القصة القصيرة

أرض بساطها من الفيروز – القاص ابراهيم سليمان نادر

A man wearing glasses and a red shirt is smiling while resting his chin on his hand, sitting indoors.

قبالة لؤلؤة الشاطيء ( فارنا ) ، تتشظى زرقة البحر وتتناثر معكرة صفو نوارس وعصافير جثمت على صخرة اغريقية جرفها التيار يوما من بحر اليونان القديم وقذفها على رمال ( زلاتني ) .

هكذا يؤنس البلغاريون بعضهم البعض ، بسرد حكاياتهم ويتباهون مبتهجين بأنها بقايا من نتف أيقونة اسطورية عظيمة ، خطفها صياد سمك عجوز من معبد طروادي هجرته الجن والعفاريت ، أما البقية فيخيل اليهم أنها هدية الرب سقطت عليهم من السماء لتصبح ( فارنا ) فيروزة البحر الاسود ، وعروسة الشاطيء
( الاوديسي ) .

في مقهى ( الفيروزة ) الذي تناثرت مقاعده على الرصيف ، لقيتها عائدة من معسكر كشفي . كانت كالراية المتعبة أو كالزورق العائد من رحلة مجد طويلة ، كل شيء فيها كان يرتل قصيدة أو يسرد فصلا من تلك الملحمة التليدة ، تفوح من لباسها الكاكي ، ذرات معجونة بالتراب ورؤوس الصبار ، يكبح جماح شعرها الفوضوي قبعة مستديرة يتدلى منها شريط برتقالي ، بينما عيناها تهطلان مثل أمطار أفريقية . كانت الفتاة بستان انوثة ولطف ، منارة كالنهار ، طويلة ممتلئة ، وصافية كالرخام . صدرها مثل رابية ، شعرها الطويل أراجيح للهواء ، بعيدة كالحلم ودانية كالمواقيت في  مواعيدها ، مشيتها زينة ، ووجهها متألق كالفنار .

جلست قبالتها ، متأملاً حسنها قطعة قطعة ، كما لو كنت أرفها من قبل . كانت مثل زهرة لوتس وحشية ، ليس على فمها شيء ، أنخطف اليها عبر مسافة اتخيل اني اقطعها ، فأصبح قرب الشهيق الذي تستعين به لتقول شيئاً يصدني . على المقعد قبالتها تخر شهب الاوقات وتتبدل اطوالها . كأن الزمن يدلكها فيزيد من نعومتها ، وبينما أحبو على مهل ، يمر شيء في الافق يشبه الذكريات . أهمس لها بشيء . تصهل أعماقي جراءه بنداء عميق وترتج بأصدائه الفلوات وترتطم ببعضها ، كأنني أتحدث دون ان احرك لساني . يتحرك جسدي كله كأنه شفتان كبيرتان . يتكلم الجسد الاعزل الذي يحبو نحوها مثل طفل يتعلم الاتجاه .

حاولت ان اعيد شتات قصائدي من جديد ، وانا ابحث عن قصيدة

للحب ، لكني تراجعت وجلا خشية أن تقول لي ( ما نفع هذا ،
ولكن … ؟ )
.

أحسست بتغير جذري في لون الحب ، في نكهته وطاقته واتجاهه . ترى هل يختلف الحب بين السلم وحالة الحرب ؟ ، أو بين بعد وآخر ؟.

سؤال تحركت بصماته على جبيني اكثر من مرة ، أو ربما تخيلت ان شيئا ما قد وقع فأعطى جمالها مفهوما جديدا ، ولونا آخر للحب .

كم كنت معجبا بتلك البصمات الصغيرة التي تركها الزحف على التراب فوق مرفقيها ، ومعجب برائحة اللاشيء تصدر عن فتحة قميصها المتعب وباظفارها وبكل غبار حملته معها من معسكر التدريب .

لم يعد يهمني صفاء البلور في اصابعها الشمعية ، بل رحت أبحث عن معنى الاصابع قبل الاصابع ، وما ان نهضت حتى اتجهت نحوها قائلا :

  • لقد حطمت هذه اللقيا كل مفاهيمي الجمالية ، فلا تستغربي بكل ما تعبق به خزائنك ، من أصفر وأحمر وأسود وفيروزي . رائحة العطر التي تنسف اعصابي من جذورها لم تعد ذات موضوع . اشياء كثيرة لا تزال تزلزل وجودي مذ زمن المعابد ولم تعد تفعل بي شيئا .

لقد تغير جمالك يا ( فيروزة طروادة ) تلقائيا ، مد اظفاره ونشر زهو الوانه كما تفعل عصافير الدوري حين يداهمها نثار المطر . خضرة الاحداق في عينيك غدت فحماً مشتعلا في ليل الاعصاب وسعير الجنون الذي يعصف بي .

أيتها الفيروزة ، ياذات القميص المعقود الاكمام ، والشعر الفوضوي واصابع البلور الشمعية ، أقذف قصائدي لترف وتحط على اناملك الخمس كنجمة أرهقتها الاسفار .

أسأل نفسي ( هل تنجو كلماتي اليك من ايدي اللصوص وقراصنة
البحر ؟ ) .

لا ادري ، ففي مدينتي تغتال رسائل الحب ، كما تغتال سلال الداليا والكاردينيا والروز وهي في أول تفتيحاتها . مدينتي تذبح حروف الحب كما تنحر خراف العيد وتتلمظ بدمها الساخن .

سأجرب حظي واغامر لأطلق قصائدي اليك ، كعصفور يغمد ريشه في فيروزة سماوية للمرة الاولى ، وانا لا ادري لهذا العصفور المهاجر من صدري هل يحط على أستار نافذتك ؟ ، سأكتب الملاحم التي لم أجربها يوما ، وأمخر لجج السنابل في بيادر القمح التي غمست فيها ضفائرك . سوف ينعتني الناس بالجنون وهذا لا يهم ، انا عندهم الان مجنون أو معتوه ، لاني فتحت الستارة عن عينيك الخضراوين وغرست فيهما نصف قمر بنفسجي ، وكتبت أسمك على جدران كل الدروب والارصفة التي غابت عنها الامطار ولم تعد شقوقها تفكر بأعشاش العصافير .

الناس في مدينتي لا يتحملون الحرائق الكبيرة في العيون الكبيرة ولا يفهمون هجرة عصافير الشمس الى الاحداق .

الابحار فيك متعة وعذاب وجمال ، واشعاري كالخطايا الطاهرة ، يعانقها الناس في المعابد ويشتموها ويقولون عنها مادة محرمة . في مدينتي تحرق دوواوين الشعر ، كما يحرق الافيون واياك ان تجعلي من الحب مسألة حسابية ، فالحب العظيم لا يعرف الحساب أو الفيزياء وبمقدوره أن يعبر المحيط دون طوق نجاة أو زورق .

الشعر يا حلوة ، هو مشنقتي التي أرفض النزول عنها ، وانا لا أحب ان تصلبي معي .

ليتك تفهمين لغتي أيتها المتمردة ، لكن قدرك هو ان تكوني حبيبتي ، فلا تحطمي حماس قصيدتي الاولى ، فاني لا أستطيع اطفاء لظى قلمي ، ليتني أستطيع ذلك ، فالقصيدة هي الرئة التي أتنفس بها ولا يمكنني الافلات منها ، فهي أمامي ، ورائي ، في ردائي وخلاياي ، بين أصابعي ، ولون عيناي الذي لا أستطيع الافلات منه .

قدرك ان تكوني ( فيروزة ) جديدة ، تحيا كل حشائش البحر في عينيها ، لتولد ألياذة جديدة ، ترف منها ( هيلين ) محلقة فوق فراديس طروادة السليبة .

سلامي اليك يا عذبة ، وسلام الى الكريستال الهاطل من عشب الاحداق .

سلام الى نجمة قذفت بريقها فجأة على رمال ( فارنا ) ، لم اكن أدري أن الصيف يبكي بمثل هذه الروعة ، لكنك ظالمة ، أجل ، فقد ظلمتني حين مسحت بضربة ريشة واحدة كل تاريخي معك ، ومجد حروفي وانت تعرفين انها المرايا التي تطفيء صهيل كل الجراح ، فلا تحطمي في لحظة حماس قصيدتي الاولى والاواني التي عبأت فيها جمال الكون العظيم ، فأنك بعد هذا لن تجدي ما تتعطرين به .

لقد سقيتني حفنة ماء منحتني بها الحياة ، لكنك غبت عني ، وما دريت أن أحداقي ستكبر يوما وتسأل عنك في كل الاركان والدروب .

سلامي اليك ، سلام على ( الفيروز ) واوجاع الضفاف .

أحبك أيتها الصعبة الجميلة ، وأحب خيلك النافرة في ذاكرتي ، وأحب الفكرة التي أجيء بها معك في الطريق الصعب .

وشوشة صغيرة ، أبوحها اليك قبيل أن أذهب ، أنك نثر فني مهول ، لم يعرفه نخيل بلادي مذ سنين . أميرة من ( فيروز ) تطفو على الورق ، منتشية كفراشة حرير تحررت تواً من شرنقتها .

أمد هدب عيناي لحرف جديد لم يدر ببال أبجدية بعد ، ولم يزحف على جبين انسان ، ادفن فيه طولها الفارع العميق ليتخبط فيه الزمن ، لكن نفسي تلج في قلب براري مقفرة ، مع أحد ، أو لا أحد على الاطلاق .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading