نص مسرحي(الرحلة الأخيرة) تأليف: محمد صخي العتابي

الشخصيات:
الأول (رجل خمسيني): نحيل، ثيابه رثة ولكنها نظيفة. يحمل حقيبة جلدية قديمة.
الثانية (امرأة ثلاثينية): ترتدي الأسود.. صامتة معظم الوقت، ترسم بعينها خط الأفق.
الثالث (شاب عشريني): ثائر المظهر، يجلس على صندوق ويحرك ساقه بعصبية.
الرابعة (طفلة في العاشرة): تمسك بدمية قديمة.. تتحرك بين الجميع كأنها تبحث عن شيء.
الخامس (رجل ستيني): أعمى يجلس منزوياً،يداه مضمومتان على صدره، يتنفس بصوت مسموع.
السادسة (ممثلة أربعينية): مكياجها ثقيل تتصرف وكأنها على خشبة مسرح لا على رصيف.
السابع (رجل بلا ملامح): يقف بعيداً قليلاً، ظهره للجميع، لا يتحرك ولا يتكلم. (سيظل صامتاً حتى النهاية)
بيئـة العرض:
(رصيف ميناء قديم.. ألواح خشبية متآكلة..عمود إنارة مكسور..صناديق خشبية مبعثرة في الخلفية، لوحة صدئة مكتوب عليها:((مركب السلام ))البحر لا يرى، فقط نسمع صوت أمواج بعيد متقطع.. الشخصيات السبع موزعة على الرصيف في وضعيات ساكنة صمت.. فقط صوت البحر.. ثم تتحرك الطفلة فجأة)
الطفلة: (تمشي باتجاه الماء الوهمي، ثم تعود) ما زال بعيداً.
الثالث: ما زال بعيداً منذ ثلاث ساعات.. ثلاث ساعات وأنت تقولين هذا.
الطفلة: هو بعيد لم يقترب.
الأول: (يضع حقيبته على الأرض، يجلس عليها) ربما لا يقترب أبداً.
الثالث: (يقف بعصبية) إذاً لماذا نحن هنا؟
الأول: (يهز كتفيه) هذا سؤال جيد. لماذا نحن هنا؟
الثانية: (تهمس وكأنها تتذكر شيئاً) كنا ننتظر.
الطفلة: ماذا كنا ننتظر؟
(صمت.. الكل ينظر إلى بعضه)
السادسة: (تنهض وتتمخط كأنها على خشبة) مسرحية رائعة الفصل الأخير.. سبع شخصيات على رصيف مهجور ينتظرون مركباً… أو ربما ينتظرون المخرج ليصرخ: اقطع (تضحك بصوت عالٍ) أنا أعرف هذه المسرحية.. مثلتها في شبابي.
الخامس: (بصوت خفيف من زاويته) متى كان ذلك؟
السادسة: (تقترب منه) آه… منذ زمن.. كان النور أصفر أيضاً.. والديكور خشباً.. كنا ننتظر غودو (تقهقه) لكن غودو لم يأتي طبعاً.
الخامس: لسنا ننتظر غودو.
السادسة: (تنظر حولها) صحيح.. نحن ننتظر مركباً.. أفضل على الأقل للمركب شراع ننظر إليه.
الثالث: (بازدراء) شراع؟ أي شراع في هذا الزمن؟ كل المراكب الآن بلا أشرعة. بمحركات. بلا صوت. تأتي بلا صوت.
الأول: وتذهب بلا صوت.
الطفلة: (للأول) وأنت… ماذا في حقيبتك؟
(الكل ينظر إلى الحقيبة)
الأول: (يضع يده عليها بحركة حامية) أشياء.. أشياء قديمة.
الطفلة: طعام؟
الأول: لا.
الطفلة: ماء؟
الأول: لا.
الطفلة: إذاً… ماذا؟
الأول: (يتردد) أحلام.. أحلام قديمة.
(الطفلة تطلق ضحكة خفيفة.. الثالث يضحك بسخرية)
الثالث: أحلام في حقيبة؟ أحلام تحتاج إلى حقيبة؟ (يقترب منه) أنت يا عم… أنت تعيش في القرن الماضي الأحلام الآن ترمى.. ترمى في القمامة.
الأول: (بهدوء) إذن أنا… من القرن الماضي.
الثانية: (فجأة وبصوت عالي) توقفوا.
(الكل ينظر إليها.. هي لا تزال تنظر إلى الأفق)
الثانية: أرجوكم… لا تفسدوا الصمت.
(صمت طويل.. صوت البحر يرتفع قليلاً)
السادسة: (تهمس للمتفرجين) إنها تسمع البحر.. هي الوحيدة التي تسمعه حقاً.
الخامس: (بصوت خفيف) الكل يسمع البحر.. لكن القليلين فقط يسمعون ما يقوله.
الطفلة: (تقترب من الأعمى) وماذا يقول؟
الخامس: (يبتسم) يقول إنه.. كان أرضاً ذات يوم.
الطفلة: أرضاً؟
الخامس: نعم.. أرضاً خضراء كان فيها بيوت وأطفال ثم.. طمستها المياه. وغابت.
الطفلة: (تحدق في الأفق) إذاً.. الذين في المركب… ربما هم الذين كانوا هنا؟
(صمت. الكل يفكر)
الثالث: (يضحك بعصبية) هراء.. البحر هراء.. الأفق هراء.. المركب هراء كل ما ننتظره هراء.
الأول: (بهدوء) وأنت.. لماذا تنتظر إذاً؟
الثالث: (يتوقف، يحاول التفكير) أنا (يفكر) أنا لا أنتظر.. أنا (يتلعثم) أنا احتج.
الأول: على ماذا تحتج؟
الثالث: (يشير إلى الأفق) على هذا..على الغياب.. على أن نبقى هنا ننتظر شيئاً لا يأتي.
الأول: وهل تعرف.. ماذا يفعل الذي لا ينتظر؟
الثالث: (بفخر) يرحل.. يمشي.. يبحث.
الأول: إلى أين؟ كل الجهات تؤدي إلى البحر.. والبحر (يشير إلى الأفق) ينتهي هناك.. حيث لا شيء.
(صمت.. الثالث يجلس من جديد يحرك ساقه بعصبية)
السادسة: (تقف في منتصف الرصيف) في مسرحيتهما الشهيرة (الوهم الأخير) كان البطل ينتظر قطاراً.. لكن القطار كان يمر دون أن يتوقف.. أربعون عاماً وهو يلوح له وأربعون عاماً والقطار يمر (تتنهد) في النهاية.. اكتشف أن المحطة ملغاة.. ألغيت قبل أن يولد.
الثانية: (بدون أن تلتفت) إذن.. هذه المحطة أيضاً.. ربما ملغاة.
(صدمة خفيفة.. الكل ينظر إلى بعضه)
الطفلة: (للأول) أنت قلت إن المركب سيأتي.
الأول: (بحرج) أنا.. قلت ذلك.
الطفلة: وكيف عرفت؟
الأول: (يتردد) ورق.. ورق قديم.. كان مكتوباً عليه.
الطفلة: (تتحمس) أين الورق؟
الأول: (يضغط على حقيبته) فقدته(ثم يصحح) أحرقته (ثم يصحح) لا أدري أين هو.
(الطفلة تصاب بخيبة أمل.. تعود لتجلس على صندوق صغير)
الثالث: (يسخر) ورق.. ورق قديم.. وعد مكتوب على ورق.. يا إلهي.. نحن هنا لأن أحدهم رأى ورقاً.
الأول: (بحدة مفاجئة) وأنت.. لماذا أتيت؟
(صمت.. الثالث لا يجيب)
الأول: (ينهض، يقترب منه) ألم تخبرك أمك أن تنتظرها هنا؟ ألم يقل أبوك إنه سيعود على هذا المركب؟ ألم تعدك حبيبتك بأنها ستكون على متنه؟
الثالث: (بغضب) كفى.
الأول: (بهدوء) كلنا.. لدينا ورقنا الخاص.. حتى لو كان في الرأس فقط.
(صمت. الثالث يخفض رأسه)
الخامس: (يتكلم فجأة، بصوت أعلى قليلاً) أسمع خطى.
(الكل يتوقف..ينظرون خلفهم نحو المدينة.. لا أحد)
الخامس: خطى… لكنها لا تقترب.
الطفلة: (تهمس) خطى من؟
الخامس: (يغمض عينيه أكثر) خطى الذين… كانوا هنا قبلاً.. الذين انتظروا.. ثم رحلوا.
السادسة: (تتمتم) الوهم…الوهم.
الأول: (ينظر إليها بتعجب) ماذا قلت؟
السادسة: (تتنبه) آه.. جملة من مسرحية قديمة(محطات الأنتظار) عن أناس ينتظرون في محطة قطار وكانوا يسمعون خطى الذين سبقوهم.
الثانية: (فجأة) هناك امرأة.
(الكل ينظر حيث تشير.. لا شيء)
الثانية: كانت واقفة هناك.. قبل قليل ترتدي أبيض الآن.. اختفت.
الطفلة: (خائفة) ربما.. ركبت المركب.
الثالث: (بسخرية حزينة) أي مركب؟ لا مركب هناك.
(الكل ينظر إلى الأفق.. الغروب يتقدم.. الضوء يخفت)
الأول: (ينظر إلى ساعته) موعدها كان..منذ ساعة.
الطفلة: من؟
الأول: (كما لو كان يتذكر) لا أدري.. لكن الموعد كان.. منذ ساعة.
السادسة: (للأول) أنت تنتظر شخصاً معيناً؟
الأول: (يفكر) كنت أظن ذلك الآن.. لست متأكداً.
السادسة: ماذا تقصد؟
الأول: ربما.. (يتردد) ربما كل ما ننتظره ليس شخصاً.. ربما هو زمن آخر.. زمن كنا نظنه سيأتي.
الثالث: (بازدراء) زمن أفضل؟
الأول: (ينظر إليه) لا.. زمن فقط ليس أفضل.. ليس أسوأ فقط مختلف.. زمن لا نكون فيه على هذا الرصيف.
(صمت،. الجميع ينظر إلى الأرض)
الخامس: (يتكلم بهدوء) كان لي صديق.. ينتظر حبيبته على رصيف كهذا.. انتظرها أربعين سنة.. في السنة الحادية والأربعين.. جاءته رسالة بأنها ماتت.. ماتت قبل أن يبدأ بالانتظار.
الطفلة: (حزينة) إذاً.. كان ينتظر لا شيء؟
الخامس: (يبتسم بحزن) كان ينتظر انتظاره.. هذا يكفي أحياناً.
الثالث: (بغضب) لا.. لا يكفي أبداً لا يكفي.. الانتظار من أجل الانتظار هو الموت.. هو أن تدفن حياً.
الخامس: (بهدوء) وأنت.. ألست مدفوناً الآن؟ ها أنت هنا لا تتحرك تنتظر.
الثالث: (يقف فجأة) سأرحل(يمشي خطوتين، ثم يتوقف) سأرحل(ينظر حوله) إلى أين؟
الأول: (ببساطة) هذه هي المشكلة دائماً.. نستطيع أن نغادر أي مكان.. إلا أنفسنا.
(الطفلة تبكي فجأة بصوت خافت)
الثانية: (تقترب منها تربت على كتفها) لماذا تبكين؟
الطفلة: (تشهق) نسيت.. نسيت لماذا أنا هنا.. أمي قالت لي انتظري.. انتظري حتى أعود لكن.. (تبكي أكثر) نسيت وجهها.
(صدمة.. الكل ينظر إلى الطفلة)
الأول: (يهم بالكلام.. ثم يصمت)
السادسة: (تتمتم) هذه أقسى.. أن تنتظر من لا تذكر وجهه.
الثالث: (بعد صمت) ربما.. هذا أفضل أن تنتظر من لا تعرف.. لأنك إن عرفت.. ستعرف أيضاً أنهم لن يعودوا.
الثانية: (تنظر إليه بحدة) هل تعرف أنت؟ هل تعرف أن الذي تنتظره لن يعود؟
(الثالث يصمت.. يخفض رأسه)
الخامس: (بهدوء) أسمع نبضاً.
الطفلة: (تمسح دموعها) نبض من؟
الخامس: (يضع يده على صدره) نبض الأرض.. إنها.. تنتظر أيضاً.
السادسة: (تضحك) الأرض تنتظر؟ ماذا تنتظر الأرض؟
الخامس: (بجدية) تنتظر أن نتوقف.. أن نتوقف عن الركض.. عن الحفر.. عن البناء.. عن الهدم.. تنتظر أن نعود إليها.. كما كنا.
الأول: (بصوت خافت) وكيف كنا؟
الخامس: (يفكر طويلاً) لا أدري لكننا.. كنا أقل خوفاً.
(صمت طويل.. الضوء يخفت أكثر)
الطفلة: (تنظر إلى السماء) النجوم بدأت تظهر.
الثانية: (تنظر للأعلى) كانت تختبئ.
الطفلة: من كانت تختبئ؟
الثانية: كانت تختبئ من النور.. الآن النور يغرب فخرجت.
الثالث: (بسخرية) النجوم لا تختبئ.. نحن من لا نراها في النهار.
الأول: (ينظر إليه) ربما… كل شيء هكذا موجود.. لكننا لا نراه.
الثالث: (بنفاد صبر) فلسفة رخيصة.
الأول: (يبتسم) ربما لكنني.. لا أملك غيرها.
(الرجل السابع الذي ظل واقفاً ظهره للجميع يتحرك فجأة.. خطوة واحدة الكل ينظر إليه.. يتوقف)
السادسة: (تهمس) إنه يتحرك.
الثالث: (بصوت عالي) أنت،. التفت إلينا.
(الرجل السابع لا يتحرك.. يبقى ظهره لهم)
الأول: (يهدئ الثالث) دعه لكل منا.. طريقته في الانتظار.
الطفلة: (للأول) ماذا تظن.. ماذا ينتظر؟
الأول: (ينظر إلى ظهر الرجل السابع) ربما.. ينتظر أن ننتهي.
الطفلة: ننتهي من ماذا؟
الأول: من الانتظار.
(صمت،. الجميع يفكر)
الثانية: (فجأة وبصوت قوي) أنا لا أنتظر.
(الكل ينظر إليها)
الثانية: (تتابع) أنا هنا لأنني.. أتذكر.
الطفلة: تتذكرين ماذا؟
الثانية: (تشير إلى البحر) هناك.. تحت الماء.. كانت مدينتي.. كان بيتي.. كان كل شيء،. أنا هنا لأتذكر.. ليس لأنتظر.
الثالث: (بدهشة) إذاً.. لا مركب تنتظرين؟
الثانية: (تضحك بحزن) المركب.. المركب الذي سيأتي.. لن يعيد لي مدينتي.. لن يعيد لي الذين ماتوا.. المركب.. مجرد مركب.
الأول: (بصوت خافت) إذاً.. لماذا بقيتِ كل هذا الوقت؟
الثانية: (تنظر إليه) لأن.. التذكر هو مقاومة أن تنسى.. هو أن تقتل من ماتوا مرة ثانية.
(صمت طويل.. الكل ينظر إلى البحر إلى حيث لا يرون)
الخامس: (يتكلم بهدوء) أسمع أغنية.
الطفلة: أغنية؟
الخامس: (يغمض عينيه) امرأة تغني لحن قديم جداً عن.. عن الذين ركبوا البحر ولم يعودوا.
السادسة: (تهمس) يا من ركب البحر.. متى تعود؟
الخامس: (يندهش) أنت تعرفينها؟
السادسة: (تغمض عينيها) كنت أرقص عليها.. في مسرحية (عودة الغائب) كان عمري عشرين.. كنا نظن أن الغائب سيعود.
الأول: (بمرارة) والآن؟
السادسة: (تفتح عينيها) الآن.. أعرف أن الغائب.. لا يعود أبداً.
الثالث: (بغضب) إذاً لماذا نرقص؟ لماذا نغني؟ لماذا ننتظر؟
السادسة: (تنظر إليه طويلاً) لأن.. الرقص هو كل ما تبقى لنا.
(صمت. الثالث يريد أن يتكلم لكنه لا يجد كلمات)
الطفلة: (تقترب من الأعمى) هل الأغنية.. جميلة؟
الخامس: (يبتسم) جميلة جداً. لكنها.. حزينة.
الطفلة: مثلي؟
الخامس: (يمد يده يلمس رأسها) مثلك مثلنا جميعاً.
(الضوء الآن خافت جداً)
الأول: (ينظر إلى ساعته) مضت ساعتان.
الثانية: (بدون أن تلتفت) ستمر ساعتان أخريان.





