مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

في حضرة الفراغ:: أنشودة للحياة على لسان ستيفن كينغ – د. شادن دياب

Book covers featuring Stephen King's 'If It Bleeds' on the left with a black cat illustration and 'The Life of Chuck' on the right, showcasing a man in a suit walking in a surreal landscape.

أحمل في داخلي العالم، أحمل الكثرة. أحمل في داخلي الكون. وفي داخلي أيضًا ذلك الامتلاء الصغير. سأعيش. وعندما يحدث ذلك… سيحدث.

بهذه الكلمات يختتم تشاك الفصل الثالث من هذا الفيلم والرواية الساحرة لستيفن كينغ. حياة تشاك (Life of Chuck)، الذي أُخرج في عام 2024 على يد مايك فلاناغان، هو عمل مؤثر وعميق، مقتبس من القصة القصيرة المنشورة ضمن  (If It Bleeds) م مجموعة “إذا نزف” 2020. وقد عُرض لأول مرة في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي حيث فاز بجائزة اختيار الجمهور.

مثل النص الأصلي، يعتمد الفيلم على تسلسل زمني معكوس، يبدأ من النهاية من الفصل الثالث ثم يعود تدريجيًا إلى البدايات. هذا الخيار السردي يُعزز الفكرة بأن النهاية قد تكون في الحقيقة نقطة انطلاق لإعادة التفكير في معنى الحياة

تبدأ القصة بإعلان نهاية العالم. انهيار شامل، بطيء، شخصي وكوني في آنٍ واحد. فالعالم الذي يحتضر تدريجيًا، هو ذاته الذي يموت في ذهن تشاك. ومن خلال هذا الشخصية، لا يسرد كينغ فقط موت إنسان، بل كل نهاياتنا القادمة: الحروب، الكوارث المناخية، الحرائق، الانفصالات، العزلات، والخيبات العاطفية…

ومع ذلك، وسط هذه القيامة الناعمة، تتردد كلمات الحب — كلمات زوجته جيني وابنهما براين — قائلة: «أحبك». الحب هنا يصبح المعجزة الأخيرة، الرد النهائي على النهاية. أن تموت وأنت محاط بمن تحب، في زمن الحرب أو الجوع أو اليأس، يصبح فعلًا من أفعال المقاومة.

قبل وفاته بتسعة أشهر، يرقص تشاك. يرقص في الشارع مدفوعًا بإيقاع طبول تعزفها شابة فنانة تُدعى تايلور. يتجمع حوله الناس، وتنضم إليه امرأة حزينة في رقصة عفوية. الفرح يتحول إلى لحظة جماعية، رغم ألمه، رغم مرضه.

يحاول جده منعه، باسم المنطق، والإحصاءات، والاحتمالات. لكن تشاك يختار الفن. يختار الحركة، والموسيقى، والحياة. فحتى في الألم، تكمن المعجزة الإنسانية — في تلك القدرة على الرقص على حافة الهاوية. الرسالة واضحة: ربما لا تزال الجماليات قادرة على إنقاذ ما تبقى.

هذه العبارة — I contain multitudes — مأخوذة من قصيدة أغنية لنفسي (Song of Myself) للشاعر والت ويتمان. تمنح هذه العبارة لتشاك، ولنا، رؤية كونية داخلية في آنٍ واحد: نحمل في داخلنا الكون بأسره.

على فراش الموت، يعيد تشاك استعراض حياته بين الندم والدهشة. وفي النهاية، لا يختار الخوف أو الاستسلام، بل يختار الدهشة. يقول:

“أنا رائع. أستحق أن أكون رائعًا. وأحمل في داخلي عددًا لا يُحصى من الأشخاص.”

حياة تشاك هي حكاية رجل عادي، لكنها حياة — حتى إن كانت محطمة، قصيرة، أو مجهولة — تصبح استثنائية حين تُعاش بمعنى، بفن، وبحب.

من خلال تسلسلها الزمني المعكوس، تطرح رواية كينغ سؤالًا عميقًا: هل ما زالت الحياة تستحق أن تُعاش، رغم الخراب؟ وجوابه هو: نعم.

لأن حتى لو انتهى الكون، فإن الأمل، والحلم، والرقص، والحب ما زال ممكنًا.

وربما هذه هي المعجزة الحقيقية: أن نظل بشريين حتى النهاية.

وهنا يُطرح السؤال العميق في كل من الفيلم والرواية:

ماذا يعني أن يفرغ العالم من حولنا؟ وكيف نملأ هذا الفراغ؟ ورغم أن هذه الأسئلة الكونية تبدو نظرية فيزيائية أو ميتافيزيقية معقدة، إلا أن فيلم حياة تشاك (The Life of Chuck) يطرحها بطريقة حسية وشعرية.
الفيلم لا يتحدث فقط عن حياة إنسان، بل عن الكون داخل هذا الإنسان،
وكيف أن كل لحظة من حياته قد تكون انعكاسًا لتمدد كوني أكبر، أو لفراغ داخلي يبحث عن الامتلاء.

في مشاهد متعددة من الفيلم، نرى الشخصيات تنظر باستمرار نحو السماء، وكأنها تتأمل نهاية نجم أو ولادة مجرة،
وترتبط هذه المشاهد باختفاء البيت، المدينة، والذكريات، في موازاة اختفاء “تشاك” نفسه،
وكأن هذا الكون المصغّر الذي هو جسده وذكرياته، هو أيضًا في حالة تمدد ثم تلاشي،
تمامًا كما هو الحال في نظرية التمدد الكوني الناتج عن الانفجار العظيم.

الفيلم يُبقي السؤال مفتوحًا:
هل هذا الفراغ في حياتنا هو جزء من تصميم كوني؟
هل نحن نعيش داخل كون ممتد لأننا نحن أنفسنا ناقصون، ونبحث عن المعنى؟
هل امتلاء الكون بالمادة يشبه امتلاء قلوبنا بالتجارب والعلاقات؟
أم أن الله، كما تساءل بعض الفلاسفة والفيزيائيين مثل كلارك، ترك هذا الفراغ عمدًا ليمنحنا حرية البحث والاكتشاف؟

في النهاية، الفيلم لا يقدم إجابات علمية، لكنه يدفع المتلقي للتفكر في علاقته بالكون، بالله، وبالموت والخلود.

هنا، يمكننا استحضار فلسفة أبو نصر الفارابي، الذي رأى أن الوجود لم ينشأ عبثًا أو صدفة، بل انبثق عن العقل الأول، الذي تتولد عنه العوالم والموجودات بشكل منظم. فالفراغ ليس عدماً مطلقًا، بل مقدمة للامتلاء، ومجال لحركة الوجود من الإمكان إلى التحقّق.

تمامًا كما تقول الفيزياء الحديثة إن الكون لا زال يتمدد، فإن روح الإنسان – في هذا الفيلم – تبحث دومًا عن الضوء، عن الامتداد، عن الأمل. هذه العلاقة بين الفراغ والامتلاء، بين العدم والمعنى، ليست فقط سؤالًا وجوديًا، بل أيضًا سؤالًا إيمانيًا هل نؤمن بهذا العالم رغم نهاياته؟ هل نؤمن بالحب رغم الموت؟ هل نؤمن بالفن رغم الخراب؟

Picture of د. شادن دياب

مهندسة كيميائية حاصلة على درجة الدكتوراه في العلوم البيئية من جامعة بيير وماري كوري في فرنسا. عملت على العديد من القضايا البيئية والتكنولوجية بين أوروبا والشرق الأوسط، ولها إسهامات بارزة في نشر الوعي البيئي عبر الأبحاث والكتب. من بين مؤلفاتها عدد من الكتب الشعرية، أصدرت كتابًا بعنوان “عازف الروح” عام 2022 و”وجوه لا مرئية” 2023، كما ألفت كتابًا في أدب الأطفال بعنوان “رحلة باريس في الفضاء”، الذي يتضمن ستة كتيّبات أنشطة تركز على التعليم البيئي للأطفال، وهي أيضًا كاتبة سيناريو فيلم”Hope” الذي تناول قضية الأطفال اللاجئين السوريين في مدينة أورفا على الحدود السورية.

شعار لمجلة ثقافية يظهر تصميمًا عصريًا مع خلفية مستديرة زرقاء وكتابة باللون الأسود تشكل اسم المجلة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading