الكتابة البذيئة وشَرك المطابقة بيـن الأدب المتخيل والواقع ✍️ أحمد عزيـز الحسين
لا يزال كثير من النقاد والقراء العرب يطابقون بين المتن الحكائي المتخيل ومرجعه المتوهم، ويقرؤون النص المتخيل في ضوء اتصاله بمرجعه الواقعي، ويرون أنه لا فرق بين المفهومين، ويصدرون أحكامهم في ضوء نظرية المطابقة بينهما، ويرون أن ما تتلفظ به الشخصيات من كلماتٍ بذيئةٍ يخرج من «فم الكاتب» لا من «فم الشخصية» الورقية، فيخلطون بذلك بين الشخصية المتخيلة ومبدعها، ويحكمون عليه بقلة الأدب، وانعدام الأخلاق، والرغبة في الترويج للبذاءة والإباحة معاً، وهو ما فعله بعض من كتبوا عن محمد شكري، وصنع الله إبراهيم، ونبيل سليمان، وأحمد يوسف داود، وعلي عبدالله سعيد، وسلوى النعيمي، وغيرهم من الأدباء العرب؛ وذلك؛ في ظني؛ أمر طبيعي، فمن يتعامل مع النص المتخيل على أنه وثيقة واقعية، أو اجتماعية، أو أخلاقية، لا نصاً تخييلياً سيحكم عليه من منظور واقعي، ويحمله ما لا يحتمل، ويخرج ما تقوله الشخصيات فيه من نصها المتخيل، ونسقها، ويلحقه بالمرجع الواقعي الذي يحيل إليه النص، وفي ذلك تأويل خطأ للنص نفسه، وتقويل له بما لا تحتمله بنية النص نفسه، وآلية تشكيله، وأعرافه السردية، وهو أمر شائع بين كثير من النقاد العرب؛ فضلا عن بعض القراء الذين يتواصلون مع النتاج الأدبي العربي، ولا يرون فرقاً بين «مفهوم الواقع» و»مفهوم الإيهام» في الأدب والفن.
ومن حسن الحظ أن أجدادنا العرب لم يقرؤوا مبدعينا القدماء في ضوء نظرية المطابقة بين النص المتخيل والواقع، وتعاملوا مع نصوص مبدعينا على أنها تخيلية لا واقعية، ولم يروا بأساً في ورود كلمات «بذيئة!» ضمن متون هذه النصوص، ونظروا إليها على أنها كلمات في نصوص متخيلة تستدعيها آليات التشكيل في بنى هذه النصوص، وأن ما تحمله من دلالة أمر تجيزه بنيات النصوص نفسها، وآليات الكتابة فيها؛ ولذا من حق مبدعي هذه النصوص أن يخرجوا على مفاهيم القطيع المحكوم بمفهوم القراءة المغلقة، ويخترقوا آليات تشكيل عقله المستقل، وبنيته الأخلاقية القارة؛ لأنه لو أخضعنا هذه النصوص للمفهوم المبتذل عن الأدب والفن، لكان علينا أن نطالب بحذف كثير منها بذريعة انتهاكها لمفهوم الأدب الرفيع، والأخلاق الفاضلة الذي لا يزال يأخذ به القطيع العربي في الوقت الحالي، وهو مفهوم قاصر لأنه يقع في إسار المطابقة بين «المتخيل» و»الواقع»، الذي يوهم به، على الرغم من وجود فرق دلالي شاسع بينهما.
وأظن أن أجدادنا القدماء كانوا أكثر وعياً منا في فهمهم لآلية تشكل الأدب والفن، وكانوا أكثر انفتاحاً منا في التعامل مع قضايا الجنس الصراح، والاستجابة لمتع الجسد ورغباته المحتدمة، سواء في واقعهم أو في نتاجهم، ولذلك لم ير فقيه متنور كجلال الدين السيوطي، بأساً في تخصيص ثلاثة من مؤلفاته القيمة للتربية الجنسية، وتعليم الناشئة آلية الاستجابة لمتع الجسد في عصره، وهي «شقائق الأترنج في رقائق الغنج»، و»رشف الزلال من السحر الحلال»، و»الوشاح في فوائد النكاح»، وقد أتيح لهذه الكتب أن تنتشر بين شرائح المسلمين دون أن يوصم صاحبها بالفجور، أو الحض على المجون، أو تهتز مكانته العلمية والدينية، كما غصت كتب التراث عموماً بهذا النزوع إلى ذكر «الألفاظ الجنسية» دون تحرج، أو ما نطلق عليه اليوم تجاوزاً «ألفاظاً بذيئة»، وهو منحى في التعبير ترسخت جذوره في المتن التراثي عموماً، وفي كتب رجال الدين أنفسهم، ولذلك رأينا كتب الجاحظ في القرن الثالث الهجري، وكتب أبي حيان التوحيدي في القرن الرابع الهجري، تعد ذلك جزءاً من متونها، وتوليه الاهتمام نفسه الذي توليه لغيره من أنواع الأدب، ولا ترى بأساً من الاحتفاء به، وتقديمه لقرائها بوصفه جزءاً من الأدب الرفيع الذي تعتز به، وهو ما أمسى تقليداً في كتب «العقد الفريد» لابن عبد ربه، و»الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني و»أدب الكاتب» لابن قتيبة، و«الدارات» للشابشتي، وغيرها من كتب التراث المهمة، وقد وقف المحقق والباحث التراثي المتنور صلاح الدين المنجد عند أهم هذه الكتب، في كتابه الموسوعي «الحياة الجنسية عند العرب من الجاهلية حتى أواخر القرن الرابع الهجري»، وكان سباقاً لدراسة هذا النزوع في تراثنا العربي منذ ستة عقود ونيف.
وفي ظني أن تهمة البذاءة التي توصم بها كثير من النصوص الأدبية العربية القديمة والحديثة تخلط في الواقع بين مفهومين متباينين، لا يصح أن يحدث تطابق بينهما: الأول هو المفهوم الأخلاقي، والثاني هو المفهوم النقدي، مع أن متبني مصطلح الكتابة البذيئة يقع في شرك المطابقة بين مفهومين متغايرين كلياً، حين يسحب مصطلح البذاءة من الحقل الأخلاقي إلى الحقل النقدي، ويجعل كلاً منهما يندرج في نسق متمايز عن الآخر.
وفي رأيي أن مصطلح «البذاءة» الذي يصح استعماله في معجم علم الأخلاق للإشارة إلى تباين مفهومي في رؤية شريحتين اجتماعيتين لقضية أخلاقية أو اجتماعية ما، لا يجوز استعماله بالدلالة نفسها في سياق الكتابة النقدية؛ لأن آلية اشتغاله داخل النسق القيمي الأخلاقي تختلف عن آلية اشتغاله داخل النسق الإبداعي. إن علم الأخلاق يبيح للباحث وصف الكلمة المفردة بالبذاءة والفحش، ولو كانت مقطوعة عن نسقها، أو مندرجة فيه، أما النقد فيشترط تحديد مقصد العمل بكامله وهدفه وطابعه لا التركيز على فقرة معينة تبرز فيها البذاءة والإسفاف؛ ولهذا يعد انتزاع المقتبسات من سياقها النصي وقراءتها خارج هذا السياق من الآفات الخطيرة في النقد الأدبي.
وفي رأيي أنه ليس هناك من كتابة بذيئة أو كتابة غير بذيئة، وإنما هناك ألفاظ محددة تعارفت شرائح محددة في مجتمعٍ ما على أنها كذلك، واستعمال هذه الألفاظ في النصوص الإبداعية لا يعيبها، ولا يرفع من سويتها في الوقت نفسه إلا من وجهة نظر أخلاقية خارجية تعودت الإحالة إلى خارج النص لا إلى داخله، أما من وجهة نظر نقدية فالأمر مختلف؛ لأن «النقد النصي ينصرف إلى تأمل كيفية تعالق هذه الألفاظ في بنية النص الإبداعي»، ولا علاقة له بالمحمول الأخلاقي السلبي الذي تختزنه، ومن يزعم أن الكتابة بذيئة لمجرد أن صاحبها يستعمل ألفاظاً جنسية، مثلاً، يفصل في الواقع بين الكلمة وسياقها، ولا يقيم اعتباراً لوجود النسق الذي هو استعمال نوعي للمادة، كما لا يقيم اعتباراً للاختيار الذي وقع على المادة المستعارة من الحياة، أو للتحول الذي تعرضت له هذه المادة، ولا لدورها البنائي، كما يقول كمال أبوديب، كما أنه يهمل وظيفة الكلمة داخل محيطها الكلامي، ويساوي بين دلالة هذه الكلمة في المنظومة الأخلاقية ودلالتها في المنظومة الإبداعية / النقدية.
إن علم الأخلاق يحمل الألفاظ الجنسية دلالةً أحادية مسبقة، ولا يعير اهتماماً للمحمولات المتعددة الممكنة التي تشع بها هذه الألفاظ حين تندرج في سياقات إبداعية مختلفة، وهذا يعني أن علم الأخلاق لا يقيم وزناً كبيراً للبنية التي تتناسج فيه الألفاظ الجنسية، في حين أن النقد يعلي من شأن ذلك، ويؤكد أهمية العلاقة بين الكلمة وسياقها في منحها معنى محدداً في سياق معين قد يكون لها غيره في سياق آخر، وبعبارة أخرى: إن النقد ينظر إلى الكلمة الموصوفة بالبذاءة بعد تعالقها مع بنية النص الإبداعي، ويحكم عليها بعد تحولها إلى عنصر بنائي في هذه البنية بمعزل عن دلالتها الأخلاقية المسبقة؛ ولذا فـ»الكلمة البذيئة!» لا تحمل عنده دلالة قبلية، وهي بهذا المعنى زئبقية تشي بمحمولات متعددة لا يصح اختزالها إلى معنى واحد.
إن «الكلمة في الأدب عموماً لا تعني شيئاً في ذاتها، ولا معنى لها خارج السياق أو النسق، وهي تستمد دلالتها، أو ظلال هذه الدلالات، من الجملة التي تندرج فيها أولاً، ثم من النص الذي يؤلف كلاً دلالياً ثانياً»، كما يقول أنطون مقدسي؛ ولهذا تبقى الكلمة مرتبطة بالكل الموحد، الذي هو هدف القائل ومرماه؛ وقد ذهب علماء الدلالة إلى أن الجملة هي العنصر الأساسي في الدلالة النصية، أما الكلمة فليست سوى عنصر جزئي من هذا الكل، من الجملة التي نتوصل إلى تحديدها عن طريق معرفة المعنى الحقيقي للأقسام المكونة لهذا الكل، وهذا يعني أن الاهتمام ينبغي أن ينصرف إلى العلاقات بين الكلمات، داخل الحقل الدلالي المحدد، لا إلى الفصل بينهما كما يفعل أنصار نظرية المطابقة بين الأدب المتخيل والواقع.
كاتب سوري






