أدونيسية المهاجر واللاجئ: بين الفرار وإعادة التشكّل✍️ليال الحربي
بين الهرب والمقاومة، بين المطاردة والاختباء، بين التهجير والبحث عن كرامة… تتحرك التجربة العراقية في الشتات مثل كائن ممزق، لا يدري إن كان ينتمي إلى الأرض التي جاء منها أم إلى الأرض التي هبط عليها. منذ إنكيدو الذي هرب ليكتشف ذاته، وشوبان التي فرّت من زواج قسري لتبني حياة مناقضة لما فرت منه، كان الهرب في وادي الرافدين دومًا شكلًا من أشكال البحث عن الذات. الفلاح العراقي الذي جُلد قرنًا في الحقول، حين فرّ من ظلم الإقطاع، تحوّل إلى صاحب سلطة؛ ومن هروبه وُلدت طبقة وسطى بأكملها.
في حضارة وادي الرافدين، ارتبط الفرار بعدم العودة؛ وذلك خوفا من طغيان الحاكم، لكن ليس كل هروب يولد حياة. فالأغلبية من الفلاحين ظلّوا ضمن الطبقات الفقيرة وجلبوا معهم عادات الريف وذهنيته دون أن يتمدنوا. بالنسبة إلى عراقيي الخارج تتوزع الحكايات بين هارب ومهاجر. كثير من الهاربين حملوا معهم رواسب المظلومية، لا ليصنعوا سلامًا، بل لينتجوا خطاب كراهية وثأر. بدلاً من الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة، حوّلوا أوجاعهم إلى أدوات تدمير ذاتي. كيف نميّزهم؟ خطاباتهم مغمّسة بالحقد، يستثمرون الماضي لا ليكشفوا حقيقته، بل ليعيدوا إنتاج سرديات استعلائية باسم الضحية.من ذاق طغيان السلطة، يحلم أن يكون طاغية حين تسنح له الفرصة فمن يميّز نفسه وسط هذا الهراء؟ ومَن منا فكر بعقلانية وسط هذا الضجيج. الهارب هو من انتزعته الفجيعة من ذاته، حمل أولاده وعبر الحدود بلا تخطيط، بلا وداع. أما المهاجر، فهو من قبّل جبين أبيه وأمه، مودّعًا بعضه العزيز عندهما، وعيونه تقول: أنا لن أعود. الهارب يصل إلى نقطة التفتيش آملاً بلقب لاجئ لا لأنه يطلب النجاة، بل لأنه لا يستطيع كره وطنه؛ هذا الوطن الذي يحبه رغم كل اللعنات. أما المهاجر، فيسحب حقيبة الذكريات بهدوء، ينفصل عن هويته المكانية ليبدأ حياة خطّط لها مسبقًا. الهارب يحاول النجاة من ماضٍ قسري، لا يثق بالهوية التي فُرضت عليه. وحين يشتري بيتًا في الغربة، تحاصره شساعة الفراغ، يحاول أن يبني شيئًا، لكنه يسكن الرغبة في البكاء والتحسّر والكراهية. أما المهاجر، فيعمل ويبني ويخطط، لكنه يفتقد النشوة الكاملة؛ جزء منه دائمًا هناك، معلّق على رائحة عطر، أو أغنية قديمة، أو ذكرى نسيتها الذاكرة وتذكّرتها الروح فجأة. في الجاليات العراقية، الجميع يحاول التمسّك بمظاهر الوطن: ثرثرة لا تنتهي، شجارات لا طائل منها، ثم عودة إلى البيت. المهاجر يعود مستمتعًا بوليمة الذاكرة، أما الهارب فيعود إلى الفراغ. في دواخلهم شعور دائم بأن عالمهم اختفى كفقاعة في هواء. المهاجر يرحل دون أمل في العودة، الهارب يحتضر في المكان الذي اختاره. صراع شخصي يتستر خلف الهوية الوطنية، لا حبًا بالوطن بل بحثًا عن معنى للوجود. فماذا يوازي ربع امرئ؟ تراهم في التجمعات الإلكترونية، التي باتت نسخة مصغّرة عن الحياة في البلاد: مؤامرات، دسائس، منافسات، غيرة، وصراعات. ومن يعيش في جماعة تشبه الأسرة الواحدة، من الطبيعي أن يشهد خلافات ومشاحنات، فكيف بمن حمل سبب هجرته معه؟ أولئك الذين هاجروا في أعوام الانكسار الكبرى — 2003، 2016، 2019 — ينتمون إلى حقب دامية مختلفة. من فرّ في 2003 متهم بالبعث، ومن هرب في 2016 يُرمى بالطائفية، ومن غادر في 2019 يُلاحق بتهمة الوطنية الزائفة. الجميع يحمل تهمة، والجميع يريد أن يُعترف به كضحية.
مثلا ، في منطقة تحوطها أشجار النخيل العالية، ازدهرت فيها الحكايات التي تبدأ بصرخة وتنتهي برأس مرفوع، خرج رجال الأمن العامة والاستخبارات والمخابرات، المنتمون إلى جيل خسر كل شيء: موقعه، سلطته، وسلاحه. كانوا ذات زمنٍ يجلسون خلف المكاتب المزروعة بأجهزة التنصت، يوقّعون على مصائر البشر والآن، صاروا بلا مكاتب، بلا ملفات، بلا دولة تحميهم.
تحوّلوا إلى أشباح. بعضهم اختفى في الضواحي، وبعضهم حمل بندقية وراح يبحث عن ظل دولة في دكاكين الطوائف أو سجون الفوضى. تحوّل الضابط إلى جلّاد بلا غطاء، والمحقق إلى شيخ فتوى، والعقيد إلى قائد مجموعة مسلّحة تارةً باسم الدين، وتارةً باسم المقاومة، وتارةً باسم الثأر من وطنٍ أنكرهم.
لم يكونوا ‘هكذا’ حين وُلدوا، لكنهم ذُبحوا رمزيًا حين خلعوا زيّهم، فراحوا يعيدون تشكيل العالم بعيون مشبعة بالهزيمة.
تحت النخيل، حيث كانت تُروى الحكايات عن الشجاعة والغدر، كبرت شجرة أخرى – شجرة الصمت، والجثث المدفونة بلا أسماء.
رجال خاضوا أطول حروب القرن العشرين، كانوا أدوات سلطة، ثم تُركوا فجأة وكأنهم فائض بشري. خضعوا دون وعي لقانون الطبيعة: جلاد فضحية، وضحية فجلاد. تجدهم اليوم يروّجون لخطابات الكراهية والطائفية عبر منشورات إلكترونية ومجالس كلامية؛ وهذه واحدة من نزوات الروح العراقية: أن تحوّل المعاناة إلى هوية. بدلًا من مفكرين، صاروا قساة. تجمعات شرقية مغلقة، تتنفس الطائفية وتُقصي الاختلاف. الآباء يشعرون بأنهم عالقون بين عالمين: لا بلد الاستقبال بلدهم، ولا الوطن وطنهم بعد الآن. لا يثقون بمستقبل أولادهم، ويشعرون أن حياتهم هشّة كقطعة بسكويت. ينامون قليلًا، تطاردهم الهلاوس، ويستيقظون مفزوعين، لا يستطيعون نطق اسم “بغداد” دون أن يتآكلهم صمت المقابر. أبناؤهم يحملون كراهية مَن أجبر آباءهم على الفرار، يرونهم بصورة “بعثي قديم” من جيل الطيبين. ذلك الجيل الذي كان اقتصاد البلد يسخر له ٨٠٪ من الميزانية، فيما تبقى منها يذهب لعائلة الحاكم. في الجيش، كان هناك علماء، أطباء، مدرسون، شعراء، ومغنون موهوبون، جميعهم في الدبابات وخلف السواتر. اليوم، يثرثرون حتى العراك، ويسكرون حتى الغيبوبة، ويركضون خلف الدم واللحم والموت. الموت عندهم صار محتوى رمزي، والاقتتال يرفع الأدرينالين، فلا يموت أحدهم، بل ينام وفي فمه طعم القذارة. أما مثيرو الفتن في ما وراء البحار، فصوتهم أعلى. منهم من يكتب: “أنا العقيد فلان، سأضع نفسي أمام المدفع دفاعًا عن بغداد الحبيبة!”، وهو مفلس لا يملك ثمن تذكرة العودة. ومنهم من يتغزّل ببغداد: “بغداد حبيبتي وعاصمة روحي، التأريخ النضالي يفتخر بكِ، سيعود النصر قريبًا!”، وهو يهلّل طربًا لسماع “يا گاع ترابچ كافوري” منبوذ من قبل مجتمعه
وقد قضى عقودًا في المنفى ولا يزال يتحدث لغة البلد المضيف ببدائية تُشبه لغته في أيامه الأولى هناك. أو فئة من يتغنّون بـ “أيام الحصار، أيام الخير” حينها كانوا يتقاضون راتب مساعدات من الكنائس يعادل راتب مئة وثلاث وثلاثين موظفا حكوميا ، أو من تسلّق موجة تشرين وهاجر طلبًا للجوء الإنساني، فإن دم من سقط على الأرض في رقابهم. المهاجر لا ينكر، لا يتحسر، يتذكر مسرات الماضي بأنها أجمل ما في حياتهم وقد مضى. لا يحترق في الفوضى بل يراقبها. لا يتقمص دور الضحية بل يقول: “العراق لم يعد لي”. لا يدعو لنهايته، لكنه يعرف أنه لم يعُد ملائمًا له. يصنع لحياته معنى بدلاً من أن يرثيها. يعود إلى وطنه بعقله وقلبه لا ليدمّره بل ليستعيد ذاته الممزقة بهدوء. حياته مزدوجة: لغة مزدوجة، جنسية مزدوجة، وذكريات تحمل نبرة دفء لا تحسّر. لا يبكي على الأطلال، لكنه يطرب لأغنية قديمة، لكأس ويسكي، لمسامرة عتب لا تتكرر. الحرية كانت انتصارًا لجيل الستينات والسبعينات؛ كانوا لطفاء، رومانسيين إلى حدّ السذاجة، يقرأون الصحف على مدار الأسبوع، والكلمة “مدنية” كانت تسكرهم. كبروا على الكتب المحظورة المنسوخة على الآلة الكاتبة وعلى النبذ لكل مظهر عسكري. أبناء هؤلاء يعيشون التأرجح بين هويتين. حنينهم لا يتوجه إلى البلد مباشرة بل إلى “منزل الجد”، ذلك الحنين الذي لا يحمله سوى من وُلد في مكان لم يُختر له. المهاجر الأب يعلم أن الاستسلام للذكرى هو انتحار بطيء. لا يمكن الاتكال على الماضي ولا انتظار المستقبل، فالحاضر وحده هو ما يستحق أن يُعاش.
هم من هرب من حكم البعث، من عامة الناس، هم أنبل من عرفتهم المأساة العراقية. لا أحد ذاق ظلمًا كما ذاقوه. ومع ذلك، حملوا شجاعتهم بصمت، وتعلّموا أن الحاضر لا يستحق التضحية بالبؤس من أجله، فاختاروا أن يعيشوا بسلام.




