يوميات الجيش المفقود: صاعقة الخمسين-ليال الحربي// العراق

صفان من رجال وقوف، يركض أحدهم بين الصفين فيتلقى الضربات على ظهره وسط ضحكات خشنة ووجوه تؤدي واجبها الوطني العسكري وما إن يبلغ النهاية حتى يقف مطيعا في آخر الطابور، ليمنح القادم بعده ما مُنح له من حكمة عسكرية رفيعة.
كتيبة تواصل هرولتها حول التل، حول المطبخ وحول الخيمة. الأصوات تتعالى: هي الله… هي الله… احنا رجال الحرس والله. ثم يُؤمر هؤلاء الفتيان الذين لم تمنحهم الطبيعة بعدُ شوارب تليق بكل هذا الصراخ، أن يتشقلبوا على ظهورهم خمسين مترا أو يزحفوا على أكتافهم أو يركعون على ركبهم ويواصلون الزحف.
أجساد عارية إلا من البنطال والبسطال والعرق ممزوج بذلك العطر الرجولي لا يظهر إلا بعد أربع أشهر من النوم الجماعي والشتيمة الجماعية والأكل الجماعي عبر قصعة واحدة؛ ولأن هذا العطر يكون أكثر نفاذا في البرد منه في الحر، كان يتبخر في شتاء المعسكر ثم ينفذ بسلاسة إلى الجيوب الأنفية. كتيبةٌ من الفتيان يرددون الأوامر مثل أوركسترا جمهورية: صاعقة، صاعقة، صاعقة.
يصيح بهم المدرب وقد انتفخت رقبته من الوطنية أكثر مما انتفخت عضلاته:حديد؟ حديد؟، فيجيبون: تنك.
ذلك جيل البدايات. أما اليوم فثمة عرض عسكري آخر تماما. المحاربون القدامى من الجيل الضائع، رجال خرج بعضهم من الموت بأطراف مبتورة بعجز يُعفيهم من الجيش لو كانوا محظوظين أما الباقون فقد عادوا في الخمسين إلى تدريب قتالي، كروش متدلية وصلعات تلمع كالمرايا، العدّ عندهم يقف عند “واحد، اثنان، ثلاثة، كافي!”، وكلمة (كافي) أصبحت الرقم النهائي.
الزي العسكري خاصتهم مقتصر على فانلة داخلية بيضاء، قياس ثلاثة إكس إل، ونعال حمام طبي يليق بجنازة لا بجيش. مريض السكري يحشو فمه بحامض حلو، مريض الضغط يمص ليمونة كأنها صمام حياة، مريض الربو ينفث البخاخ مثل قاطرة بخارية وأحدهم يركض وهو مشبوك بجهاز أوكسجين.
في الرياضة الصباحية، يصيح بهم المدرب مستندا على خاصرته: حديد؟ فيجيبون ببلادة: تنك. فيأمرهم بالزحف عقوبة على خذلانهم. مثل سلاحف انقلبت على ظهورها ينقلبون ويتدحرجون بلا حول. ينادي بهم : لا تتحجّجوا أمامي، لا سُكّر، لا ضغط، لا قلب، لا أعذار!. فيتوسّل بهم : على الأقل ثلاث شناو أبوس إيدكم . فيجيبه مريض القلب: دروح هو واحد مندبّره
أما الرياضة المسائية، فبدلا من الوثب العسكري، تراهم يختبئون خلف الساتر، يدخنون ويخمّرون شايًا على الحطب، يخدرونه بعناية ويراقبون النار بخشوع ناسكٍ بوذي.
المدرب نفسه قد تجاوز السبعين، يمشي بمفاصل تصدر أصواتا عسكرية أكثر من فمه لكن القيادة في لحظة تفاؤل مأساوي قررت أن تجلب لهم مدربا عشرينيا، شابا مشدود العضلات، يلمع وجهه من قلة الهزائم وكثرة الفيتامينات.
نظروا إلى المدرب العشريني بتهكم وأشبعوه طن كتل ولم يعد فتى غض يصلح أن يربي رجالا عجنتهم الحروب والسكري وآلام المفاصل ولذلك استبدلوه بأشيب يشبههم، رجل يلهث مثلهم ويسعل مثلهم ويعرف أن الوقفة العسكرية الحقيقية بعد الخمسين هي أن تجلس نصف ساعة من دون أن تتأوه.
يغيب النهار ويعود كل واحد إلى أسرته وترتفع أصوات الشكوى: يا بويا، أدلكلك وتدلّكلي… أعصابي محروقة… أني راح أهرب من الجيش. آخر يردّ: كلها بصفحة والنت ماكو، لدي أربع مجموعات فيس، صديقاتي سيفتقدنني. ثم لا تسمع بعدها إلا شخيرا وأنينا.
عند منتصف الليل تبدأ فقرة الإزعاج الليلي، المدرب يطلق النار في سقف قاعة النوم. لا أحد يتحرك. أحدهم يتمتم وهو غارق في النوم: والله لو صاروخ ما أكعد. انفلق انفلق… على راحتك. لقد تجاوز هؤلاء مرحلة الخوف وصاروا في منطقة أكثر تطورا من الشجاعة نفسها وهي اللامبالاة الكاملة. لا شيء يوقظهم إلا صوت طائراتُ التحالف الدولي. المدرب يصيح بهم: عشر ثواني وترتدون ثيابكم!، بينما هو يحتاج ربع ساعة ليلبس إكساته
نائمون بلا لباس تحتي، الطقس حار ، متشنج، أجساد مدهونة بدهن أعصاب، الأقدام متورمة، الشتائم ترتفع أعلى من النشيد العسكري: انعل أبو الجيش، يا بو هله … ومن خان الجماعة وذهب إلى التعداد الصباحي، عاد ليجد نفسه مُغرقا باللكمات: لا أحد يذهب.. لا أحد يتدرب.
أما الطعام فقد انتصرت فيه حضارة طلبات التوصيل على المؤسسة العسكرية ومن يستقرف أكل المطعم يسلق له بيضتان بصمت ناسكٍ أرثوذكسي. فزجاجة زيت الزيتون صارت تُهرَّب بين الجنود، زجاجة الكحول مسموح بها أما زجاجة زيت الزيتون ممنوع ومن يضبط ومعه الزجاجة، يحال مباشرة إلى مجلس تحقيقي ثم محكمة عسكرية وسجن لمدة عام كامل مع الأشغال العامة.
الفحص الطبي يخرج من يد الدكتورة بعد المعاينة الجماعية بحكم موحد: الجميع مصاب بالبواسير، أما الحالة الجنسية: ميت ، الله يرحمه، كل من عليها فان.
أسبوعان من التدريب والإسعاف، لم يهدأ فيهما الصراخ ساعة واحدة حتى انتهى الأمر بأن لم يبقَ في الميدان سوى الآمر والمدربين وجيش من الأشباح يشخر في الخيام.





