القصة القصيرة

صرخة في سماء مسيَّرة – أ. جهاد جحرز

271165861 3297096867180962 5275756811027640618 n 150x150 1

لم يَرَه أحد وهو يقترب. كأنه انبثق من العدم. لم يَعْبَأ بالتشديدات الأمنية، تجاوز الحواجز الخرسانية كأنها مجرد ظلال، وخطا نحو منصة الاحتفال الرسمية. كانت الخطوط الحمراء بالنسبة له مجرد خيوط واهية في نسيج من الأوهام. لم يجرؤ أحد على اعتراض طريقه، فتجمدت نظرات الأمن المتيقظة على هيبته الجامحة. لم يكن هذا هروباً من مواجهة، بل استسلاماً سلساً أمام جنون يفوق العقل.

انقض على الميكروفون بخفة شاهين، لا صوت له سوى هواء مقطوع. أمسكه بقبضة فولاذية، وشفتاه تلامسانه كأنهما تبحثان عن سر. نفخ فيه نفخةً هزت المكان، صوت جاف كصفير الريح في قفر، فارتجف له الحضور كأن برداً مفاجئاً لفحهم. وقفوا مذهولين، وجوههم الشاحبة تحاول أن ترسم ابتسامة خجولة، لكن عيونهم الواسعة كانت تفضح حيرتهم.

رفع رأسه، وبصره شاخص في السماء، حيث تطفو قطعان من الطائرات المسيرة في ذكرى يوم وطني. فجأة، زلزل المكان بضحكة هستيرية، ثم صاح بإصبع السبابة وهو يرافق الطائرات في الجو:

“شعوب مسيرة تصنع طائرات مسيرة… هههههههه”

استدار بوجهه نحو الحضور، وعيناه تطلقان شرراً. صاح بهم:

“قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله… هههههههه”

قذف الميكروفون أرضاً كأنه حجر ثقيل، ثم ركل المنصة الخشبية بيديه وقدميه. تداعى هيكلها، وتدحرجت قطعها المبعثرة نحو الأسفل، تجر خلفها أحشاءها من الأسلاك المتداخلة.

وبعد أن ألقى بصقاته على من حوله، طار من جديد، يقهقه بسخرية، تاركاً وراءه فوضى حرة مقابل نظامهم الميت. صرخ مجدداً قبل أن يختفي في زحام الشوارع:

“كلهم مسيرون… إلا أنا.”

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading