المعمارية بين الواقع والتشكيل ✍️د. وجدان الخشاب / العراق


الحنين شعور يتأجج في لحظات من الزمن؛ ليزيح الغبار عن ذكريات حميمة تلتصق بذاكرة الإنسان، وتنتعش كلّما مرّت عليها أصابع المواقف والأحداث، وبيت الجدّ من البيوت التي تعبق النفس الإنسانية بروائحه؛ لما فيه من ذكريات متنوِّعة تربط أفراد العائلة، وعلاقات ثريّـة تؤشِّر خصوصية قد لا تملكها بيوت أُخرى بعد أن يغادر أفراد العائلة هذا البيت قسرًا أو طوعًا، فإذا كانت القسريّة هي المسبب فإنَّ الغربة سيكون لها حضورها سواء أكان هذا الحضور دائمًا أم مؤقّـتًا. والغربة حسب ما طرحه اميل بديع يعقوب (وآخرون) في كتابهم (قاموس المصطلحات اللغوية والأدبية) هي (شعور الإنسان بأنه غريب عن بيئته ومحيطه، وهذا الشعور ينتاب الفنانين عادة، وخاصة عند ابتعادهم عن ملاعب فتوتهم أو عند تعارض مشاعرهم وأفكارهم). وهذا ما يثير الألم في نفس الفنان، ويدفعه بالتالي الى إنشاء لوحةٍ يحوِّل فيها غربته وآلامه الى حالةٍ ابداعية تكتنز بمشهد من مشاهد ذلك البيت الذي يحنُّ إليه، وهذا ما فعله الفنان يوسف انيس حين حاورته نفسه في لحظةٍ استرجاعيةٍ لزمن جميل تاهَ حينًا في خضمِّ الحياة، فأنتج لوحته الموسومة بـــ (بيت جدّي) في عام (2019م) بحجم ( 50×70سم مربع)، وبالألوان الزيتية، حيث تقتنص هذه اللوحة مشهدًا خارجيًا لمنزلٍ عتيق من منازل مدينة الموصل، أخبرني الفنان يوسف أنَّـه بيت جدّه الذي كان في منطقة الدواسة، ذلك المنزل الذي يتشابه في طراز عمارته مع الكثير من المنازل الموصلية القديمة، التي تميّـزت بخصوصياتٍ تفصيليةٍ تحدده، فتشتغل ذاكرة الفنان يوسف التي ترسخت فيها صورته خارجيًا وداخليًا باتجاه رسمه تفصيليًا، بدءاً من المساحة الصغيرة التي اتخذت موقعتها أمام البيت على شكل مستطيلٍ شبه منتظم، متخذًا ألوانًا ترابية يمتزج فيها الأصفر والأبيض والرمادي، لتكون مؤشِّرًا على مدخل البيت من جهة، وعلى البُعد الثالث من جهةٍ ثانية؛ لأنَّ الأشكال الأُخرى من البيت تقع خلفه.
وأول هذه الأشكال درجتان ترتفعان أمام البيت، اختار الفنان لهما اللون الرمادي الناتج عن مزج اللون الأسود مع الأبيض مَظهرًا؛ ليؤكِّد دلالة الاستقرار.
إنَّ الفنان حين ينقل واقعًا عيانيًا الى لوحته يشتغل عبر تأمِّلٍ لمعطيات هذا الواقع، ومعطيات العملية الإبداعية، هنا يكون الحوار على أوجهِ بمستوياتٍ ثلاثة:
الأول يتمثّـل فيما خبره الفنان من خلال رؤيته العيانية، ويحضر الثاني بوصفه مخزونًا ذاكراتيًا للفنان، والثالث يكمن في عملية الانتقاء للأشكال التكوينية التي سيموضعها في لوحته بحيث تُشكِّل مُثيرًا للمتلقي، من هنا وجد الفنان يوسف أنَّ حضور وغياب بعض التفصيلات سيخدم اللوحة، ومن هذه التفصيلات التي أراد لها الفنان أن تحضر هنا شكل نافذةٍ صغيرةٍ اتخذت موقعتها في الجهة اليسرى للدرج، وأُخرى في الجهة اليمنى منه، فشكَّلا حالة توازن من جهة وايقاع متكررٍ ومتماثلٍ من جهةٍ ثانية على مستوى الحجم والشكل والألوان، ومن المعروف في العمارة الموصلية القديمة أنَّ السرداب جزء لا يتجزأ من البيت، فلا يخلو بيت منه، فأراد الفنان تأكيد حضوره ليس على المستوى المعماري فقط، بل لما يحمله من فوائد نفعية واقعيًا أيضًا، حيث كانت العائلة الموصلية ولا تزال تتخذ منه مخزنًا، وملاذاً من حرِّ ظهيرة الصيف، وهذا بالتالي ما يجعله مُـحمَّـلا بذكريات طفوليةٍ متواترةٍ تسكن نفس الفنان يوسف وعقله، فمنحها وجودها من خلال حضور هاتينِ النافذتين.
يُمثِّـل الباب عنصرًا أساسًا لواجهة البيت واقعيًا ونفعيًا؛ لكونه مدخلا ومخرجًا في الآن ذاته، وعلى مستوى التشكيل يمثِّـل شكلا حيويًا يكمل مشهدية اللوحة، حيث اتخذ موقعه في النصف الأسفل من اللوحة معتمدًا شكل مستطيلٍ قائم يدلل على الثبات والرسوخ، ولكنَّ الفنان يوسف أبعدَ عنه الملل الذي قد يشعر به المتلقي في تلقِّـيه البصري له، فأظهره بدفّـتين ليمنحه حيويةً تؤشِّر قدرته على الانفتاح الجزئي أو الكُـلّـي، ومنحه لونًا بُـنـيّـًا غامقًا مُتدرِّجًا؛ ليؤشِّر خامته الخشبية، وأضاف إليه شكل طاووسٍ على كلِّ دفّـةٍ منه، ومن المعروف تاريخيًا أنَّ الإنسان ومنذ أقدم العـصور والى الآن اتخذ من الخشب – بوصفه مُعـطى طبيعيًا- خامةً يحفر عليها أشكالاً نحتيةً بارزة أو غائرة مأخوذة من عناصر الطبيعة، وقد تكون أشكالاً إنسانية أو نباتية أو حيوانية زَيَّـنَ بها القصور والمعابد والمساجد والأثاث والآنية.
والنحت حسب تعريف احمد حافظ رشدان (نوع من أنواع الفن يتضمَّـن أشكالاً مُجسَّمة ذات أبعاد ثلاثة حيث الإحساس بالكتلة والحركة والمتعة الفنية، ليس من خلال رؤيتها فقط بل بما تعطيه من تأثيرات مختلفة نتيجة لتحـرِّك الظِلال التي تنشأ من تغيير الضوء الساقط عليها). ويشير برنارد مايرز في كتابه (الفنون التشكيلية وكيف نتذوقها – ترجمة محمد المنصوري ومسعد القاضي) الى أنَّ (النحت البارز نحت مرتفع عن المساحة التي يمكن رؤية البروز عليها). ويبدو شكل الطاووس المتكرر نحتًا بارزًا على باب البيت أعاد الفنان يوسف رسمه؛ ليمنح هذا الباب جمالية تخرجه من صلابة شكله من ناحية، ويؤدي وظيفة جمالية تعمل على إثارة المتعة لدى المتلقي من جهة ثانية، حيث اشتغلت مناطق الظـل والضوء باتجاه تجسيم شكله، فمنحت البصر قدرة على الإحساس ببروزه من خلال عملية الانتقال البصري بين أجزائه.
في الجزء الأعلى من الباب أعاد الفنان يوسف رسم أشكالٍ متكررةٍ من المربّـعات والمستطيلات المتوالية، والتي كانت في الأصل قـطعاً زجاجية، ولـوَّنها بثلاثة ألوان متدرِّجة بين الفاتح والمتوسط، وكلّها ألوان مشرقة، وشكّلت مساحة مضيئة تتضاد مع حيادية اللون الرمادي لإطار الباب من جهة، واستقـرار اللون البُنيّ للباب من جهة ثانية، فاللون التركوازي من الألوان التي تدل على النقاء والصفاء والانتعاش والطاقة الايجابية، أمّـا اللون الأصفر الفاتح فهو لون القوة والايجابية، وبتآزر هذه الدلالات سيجد المتلقي أنَّ هذا المستطيل الأُفقي شكّلَ تضادًا مع الباب نفسه من ناحية دلالته اللونية التي توحي بالحيوية، ومن ناحية كسره لاستقرار المستطيل القائم للباب.
للنافذة في الواقع العياني أغراض نفعية للتهوية والإضاءة والاطلالة على ما هو خارج الدار، وفي لوحة (بيت جدّي) نجد الفنان يوسف قد رسمَ نافذتين خارجيتين متناظرتين شكلاً وألوانًا على جانبي الباب، وقضبانٍ مُشبَّـكة تشبه قبضان نوافذ السجون بدلالة الفتحات الصغيرة المستطيلة القائمة، وكان هذا النوع سائدًا في الطراز المعماري آنذاك في مدينة الموصل، وله قصديته أيضًا فهي حجاب من اللصوص؛ ولتمنح ساكنيه خصوصية تعمل على منع مَن هو في الخارج من رؤية ما في داخل البيت، يؤكِّـد الفنان هذه الفكرة من خلال تفعيله للتضاد اللوني، فالخارج ضوء، والداخل ظل وعتمة.
ويرتفع جدار البيت وصولا الى أعلاه، حيث اختار الفنان يوسف موضعة شرفة في وسطه متخذة شكلا أقرب ما يكون الى البيضوي الأُفـقي، وهو ما يتضاد تمامًا مع صلابة المستطيلات التي تمظهرت بها الأشكال الأُخرى، وهذا ما منحها جمالية لافـتة، أكملتها الخطوط المنحنية التي تمظهرت على واجهتها، فظهر شكلها أقرب ما يكون الى النحت البارز على الحجر، ويحيطـ بها من الأسفل إطار يُشكِّل قاعدتها وظـلِّها، ويخلو من التفاصيل مما أسهم في جذب نظـر المتلقي الى الخطوط المنحنية.
إنَّ الباب المغلق، والظلام الدامس وراء النوافذ الأربع، وخلو الفسحة الأمامية للبيت من أيّـة علامة حيوية قد يوحي للمتلقي أنّه بيت مهجور، فلا وجود لإنسانٍ أو شيء مما يستعمله كالسيارة مثالا، ولكـنَّ السجادة التي نُشرت في أعلى الجدار من الجهة اليسرى تحيل الى إنَّ البيت مسكون، ونظرًا لموقعها في أعلى الجدار، فـقـد بدت خالية من التفاصيل أي النقوش التي تُـزيِّـن واجهتها في الواقع العياني، واكتفى الفنان بتظهير إطارين متواليين يحـدّانها خارجيًا وداخليًا، واتخذت ألونها تكرارًا لونيًا مع أثمار البرتقال وأوراقه.
وكان للسماء حضورها أيضًا بوصفها عنصرً طبيعيًا يضفي مسحةً سكونية على اللوحة، وصفاءً ينشر جماله بما تمتلكه السماء من قـيم روحية، حيث تكشف الدرجات اللونية للأزرق عن لونٍ يتقارب مع لون السماء في الواقع العياني، ولكنَّ الفنان عمد الى إضافة أشكال غيوم تنتشر بشفافية في فراغها؛ ليمنحها بُعدًا جماليًا حيويًا، يخرجها من جمود استعمال اللون الواحد.
في حوارٍ مع الفنان يوسف حول لوحته هذه أخبرني أنَّ شجرة برتقال مثمرة ووارفة الظلال كانت مزروعة داخل هذا البيت، وكان كثيرًا ما يتأمّـل جمالها لوفرة ما تحمله من ثمار، فأراد تخليدها ولكنَّ الجدار بعلـوِّه كان يحجبها تمامًا، فاختار أن يخرجها من الداخل الى الخارج، فرسمها بشكلٍ أقرب ما يكون الى الإطار الزخرفي للوحات الخطيّـة، ولكنّه ليس الإطار الكامل المغـلق، بل المعتمد على نوعين من الأشكال:
الأول هو نصف المستطيل الذي أطّـر اللوحة في الثلث الأسفل، وكان هدف الفنان هنا ايجاد توازن بين شكله وشكل العناصر التكوينية الأُفقية التي تقع خلفه، والمعتمدة على شكل المستطيل مظهرًا، والتي تتمثّـل في الفسحة أمام الدار وفي الدرج، وما يجاورها من تكوينات من الجهتين اليمنى واليسرى، وكذلك نافذتي السرداب، واكتفى الفنان يوسف بهذا الحضور؛ ليمنح للأشكال الأُخرى فرصة في الظهور متمثّـلة بتموِّجات الهواء والباب والنافذتين، وهذا ما منحها قيمتها الجمالية فلم تزدحم المساحة بها، حيث تؤشِّر بنية اللوحة قصدية الفنان في منح متلقيها مثيرًا جماليًا ونفسيًا، يسهم في بناء استجابة ايجابية وتفاعل وانسجام؛ ولهذا لا نجده يتجه الى رسم الأشكال بطريقة تراكمية، بل بقصدية تخلق انسجامًا كُـليّـا بين أشكال التكوين.
والثاني هو الاطار نفسه متكررًا بحيث يشغل ثلث المساحة العلوية من اللوحة بتكرار الإطار النباتي نفسه، ولكنه منحه مظهرًا قوسيًا يحيط بالأشكال التكوينية المتموقعة في الجزء العلوي من اللوحة، وبما أنَّ اللون البرتقالي يمتلك دلاليًا خاصيّة لفت النظر بما يثيره من مشاعر الحيوية والطاقة، واللون الأخضر يحيل دلاليًا الى النمو والحياة المتجددة، فقد أكسبه الإطار النباتي شكلاً ولونًا مظهرًا جماليًا وطاقة وحيوية واستمرارية في بعدها الرابع (الزمن) لأنَّ الطبيعة هنا متجددة، إذًا البيت مستمر في وجوده في ذاكرة الفنان يوسف.
تعتمد موضعة الأشكال داخل فراغ اللوحة على مدى خبرة الفنان في تجربته التشكيلية التي تخصُّ المساحة السلبية والمساحة الايجابية، وفي هذه اللوحة يحضر الفراغ الذي يحيط بالأشكال المرسومة بوصفه مساحة سلبية تموضعت عليها الأشكال، والفراغ فيما تعارفَ عليه الفنانون التشكيليون يمنح هذه الأشكال حيوية وجودها، إن خلا من التفاصيل الكثيرة والدقيقة والألوان المتعددة؛ لكي لا ينشغل المتلقي بها، من هنا كانت فكرة الفنان يوسف في جعل فراغ اللوحة أو خلفيتها خاليًا من التفاصيل، ومكتفيًا بخاصيّـة التكرار اللوني للتركوازي المُتدرِّج والمتداخل مع الأسود بلمسات لونية مُـقـوَّسةٍ تتجانس مع الإطار الزخرفي لونًا وشكلا، ولكنّـها على مستوى الدلالة يمكنها أن تؤشِّر البُعد الزمني لهذا المشهد، ولحظة تجلّـيه في ذاكرة الفنان يوسف.
لا بُـدَّ لي وأنا أُحاول محاورة المعطيات التشكيلية لهذه اللوحة وراسمها من التفكير بالسؤال التالي:
أين كان موقع الفنان من البيت؟
للإجابة على هذا السؤال أتوقف عند مصطلح (رؤية عين السمكة) الذي أشار إليه محمد محمد كذلك في كتابه (عالم الفن التشكيلي) بقوله أنّه (مصطلح يُـطلق على الرؤية التي تكون تحت خط الأُفق حيث تبدو الأشكال المرسومة كبيرة الحجم، وطويلة، وشاهقة الارتفاع وكأننا نراها من عين سمكة أو نملة. ويستخدم هذا المنظور أيضًا في فنون الهندسة والعمارة، والرسم التشكيلي والتصوير الضوئي). من هنا يمكنني القول انَّ موقع الفنان كان أمام البيت، ورؤيته له كانت مباشرةً فحبسها في لوحته، وهي الرؤية التي ما تزال ماثلةً بتفصيلاتها الدقيقة في ذاكرة الفنان يوسف، فجسّدها في لوحته؛ ليُكسِب هذا البيت خلودًا من نوع آخر هو الخلود الفنيّ؛ لأنَّ هذا البيت رغم مرور الزمن يشدُّ روحه بخيوط من حنينٍ وانتماءٍ صميمي أسهمت تجربته الفنية التي خاضها في هذه اللوحة في انتاج تواصلٍ يمكن له أن يتحقـق بينها وبين المتلقي أولاً، وبينها وبين الفنان ثانيًا من خلال تذكُّـرِ المتلقي لبيتٍ يسكن روحه فيتعاطـف مع هذه التجربة.



