مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

نص مسرحي(الرحلة الأخيرة) تأليف: محمد صخي العتابي

الأول: ثم؟

الثانية: ثم.. سنظل هنا.

الثالث: (يقف فجأة) لا (يتنقل ذهاباً وإياباً) لا يمكن أن نبقى هنا للأبد.. لا يمكن.

الخامس: (بهدوء) لم لا؟

الثالث: (يتوقف.. ينظر إليه) ماذا؟

الخامس: لم لا يمكن أن نبقى هنا للأبد؟ هل لديك موعد آخر؟ هل ينتظرك مكان آخر؟

الثالث: (يحاول التفكير) أنا.. أنا…

الخامس: كل الأماكن.. تشبه هذا المكان وكل الانتظارات تشبه هذا الانتظار.

(الثالث يجلس من جديد منهك)

الطفلة: (للأول) هل تحب أن تحكي لي قصة؟

الأول: (يبتسم بحنان) قصة؟

الطفلة: قصة عن.. عن مركب وصل.

(الكل ينظر إلى الأول.. حتى الرجل السابع يبدو وكأنه يستمع)

الأول: (يأخذ نفساً عميقاً) كان يا مكان.. في قديم الزمان (يتوقف) لكن لا.. لا توجد قصص عن مراكب وصلت كل القصص.. عن مراكب رحلت.

الطفلة: (بخيبة أمل) إذاً.. لا توجد نهايات سعيدة؟

الأول: (ينظر إليها) النهايات السعيدة.. هي أن نبقى ننتظر.. لأننا لو وصلنا.. لانتهت القصة.

(الطفلة تفكر.. تومئ برأسها. لا تفهم تماماً لكنها تشعر بشيء)

السادسة: (تقف، تتوسط الرصيف) في مسرحية :(النهاية السعيدة) كان البطل ينتظر الموت.. الموت نفسه وفي النهاية.. جاءه الموت.. لكنه كان متعباً جداً من الانتظار.. فمات قبل أن يصل الموت.

(الكل يضحك ضحكة خفيفة حتى الثالث يبتسم رغماً عنه)

الثانية: (تنظر إلى السماء) النجوم كثيرة الآن.

الطفلة: (تنظر للأعلى) تبدو كأنها.. تبكي.

الثانية: النجوم لا تبكي.

الطفلة: كيف عرفت؟

الثانية: (تفكر) لو كانت تبكي… لانطفأت.

(صمت.. البحر يرتفع صوته أكثر.. ربما مد قادم)

الخامس: (بقلق خفيف) البحر يقترب.

الأول: (ينظر إلى أسفل) الماء بدأ يصل إلى هنا.

الثالث: (يقف بسرعة) إذاً يجب أن نرحل الآن قبل أن يغرقنا.

الثانية: (بهدوء) إلى أين؟

(الكل يتوقف. الثالث يتجمد)

الثانية: البحر من أمامنا.. والمدينة من خلفنا.. إلى أين نذهب؟

الأول: (ينظر حوله) ربما.. هذا هو الرصيف الأخير.

السادسة: (تهمس) الرصيف الأخير.. عنوان جيد لمسرحية.

الطفلة: (تخاف.. تتمسك بدميتها) لا أريد أن أغرق.

الأول: (يقترب منها يربت على كتفها) لن تغرقي.

الطفلة: كيف عرفت؟

الأول: (ينظر إلى البحر) لأن البحر… لا يبتلع الأطفال.. يبتلع الكبار فقط.

الثالث: (بسخرية) ولماذا؟

الأول: لأن الأطفال.. ما زالوا يعرفون كيف يحلمون.. والكبار فقدوا أحلامهم فصاروا خفيفين. يأخذهم الموج.

(صمت.. الكل يفكر)

الخامس: (يتنفس بصوت عالي) أسمع… صوت مجاديف.

(الكل ينظرون إلى الأفق الظلام دامس الآن.. لا يرون شيئاً)

الطفلة: (بفرح) المركب.. المركب قادم.

الثالث: (ينظر بشدة) لا أرى شيئاً.

الطفلة: (للأعمى) هل هو قادم حقاً؟

الخامس: (يركز) أسمع مجاديف.. لكن.. (يتوقف)

الأول: لكن ماذا؟

الخامس: (بصوت خافت) المجاديف.. تبتعد.

(صدمة.. الفرح يتحول إلى خيبة)

الطفلة: (تبكي) لماذا يبتعد؟ لماذا لا يقترب؟

الأول: (بحسرة) ربما… رآنا.

الطفلة: (توقف بكاءها) رآنا؟ وماذا فينا؟

الأول: (ينظر إلى الجميع) نحن.. سبعة أشخاص على رصيف يغرق.. ننتظر مركباً.. أي مركب يرى مثل هذا المنظر يهرب.

الثانية: (تضحك بمرارة) صحيح.. نحن ننفر المراكب.

الثالث: (بغضب) إذاً.. لن نصل أبداً؟

السادسة: (بهدوء) ربما.. الوصول ليس هو المهم.

الثالث: (بسخرية) وماذا المهم؟ الانتظار؟

السادسة: (تنظر إليه) المهم.. أن نبقى ننتظر معاً.

(صمت.. الثالث ينظر إلى كل شخصية..ثم يجلس من جديد)

الطفلة: (تتمسك بدميتها، ثم تمدها للخامس) أمسك بها.

الخامس: (يلمس الدمية) ما هذه؟

الطفلة: دميتي هي… كل ما تبقى لي.

الخامس: (يمسكها بحنان) لماذا تعطيني إياها؟

الطفلة: لأنك.. لا ترى وأنا.. لا أريد أن أرى وحدي.

(الخامس يبتسم يمسك الدمية بيد، ويمسك يد الطفلة باليد الأخرى)

الأول: (ينظر إليهما) هذا.. أجمل انتظار.

الثانية: (تنظر إلى الأفق) الماء يرتفع.

الثالث: (بهدوء غريب) سيصل إلينا قريباً.

السادسة: (تنظر إلى قدميها) وصل بالفعل.

(الكل ينظر إلى أسفل الماء الأسود بدأ يغطي ألواح الخشب)

الأول: (يأخذ حقيبته، يضعها على حجره) إذاً.. هذه هي النهاية.

الثالث: (بلا قوة) لم تكن هناك بداية أصلاً.

الثانية: (تنظر إلى السماء) النجوم.. أصبحت أقرب.

الطفلة: (تنظر للأعلى) تبدو كأنها تنتظرنا.

(صمت طويل.. الماء يصل إلى الكاحلين لا أحد يتحرك)

الخامس: (فجأة) أسمع.. أصواتاً.

الأول: (بتعب) أصوات من؟

الخامس: (يغمض عينيه) أصوات الذين.. سبقونا إنهم(يتوقف)

الطفلة: ماذا يفعلون؟

الخامس: (يبتسم) ينتظرون أيضاً.

(ضحكة خفيفة من الجميع)

السادسة: (تقف..ترفع يديها كأنها تلقي قصيدة) على هذا الرصيف.. الذي يغرق.. اجتمعنا سبعة أرواح تنتظر مركباً لا يأتي.. الماء يعلو والنجوم تنظر ونحن (تتنهد) نحن ننتظر.

الثالث: (بهدوء) هذا شعر جميل.

السادسة: (تنظر إليه) هذا ليس شعراً هذا..كل ما تبقى.

(الماء الآن يصل إلى منتصف الساق)

الأول: (يفتح حقيبته.. يخرج منها أوراقاً قديمة.. يبدأ بتمزيقها ورميها في الماء)

الطفلة: ماذا تفعل؟

الأول: أحرر أحلامي.. لعلها تطفو.

(الأوراق تتطاير على سطح الماء.. بعضها يغرق..بعضها يطفو)

الثالث: (ينظر إلى الأوراق الطافية) إنها.. لا تطفو كثيراً.

الأول: (بحسرة) مثلي.. مثلي تماماً.

(الرجل السابع يتحرك فجأة.. يستدير ببطء.. الكل ينظر إليه.. وجهه عادي جداً بلا ملامح مميزة كأي وجه كوجه الجميع)

الطفلة: (تتمتم) أنت.. من أنت؟

(الرجل السابع ينظر إليهم جميعاً.. ثم يتكلم للمرة الأولى والأخيرة)

السابع: (بصوت عميق هادئ) أنا.. الذي لا تنتظرونه.. أنا.. الذي يأتي حين تتوقفون عن الانتظار.

(صمت.. الكل مذهول)

الأول: (بخوف ورجاء) وأنت.. أتيت الآن؟

السابع: (ينظر إلى الماء) أتيت حين.. صرتم لا تنتظرون شيئاً.

الثانية: (تتمتم) نحن.. ما زلنا ننتظر.

السابع: (ينظر إليها) كلا.. أنتم الآن فقط هنا تنتظرون أنتم أنفسكم.

(الماء يصل إلى الركب لا أحد يتحرك..الكل في مكانه)

السابع: (يتقدم خطوة نحوهم) تعالوا.

(الكل ينظر إلى بعضه.. ثم يبدأون بالتحرك ببطء نحو الرجل السابع.. ما عدا الطفلة والخامس اللذين بقيا ممسكين بأيدي بعضهما)

السابع: (ينظر إلى الطفلة) وأنتِ؟

الطفلة: (تتمسك بيد الأعمى) أنا.. معه.

السابع: (ينظر إلى الأعمى) وأنت؟

الخامس: (يبتسم) أنا.. معها.

(الرجل السابع يومئ برأسه.. ثم يتجه نحو البحر.. الخمسة شخصيات يتبعونه.. يختفون في الظلام على الرصيف..تبقى الطفلة والأعمى فقط. والدمية بينهما.

(الماء يصل إلى الخصر)

الطفلة: (تهمس) هل سنموت؟

الخامس: (يبتسم) كلا.. سنبقى ننتظر.

الطفلة: ماذا ننتظر؟

الخامس: (ينظر إلى السماء) ننتظر.. أن تشرق الشمس من جديد.

(ظلام دامس.. صوت الموج يرتفع.. ثم صوت طفلة تغني أغنية غير مفهومة بصوت خافت.. ثم يصمت كل شيء)

                               ((النهايـــة))

ملاحظــة: ((التواصل مع المؤلف عند الشروع في إخراج النص))

                محمد صخي العتابي

      mohammed.alatabi@gmail.com

الصفحة السابقة 1 2
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading