هايدي فاروق – خـرافــة

المشهد الأول
يفتح الستار ببطء. تصفيق فاتر يتلاشى سريعًا. ثم إظلام تام.
بقعة ضوء تتسلل من العمق، لتسقط على امرأة مستلقية على كرسي خشبي
قديم، في حجرة متواضعة، تنظر إلى الفراغ بذهول
المرأة تحدث نفسها بصوت خفيض: أخبروني أنه لن يبقى في مستقرّه الحالي.
ما كنت أظنه أبديًا لم يعد كذلك. مهلة شهر؟ شهران؟ لا أكثر! مكان بديل؟
أوجدوه. ليست تلك المشكلة .. المشكلة أن يُعاد المشهد من جديد. بلطم الخدود
وشقّ الجيوب.
تصمت.. تطأطئ رأسها. تمر لحظات من السكون. ثم ترفع رأسها، مخاطبة
الجمهور .
لقد نسيت وأولادي الثلاثة نسوا. جائعون أو بطوننا ممتلئة لا يهم. المهم أننا ما
زلنا نعيش. كل شيء يمر، يهون إلا أن يعود ذلك اليوم الأغبر.
تنهض فيصدر الكرسي الخشبي صريرًا عاليًا ..تبدأ بالسير بتوتر على خشبة
المسرح، تهمس بقلق:
هل أخبرهم، أم لا يهم؟ وإذا أخبرتهم… أأصطحب الكبير معي؟
تصوب نظراتها نحو الجمهور ثم تقول:
الولد… يرتعب حتى من خياله!
صمت حذر. ثم يُسمع صوت من خارج المسرح:
فرصة… ليقوى قلبه.
تخفت حدة الصوت ثم يعلو مراوغًا:
هل سترتدين الأسود… بعدما خلعتيه؟
المرأة بهـدوء حالم:
سأرتدي الأبيض… أبهى، وأجمل.
تتوجه نحو الزاوية، حيث مرآة مشروخة من المنتصف. تشلح جلبابها الواسع
حتى أعلى ركبتيها، ثم تشده عند الخصر.. تدير ظهرها للمرآة، وهي تراقب
انعكاس جسدها المنشطر في الزجاج وتطلق آهة بحسرة :
كانت الشهور الماضية عجافًا.
تجفل ، ثم تتساءل بصوت مترع بالخوف:
وعذاب القبر؟ هل يتوقف عند لحظات إخراجه؟ أم نال نصيبه منذ دخله؟
لا… سينتقل العذاب معه إلى مكانه الجديد ..
تُضاء شاشة تلفاز قديم في الزاوية الأخرى من المسرح. يظهر شيخ معمّم
بجانب مذيع أنيق، لامع البشرة، دبق الشعر .
الشيخ من التلفاز:
القبر… خرافة! العذاب… في الآخرة فقط.
تخفت إضاءة التلفاز تتلاشى الصورة و يختفي الشيخ، ويعود السكون.
ثم يُسمع صوت جهير من خلف الستار عبر مكبر الصوت مردًدا :
عذاب القبر حق! كافر من ينكره! استعيذوا منه!
تغطي أذنيها بكفيها، تدمدم بصوت مرتعش:
مسكين أنت أم مستحق؟ هل ستُعذَّب مرتين؟
لحظات من الصمت يخترقها صوت جلبة “توك توك” يقترب . تتجه صوب
النافذة، تفتحها على مصراعيها ثم تبتسم، وهي تلتفت للجمهور:
فارس، سأصطحبه معي في هذا المشوار فرصة للضحك، للحكي، وللسمر…
يتبدل صوتها إلى نبرة يشوبها القلق وهي تواصل:
لكن فارس فرفوش ، ضحكته تجلجل تهزّ أرجاء المنطقة عاشقا للألوان . ثم
تعلن في حسم:
سأرتدي الأحمر…
(إظلام.)
المشهد الثاني
يفتح الستار على غرفة معيشة بسيطة. طاولة وسط الغرفة تتناثر عليها بقايا
الطعام. ثلاثة أولاد على كنبة صغيرة. الكبير خمس عشرة سنة والأوسط عشر
سنوات والأصغر ثماني سنوات وجوههم شاحبة.
المرأة تجلس قبالتهم، واجمة. صامتة
الكبير ينهض، يتجه نحو زاوية المسرح، يكلم نفسه بصوت مسموع:
لن أحتمل وطأة هذا اليوم..
ثم ينسحب للداخل، صامتًا.
تُسلّط الإضاءة على الطفلين الجالسين.
الأوسط هامسا : كأنه غادرنا بالأمس. شعيرات ذقنه ما زلت أشعر بها على
وجنتي، تدغدغني… وطعم الحلوى التي كان يجلبها لنا لا يزال في فمي،
ألوكها كلما تذكرته.
لحظات من السكون. يسرح بذهنه. فيسمع صوته الداخلي :
نحضره إلى الشقة ..نحتجزه على السطح… واسع ومشمس . .
الصغير ببرود، كأنه سمع ما يدور في ذهنه: نلعب فيه يوميًا ووالدنا لم يكن
محبًا للعب ..
ثم يسأل بسذاجة مصطنعة: وكيف سنحمله؟ لقد كان ضخم الحجم!
الأوسط: لقد صار أنحف من الوسادة التي تحتضنها أمنا كل ليل ، يمكننا
حمله بسهولة والإفلات به.
الأصغر مغمغمًا: وعم فتحي صاحب البيت… لو علم بقيامة أبينا، سيزيد علينا
الإيجار؟ ومصاريف المدرسة التي أُعفينا منها… علينا أن نرد للموت عطاياه
تنتفض الأم، تصرخ فيهما:
منه لله أبوكم! لعنة في حياته، وفي مماته!
إظلام.
يٌغلق الستار
المشهد الثالث
يفتح الستار على أرض خلاء متربة. الوقت: ليل. جمع من الناس يتحلّقون
حول شيء غير ظاهر.
.
المرأة مرتدية فستانًا أحمر ناريًا، بفتحة طويلة عند الساق يظهر فخذها عاريًا.
مكياجها فاقع . والأولاد الثلاثة عيونهم مذعورة ، أفواههم فاغرة . وفارس
في حذوهم مذهولًا ، ممسكًا بيد المرأة، مرتديًا بنطالا بخيوط لامعة. .
تتعالى أصوات التكبيرات، ثم تخفت.
حركة سريعة على المسرح. يتقهقر البعض، يحوقلون ويستعيذون. يقترب
آخرون. تشقّ الجثة صفوف الرجال، منتصبة كأنها حيّة، ترتكز على أذرعهم
المرتعشة، نصفها عظام، نصفها لحم متعفّن.
رجل من الجمع بصوت مسموع:
هذا الذي ودّعناه بالدموع منذ شهور. لا نطيق وجوده معنا! نلعنه… ونلعن
اليوم الذي جمعنا به!
رجل آخر:
الحزن يولد كبيرًا ثم يَخفت… ويَهفت… وتدوسه الأقدام…
يسمع صوت كاميرا. يومض المسرح بومضات سريعة.
فارس يلتقط صورًا للجثة بهاتفه. ثم يفرّ خارجًا، يلحقه
الأولاد الثلاثة راكضين.
يضج المسرح بأصوات قهقهة المشاهدين.
المرأة تبتعد حتى زاوية المسرح المقابلة. يُسلّط الضوء على أصابعها وهي
توقّع على بعض الأوراق. ثم تنسحب في تأفف.
إظلام.
المشهد الرابع
يفتح الستار على غرفة صغيرة، بها مقعدان في زاويتين متقابلتين من المسرح.
تجلس الأم على مقعد والابن الكبير في الزاوية الأخرى إضاءة خافتة على
وجهها، ساطعة على وجهه..
الابن الكبير: .
عينا فارس تخترقان جسد أمي كل يوم.. أراه يميل نحوها، يلكزها في كتفها،
يغمز لها، يبلع ريقه، يخرج لسانه من بين شفتيه، كلما تمايلت
صوت أجش من خلف الستار، عتاب ممزوج بالحسرة:
أهذا ما عهدته فيك؟
أهذا هو الرجل الذي تركته من بعدي؟!
الابن الكبير بصوت باهت:
أمي امرأة مثل الأخريات، وإن لم تكن الأجمل، تملك ما يملكن. وفارس،
رصاصته مطاطية ، تنفذ ، تجرح لكنها لا تقتل. فماذا يضير؟
لحظة صمت. ثم ينهض بانفعال، يذرع خشبة المسرح ذهابًا وإيابًا، متابعًا:
يوصلني إلى المدرسة، يرفض الأجرة. رأيته أكثر من مرة يعيد يد أمي الممتدة
إلى صدرها، رافضًا أن يأخذ منها المال . وأمي ، تعطيني ما وفره لها،
تطعمني دومًا من ثدييها… دومًا.
يكمل بحسرة:
أي عهود تطوقني بها؟ خرافة!
تخفت الإضاءة على وجهه، وتُسلّط على الأم الجالسة ..
الأم في ذهول:
كل ليلة يقلق منامنا يحاسبنا على قيامته القسرية. يفتح جفنيّ عنوة، يزيح
الراحة، كما أزحنا عنه الستر … هكذا يبرر.
.
يدخل الصغير فجأة. فتسكت. يخبرها:
الشيخ المتفرنج وصل.
يدخل رجل في الثلاثينيات، مرتديًا بدلة صيفية وحذاء لامع. يجلس أمامها بلا
تأثر.
الرجل:
سآخذ نصف ما تملكون. الموت كالحياة… تداخلت فيه الحظوظ ، أفلا
تبصرون؟
المرأة:
لكننا على فيض الكريم…
يلوي عنقه إلى الأعلى، بوجه عبوس، يردد:
هذه الأنصاف المتحللة… ستراقبكم دومًا، حيثما تذهبون. .الموت، ليس راحة.
والمال ، ليس معكم. لا مهرب، إنها لعنة. هذه لعنتكم.
المرأة بمرارة:
أخبره أن يذهب عنا. ضاقت بنا وبه.
وتلك الرائحة، لا تنسلخ من روحي ، تتبعني في كل مكان..
الديدان، أشعر بها تنهش عيني، تجدع أنفي، تتلوى تحت جلدي. أراها تقضم
أوردتي وشراييني.
ينسحب المتفرنج بلا مبالاة، متجهًا نحو عمق الخشبة، حتى يبتلعه الظلام خلف
الستار.
تصرخ المرأة، تبكي، تسقط على خشبة المسرح.
إظلام
الجمهور يصفق. يضحك بعضهم ، بينما الأكثرية لم تفهم. و قلة تجزم بأنها
مسرحية بلا معنى.
بينما يغادرون صالة العرض، تظهر عشرات الجثث نصف المتحللة، تتبعهم
في صمت. تتهامس من خلفهم:
اللعنة أخذت دورها… من رأى أنصافًا متحللة، من عظام وجماجم، لن يرى
النوم بعدها.





