَطْرَبُ لها العقول، وبِفَنِّيةٍ في التّعبير لا تنقادُ إلا لِمن تربَّعُوا حقَّا على مملكةِ الشِّعْر، وتناوَبُوا على كرسِيِّ عَرْشِه.
كما نجد في هذا الديوان كذلك مُجتمعًا قائمًا بذاتِه (مجتمع الديوان)، ونعيش فيه مع عوالم الشاعرة الداخلية، وهي عوالمُ عرفت مدًّا وجَزْرًا، واغترابًا وأُلفةً، وغفوة ويقظَة، وحُزنًا وفرحًا، ويأسًا وأملًا… كما عرفتْ مملكةُ الشاعرة براءة إنسانةٍ، وصدْقَ شاعرةٍ، وعكَسَتْ نظرةً ذاتَ بُعْدٍ وطني، وعُمقٍ دينيّ، ونقْدٍ ثقافي وسياسي، وانتقادٍ لمجتمع المنافقين والمُرائين، والعاملين على تحقيق رغبتهم في خلْق مجتمعٍ يتحقّقُ فيه التطهير المعرفي، والتّسييج الثقافي، والغرقُ في بحر ظلمات الخرافات والأساطير…، إنه مجتمع مُسيَّجٌ من كلّ جانب حتى من غرائزه الفطرية إلى أن أضحت صورة الرجل فيه مهترئةً، وديناميتهُ مُعطَّلةً، يُعدّ الإنسانُ فيه من الأحياءِ وهو عَديمُ…
يجمع ديوان الشاعرة مليكة العاصمي بين الجرأة، والإبداع، والإيحاء، ويقود إلى غنّوصية أفلوطينية، وإلى صوفية حُلولية، لا يعرف لذّتَها، ومُتعَتَها، وخَبَلَها، وجِنَّتَهَا، ومدَّها وجَزْرها، وهدوءها وصَخَبَها، وعُلُوَّها واستفَالَها…، إلّا مَنْ حَجَزَ تذكرتَهُ مُسْبقًا لِيَلِجَ عوالِمَ الكوْن اللّيْلي في هذا الديوان، ويعيشَ مع أطياف مجتمع الديوان كافّة.
فهل كان اللّيلُ مُجرَّدّ صُورةٍ شعرية عاشتْها الشاعرة وتفاعَلَتْ معها على مستوى المتخيَّل عن طريق التّداعي، ورسْمِ الصّوَر واللّوحاتِ الفَنّية بواسطة قصائِدَ ومقطوعاتٍ؟ أم أنّ الشّاعرَة كانتْ تُولَدُ كلَّ ليلةٍ من جديدٍ، وتُبْعثُ من جديد، وتحيا من جديد؟
كيف أزاحَت الشاعِرة النهار مِن منظومة الزّمن في هذا الديوان؟ وهل استطاعتْ أن تتخلّى عن نِصْفِها المُضِيء لتعيشَ بنصفها المُظلم؟ هل نجحتْ في أن تُقاومَ النهار بالليل؟ وما الذي جعلَها تَفرُّ من النهار إلى الليل؟ أهو إثْمٌ حَاك في نفْسِها وخشيتْ أن يطّلعَ عليه الناس؟ أم أنّها أحبّتْ أن ترى النّاس والعالم من حَوْلِها باللونِ الأسود، وتنْأى عن الواجهات البرّاقة والمُزيّفة التي يُبْديها النهار ويُخفيهَا الليل؟
يتشكَّل هذا العملُ الإبداعيُّ من قصائد شعرية (سنأتي على ذكْر عناوينها لاحقًا) تختلفُ فيما بينها طولاً وقِصَرًا، وتَتَمطَّطُ القصيدةُ أحيانًا لِتَشغَل حيِّزًا ورَقيًّا يصل إلى اثنتيْ عشْرةَ صفحةً مثلما هو الشأن بالنسبة لقصيدة “تزميمْ2014″( )، كما تتقلَّص القصائدُ لتشغلَ صفحةً واحدة على شكْل لافتةٍ، أو لوحةٍ فَنِّيةٍ تختزل المسافاتِ في الإبداع، والتاريخ، والزَّمن مثل قصيدة: “شفافية” .
إنَّ كُلَّ حالٍّ بديوانِ “تُصبحُ فرسًا”، أوْ مَارٍّ به، أو مُرْتحِلٍ عنهُ بعد قراءتِه سَيَجِدُ شيئًا مَا يَجْذِبُه إليه من جديد، ويُحيي فيه رغبةَ العودةِ مرَّاتٍ ومرَّات…، وذلك لكوْنِ قصائِد هذا الديوان تتَّفِقُ – مهما تعدَّدَتْ أحجامُها- في كونِها كُلَّمَا أعَدْتَ قراءَتَهَا وأصْغيْتَ إليْها وتقمّصْتَها، زادتْك من مكنوناتِها وإيحاءاتِها وإِشَاراتِها؛ فهي كما قال الشاعِرُ الجاهليّ المزرّد بن ضرار الذبياني (أخو الشمّاخ):
تُكرُّ فلا تزداد إلا استنارةً إذا رازتِ الشِّعرَ الشّفاهُ العَوامِلُ
فمَن أرْمه منها ببيتٍ يَلُحْ به كشامةِ وَجْهٍ، ليس للشّامِ غاسِلُ
كذاك جزائي في الهَدِيِّ وإن أقلْ فلا البَحْرُ منزُوحٌ ولا الصوتُ صاحلُ
فَعَدِّ قريض الشِّعْر إن كنتَ مُغْزِرًا فإنَّ غزيرَ الشِّعر ما شاءَ قائل
اثنتان وعشرون قصيدة، خمسٌ منها مقيَّدةٌ بفضاء مدينة برشلونة الإسبانية، وما تبقّى منها قصائد حرّة طليقة. وقد جاءت عناوين قصائد الديوان مع التّنصيص على رقم صفحاتها حسب الترتيب الآتي:
أبي 7.
رقصٌ في الهواء 12.
سأغنّي الليلة أغنيتي 16.
تعصرني الأفعى 16.
تأبيد 21.
حلول القيامة 23.
طيوب 29.
انفجار 31.
تصبح فرسا 33.
حبْوًا أجيئ القدس وإخوتها 37.
تهدّ محور الجبال 41.
أمانا 43.
تحمل يا وطني 47.
مجلس 51.
صمودٌ وسط الإعصار 53.
حتما سيؤوب 58.
تزميم 2014 66.
قصائد برشلونة 79:
1- على الطبيعة في برشلونة 79.
2- شفافية 82.
3- رجل يلبس بذلة 83.
4- بقعة صغيرة وسط حشد المصطافين 85.
5- الحي القوطي87.
يضمّ الديوان قصائدَ شعرية تُدخلك إلى عوالم الشعر الذي يحمل فيه المبدعُ همومَ الإنسان، ويَصدعُ فيه برسالة الشعر السامية. كما تتجلّى في هذا الديوان تداعياتُ الإبداع الموغلةُ في فقهِ الواقع وسَبْر أغوار العوالم الدّفينة للعالم الذي نعيش فيه، والأنظمةِ العلائقية التي تربط الأمم والشعوب، وهي العلائق التي طغى مُرُّها على حُلوها، وخيَّم طقسُ الخيانة والغدْر والوصولية والنّفاق عليها.
إنّ المتأمِّلَ في قصائد ديوان “تُصبحُ فرَسًا” سيجدُ أَنَّها تُعبِّرُ بوضوحها وغموضها، وبإشاراتها وإيحاءاتها، وبعُمقها التاريخي وجُنُوحها الفلسفيّ أحيانًا، عن أشياءَ غمِيسةٍ ودفينةٍ مهما بدتْ في الظّاهر أنَّهَا واضِحةٌ وجَليَّةٌ.
وقبْل أن نحطّ الرّحال في خيمة ليل الشاعرة في هذا الديوان، لنرقُبَ معها ما كان لافِتًا في الكون الخارجي والعوالم الداخلية، نرى لزاما أن نتوقف قليلا لنسلّط الضوء على جانب من توظيف الليل في الشعر العربي القديم لنتخذ سبيلنا بعد ذلك في عوالم ليل هذا الديوان.
لفظ “الليل”، من الألفاظ التي وظفها الشعراء قديما وحديثا، في الشعر العربي والغربي على حدّ سواء. وقد غدا الليل في الشعر القديم عنوانا ورمزا وشعارًا لكلّ مَكْلوم ومهموم. ويتربّع على عرش هذا الاتجاه الشاعر امرؤ القيس حين قرنَه بكلّ ما يُنغّص على الإنسان حياته وسعادته من خوف وابتلاء وهموم وحزن ووساوس منذ أن صدع بقوله:
وليلٍ كموج البحر أرخَى سُدولَه عليّ بأنواعِ الهموم ليبتلِي
فقلتُ له لمّا تمطّى بصُلْبه وأردفَ أعْجازًا وناء بكلكلِ
ألا أيها الليلُ الطويل ألا انجلِي بصُبحٍ وما الإصباحُ منك بأمثلِ
فيالكَ من ليلٍ كأنّ نجومَـــــهُ بكلِّ مُغارِ الفتْل شُدَّتْ بيَذْبـُــــلِ
كأنّ الثريّا عُلّقتْ في مَصَامِها بأمْراسِ كتّانٍ إلى صُمِّ جَنْـــــدَلِ .
فالليلُ مظلِمٌ بظلْمته، والنهار مُظلمٌ بظلمةٍ في دواخلِ الشاعر نتيجة الامتداد الزمنيّ لهموم الليل وتفاعلاته وانعكاس كلِّ ذلك على نفسية الشاعر. ولا نستغرب إذا وجدنا لفظة “ليل” قد تكرر عددُها لدى امرئ القيس ما يقارب “سبعا وثلاثين مرة في ديوانه موزّعة بين (ليل، ليالي، ليلة)” ، وبذلك يتحوّل الليل من مدّة زمنية إلى معاناة نفسية حين” يشكّل مصدر ابتلاء ومحنة للشاعر” .
وعلى هذه الشاكلة سار كثير من الشعراء الذين جاؤوا بعد امرئ القيس في التعبير عن معاناتهم عبر الليل وطوله المجسّدِ في الزّمن النفسيّ، يقول جرير:
أَبُدِّلَ هذا الليلُ لا تسْري كواكبُهُ أم طالَ حتّى حسبتُ النّجْمَ حيْرانَا.
وفي السياق نفسه يقول بشار بن برد:
خليليَّ ما بالُ الدجى لا تَزحْزحُ وما لعمود الصّبْح لا يتوضّحُ
أضلَّ الطّريقُ المستنيرُ طريقَه أم الدّهر ليْلٌ كلّه ليس يبْرحُ
وطال عليَّ اللّيلُ حتّى كأنّه بليْليْنِ موصولٌ فما يتزحزحُ
كأنّ الدّجى زادتْ وما زادت الدجى ولكن أطال الليل همٌّ مبرَّحُ
لقد هاج دمْعي نازجٌ بنُزوحه ونومي إذا نوّم الناس أنْزحُ
يخيِّمُ الليل في ديوان ” تصبح فرسا” على كلّ أرجاء الكون الذي تخيّلتْه الشاعرة. وبالرغم من هذه الهيْمَنة؛ فإننا نجدها تخُصُّ قصائدَ بذكر الليل وتُعنْونُها به، أو من خلال قرائنَ تشكّلُ منظومةً من القرابة العائلية لمفردات تقتربُ من الليل، أو تتناسل معه بشكل جليّ أو خفيّ.
تسيرُ قصائد ديوان ” تصبح فرسا” عبر مساربَ ودروبٍ جرتْ وقائعُها الإبداعية في ظلمةٍ دَرَجيةٍ متفاوتةٍ مهما بدا الإصباحُ الواردُ في العنوان، أو ضوءُ النهار الذي قد نصادفه في قصائد الديوان. فالظلمةُ هي المخيّمة فيما ورائيات هذه القصائد بقرائنَ معجميةٍ مباشرة أحيانا أو إيحائية أحيانا أخرى. ومن ذلك، أنّ الظلمةَ قد تكون ظلمةَ الليل الحقيقية، كما قد تكونُ ظلمةَ النهار المجازية. وتمتدّ لتشملَ ظلمة القبر، وظلمةَ البَشرة المشتهاة بشاطئ برشلونة في وضح النهار…
وفعلُ “تصبحُ” الوارد في عنوان الديوان، يُفصح عن تباشير (الصّباح)، ويعطي إيحاءً بأنَّ كلَّ ما هو مُبدَعٌ في هذا الديوان جرت وقائعُه في دهاليز الظلمة من أول الليل إلى غبش الفجر.
ولا ينبغي أن نفهم ممّا تقدّم أن توظيفَ الليل جاء رصدًا للمعجم الدالّ عليه أو اقتصر على ذلك دون سواه؛ وإنما كان توظيفُ الشاعرة مليكة العاصمي له توظيفا ارتقتْ به إلى سدْرة المنتهى في التّخييل وتداعياتهِ، وغاصتْ في أعماق الإنسان ليكتشف المتلقّي لقصائد هذا الديوان من خلال هذا العنصر (الليل)، عالمَ ذات الشاعرة وما يحيط بها من عوالمَ أخرى انطلقت فيها من طوافٍ قاصدٍ حول كعبة الليل لينتهيَ طوافُها بالمآسي والعبث والضياع.
وسأعمَدُ في هذه الدراسة إلى جرْدٍ معجميٍّ للّيل وما يرتبط به أو يدلُّ عليه لأعرّجَ بعد ذلك على بعض القصائد التي قد أقفُ عندها قليلا لكوْنها تشكّل بالنسبة لي بؤرة الليل من خلال عناوينها وأبعاد مضامينها، ولكوْنها أفاضتْ في هتك الحجُب الواردة في القصيدة البؤرة “تصبح فرسا”، وقادتْ إلى تقديم مشهديْن مختلفيْن ومتباينيْن لهما صلة بالوطن والوطنية وطبيعة إنسان مجتمع الدّيوان.
ويمكن تقديمُ نماذج ضمن ما أسميتُه بمعجم “الليل” وحقوله الدلالية، والمميّزات اللاصقة به في الآتي:
أولا: معجم الليل وما يُحيلُ عليه:
-الليلة: ص 12- 13.
-الليل: ص 13- 18- 33.
-قبل الفجر: ص 9.
-الفجر: ص 13.
– لِحاظُ الليل: ص19.
-كبد الليل: ص19.
-طلعت الأقمار: ص20.
-أعين الليل: ص20.
-الغَلَس (ظلمة آخر الليل): ص 16.
-هزيعُ ليلةِ الوداع: ص 41.
-جُنحُ الليل: ص 43.
-الغلس: ص 43.
-وحْش الليل: ص 43.
-يُظلِمني: ص43.
-لا ينبلجُ الفجر: ص44.
-الدُّجُن: ص44.
– ترسوا الكواكب في بُرجها: ص44.
-الدُّجنةُ: ص 62.
ثانيا: قرائنُ تُحيل على الظلمة:
-تصبحُ: تحيل على زمنِ ما قبل الإصباح: عنوان الديوان+ ص33.
-مقبرة القدّيسين: ظلمةُ القبر، ص6.
-واقعةُ الأُخدود: ظلمة القبر، ص7- 8.
-قبل مُكاء الطير: ص9.
-أفتضّ الظلمة: ص11.
-تغوصُ شعلة الأنوار: ص17.
-سحَب الضوءُ دثاره: ص19.
-خيالي… يَختفي في الغمّ: ص 20.
-ذبذبات الصّباحات: ص22.
-كهف: ص 22.
-أغنياتُ المساءات: ص22.
-طمرتُ: ص25.
-الخبيئات في غُرف الذاكرة: ص26.
-المطر الأسود: ص 33.
-الفرسان السُّود: ص 35.
-يُنازع القمريّ: ص 41.
-يَلقمُني الحوت: ص45.
تعمل الشاعرة على تدمير النهار والنور والشمس وكلّ ما يضيءُ الكوْنَ لكي يتجلّى ويَبْرُزَ ليلُ ديوانها بكلِّ(أنواره).
إنّ الولوجَ إلى ليْلِ وظُلْمةِ هذا الديوان يُفْضي إلى إعادة بَرْمجَتِنا كقرّاء للاقتناع بوجود حياةٍ ليليةٍ أصبحتْ عُمْدةً وأصْلًا، وأضْحى معَها النَّهارُ فَضْلَةً وفرْعًا، مع ملاحظة أنّ القارئ الذي يسير على خطى الشاعرة، ويحترق بلهيب حبّ الوطن، لا يستطيع تحمّل المكوث طويلا في ليْلِ هذا الدّيوان.
إنّه ليْلٌ لا نهارَ فيه، وظلمةٌ لا ضياء فيها. فقد أصبحَ الليل سرمديا بكلّ أبعاده الدلالية وإيحاءاته المجازية… ومَن يقوى على البقاء إذا كانت الظُّلمةُ مقرونةً أحيانا بالدّنس:
” يُولِّي الزّمنُ على عقبيْهِ
ولا ينبلجُ الفجْرُ
تَرِينُ الدُّجُنُ .
أو عندما تُقرنُ الظّلْمةُ بالظمأ والضُّرّ:
” إذا داهمني في جُنْحِ الليْلِ
الظّمأ القاتلُ
أو مسّنيَ الضرُّ الأبديُّ الجاثمُ .
ثنائية المشاهد وتنوُّعُها في تركيبة قصائد الديوان:
اللافت في هذا الديوان أنّ أغلب قصائده تمَّ بناؤها على ثنائية التضادّ، أو لنقل تقدّم أغلبُ قصائده مشهديْن متباينيْن. والظّلْمةُ جاثمةٌ في كلّ تلك المشاهد. غير أنّها تتشكّلُ وتأخُذُ أنماطا مختلفة. فقد تكون ظلمةً نفسية أو اجتماعية أو سياسية…، وهي في كلّ هذه المحطّاتِ يتمُّ التّعبيرُ عنها بطُرُقٍ إبداعية مختلفةٍ قد تكونُ واضحةً أو مرموزةً. ويُمكن تلمُّسُ تشكّلاتها عبر هذه النماذج من الثنائيات:
1- ثنائيةُ الوطن في صورتيْن مُعاكستيْن حقيقةً ومجازًا:
تقول الشاعرة في هذه قصيدة “تحمل يا وطني” :
“في نظراتكَ يزدهرُ البرتقالُ
ومنك تضيءُ الحقولُ
وتورقُ
بَسْمتُها تتبدَّى زمُرُّدةً
مُتأنِّقةً
ويصير المدى زمنًا للتواصلِ
واللَّهوِ
يكبُر فيه ضجيجُ الحياةِ
وشوقُ التَّفتحِّ
وطنٌ تَأوي الشّمسُ إلى أحضانهِ
وطنٌ يحتضنُ الشَّمسَ
تسكنُ فيهِ
إليهِ
تُصبِّحُهُ أوَّلَ ما تَفتحُ عينيْها
وتقبِّلهُ
وتدلِّلُـهُ
وطنٌ اِبْنُ الشّمسْ
…
منه
ينتشرُ النّورْ” .
ففي هذا المشهد من هذه القصيدة نجد أن:
– البرتقال ← يزدهر بنظرة الوطن.
– الحقول تورق وتُضاء ← بنظرة الوطن.
– الشمس تأوي ← إلى الوطن.
– الوطن يحتضن ← الشمس.
– الشمس تسكن ← في الوطن.
– الوطن← ابن الشمس.
– من الوطن
ينتشر النور.
الأصل هو الظلمة في هذه القصيدة ومثيلاتها في الديوان. وقد يكون ضوءُ النّهار مستعارا وليس حقيقة ما دام هذا الضوءُ انعكاسا للوطن الذي يحتضنُ الشّمس فتُضاءُ الحقولُ عبْر نظرات الوطنِ وعُيونه. وبهذه الصورة يتحوّل الوطن إلى الكوْن بكامله بما يحمله من كواكبَ وشموسٍ منيرة:
“وطنٌ يمتلك…
….النور” .
فالشّمسُ في هذه القصيدة قد يكونُ لها وجودٌ في عالَم الدّيوان طالما أنّ حقولَ البرتقال تُضاءُ بنظْرةِ الوطن، والوطنُ هو من يحتضِنُ الشمسَ، والشّمسُ تسكنُ في هذا الوطن الذي لولاهُ لما انتشرَ النّور. ومَن يتعقّبُ خطى كلماتِ هذا الدّيوان وجُملَه ومقاطعه وقصائده في بعضها وكُلِّها، في نقصها واكتمالها، في بدْئها وختامها؛ فسيجد أنّ الأصلَ هو الليل والظّلمة وألّا وجود لضوء الشمس فيه.
فالليلُ هو السّرمديّ والظلمةُ هي المخيّمة بجميعِ ما تحْملهُ من دلالاتٍ كونيةٍ ونفسيةٍ. وبذلك تتحقّقُ وحدة الزّمن الذي يصبحُ متواصلا على صورة واحدة (ليلٌ لا نهار يعقُبه) بدليل أن الحياة فيه مستمرّة وعبارةٌ عن لهْوٍ، كما أنّها تتميّز بالضّجيج والشوق والتّفتّح؛ وهي إشارات تتحقّقُ كلُّها في ليْلِ الديوان لا في نهاره:
“ويصير المدى زمنًا للتّواصلِ
واللّهوِ
يَكبُرُ فيه ضجيجُ الحياةِ
وشوْقُ التّفتّح” .
وبالرّغْم من أنّ المُبدعةُ استطاعت في هذه القصيدة أن تُسْكنَ القارئَ في جنّات الخُلْد من كَرْمٍ ونخيلٍ وجنانٍ ووِهادٍ وأباريقَ من الفضّة والذّهب والحور العِين كما في قوْلها:
” في تربتِه أوْدعَ ربُّ الأربابِ
ودائعَهُ
كرْمٌ مُمتدٌّ
ونخيلٌ
وظلالُ السُّندسِ
وجِنانٌ
ووِهادٌ
وأباريقُ الفضّةِ
والذهب
وحورٌ عِينْ
وطنٌ يمتلك الدنيا .
فإنّ القارئ – مع ذلك- لا يشعرُ بالأمان في هذه الجنان بسبب أنّ هذه الجنان بما تحويه ممّا لذّ وطاب تقع في وطنٍ هذه بعضُ مواصفاته:
“وطنٌ يصرعهُ البغيُ،
أين بَنيهِ
حُماتُهُ
أين؟
…
تَحمِلُ يا وطني بالنّفاياتِ والقشّ” .
من ينظر في هذه التعابير والجمل والمفرداتِ المُستخلَصَة من هذه القصيدة (تحمل يا وطني)، سيجد أنّه لا وجود للشمس الحقيقية، وأنّ ما نراه من إضاءة للشمس التي تبدو في كبد السماء لا يعدو أن يكون انعكاسا لنور الوطن، وأنّ الوطن هو النور والضياء والمحتضِنُ الدافئ لساكنيه والمقيمين فيه. لكنّ الوطن الذي هو مصدر النّور تغيّرتْ معالمُه ممّا يُنْدِرُ بانحباس مصدر ضوء الشمس. ويتّضح ذلك في أنّ الصورة التي قدّمتْها هذه القصيدةُ عن الضياء والوطن لم تدم طويلا، وإنّما كانت سحابة صيْفٍ تبدّد ضوؤها بسرعة حين تغيّرتْ معالم الوطن الذي كان مصدرَ انبعاث الضّوء تلوّث وأصبح في صورة مغايرة تمامًا حين أصبحت الصّورةُ معاكِسةً لكلّ مصادر الضّوء والنور.
1- المتاجرون برموز الهُوية الوطنية والإسلامية والصامدون في وجهم:
تُمثّل هذه الثنائيةُ بشكلٍ أوضح قصيدة: (حبْوًا أجيء القدْسَ وإخوتَها). وهي قصيدة مُتْخمةٌ بروح النّضال والوطنية وحمْلِ همّ القضايا العربية والإسلامية. غير أنّ الوجه الآخر فيها هو حسرة الشاعرة على من يتاجرون بقضايانا الوطنية وبرموز هويتنا وتمتدّ تجارتُهم لتشملَ القضايا الإسلامية مثل القدس الشريف.
وقد رسمت الشّاعرة مشاعرَها إبداعيا، وعبّرتْ عن كلّ ما يمكن أن تفعلَه من أجل القدس مهما كلّفها ذلك من زحفٍ على البطن وسلْخٍ للجلد وتحمُّلٍ لكلِّ أذًى يَلْحقُ بها. ويزدادُ تشوُّقُ الشاعرة لما رسمتْه في ديوانها بقدْر ارتفاع منسوبِ تقاعُس العرب وخياناتهم:
” يتضوَّعُ طقْسُ الخيانةِ في الجُبَّةِ العربيةْ
أشُمُّ نَتانَتَها
فيا أُمُّ هلْ غادرَ الشّعراءْ.
2- ثنائية الإنسان والحيوان:
ومن هوامّ وحيوانات هذا الديوان على غرار ما ورد في كتاب “كليلة ودمنة” من زاوية معينة جاءت قصيدة (مجلس) بهذا المعجم:
– النمل الأعور، ص 50.
– النمل “الملهاط”، ص 50.
– الجرذان، ص 50.
– القرد، ص 50.
– الثعلب (أوسخهم)، ص51.
– القرد (أوسخهم)، ص51.
كلّ هذه الحيوانات خرجْن تِباعا من المجلس لتبدأ الشاعرة الفصل الثاني من هذه القصيدة، وتكشف عن هوية هؤلاء المذكورين في مجلس القصيدة بحيث لم يكونوا نمْلا ولا جُرذانا ولا ثعالبَ ولا قردةً؛ وإنما هم أناسٌ يعيشون ويتناوبون على التّبْواسْ في مجتمع ديوان” تصبح فرسا”. وعلى هذه الشاكلة، وقياسًا على هذا المشهد، يعيش الأقوام وتُعقَد المجالسُ عبْر فصولٍ ومشاهدَ مثل التي تجري على خشبة المسرح مع فارقٍيكْمُنُ في أنّ فصولَ المسرحية قد تكون للإفادة أو الإمتاع والمؤانسة، بينما فصول مجالس الديوان تُعقَد للمكر والنفاق… وبهذه الصّورة يحيا الوطن. غير أنّ الحقّ لا يَعدِم أنصارا؛ فهناك من يصْمد وسط هذه الأعاصير مهما كلّفه الأمر ذلك. ومن ثمَّ يُمثّلُ الصامد في الإعصار الوجه الحقيقي للمأمول في مجتمع هذا الديوان. وبالرّغم من أنّ هذا الوجه موجودٌ؛ غير أنه في حقيقة الأمر مفقودٌ أو يعيش حياة يطبعها الألم والمطاردة والتّنكيل في مقابل السّعادة الأبدية التي يعيشها الصّنف الآخر من رواد الليل والمجالس.
… ومن المواصفات المعجمية لهذا الإنسان الصامد أنه:
– ألم متساقط، ص52.
– يعاني من فَجوة الجرح الملتهب، ص52.
– الصخب، ص53.
– تبعثرَ الخرابُ في قلبه، ص53.
– يُقايضه الحلم بالوهم، ص53.
– قلبُه نُدْبة، ص53.
– سابحٌ في قراراته، ص53.
– تتآكل في رأسه غُصَّته، ص54.
– لن يتوانى، ص54.
– لن تعصف النّكبات بخيله، ص54.
– لن يترك العسْفَ يلهو بناظره، ص54.
– سيظل أمينًا، ص 54 – ص55 (مرتين).
– دوما يصوِّبُ شمسَ الحقيقة للجرح، ص54.
– يحترق ليضيء طريق الآخرين (تصُبُّ على النار من زيتها لتضيء)، ص54.
– يواجِهُ ما يترصَّده من قفاه ومن وجهه، ص 55.
– لن يُمالئجلّادَه، ص 55.
– لن يغيِّر معراجَه، ص 55.
– عسَسٌ يفتكّون بأقدامِه وعقارب تلسعُ جبهته…، ص 55.
كدماتٌ طفحْن على صدْغه…، ص 55.
1. ثنائية العطاء والمنْع:
تجلّت هذه الثنائية بوضوح في قصيدة (حتما سيؤوب). فالبحر الذي هو مصدر الرزق والغنى والخِصب (بالنسبة للحياة الإنسانية) والذي يقول فيه الله عز وجل: )وَهُوَ اَلذِي سَخَّرَ اَلْبَحْرَ لتأكلوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَة تَلْبَسُونَهَا) ، أصبحت فيُوضاتُه رغوةً وسرابًا وزَبَدًا ترتبت عنه غصَّة وأوجاعٌ:
” سرابٌ يَعبُر أشلاءَ الرّوح
وينثُرها في يَمٍّ
مغموسٍ بالغصَّة والأوجاعْ
شَفيفٌ قلبُها
إذ تصفعُه الموْجةُ
… يَصعدُ من أعماق الموجة نحو الرُّوحِ
يزعزعُها
ويُشتتُها في مُهَج الأرجاء .
ولتعميق المأساة؛ فقد أوغلتِ القصيدةُ في ربط البحر بالإنسان عبر علاقة جدلية ممّا جعل البحر – حقيقةً ومجازا – يُسبّب إزعاجا بأمواجه ويُرعب القلب والروح والعقل:
“لا يهدأ قلبُه
لا يهدأ صوتُه
لا تهدأ روحُه
لا تهدأ أنسجةٌ بدماغِه
ما ينفكُّ يهيجُ ويصرخُ
أحيانا يَخرجُ عن طوْعهِ” .
5- ثنائية الحضور (المنافقون/ الأُنس)، والغياب (الشرفاء/ الغُرْبة):
تُقدِّم قصيدة (تزميمْ 2014) صورة لمجتمعيْن: مجتمع النّفاق والرّياء الذي يُمثله وزراء، وأحزاب، وعملاء، ومرتزقة، ولوبياتٌ، ورجال الإعلام، والجمعيات، والمنظمات والمدنيون، والقرويون…، برعاية الدول العظمى من أمريكا وفرنسا وإسرائيل، ورؤساء حكومات عربية، ومفكّرين ومثقفين وكُتّاب وعلماء وأراذل القوم ونواب الأمة والمجالس البلدية. كما نجد أنّ القضاة والولاة ورؤساء الشرطة والدرك كانوا شاهدين على بيع (ْx) للقتَلة ليغتالوه ذبْحا ويُخرسوا لسانَه ليَصمُت عن الكلام.
فهؤلاء الحضور يُمثلون شريحةً عريضة من مجتمع هذا الديوان في مقابل قلَّة يُمثلهم رفات شهداء، أو مَنفيون، أو شرفاء أطهار.
وبمعنى آخر، هناك مجتمع داخل مجتمع: مجتمع ظاهرٌ ونافذٌ وحاملٌ لكل الصفات المذمومة في الديوان، ومجتمع غائبٌ بفعل الموت والشهادة، أو مُغيَّب عن الذِّكر، ومُنهَك بالغدر والكيد والخيانة.
من يُجيل النظر في هذا الديوان سيجد أن كلّ قصيدة تَجد نُطَفًا من تكوين خِلقتها في باقي القصائد الأخرى إلى حدّ تُصبح كل قصيدة بؤرةً من زاوية معيّنة، وتصبحُ كلُّ قصائد الديوان قصيدةً واحدة من حيث ائتلافُها وتكامُلها ومرارةُ طعْم كثير من أفراد مجتمعها لصنوف من العذاب، والحرقة الناتجة عن أنظمة العلاقات الإنسانية بها من أجل الحُظوة أو التهميش.
ونظرا لصعوبة فك ألغاز قصائد هذا الديوان ونشْر عبق المُغيَّبين والأشراف من جهة، وعدم تحمُّل استنشاق نتانَةِ أقوامٍ آخرين من جهة ثانية؛ فسأتوقف قليلا لأحطَّ رحْلي أمام أعتاب بعض القصائد التي استوقفتني وأدخلتني بقوة في عالم الرَّقص (والطير يرقصُ مذبوحا من الألم)، والمعاناة، وذهبتْ بي بعيدا إلى حيث لا يستطيع إنسان مرّ بهذا الديوان دون أن يتوقّفَ ليرقصَ طوْعًا أو كَرْهًا.
6- ازدواجية الرقصٌ (ممتع/ مُنغّص):
تقدِّم قصيدة (رقص في الهواء)( )وجهيْن مختلفيْن ومَشهديْن متباينيْن لمجتمع الدّيوان. لكن المؤلم فيهمَا بالرغم من تباعُدِهما أنّ النتيجةَ واحدة.
يَحمِل الديوان بكامله – عبر معجمه وتعابيره – إشاراتٍ إبداعيةً لكلِّ أنواع الازدواجيات التي التقطتْها العدسة التصويرية للشاعرة مليكة العاصمي وسبَّبت لها آلاما حين حمَلت الشاعرةُ همَّ هذه الثنائيات ولم تستسغْ ذاتُها الوطنيةُ التي تشكّلتْ جيناتُه من الحُبِّ الجَمِّ للوطن أساسُه مبدأٌ لا يَلين ولا ينثني ولن تُغيّرَهُ صروف الدهر وتعاقب الأزمان.
يرتبط الليل في هذه القصيدة بكل المنغّصات وعلامات الشؤم. كما أن هذه المنغّصات وما يصاحبها من مظاهرَ مختلفةٍ ارتبطت بالبؤرة الزمنية التي تؤشر على الليل في مختلف المراحل (من غروب الشمس إلى مطلع الفجر).
ويمكن أن نستدِلَّ على ما سبق بالوقائع المُصاحبة لليل في هذه القصيدة عبر الازدواجية المشار إليها آنفا:
” قبلَ الفجرِ
وقبل مُكاء الطير
يَحُلّ الإعصارْ
تركبُني الجنّيات السّبْعُ
يفور دمي
ويَضيق بيَ النَّهر
فأكتسحُ الغَاباتِ
أواجهُ هُوجَ الرّياحِ
أصفِّفها في الهواء وأنشُرها .
فمهما تغيّر الوضْعُ وانتقل من ظلمةٍ وجنّياتٍ وعوالمَ سُفليةٍ إلى صورةٍ لمجتمعٍ ملائكي يسبحُ في ملكوت العالم العُلْيّ؛ فإن النتيجةَ تبقى نفسُها من الشعور بالحسْرة والتلاشي والضياع والوَهَن حين نجد أن الأفعال تبقى خارج مرْكز العقل بالنسبة لفئة الوطنيين والملائكيين والصادقين:
وأقومُ برقصٍ جنونيّ
أصير ملائكةً( ).
فهذا التحوّل من هيأة إلى هيأة أخرى لا تعدو أن تكون مجازًا للتعبير عن لحظة سكون وهدوء تبدو فيه الشاعرة ملاكًا نجح في افتضاض الظلمة واختراقِها على شكل ملاك سابحٍ بجناح الصّقور وهنا تكمُن حقيقة مقاصد ما ورائيات خطابِها الشعريّ الذي استعارت فيه أجنحة طيور مفترسة وشرسة لاترحم فريستها. فكيف يلتقي الطّهرُ المطلق (الملاك)، مع العدوانية (الصقر)؟ وبعبارة أدقّ: كيف يُظهِر المرء الوجه الملائكي ويُضمر الحقيقة المؤلمة في الاستغلال والنفاق وعدم رحمة بني البشر في وطنه.؟ ثمّ لماذا اختلفتْ أنواع الرّقصات التي تكرّرت في هذه القصيدة وكلّ رقصة تختلف عن الأخرى مقاما وسياقًا؟ فهل هو صراعُ المبدعة مع الظّلمة التي تمنّعتْ واستعصمتْ؟ أم أنّها لا تمتّ إلى ظلمة الليل الحقيقية وتكون تلك الرّقصاتُ معاناة استعارية.؟
وتتحقّقُ هذه الازدواجياتُ والثنائياتُ في مفهوم الليل نفسِه وتوظيفِه في هذه القصيدة. حين ارتبط الليل بقرينتيْن:
القرينة الأولى، واقعةٌ قبل الفجر وقبل مُكاء الطير:
” قبْل الفجْرِ
وقبْل مُكاء الطّيرِ
يحلُّ الإعصارْ” .
أمّا القرينة الثانية، فجاءتْ أشلاؤها منتشرة في نهاية القصيدة:
أفتضُّ الظّلْمةَ
أعانقُها
وأسمّمُها بأريجي البكر
وأرقصُ
أرقصُ
وأسيحُ على الغاباتِ وألهو في الكوْنِ
وأعبثُ فيه قليلا
وطويلا
ساعاتٌ ويفارقُني وهجي
أتولّى للنّهْر ضعيفًا
وعفيفا
لا أحمل من عودي غيرَ ظلالٍ واهنةٍ
يشربُها ملْحُ الأرضْ .
نلاحظُ أنّ الليل بعدما ارتبط بمرحلة ما قبل الفجر، وبعْد أن يحصُلَ التّشبّع والامتلاء طول الليل إلى مطلع الفجر، يأتي الوقتُ، وقبل أن يغادر الليلُ، لتبدأ مرحلةُ جَنْيِ محاصيلِ ما تمَّ بذرُه في ليْلِ إبداعِ الشاعرة. وقدْ أفصحتِ القصيدة وباحتْ بسجلّات هذه المحاصيل الكامنةِ في بدْء حياةٍ جديدة مع كلّ صباح جديد لكن بصورةٍ مُغايِرةٍ يصبحُ فيها الإنسانُ مجرورًا حين يدخُل في مرحلةِ إعصار ينتهي بالعبث والضّياع (أرقص، ضعيفا، يفارقني، واهنة…).
7- ثنائية المقهورين في مقابل المتاجرين بأعراض الناس وشرفهم:
ويمكن أن نمثّل لهذا العنصر- وإن كانت كل العناصر سابقة الذّكْر مُتَضَمَّنة وموجودة في فسيفساء كل قصائد الديوان – بقصيدة: (تصبح فرسًا). فهذه القصيدة ترسّخ نسق الثنائيات في الإبداع الشعري للشاعرة مليكة العاصمي. غير أنها تضيف عنصرًا ثالثا يدخل على خط الثنائيات لنجدَ أنفسَنا مع ثلاثة أصناف نتجَ الصّنف الثالث عن واقع ما كان موجودا. ويمكن تقديم هذه الأصناف وفْق مواصفات كلّ فئة فيما يأتي:
– الفئة الأولى: فئة مشرّدةٌ ومظلومة بحيثُ تعاني من القهر والجوع والتّشرّد.
– الفئة الثانية: تُتاجرُ في الإنسان وعِرْضه وشرَفه دون أن يكون لهذه الفئة أدنى رصيدٍ من القيَم والمبادئ والحسّ الوطني.
– الفئة الثالثة: نتجتْ عن وجود الفئتيْن سابقتيْ الذّكْر. ويُمكنُ أن نعُدَّها صنفا ثالثا عايَن أفرادُها ما يجْري في الواقع. ولمّا لم يجدوا أحدًا يُحرّك ساكنا، شقّوا طريقا لإرْسال اللعنة على كلّ من يرى ويسمع طول حياته زعيق الفرسان بدون أيّ ردّةِ فعْل. وبعدما تكرّرت اللعنة مرّتيْن على لسان هذه الفئة في هذه القصيدة، نابت الشاعرة عن هؤلاء (الملعونين)، وتحوّلت إلى فرس رسمتْ عبْره، ومن خلال أحداث القصيدة، صورة لما ينْبغي أن يكونَ عليه الإنسان في ظلّ وقائع مجتمع الديوان.
ما الذي حصلَ ويحصُل في ليل هذا الديوان ومجتمعه؟ هل دبّ الخرابُ إلى صلحاء هذا الديوان وأصبحوا ضمْن زمرة التائهين في الأسحار؟
نحنُ لا نبحثُ عن إجابة ولكن نرصدُ التحوّلات العميقة التي تؤثّثها الشاعرة بفنية إبداعية وبعُمق في استلهام المجتمع والتاريخ. فما كان عُلْويا في القصيدة سابقة الذّكر (رقصٌ في الهواء)، أصبحت الشاعرة نفسُها تُطاردُه الآن، وهو تحوّلٌ يأتي مباشرة بعد القصيدة التي تليها (سأغنّي أغنيتي الأخيرة) التي تقول فيها:
“سأطاردُ السّحاب في الفضاءْ
أَصيدُ الأنجمَ الزّهراء في السماءِ
نجمةً
فنجمةً
سأغنّي الليلة أغنيتي العذْبة
وأغنيتي المكلومة
……
وأواصلُ صَخَبَ الليل
إلى أعتاب الفجر” .
هكذا تنزَعُ الشاعرة إلى استئصال كلّ مصادر الضوء حتى وإن كان بعيدا وخافتا لبُعد المسافة مثل ضوء الأنجُم. فقد آلتْ على نفْسها قبْل أن تغنّي أغنيتها اصطيادَ النّجوم المضيئة نجمة فنجمة لتُغرقَ الكوْنَ في ظلام دامس وهي مسرورة بما ستفعله ما دامت ستواصل صخبها الليلي بعد قطع أضواء السماء.
لقد عبّدت هذه القصيدة الطريق لقصيدة أخرى (تَعْصرني الأفعى)، وهي القصيدة التي جاءت بعد مراحل قطعها النّسق الإبداعي لقصائد هذا الديوان لنُمسيَ على قطْع كلّ الأضواء ويُفْسَحَ المجالُ لعالَم المتعةِ والمرح ونُطلّ من خلال هذا الديوان على حياةٍ أخرى عُبِّدتْ وذُلّلتْ للصبايا في ليْلٍ آمنٍ ومُجهَّزٍ للفتنة والإغواء.
وبعد هذه القصيدة ندخلُ في مرحلة من العبث الذي يختلف عن العبث السابق في القصائد سابقةِ الذكر. إنه استدراج إبداعيّ ومنطقيٌّ عجيب قام عليه ترتيب قصائد هذا الديوان وكأنه ترتيب توقيفيّ. فبعد أن كثُر فساد المفسدين، وأصبح للعهر مراتعَه الخصيبة، تأتي قصيدة “تأبيد” ، لتكشفَ للناس ما هم واقعون فيه من هوى العابثين:
“كأنّ بنا من هوى العابثينَ طنينْ .
وبعد هذه القصيدة تحلّ القيامة في قصيدة (حلول القيامة)، وكأنّ الشاعرةَ كانت تنظر إلى قوله تعالى: (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرا)( ). فقد كانت هناك إشارات كثيرة في القصائد السابقة للفساد (وهناك قصائد لاحقة كذلك)، عجّلت بحلول القيامة ليصبح إنسان هذه القصيدة مجرّدا من حاضره وماضيه وواقعا في عبث وضياع وتيه ولم يعُدْ سوى شبحٍ. وفي هذه القصيدة نجد الشاعرة توظّف بفنّية إبداعية وبتداعيات غاية في الجمال، وتستحْضر ثنائية المجتمع حتى في يوم القيامة وتقدّمُ صورتيْن للإنسان: أحدُهما يستمتعُ ويعيشُ جنّةَ الخُلدِ كلّما جنّ الليل، وثانيهما يشعرُ بالغربة ويحملُ وطنهُ في قلبه أينما حلّ وارتحل، وهذا النوع الثاني معذّبٌ ومُعرّضٌ للمكر بشكلٍ متكرّر.
وتأتي قصيدة (طُيوب) ، لترسّخ ما يعانيه الصّنف الثاني من الناس جرّاء محبتهم وإخلاصهم لوطنهم بحيثُ يُرمى بهم بعيدا وكأنهم مصابون بمسّ إلى أن يصِل هذا الصّنفُ إلى الانفجار في القصيدة الموالية (انفجار)، بحيث يجد الإنسان نفسَه غريبا بين قومه:
“غُربةٌ في الدّيارْ
غُربةٌ في السّفرْ” .
تقوم القرائن الموجودة في هذا الديوان على تقديم صورة مُظلمة للوطن الذي كان ينتشر فيه النور، وأصبح اليوم مرتعا للبغْي والفساد وانتشار النفايات. مما ينتُجُ عنه ظلام مضاعَف وليل أبدي.
هذا الديوان: ثمَرَةٌ لموسِمِ حصادٍ بطلته الشاعرةُ، وبذوره الحُرقةُ والألم، وزِندُه خيانةُ الوطن، وبُكاؤه الغربة، وهمُّه الوطن، ومَرْتعُه الأنثى التي تحوَّلَتْ إلى معبودة بأنوثتها وحدها لا شريك لها في هذا الديوان. ومن يطوف على كعبة هذا الديوان طواف وداع سيزيده ذلك الطواف شوْقا مقرونا بألم الحُرْقةِ نظرا لوجود الشّيءِ والشّيء المعاكِس له.
إحالات الدراسة:
1- مليكة العاصمي، تصبح فرسا، مؤسسة مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، المغرب، ط1، 2021م.
2- نفسه، ص:64 – 75.
3- نفسه، ص:79.
4- المفضل بن محمد الضّبّي: المفضّليات، تحقيق: شاكر، أحمد محمد، وهارون، عبد السلام، دار المعارف، ط6 ، د.ت، ص: 100 – 102.
5- امرئ القيس، ديوان امرئ القيس (رواية الأصمعي من نسخة الأعلم)، تحقيق: إبراهيم، محمد أبو الفضل، دار المعارف، ط4، 1984، ص: 18 ــ 19. (تمطّى: امتدّ. بجوزه: بوسطه. ناء بكلكل: نهض بصدره. المُغار: الشدي الفتْل. يذبل: اسم جبل. المصام: مصام الفرس: مربطه، والمعنى كأن هذه النجوم شدّت بشيء مفتول قويّ إلى جانب هذا الجبل للتعبير عن طول الليل وعدم مبارحته).
6- الزبيدي، شيماء محمد كاظم، شعر امرئ القيس والنابغة الذبياني: الدلالة الرمزية لليل (أنموذجا)، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة بابل، مجلد22، العدد: 1، مارس، 2015، ص:5.
7- عليمات، يوسف، جماليات التحليل الثقافي: الشعر الجاهلي نموذجا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الأردن، ط1/ 2004، ص:211.
8- جرير، ديوان جرير، دار بيروت للطباعة والنشر، 1986، ص492، من قصيدة بعنوان: يا حبّذا جبل الرّيّان، مطلعها: بان الخليطُ ولو طُوِّعْتُ ما بانا** وقطّعوا من حبال الوصْل أقرانا
9- ابن برد، بشار، ديوان بشار بن برد، تحقيق: العلوي، بدر الدين، دار الثقافة، لبنان، 1981، قصيدة رقم 77، ص:62 – 63.
10- مليكة العاصمي، تصبح فرسا، ص:44.
11- نفسه، ص:43.
12- نفسه، ص: 46.
13- نفسه، ص:46 – 49.
14- نفسه، ص:46.
15- نفسه، ص:47.
16- نفسه، ص:48.
17- نفسه، ص:49.
18- نفسه، ص:59.
19- نفسه، ص:50.
20- نفسه، ص:52.
21- سورة النحل، الآية: 14.
22- مليكة العاصمي، تصبح فرسا، ص:59.
23- نفسه، ص:59.
24- نفسه، ص:64-75.
25- نفسه، ص:9.
26- نفسه، ص: 9.
27- نفسه، ص:10.
28- نفسه، ص:9.
29- نفسه، ص:11-12.
30- نفسه، ص:13.
31- نفسه، ص:16.
32- نفسه، ص:20.
33- نفسه، ص:23.
34- سورة الإسراء، الآية:16.
35- مليكة العاصمي، تصبح فرسا، ص:30.
36- نفسه، ص:31.



