مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

بين الرومانسية والحداثة في الشعر الإنجليزي – محمد عناني

إحياء الصور

النشيد ٧٤ للشاعر عزرا باوند والفنون البصرية٥٩

(يقول هيوكينر في كتابه «عصر عزرا باوند» إن شعر باوند … «هو أطول تطبيق في أي من الفنون للمبادئ التي تقترب من التكعيبية.»)

كان عزرا باوند يحيط في صباه بالنظرية التكعيبية، كما يدل على ذلك كتابه «جوديه – برزسكا»، الذي نستشف منه أن الشاعر كان يلم إلمامًا تامًّا بطبيعة الثورة الفنية التي أحدثها الرسامون في عصره، وكان يدرك أن التجديدات الفنية التي أتت بها التكعيبية تفصح عن ثورة، لا في الأداء فحسب، بل في المبادئ النظرية نفسها.

فالتكعيبية التي استحدثها «بيكاسو» و«براك»، والدرامية (أو الآلية المستقبلية) التي تنتمي إليها لوحات «لويس» و«جوديه»، تشكلان انفصالًا عن التقاليد الفنية بحيث يتعذر وصفها بالانطباعية الجديدة، وذلك — في الحقيقة — لأن هذه اللوحات تعتمد على أشكالٍ وهياكل فنية جديدة كل الجدة.

يقول باوند: «إن تنظيم الأشكال الفنية يتطلب نشاطًا أكثر إيجابيةً وإبداعية من محاكاة الضوء الساقط على كومةٍ من القش.» أصبح المحدثون يحاكون عملية الإدراك الحسي نفسها، وبهذا يعيدون تعريفها، فاللوحة التكعيبية لا تصور شيئًا ثابتًا في الواقع المحسوس، بل «عملية» إدراك هذا الشيء، وهي تقابل بين عنصر المحاكاة وعنصر التجريد، فتعبر عن التفاعل الديناميكي بين المعطيات البصرية والذهن التجريدي، وكذلك كان باوند على إحاطةٍ تامة بالتحول المعرفي الذي حدث في عهده إذ يقول:

«ثمة نظرتان متناقضتان إلى الإنسان: أولاهما أن تعده الغاية التي تتجه إليها المدركات الحسية، أي أنه لعبة في أيدي الظروف، أو أنه المادة التشكيلية التي تتلقى الانطباعات، وثانيتهما أن تعده قوةً سائلةً مضادة للظروف، أي أنه قوة فهم وتجريد، وليس مجرد طاقة على الملاحظة وعكس الانطباعات.»

وتمشِّيًا مع اتجاه الفنون التشكيلية في ذلك العصر، كان باوند يدرك الحاجة إلى اتخاذ أسلوب فني لا يعتمد على المحاكاة، فهو يقول في الكتاب نفسه:

«ينبغي على الرسام أن يعتمد على العنصر الإبداعي، لا عنصر المحاكاة أو التمثيل، في عمله. وينطبق هذا القول نفسه على كتابة الشعر، فينبغي على الشاعر أن يستخدم الصورة؛ لأنه يراها ويحسها، وليس لأنه يستطيع أن يتوسل بها إلى تعضيد عقيدة ما أو نظام أخلاقي أو اقتصادي.»

والواضح أن باوند لم يكن يلتزم بهذه المبادئ دائمًا، كما لم يكن قادرًا على تطبيقها دائمًا على شعره، و«مارجوري بيرلوف» محقة في قولها إن باوند لم يستطِع تطبيق نظرياته النقدية في شعره، حتى شرع في كتابه «أناشيد مالاتستا»، ولو أن تلك النظريات قد تأثرت تأثيرًا عميقًا بالنظريات الجمالية للرسامين التكعيبيين.

وهكذا نجد أن باوند — في أوائل كتاباته النثرية — يستعير الاصطلاحات من الرسامين لاستخدامها في «توصيف» شعره، فكان يطلق على «الصور الشعرية» اصطلاح «اللون الأولي» للفن الذي يمارسه، بغية تأكيد قيمته التمثيلية (أي التصويرية الواقعية)، ولما كان يقول باستقلال «الموضوع الفني» (أي ما نسميه بالعمل الفني في أيامنا هذه) ذهب إلى أن عناصره ينبغي أن يكون لها قيمة في ذاتها، وهكذا انتقد باوند ما كان يعده «القيمة الإحالية» للرمز، أي القيمة التي تتمثل في إحالة القارئ إلى معنًى ضمني أو مقصود، وكان يميل إلى رفض الرموز؛ لأنه كان يحس أنها تتولى الأولوية لما «تمثله» لا لما «تقدمه»، ومن ثَم فهي تنسب قيمته إلى منطقة ما خارج نطاق التجربة المباشرة.

وكان التعريف الخاص الذي وضعه باوند للصورة الشعرية بمثابة إعادة تعريف للغة المجاز، وفقًا للأهداف التي كان يرمي إليها، وهي إخراج فن يعتمد التقديم لا التمثيل منهجًا، فإذا كانت قصيدة «وليامز» «الربيع وكل شيء» قد نجحت في استخدام أسلوب «تقديمي» بالاستغناء عن لغة المجاز، فإن باوند يحاول «إلغاء التجسيد» من المجاز، بحيث يقدم من خلاله علاقات جديدة تقوم على الكناية، وهو يورد هذا النموذج للتدليل على ما يقول:

«إن شجرة الصنوبر التي يغشاها الضباب على التل البعيد، تشبه قطعةً مكسورة من درعٍ ياباني.»

«وجمال الدرع — إذا كان جميلًا على الإطلاق — لا يرجع إلى أي تشابهٍ بينه وبين الصنوبر وسط الضباب.»

«وأيًّا كان الأمر فإن الجمال — إذا كان مقصورًا على الشكل — هو نتيجة للعلاقة بين «مسطحين».

سر جمال الشجرة والدرع يرجع إلى أن سطحيهما ينطبقان بعض الشيء كلٌّ على صاحبه.»

وهكذا فإن باوند «يرفض تعريف شيء ما من خلال شيءٍ آخر»، ويؤكد كل ما يفرق بين المشبه والمشبه به، بحيث افتقر مجازه الشعري إلى العمق، واعتمد على التوتر الدائم بين «المسطحات» المختلفة المتداخلة، كما أن استخدام باوند لكلمة الشكل بوصفها مصطلحًا نقديًّا، يحول دون التفرقة بين شكل المجاز الشعري وشكل القصيدة بوصفها بصفةٍ عامة، ففي الحالتين نرى أن «الجمال نتيجة العلاقة بين المسطحات»، وذلك — كما يقول باوند — «لأن العلاقات أقرب إلى الحقيقة، وأهم من الأشياء التي نقيم بينها هذه العلاقات.»

وثَم عاملٌ آخر وراء رفض باوند للرمزية، ألا وهو تعريفه الصورة الرمزية بأنها ساكنة أو ثابتة، وذلك في علاقةٍ ما بمعنًى سابق عليها، في حين نجد أن علم المعرفة الذي يستند إلى الظواهر، يتطلب منا أن نتصور واقعًا متغيرًا ديناميكيًّا، لا يمكن التعبير عنه إلا بالفن المتغير الديناميكي، وهكذا فإن باوند يعرف الصورة بأنها بؤرة تغير ونشاط، وجميع المصطلحات التي يستخدمها لوصف الصورة تؤكد طبيعتها الديناميكية، فهو يقول مثلًا إن لها «دلالة متغيرة»، وإنها «تركيبٌ ذهني وعاطفي معًا»، وإنها «دوامة» للطاقات المتحركة.

ويناقش باوند في كتابه «ألف باء القراءة» تعريفه الأول للتصويرية، ليبين أن الجمهور قد أساء فهمه إذ يقول:

«ثَم جماعة ينشدون التبسيط، فهم يقبلون على أقرب المعاني وأيسرها، ظانين أن الصورة هي الصورة الثابتة وحسب، فإذا لم يستطع المرء أن يدرك أن مجال التصويرية — أو «الفانوبيا» (أي صنع الصور) — يتضمن أيضًا الصورة المتغيرة، كان عليه أن يلجأ إلى تقسيمٍ لا داعي له في الواقع بين الصورة الثابتة والفعل أو العمل.»

وقد استقى باوند اهتمامه بالإمكانات الديناميكية للصورة من الأساليب الفنية للدوامية والتكعيبية، فهذه الأساليب تعتمد على التقابل بين عناصر متميزة ومنفصلة، في إطار علاقات ديناميكية متغيرة، وقد قال «جوديه» في معرض حديثه عن فنه: «هذه أشكال صور محددة، ينظمها إطار عام دائم الحركة.» وكذلك فإن العناصر الثابتة في اللوحة التكعيبية ينظمها «إطارٌ عام دائم الحركة»، حيث نرى المسطحات والخطوط تتشابك وتتفاعل لتخرج «تنظيمًا … للسطوح» يتسم بالتوتر الديناميكي، وقد كان هذا التأكيد للخصائص الديناميكية للفن من وراء اهتمام باوند باللغة الصينية؛ «لاعتمادها الكبير على الأفعال»، وعلى الحرف التصويري (الإيديو جرام) الذي «لا يفصل شكلًا بين الشيء والفعل»، وقد زاد هذا من إعجابه بلوحات «لويس»، وهو يفسر لنا إعجابه بلوحة «جوديه» المسماة «رأس هيراطيقية» إذ وصفها قبل أن ينتهي منها الرسام بأسبوعين بأنها «حركة» لا «سكون»، يقول باوند: «إن الإنسان الكامل لا بد أن يهتم بالأشياء النامية المتغيرة أكثر من اهتمامه بالأشياء الميتة أو المحتضرة أو الثابتة.»

ومن ثَم فقد كان اهتمام باوند ينصب أساسًا على التركيبات السطحية التي تجسد الحركة والنشاط والتغير والتحول، وكان يقارن بين الطاقة الكامنة في الشعر والطاقة الكهربائية قائلًا: «إذا تقابلت ثلاث كلمات أو أربع تقابلًا دقيقًا أصبحت قادرةً على إشعاع … طاقة كبرى.» ومثلما نرى في لوحةٍ تعتمد على «القص واللصق» تنبع الطاقة الديناميكية للفن من «العلاقات فيما بين» العناصر، ومن التقابل بين التفاصيل البصرية واللغوية المتمايزة، بل التي تتسم أحيانًا بالتناقض فيما بينها.

يقول باوند في معرض إشارته إلى فناني مذهب الدوامية: «لقد أيقظوا إحساسي بالشكل.» ولا شك أن شعر باوند يفصح عن تأثير هؤلاء الفنانين على مستوى الشكل والبناء، وهكذا فإن أسلوب النشيد رقم ٧٤ وبناءه يحققان الأهداف الشعرية التي حددها باوند قبل كتابته بثلاثين عامًا، استجابةً للفنون البصرية، فالنشيد شبيه بلوحةٍ تكعيبية «تركيبية»، ولكنه يبين أيضًا إلى أي مدًى ذهب باوند في تجاوزه للتقاليد الجمالية الحديثة.

وعندما انتهى باوند من كتابة أناشيد بيزا اضطر إلى كتابة رسالة إلى الرقيب دفاعًا عنها؛ إذ كان الرقيب يتوجس خيفةً — شأنه شأن كثير من القراء — من أن تكون القصائد شفرةً سرية ذات رسالة خبيئة، ولكن الشعر لا يتضمن أية معانٍ خبيئة في الحقيقة، بل لا يتضمن «عمقًا» فكريًّا يتطلب الكشف عنه، وإذا كان النشيد رقم ٧٤ يقدم إلينا ألوانًا منوعة من الثيمات والموضوعات، فليس منها فكرة واحدة «تنظم» النشيد بصفةٍ عامة، وليس موضوع أهم من التفاصيل الدقيقة نفسها، وعلاقاتها المتغيرة، ولما كان باوند يقدم حشودًا من «الحقائق» والشذرات المتناثرة والحروف المرسومة والعبارات، فإن القارئ الذي ينشد معاني أعمق منها سيجد أن المعاني تتغير بسرعةٍ تقترب من سرعة تغير الصور نفسها.

وباختصار، هل نبحث عن عمقٍ أكبر أو أن هذا هو العمق؟ وثيمات الأناشيد تشبه العناصر التمثيلية للفن التكعيبي في أنها تخضع للتكوينات السطحية المتغيرة، ومن ثَم فإن النقلات الفجائية لمنطق الحديث، والفجوات المتقطعة، والمساحات الخالية على الصفحة المكتوبة، تضطر القارئ إلى الوعي بأسلوب حركة اللغة، والوعي بالربط والفصل بين الصور، حين تذوب فكرةٌ في فكرة، ثم تنقطع تمامًا.

وفي حين تتعرض القصيدة للتغير الدائم، نجد أن ثمة عاملًا يوحد بينها، ألا وهو الشاعر، الذي يبصر ويتذكر ويجمع الحقائق المتباينة من وعيه «لقد سطع الضوء، فالدراما ذاتية تمامًا …»

أي إن القصيدة تعرض الحياة الواعية للشاعر في حالة تغير دائم «درامي»، ويقول فورست ريد (الابن) إن القصيدة هنا «رحلة كبرى» ترسم أبياتها خريطةً تمثل عمليات التفكير المتغيرة للشاعر: «الدورة الكبرى تأتي بالنجوم إلى شواطئنا.» ورسم الخريطة مهم، ليس لأنه يتبع خطةً محددة، أو حقيقة كبرى، أو ثيمة غلابة مهيمنة ولكن لأنه يمثل سجلًا صادقًا أصيلًا للتجربة الفعلية، فالخريطة هنا تسجل اكتشافات باوند في عملية كتابة الشعر، ويقول باوند في كتابه «جوديه – برزسكا» (ص٤٠):

«ربما كان كل عملٍ عظيم عملًا «تجريبيًّا» وبعض التجارب تنتهي «بالاكتشاف»، ولكنها تجارب أولًا وأخيرًا.»

ويدور النشيد حول إدراك أشكال جميلة وإبداعها واكتشافها في التجربة المباشرة للشاعر، وذلك في إطار الفيض المتقطع للشعر، وهو فيضٌ أحيانًا يبعث على الأسى:

ليست الفردوس مصطنعة،

ولكنها على ما يبدو متقطعة،

فهي لا توجد إلا في شذراتٍ غير متوقعة، وسجق ممتاز.

ويشترك النشيد ٧٤ مع سائر الأناشيد الأخيرة في التمزق الشديد، ومثلما نرى في اللوحات التكعيبية يدخل مسطحٌ في مسطحٍ آخر بحدٍّ قاطع كالسيف، وترى الأبيات تضرب يمنةً ويسرة مترددة بين التأملات التجريدية والانطباعات الحسية المباشرة والذكريات المستدعاة من حياة باوند نفسه ومن قراءاته، ويقع التمزق المكاني الزمني مع كل «إحالة» (إلى شيءٍ خارج القصيدة)، ومع كل انتقالٍ مفاجئ إلى لغةٍ أجنبية.

وتحقيقًا لغاية باوند من كتابة فن «تقديم» (لا محاكاة) فإنه يهيل التفصيلات بعضها فوق بعض، ويقدمها دون تعليق أو شرح، وهو يقدم الحقائق الصريحة جنبًا إلى جنب دون روابط (مثل حروف العطف)، حتى تشكل «فيلقًا من الأشياء المحددة» «مستر كواكنوبس أو كواكنوبش» – «خيلاء السيدة تشيتندن» – «محل موكان» – «نفق الشارع رقم ٤٢»، إن أسماء الأشخاص والمطاعم وسعر الخوخ ومشاهد أمريكا وأصواتها، تأتي إلى الذاكرة في صورة شذراتٍ ممزقة:

هكذا تعمل الذاكرة؛ إذ تعود التفصيلات إلى الذهن في صورٍ مختلطة ممزقة مضطربة.

والنشيد يقدم حشدًا من الحقائق والارتباطات التي تبدو ممزقة، ومثلما يثب ذهن باوند من شيءٍ إلى آخر، يتواثب الشعر في القصيدة، وهي وثباتٌ في الزمان والمكان لا يقدر عليها إلا الذهن:

أسد تور فالسن وطير باولو،

ومنها إلى قصر الحمراء، وساحة الأُسود،

وبهاء الملكة لنداراجا.

إن باوند يستخدم أسلوب «التركيب الفوقي» (أي وضع الصورة فوق الصورة)، أو «التطعيم الحضاري» (بمعنى وضع صورة حضارية فوق صورة)، بحيث يقيم علاقةً ما بين الصور المتنافرة يجامع الشبه بين خصائصها المشتركة، مثل اللون أو الصوت أو الموضوع، وهكذا فإن النشيد لا تنتظمه ثيمة واحدة متجانسة، بل عدة «وحدات نمطية» من التفصيلات التي يتصل بعضها ببعض، فمثلًا نجد أن الإله الوثني الذي يُسمَّى «وانجينا» في أستراليا يوضع في مواجهة «أوديسيوس» ثم في مواجهة «وان جن» (المثقف) الصيني، كما أن مجموعة الصور برمتها — أو ما يسميه باوند بالوحدات النمطية — تعتمد على العلاقة بين الأصوات اللفظية، على أساس أن إخراج هذه الأصوات جزءٌ من التراث الشفاهي، ودلالة الصور ترجع إلى الشاعر نفسه، الذي يظل حبيسًا — من ناحيةٍ ما — لأنه يتفوه بأكثر مما ينبغي، وتقول «كريستين بروك روز» إن شبكة الصور شبكة سطحية فحسب، ولا يقدم باوند من خلالها أي ثيمات عميقة، كما أنه «لا يحاول إقامة الحجة أو أن يثبت أي شيء، بل يريد فحسب أن يقدم حقائق».

وهذه الوحدات النمطية نفسها تتعرض للتغير الديناميكي الدائم، فأسلوب «التطعيم الحضاري» الذي يتبعه باوند يمكنه من وضع «أكتابان» جنبًا إلى جنب مع «واجادو»، بوصفهما صورتين من الصور المرتبطة بالمدينة المثالية، وبالماضي الذي يموت ويحيا، ويشترك هذا النمط مع الصور في الحركة مع «وضد» صور مستقاة من الأساطير والدين، ترتبط جميعًا بالبعث والإحياء والخلود، وباوند يقيم هذه الوحدات من شذراتٍ موزعة في أرجاء النشيد، بحيث تكتسب كل صورة دلالةً جديدة، كلما قوبل بينها وبين غيرها، فمثلًا نرى أن ثيمة التجدد والإحياء تتخذ مكانًا ثانويًّا بالنسبة للعلاقات التي تستطيع الصور توليدها في القصيدة.

وإلى جانب ذلك نرى أن ما تقوله القصيدة عن إمكان التجدد والإحياء تتناقض تناقضًا مباشرًا مع شكل القصيدة نفسها؛ إذ إن التمزق الذي تتسم به يوحي بأنه من المحال إعادة بناء الماضي:

أعيد بناء المدينة أربع مرات، «هو فاسا»،

جاسير «هو فاسا»، خائنٌ لإيطاليا،

أنا لا أستسلم ولا أسلم الإمبراطورية ولا المعابد،

في صيغة الجمع،

ولا الدستور ولا مدينة «ديوسي» …

فالقصيدة توحي بأن «إعادة البناء» تعني الحفاظ على شذرات الماضي واستخدامها في صنع تشكيلاتٍ جديدة، ويتناول باوند الشذرات التاريخية كأنها «قطعٌ من الماس» انتزعت من الحلي التي ركبت فيها، ثم يدرجها في الفسيفساء التي يصنعها «بطريقة القص واللصق»، إن «التفصيلات المضيئة» الصريحة المستقاة من الماضي تقدم إلينا في هيكلٍ جديد يعبر عن عصر الشاعر، ويشكل أنماطًا سطحية دائمة التغير، كأنها لوحةٌ تكعيبية.

وإلى جانب هذا نرى أن التجميع السريع للتفصيلات المتباينة يحدث تغيراتٍ جذرية في «نغمة» القصيدة أيضًا، فمثلًا يضع باوند في فقرة الرثاء صورًا لا رابط بينها، حتى تناسب موضوعًا مماثلًا تتناوله الفقرة التي تبدأ بالعبارة «هؤلاء الرفاق …»، ولكن الفقرة بصفةٍ عامة تعتمد في تأثيرها على إقامة أنماط إيقاعية ونغمية ثم كسرها، فالبيت الذي يتكون من ثلاث تفعيلات يتلوه بيت من أربع تفعيلات، ثم بيت من الشعر الحر (أي غير الموزون بالأوزان التقليدية)، وكذلك فإن باوند يقيم نغمةً مأسوية حين يقتبس بيتًا من قصيدة «الملاح»، وهو «السادة يعودون إلى الأرض»، ولكنه يكسر هذه النغمة حين يلقي بفكاهةٍ حركية:

وكان «جيم» المهرج يغني:

«بلارني، أدخلني القلعة يا حبيبي،

فإنك قد أصبحت الآن حجرًا.»

أو حين يسخر من مؤلف الأحياء والأموات:

وقد توفي «أمير رايفز»، نهاية هذا الفصل.

انظر مجلة تايم، عدد ٢٥ يونيو.

أو حين يقدم قطعةً من «بايرون».

أو «جبسون» الذي يحب الجواهر السوداء.

و«موري» التي تكتب روايات تاريخية.

و«نيوبولت» الذي بدا عليه أنه استحم مرتين.

وفي بداية النشيد نشهد تغيرًا يدق إدراكه في النغمة الشعرية، فهو يبدأ بالمأساة التي يشترك فيها الشاعر مع أبناء جيله جميعًا، ثم يتبع ذلك حشدٌ من الأسماء، أسماء الشهداء السياسيين والدينيين: موسوليني، مانس، ديوجينيس، ديونيسيوس «المسيح» وآخر ثلاثة في القائمة يحولون بؤرة الأفكار من صور الموت إلى صور التجدد والحياة، كما أن البيت الذي يقتبسه من قصيدة ت. س. إليوت «الرجال الجوف»، وإشارته إلى المدينة المثالية، يدلان على التحول عن «مأساة الحلم» إلى إمكان البعث وإعادة البناء.

وكثيرًا ما نجد أن انعدام الترابط لا يجعلنا نحس بالتغير الجذري في النغمة الشعرية، ففي الفقرة التالية يقيم باوند «تركيبًا فوقيًّا» من عدة عناصر متباينة:

وحورية «هاجورومو» جاءتني

مثل هالة على رأس ملاك،

يومًا ما كانت السحب على شاطئ «تايشان»،

أو في بهاء الغروب،

والرفيق المبارك لا هدف له،

دموعٌ في بركة الأمطار عند المساء.

إن الأبيات تقفز من الأرواح التي تبعث بالتسرية والعزاء في المسرح الياباني، ومن الملائكة التي صورها فنانو عصر النهضة، إلى بهاء الطبيعة، وعلى الرغم من وجود حرف العطف «الواو» تقدم إلينا فجأةً صورة للمعاناة الإنسانية واليأس، كذلك فإن عدم استخدام باوند للضمائر يجعل الشعر غامضًا كل الغموض، من الذي يبكي في بركة الأمطار، الرفيق أم الشاعر نفسه؟

وهكذا نرى على أحد المستويات أن التغيرات المستمرة في النغمة، توحي بالتذبذب في الحالة النفسية للشاعر نفسه، إن الحالة تتغير من بيتٍ إلى بيت، مع تأرجح باوند بين الثبات الروحي واليأس، ويحيط به في الوقت نفسه حوريات وعبيد:

رجلٌ غربت عليه الشمس،

وهبت الريح عليه مثل الحوريات في وهج الشمس،

ولا يعرف الوحدة مطلقًا

بين العبيد الذين يتعلمون الرق …

وفي إخلاصٍ وتواضع ينشد الصفح «اغفر لي حتى يغفر لي الجميع».

«كوانون» هذا الصخر يبعث على الرقاد،

لأن هذا الصخر يهب الرقاد،

فهو يستكين ولا يتحرك.

أما الشاعر فهو ينشد السكينة، وينشد السلام في عماء هذا العالم برغم عدم استكانة ذهنه، وأحيانًا نرى ومضاتٍ بصيرة نافذة:

خيط ضوء مشدودٌ نقي،

حبل الشمس الذي لا تشوبه شائبة.

أو نرى صورةً للجمال في لحظة سكينة «العيون الرقية الهادئة التي لا تلقي نظرة احتقار»، ولكن هذه شذرات متقطعة وسط حشد من الصور والانطباعات التي تتزاحم على ذهن باوند في «النفوس الحية العظيمة القادمة من الخيمة التي يحكمها «تايشان»».

وتتغير نغمة النشيد، لا لأنها تعكس التغير في مواقف باوند وانطباعاته فحسب، بل أيضًا لأن الزاوية التي يبصر منها مادته تتغير باستمرار، فالنشيد عبارة عن تركيبٍ غير متجانس من ذكريات باوند وأحاسيسه، ولكنه يتضمن أيضًا تركيبات من الأصوات القادمة من عدة أزمنة وأماكن «صاح الحارس خذ هؤلاء الجنوالات جميعًا …»، والشذرات التي سمعها «سناج» في السجن تحت عيون قوات الأمن، تأتي إلينا بكل الطاقة التي تفجرها العبارات العامية («كام لكمية كده، شوف باقول إيه واعمل إيه»)، هذه اللغة الدارجة، والأغاني والشتائم، تحتل مكانًا لا ينكر في النشيد بما في ذلك اللهجة المحلية التي يتكلم بها المستر إدواردز «في العنبر رقم ٤، حيث يرقد في طيبةٍ وخير»، أما الأصوات الحاضرة فترن في الآذان كأنها «ومضات» من الصوت، في مقابل الأصوات الآتية من الماضي الذي يتذكره باوند أو يتخيله: «هذه رومانسية — نعم نعم — بالتأكيد …»، ويقدم باوند أنماط التحدث في الحياة الواقعية بتغيير حروف بعض الكلمات، واللجوء إلى الاختصارات، واختراع كلمات جديدة، بحيث توحي العبارات المبتورة والجمل الاعتراضية بأنها مكتوبة بطريقة الاختزال.

وللدلالة على التمزق المكاني والزماني في شتى أجزاء النشيد، يكفي أن نعرف أن كثيرًا من العبارات تخرج من سياقها التاريخي، وتندرج في سياق القصيدة الجديد، وأحيانًا نرى صوتًا يجاور صوتًا آخر، آتيًا من مكانٍ وزمان يختلفان عنه كل الاختلاف، وهكذا نجد أن كلمات «حكمدار» جاردون تذوب في كلمات دوقة من القرن السادس عشر، في حين تتعرض كلماتها مع صوت الشاعر نفسه:

قال نيكوليتي «المرأة»،

«المرأة»،

«المرأة»!

«لماذا ينبغي أن أستمر؟»

«إذا سقطت — قالت «بيانكا كابللو» —

فلن أقع على ركبتي»،

فإذا قضى الإنسان يومًا واحدًا في القراءة،

استطاع أن يحصل على المفتاح.

إن كلمات بيانكا ذات «دلالة متغيرة»، وقبل كل شيء تعود أهميتها إلى أنها شذرة مقتطعة من زمنٍ مختلف، وضعت في هذا السياق في القصيدة، ولكن «بيانكا كابيللو» هي أيضًا «المرأة»، ومن ثَم فهي أيضًا إحدى النساء المثاليات في عين باوند، أضف إلى هذه أن كلماتها تشير بصورةٍ حادة إلى موقف باوند، حينما كان — كما يقول — «غارقًا في سجن الجيش»، الصوت صوتها لا شك، ولكنه يتداخل مع صوت باوند بصورةٍ ما، فكأنما باوند نفسه يقول: «لماذا ينبغي أن أستمر؟ — إذا سقطت — فلن أقع على ركبتي»، وثَم علاقة بين بيانكا والشاعر على مستوًى آخر، فلقد ماتت مسمومة، وباوند يصور نفسه في صورة من وقع ضحية العقاقير المخدرة الساحرة «كيركي»، وأنه بذلك أحد سجنائها.

وهكذا فإن التفصيلات الثابتة الصريحة التي يضعها الشاعر جنبًا إلى جنب في ثنايا النشيد، تكتسب ديناميكيةً من علاقاتها المتغيرة، وتبين الصورة التالية كيف تنجح «حقيقتان» — كلٌّ منهما كتابة — في الإيحاء بالحركة بل مرور الزمن.

سحابٌ فوق الجبل

جبلٌ فوق السحاب

إذا نظرنا إلى كلٍّ منهما على انفرادٍ وجدناهما ثابتتين ولا شك، أما إذا نظرنا إليهما معًا وجدنا أن السحاب يتحرك أو أنه قد تحرك بالفعل، وشبيه بهذا ما نراه في «الوحدات النمطية» التي تتحرك على الدوام، بحيث يقدم كل تقابلٍ بين الصور نمطًا جديدًا من أنماط العلاقات، وهكذا يشبه باوند سجنه بحظيرة الخنازير في جزيرة الساحرة «كيركي»، وبسفينةٍ على ظهرها العبيد، ثم بسجن المسيح، وبعد ذلك تتغير شبكة العلاقات تغييرًا كاملًا:

كيركي، صه!

ولكن سم زعاف يجري

في كل عروق الإمبراطورية،

وما دام في أعلاها، فلا بد،

أن يجري أسفل، فيسري فيها جميعًا.

ويستعين باوند بعباراتٍ من هوميروس (ملحمة الأوديسا، ١٠–٢١٣) ومن «وبستر» (دوقة مالفي)، بحيث تتوسع دلالات الصور فلا تقتصر على وضعه الحالي، بل تعبيرًا أيضًا عن نظرياته الاقتصادية، فالربا سمٌّ زعاف.

والقارئ يسعده — مثلما يسعد الشاعر — أن يلحظ التغيرات التي تمر بها الصورة الواحدة، فالتفصيلات لا ترتبط أبدًا بأشياء ذات دلالة «نهائية» أو ثابتة، بحيث يتم الربط بينها وإحكام العلاقات:

وحينما وهبت فراشة خضراء جديدة يوم الأحد،

زمردية — بل أفتح لونًا من الزمرد —

فقدت مروحتها اليمنى،

وجدت هذه الخيمة قد مدت لي و«تيثونوس»،

الذي يأكل قلب الأعناب.

ففي سياق النشيد بصفةٍ عامة لا تكتسب صورة المروحة اليمنى — أي الجناح الأيمن — للفراشة أي دلالة خاصة، ولا أهمية لتشبيه الحشرة «النطاط أو الفراشة» بمن ذكره في النص «تيثونوس»، ولكن الإشارات الأسطورية إلى التحولات الطبيعية (أو مسخ الكائنات المستمر)، ترجعنا إلى الفراشة الخاصة بالشاعر، وتحولاتها داخل القصيدة نفسها، والصور تتخذ شكل الكتابة دون أن يسود مشبه به على مشبه، أو العكس، كما أن الصور لا يشرح بعضها البعض، بل تزيد وتضيف إلى بعضها البعض، والنتيجة أن باوند يصف الشيء من عدة زوايا، أي من منظورٍ متغير، فهو يقدم إلينا بوصفه حيوانًا «النطاط» ومادةً معدنية وآلة «مروحة الطائرة»، وشخصًا أسطوريًّا «تيثونوس وديونيسيوس، الذي يأكل قلب الأعناب»، وبوصفه أيضًا صوتًا مجردًا، كما يوحي اللفظ بالإنجليزية وهو Katydid.

وأخيرًا فكما نفعل إزاء اللوحات التكعيبية، إذا كان لنا أن نستخلص أي معنًى من حشود التفصيلات التي يقدمها هذا النشيد، فينبغي علينا نحن القراء أن نقيم العلاقات اللازمة بينها، فالقصيدة زاخرة بالفجوات النحوية، وعلى القارئ أن يملأها، خذ هذا المثال «وما الحراس، عن اﻟ …»، وأحيانًا يقدم باوند المعلومات اللازمة في موضعٍ آخر من النشيد (رأي الحراس في القادة)، وأحيانًا يترجم العبارات المكتوبة بلغاتٍ أجنبية لفائدة القارئ في النص نفسه أو يقدم شروحًا وهوامش داخل النص (مثل «مترياردي، وزنًا أو كيلًا»)، ولكن الفجوات اللغوية والمنطقية تسود القصيدة، بحيث لا بد أن يشارك القارئ مشاركةً إيجابية في قراءة النشيد ٧٤؛ إذ بدون المعلومات المستقاة من المصادر الخارجية تضيع العلاقات بين الصور (وانجينا، وان جن)، والحقيقة أن الشعر يريد من القارئ أن يرجع إلى المصادر التي اعتمد عليها الشاعر، لا لأنها تفسر لنا النص، ولكن لأنها تزيد من معرفتنا بأنواع الأنماط والعلاقات التي يقيمها باوند.

ولكن استخدام باوند لهذه المصادر يفرق بين أسلوبه والأسلوب التكعيبي، فإذا كان بناء النشيد رقم ٧٤ يتمشى مع النظرية التكعيبية، فإن باوند يجعل هذه المصادر نفسها الموضوع الذي يتناوله بطريقةٍ تختلف كل الاختلاف عن طرائف التكعيبية، وينبغي أن نمعن النظر فيما يقوله «هيوكنر» في هذا الصدد:

«إن بيكاسو ينزع إلى تحطيم النموذج الذي يحاكيه، كأنما ليقول لنا «هذا هو ما ينتهي إليه في لوحتي»، أما باوند فهو يعيد بناء النماذج بحيث يظهر احترامه لها، وبحيث تظل كاملة، فلا يمكن لغيرها أن يحل محلها، وربما كان هذا معناه أن بيكاسو أقلع عن التكعيبية، في حين كان شعر باوند — بدءًا من قصيدة لوسترا حتى آخر الأناشيد — أطول تطبيق في أي فن من الفنون للمبادئ التي تقترب من التكعيبية.»

يقول «كنر» في موضعٍ آخر إن الحركة البدائية في الفن (أي تبنِّي أشكال فنون الإنسان الأول)، كانت القوة المحورية في تطور التكعيبية؛ إذ وضع بيكاسو مبادئ الفن الأفريقي وملامحه في مقابل الفن الأوروبي أساسًا؛ لأن التقاليد الأوروبية قد غدت تقاليد بصرية «بأكثر مما ينبغي»، أي تعتمد أكثر مما ينبغي على المحاكاة، ويصف «ماكس كوزلوف» النماذج التي وضعها بيكاسو نصب عينيه قائلًا:

«لا بد لنا إذا أردنا فهم التكعيبية أن نتذكر أن بيكاسو فنانٌ يرى أنماط ترابط واتصال بين الفنون التي تنتمي إلى ثقافات وعصور تختلف اختلافًا بينًا، إنه فنانٌ قادر على إيجاد اللحظة الحاضرة، عندما تنجح لغة الشكل التي يطمح إليها في العثور على اشتقاقاتٍ متبادلة في فن الرومانسك الذي ازدهر في قطالونيا، أو فنون وسط إيطاليا (أتروريا القديمة) وشبه جزيرة أيبيريا القديمة، وأرخيل سيكلاريس (اليونان)، أو فنون بابل وآشور وغرب أفريقيا، فهو يقبل فنون ما قبل التاريخ، والفنون القديمة والبدائية والساذجة ويحييها …»

ومع أن هجوم باوند على الرمزية لم يكن يتسم بروح التمرد والثورة التي اتسم بها هجوم بيكاسو على تقاليد الفن الغربي، فقد كانت جهوده لتوسيع قاعدة التأثير التاريخي على الفنون المعاصرة، تتمشى تمامًا مع التيارات السائدة في العقد الأول من هذا القرن (وكان دائمًا ما يدعو إلى كتابة «أدبٍ عالمي»).

كذلك مهد التكعيبيون الطريق لاستيعاب عناصر من الفنون الأخرى في فنهم، فالتركيبات التكعيبية (القص واللصق) يمكن أن تتضمن قطعةً من نوتةٍ موسيقية (براك وبيكاسو)، أو قصيدة لأحد المعاصرين (جريس وريفردي)، ولا شك أن إدراج شذرات من أعمال الفنانين الذين يستخدمون وسائط فنية مختلفة (سمعية أو بصرية أو لغوية … إلخ)، يمثل عنصرًا مهمًّا من عناصر الفن التكعيبي.

واختلاف باوند عن التكعيبيين اختلافٌ في الدرجة والأسلوب الفني فحسب، فقد تجاوز باوند الأسلوب البدائي الذي اتبعه بيكاسو (والذي كان يستخدمه على مستوى البناء والشكل فحسب)، بل تجاوز أسلوب «وديه»، الذي يعتمد على التأثيرات التاريخية المنوعة، وأصبح يدخل في موضوعاته الفنية عناصر من ثقافاتٍ شديدة التباين؛ ولذلك نرى أن نطاق موضوعاته ومصادره أكثر تعقيدًا وتنوعًا من نطاق أي من معاصريه، كما يبدو شعره مناقضًا كل المناقضة للتكوينات التكعيبية البسيطة نسبيًّا، أي التي تعتمد على الأشياء المستقاة من الحياة اليومية، إن شعر باوند «حافلٌ بصور التاريخ»، فهو يتضمن مصادر تاريخية منوعة، يجعلها موضوعه الذي يتخذ في بنائه هيكلًا حديثًا، ومن ثَم يتسم فنه بالتعارض الزمني بين الموضوعات، أضف إلى هذا أن باوند يطوع أحد المبادئ الأساسية التكعيبية حتى يخرج فنًّا لا ينشد فحسب تجسيد النشاط الإبداعي، بل يدور أيضًا حول أنماط هذا النشاط، وقد طور باوند كثيرًا من الأساليب الفنية التي استخدمها الشعراء والرسامون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ ولذلك فمعالجته لموضوعاته تشترك مع معالجة معاصريه من الرسامين اشتراكًا أكبر مما نشهده في بيكاسو، وإذا كان باوند لم يؤثر في الحقيقة على الفنانين المعاصرين فهو — على الأقل — قد أرهص بمناهجهم الفنية.

انظر مثلًا لوحة «بير سيمون» التي رسمها «روبرت راوشنبرج»! إنها حلقةٌ في سلسلةٍ تتضمن شذرات من لوحة «روبنز» المسماة «فينوس نتزين»، إن المصطلحات المستخدمة في وصف أسلوب باوند تنطبق على هذه اللوحة، إذ يستخدم «راوشنبرج» أسلوب وضع الصور بعضها فوق بعض على القماش، وعلى الرغم من أن للصورة عمقًا ينبع من المحاكاة، فإنه عمقٌ يضيع في الخصائص السطحية للعمل بصفةٍ عامة، والتركيبات التي يلجأ إليها «راوشنبرغ» تعتمد على الأسلوب «الفوقي»، أي على وضع اللمحات الحضارية بعضها فوق بعض، بحيث تخلق توترًا بين الأزمنة التي تنتمي إليها كل منها، وبحيث تكتسب المرأة التي تصورها اللوحة «دلالات متغيرة»، فعلى أحد المستويات نرى أنها فينوس، ولكن الفاكهة الحمراء توحي بأنها صورةٌ للمرأة باعتبارها طعامًا شهيًّا، وإلى جانب ذلك فإنها توحي بأسطورةٍ أخرى لأنها تشبه التفاحة، وهكذا تصبح المرأة في اللوحة فينوس وحواء معًا، ولكنها أيضًا المرأة المعاصرة التي تغسل الأطباق (وهي موجودة في أسفل اللوحة إلى اليسار)، والتي تتولى الطبخ وتقديم الأكل (انظر كوب اللبن!)، ومشهد الشارع في المدينة يضيف بعدًا آخر إلى هذه المرأة ذات الوجوه المتعددة، فالتقابلات تتيح عدة طرق لفهمها، وتدخل في هذا النطاق عددًا من الأساطير، وفي الوقت نفسه فإن جميع التفسيرات ثانوية بالقياس إلى الأهمية الكبرى التي تكتسبها أنماط الألوان وملمسها الذي تبرزه الفرشاة، وأسلوب «راو شنبرج» الذي يوحي بالتصوير الفوتوغرافي على لوحٍ من حرير!

أضف إلى هذا أن القطعة المأخوذة من «روبنز» لا تقتصر دلالتها على «معنى المرأة» بصفةٍ عامة، بل تتعدى ذلك إلى ما تدل اللوحة نفسها، فأولًا نرى أن المرأة توحي بأن «لوحات راو شنبرج تعكس البيئة الحضرية المعاصرة»، وثانيًا فإن فينوس التي يصورها الرسام دائمًا من الخلف — وفينوس بعدُ تعني الجمال — تحتاج إلى مرآة — أي مرآة الفن — حتى تستطيع أن تظهر لعيوننا، وهكذا فإن المرأة ترمز للانعكاس الذاتي الذي تصوره اللوحة، فاللوحة تتناول فن الرسم بقدر ما تتناول الحياة، وأخيرًا فإن لوحة «راو شنبرج» تؤكد قيمة لوحة روبنز حتى ولو كانت «تحطمها»؛ لأن لوحة روبنز قد أصبحت مسطحة، وتقطعت، وأصبحت تقتصر على لونين، و«راو شنبرج» يستخدمها في لوحاته ليقابل بينها في سخريةٍ فكرية وبين عربات الترام ولوريات الجيش والبعوض ومظلات الهبوط من الطائرة، ومع ذلك فبرغم التفاوت الزمني والسخرية، برغم «التحطيم» والتكسير، فإن «راو شنبرج» لا يتعدى على معنى لوحة روبنز.

وإذا عدنا إلى باوند وجدنا أنه هو كذلك يقر بفضل أسلافه بما يشبه المفارقة، أي إنه يكرمهم «تكريمًا غير كريم»، وفي النشيد ٧٤ نجده يلهو ويلعب بما ينظر إليه نظرة القداسة الكاملة، فهو يمزق الأعمال التي يعدها روائع خالدة، ويقلبها رأسًا على عقب، ويعيد صياغة بعضها، محاكيًا إياها، ساخرًا منها، بل يستخدمها بوصفها قطعًا من أزمنةٍ متفاوتة، ركبت تركيبًا جديدًا، ففي بداية النشيد يستخدم باوند سطرًا من رواية «جيمس جويس» المسماة أوليس (عولس)، وهو: «إن الحركات التي تحدث الثورات في العالم تولد من الأحلام والرؤى في قلب الفلاح على سفح التل.» كما يعيد كتابة الأبيات الختامية لقصيدة إليوت «الرجال الجوف»، ويلهو بأسماء المؤلفين وعناوين كتبهم:

مات أمير رايفز …

والمستر جيمس يحمي نفسه مع السيدة هو كسبي،

كأنما هو إناءٌ يحمي نفسه بعصًا يتكئ عليها …

وهو يستعير العناوين ويستخدمها للتعبير عن «حقائقه» (ريمارك: «ليس في الصديري أي جديد.» وبودلير: «ليست الفردوس مصطنعة.»)، وهو يمعن في سخريته فيقتبس أبياتًا من شعر الآخرين ويستخدمها في أغراض مختلفة تمامًا، فعبارة إليوت: «حتى أنتهي من أغنيتي» تصبح لافتةً على «مصرف توماس» في الصورة التي يرسمها باوند للأرض التي تخربت اقتصاديًّا، وهو يقتبس أبياتًا للشاعرة «سافو» بعد أن يجعلها تتلعثم في النطق، ويشيرا إلى امرأة رسمها «مانيه» (في لوحة «بار» في «الفوليه بيرجيه»).

وعلى الرغم من أنه يبقي على شعرها الأحمر، فإنه يجعلها ترتدي ثوبًا من الدريكول أو اللانفيل، ترى هل كان من المحتمل أن يضيف باوند شاربًا إلى لوحة «الموناليزا» مثلما فعل «ديشام» عام ١٩١٩م؟ «لا، فالمحتمل أنه كان سيجعلها تتزين بموضات كريستيان ديور.»

لا شك أن باوند يكرم أسلافه، ولكنه يكرمهم بأسلوبه الخاص، وشعره يفصح لنا عن اعتقاده الراسخ بأن الفن تكريم، ويبدعه المبدعون «لعبادة الأباطرة» و«باسم إله الفن»، وعمل الفنان هو بناء معابد لآلهة الفن «فالخمائل تحتاج إلى معبد كما يقول»، سواء كان الإله هو «ديونيسيوس»، أو «أفرودايتي»، أو «زرادشت»، أو «أثينا»، أو «ياو» أو ربات الفنون نفسها.

إذن لماذا يسود هذا التوتر وهذه المفارقة بين التوقير والسخرية؟ ولماذا تظهر الصور التي يحييها صورًا ميتة؟ ربما لأن باوند يحول القيمة من موضوع التوقير إلى عملية التوقير نفسها، بحيث يصبح الآلهة التقليديون هم الأشكال ومظاهر الكيان الروحي، وهم يتبادلون أماكن بعضهم البعض في دورة لا تنتهي:

إن «يو» لا يبني أية آمال على «يهوه» …

«زرادشت» أصبح عتيقًا باليًا،

إلى «جوبيتر» وإلى «هيرميز» حيث يعيش الكبير،

لا أثر له إلا في الهواء.

و«لا أثر له إلا في الهواء» لأن روح الآلهة ما زالت باقية، حتى حين تصبح بعض أشكالها الخاصة عتيقةً بالية ممزقة مشوهة أو حتى محطمة، وكذلك فربما بقيت «الروح» في الذهن — حسبما يقول باوند — لأن الذهن هو مكانها الوحيد، وهكذا فإن آخر صورة لأفرودايتي في النشيد تخرج إلى السطح من خلال «التغني بالذهن البشري»، وإعادة بناء «واجادو» يجري «في الذهن الذي لا يمكن تدميره»، وحتى الأشكال الجميلة في اللوحات المرسومة تحقق الخلود («بالرسم الخالد»)؛ لأن قماش اللوحة («الأرض المستوية») هو الذهن نفسه، وهكذا فإن إدراك الفن (أي إبداعه) لا يعني تقييم أحد المنتجات بل المشاركة في نشاط ما.

(٣) ثبت المراجع

أولًا: الحداثة والمودرنية

  • Jacques Barzun, Classic, Romantic and Modern, London 1962.
  • M. Bradbury & J. Mcfarlane., Modernism 1890–1930, London, 1976.
  • Joseph Chiari, The Aesthetics of Modernism, London, 1970.
  • Cyril Connolly, The Modern Movement: One Hundred Key Books From England, France and America 1880–1950, London, 1965.
  • Richard Ellman & Charles Feidelson JR (eds.), The Modern Tradition: Backgrounds of Modern Literature, N. Y. & London, 1965.
  • Graham Hough, Image and Experience, London, 1960.
  • Irving Howe (ed.), The Idea of the Modern in Literature and the Arts, New York, 1967.
  • Louis Kampf, On Modernism: Prospects For Literature and Freedom, Boston, Mass. 1967.
  • Harold Rosenberg, The Tradition of the New, London, 1962.
  • Wylie Sypher, Loss of the Self in Modern Art and Literature, New York, 1962.
  • …, From Rococo to Cubism in Art and Literature, N. Y., 1960.
  • Lionel Trilling, Beyond Culture, London, 1960.
  • Edmund Wilson, Axel’s Castle A Study in the Imaginative Literature of 1870–1930, N. Y., 1931.

ثانيًا، التصويرية

  • Stanley R. Coffman, Imagism: A Chapter in the History of Modern Poetry, Norman, Oklahoma, 1951.
  • Lillian Feder, Ancient Myth in Modern Poetry, Princeton, 1972.
  • J. B. Harmer, Victory in Limbo: Imagism 1907–1917, London, 1975.
  • Glenn Hughes, Imagism and Imagists: A Study in Modern Poetry, Stanford, 1931.
  • Peter Jones (ed.), Imagist Poetry, Harmondsworth, 1972.
  • Hugh Kenner, The Pound Era, London, 1972.
  • Monroe K. Spears, Dionysius and the City: Modernism in Twentieth Century Poetry, N. Y. & London, 1967.
  • A. Kingsley Weatherhead, The Edge of the Image, Seattle, 1967.
  • William C. Wees, Vorticism and the English Avant-grade, Manchester, 1972.

أما كتب الشعر فقد أشرت إليها في مواضعها من النص.

١  يقول إيان جاك في كتابه English Literature (١٨١٥–١٨٣٢م) إن تعبير الشاعر الخالص pure poet الذي يُطلق على شلي يتضمن مفارقةً لما كان لهذا الشاعر من عقلٍ علمي ونزعات سياسية واضحة، ص٧٧.

٢  يعرض سيسيل داي لويس لهذا التطور في مقاله شلي ودرايدن ومستر إليوت في كتاب English Romantic Poets ص٢٤٧ وما بعدها.

٣  خير مثال على هذا هو دراسة ديتشز عن شلي في: A Critical History of English Literature, Part IV.

٤  انظر: David Gwilyn James, “The Romantic Inheritance” in M. Arnold and the Decline of English Romanticism, Oxford, 1961.

٥  انظر: Brinton, C. The Political Ideas of the English Romanticists (Ann Arbor, University of Michigan Press, 1961)- passim.

٦  انظر عرض نظرة القرن الثامن عشر للإنسان والمدينة ومساواة العقل والطبيعة في Paul Hazard, European Thought in the Eighteenth Century, pp. 307–332 (English translation, Penguin, 1954).

٧  انظر: Basil Wiltey, The Eighteenth Century Background, (Paperback, 1961).
الفصل الثالث؛ انظر أيضًا لنفس الكاتب ص١٠ Nineteenth Century Studies (Penguin, 1964).

٨  انظر مقال للبروفسور هاردنج في: Pelican History of English Literature from Blake to Byron.

٩  انظر: I. Babbitt, Rousseau and Romanticism, (Meridian edition, 1966), p. 209.

١٠  برز هذا الاتجاه في شعر الجيل الأول من الرومانسيين وخاصة وليم وردزورث.
انظر: A. Beatty, W. Wordsworth: His Doctrine and Art in their Historical Relations, (University of Wisconsin Press, 1960) p. 22 et seq.

١١  انظر بابيت، نفس المرجع السابق، انظر أيضًا الفصول الخاصة بوليم بليك في:
Peter Conventy, The Images of Childhod; William Walsh, The Use of Imagination.

١٢  اتضح هذ الاتجاه أولًا في شعر وليم وردزورث ومن سبقه ممن تناولوا الأطفال في شعرهم، انظر Coveny (نفس المرجع)، فأصبح الطفل في الشعر إنسانًا يتمتع بطاقةٍ روحية هائلة اقتربت به من المثالية، وقد استتبع تصوير وردزورث للأطفال بهذه الصورة هجوم كولريدج عليه في كتابه «حياةٌ أدبية».

١٣  F. L. Lucas, The Decline and Fall of the Romantric Ideal.
نفس المرجع السابق في معرض الحديث عن وليم بليك.

١٤  انظر: David Perkins, The Quest for Permanence: the Symbolism of W. Wordsworth, Shelley and Keats, (Cambridge, Harvard University Press, 1959).

١٥  Edward Bostetter, The Romantic Ventriloquists, (Seattle, University of Washington Press, 1962).

١٦  انظر نفس المرجع و C. M. Bowra, Romantic Imagination.
وبازل ويلي في كتابه عن القرن الثامن عشر.

١٧  انظر معالجة فكرة الصورة الذهنية في C. C. Clarke, Romantic Paradox, 1962، وتحليل بازلي ويلي لنظرية الخيال عند كولريدج من حيث محاولة إخراج المعنى أو إضفائه، بحيث يتم الاندماج بين الذات والموضوع Coalescence of subject and object، وذلك في تحليله للفرق بين fancy باعتباره القوة الذهنية التي تأتي بالتشبيه و imagination باعتباره القوة التي تولد الاستعارات، في كتابه دراسات في القرن التاسع عشر الفصل الأول.

١٨  انظر تفصيل القول في هذا الموضوع في كتاب E. Auerbach, Mimesis.

١٩  انظر مقال روجر شاروك «ثورة وردزورث على الأدب»، Roger Sharrock, Wordsworth’s Revolt Against Liltrature, in Wordsworth’s Theory and Art, ed. A. W. Thomson, Edinbrugh, 1969, p. 66.

٢٠  انظر: David Perkins, Wordsworth and the Poetry of Sincerity, 1964.

٢١  انظر تفصيل هذا في: Enid Harner, The Metres of English Poetry, ch. I.

٢٢  انظر: Karl Krober, Romantic Narrative Art, (The University of Wisconsin Press, 1966).

٢٣  انظر: Pierce, F. E, “Hellenic Currents in English Nineteenth–Century Poetry”, JEGP, XVT, 103–135. (1917).

٢٤  نشرت بعد وفاة مؤلفها عام ١٨٥٠م.

٢٥  انظر: Dowden, Edward, The French Revolution and English Literature, London, 1897.

٢٦  انظر: Brooke, S. S., Naturalism in English Poetry, London, (1902), “Wordsworth: Shelley Byron”.

٢٧  انظر: Richard Rice, Wordsworth’s Mind, Indiana University Press, I (XI), No. 7, Bloomington, (1930), p. 23.

٢٨  انظر: Graham, Walter, “Wordsworth and Shelley”, N & Q Jan. 30, 1915, pp. 83-84.

٢٩  انظر: Pottle, F. A. “Shelly and Wordsworth”, TLS, June 20, 1936, p. 523.

٣٠  انظر مقارنة شلي بوردزورث في Leavis, F. R. Revaluation, 1936.

٣١  الذي حدث هو أن مجموعةً من العمال والعاملات في مصنعٍ ما في مدينة مانشستر عقدوا اجتماعًا في الهواء الطلق، وقد رفعوا شعاراتٍ ثورية مثل: «نريد حق الانتخاب للجميع»، و«نريد البرلمان عن طريق انتخابات تعقد كل سنة»، و«نطالب بإلغاء قوانين القمع الجائر»، أي أنهم كانوا يطالبون بإصلاح النظام البرلماني، فانقض عليهم الجنود من قدماء المحاربين الذين كانوا قد اشتركوا في معركة واترلو — ضد نابليون — وانهالوا عليهم رميًا بالرصاص فوقع منهم ضحايا كثيرة.

٣٢  نشر وليام جودوين كتابه المسمى «بحث في العدالة السياسية» عام ١٧٩٣م، وعلى الفور اختطفته أيدي الثوار الشباب الذين كانوا قد انبهروا بالثورة الفرنسية، وكانوا يبحثون عن نظريةٍ صلبة يستطيعون الاعتماد عليها في تفكيرهم وفي أدبهم الجديد، وكان سحر الكتاب ينبع من بساطته بل من سذاجة نظريته الأساسية، ألا وهي أن جميع مشاكل العالم يمكن أن تحل إذا لجأ الإنسان إلى استخدام العقل، ويمكن تلخيص ما يقوله جودوين بأن الإنسان يستطيع أن يصل إلى الكمال، أي أن يرتفع بمستواه الخلقي حتى يصل إلى حالةٍ يبتعد فيها بالطبيعة عن الشر، فلا يفعل سوى الخير، وهذا ممكن في رأي جودوين عن طريق التحكم في البيئة البشرية؛ لأنها أقدر على تشكيل الإنسان من الوراثة، وهكذا فإنه إذا تم إلغاء النظم والأوضاع التي تكونت على مر التاريخ دون استناد إلى العقل، فسوف يصل الإنسان إلى حالةٍ من السلام والسعادة والعدالة، دون حاجة إلى الحكومات والتمييز الطبقي، وكان إيمان جودوين بالعدالة باعتبارها مثلًا أعلى يشكل ركنًا ركينًا في فلسفته السياسية، فالعادل لا يبغي لنفسه ما لا يستحقه، ولا يحرم غيره من حريةٍ يتمتع هو بها، والعدالة تعني المساواة وتعني الحرية بمفهومها الواسع الشامل، ومن ثَم فقد دعا إلى حرية ممارسة الحب وحارب الأفكار التي تدعو إلى تقييده.
أما الخلاف الأوحد بينه وبين شلي فقد كان تجاهل جودوين لسلطةٍ أو قوةٍ أو «إمبراطورية» للشاعر … وهذا هو ما جعل شلي يختلف معه بل ويرفضه في النهاية، مثلما رفضه وردزورث من قبل.

٣٣  انظر: Piper, H. W., The Active University: Pantheism and the Concept of Imagination in the English Romantics. London, 1962, pp. 165–170.

٣٤  النشيد الرابع، الأبيات ١٣٩–١٤٦.

٣٥  النشيد السادس، الأبيات ١٧١–١٧٣.

٣٦  انظر حاشية شلي على البيت ١٣ من النشيد السابع الذي يقول فيه «ليس هناك إله»، فهذه الحاشية تقول: «إن هذا النفي ينطبق على مفهوم الإله الخالق (التقليدي)، أما افتراض وجود روح سائدة متغلغلة في الكون وخالدة معه فما زال ثابتًا لا يتزعزع.»

٣٧  النشيد الثالث، الأبيات ٢٢٦–٢٤٠.

٣٨  انظر: N. L. White, Shelley, London, 1947, i. pp. 279, 368.

٣٩  انظر مقال I. J. Kapstein, The Meaning of Shelley’s “Mount Blanc”, in PMLA, 1947.
والتي يحلل فيها تحول شلي من مذهب الحتمية المادية الأولى إلى المثالية وحرية الإرادة (أي من الجبر إلى الاختيار) قائلًا إن القصيدة تمثل مرحلة توتر بين المذهبين.

٤٠  انظر: E. I. Grigg and P. Mueschke, “Wordsworth and the Prototype of the Poet in Alastor” in PMLA (1934).

٤١  انظر الحاشية السابقة.

٤٢  انظر مقدمة شلي لهذه القصيدة.

٤٣  انظر دافيد ديتشز، نفس المرجع السابق، ص٩٠٨.

٤٤  الأبيات من ٥٠–٦٦.

٤٥  ١٨٨-١٨٩.

٤٦  ٢٠٠–٢٠٢.

٤٧  ٢٠٩–٢١١.

٤٨  ٢٥٧–٢٦٣.

٤٩  ٣٠٤-٣٠٥.

٥٠  ٣٣٩.

٥١  ٤١٥–٤١٧.

٥٢  ٦٦١.

٥٣  ٦٩٩-٧٠٠.

٥٤  انظر: R. H. Fogle, The Imagery of Keats and Shelley: A Comparative Study, pp. 128-129.

٥٥  النبات الحساس، النشيد الأول، الأبيات ٢٥–٢٨.

٥٦  الأبيات ٥٣٧–٥٣٩.

٥٧  انظر Fogle نفس المرجع السابق ص١٢٣-١٢٤.

٥٨  الأبيات من ١٤٩–١٦٤.

٥٩  Jessica Prinz Pecorino. Resurgent Icons: Pound’s First Pisan Canto and the Visual Arts, Journal of Modern Literature, Vol. Nine, Number 2, May 1982, pp. 159–174.

الصفحة السابقة 1 2
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading