القصة القصيرة

  حدث ذات ليلة – أنور حافظ على – مصر

صورة لرجل يرتدي بدلة رسمية مع ربطة عنق، يقف أمام خلفية تحتوي على كتابة عربية ونباتات خضراء.

                               

الصوت كان مدويا ، يزلزل السكون يسري كما أصوات طلقات  الرصاص في الليالي الهادئة المنادي يجول كل الشوارع منذ الصباح الباكر، محذرا ومهددا بمنع الخروج من البيوت هذا اليوم وبخاصة في المساء

حيوان شارد أقتحم البلدة ويمثل خطرا علي الجميع

هكذا كان التحذير واضحا ، حادا ، صارما

في المساء كان المشهد يبدو قديما عاشوه من قبل ، لكن البطل هذه المرة وجها جديدا  ،

وكانوا هم كما هم ،لا يتغيرون كلما تكررت الحوادث

 حبست النساء أطفالهن في البيوت ،ولكنهن كن ينظرن من خلال فتحات الأبواب المواربة  ،

و ظل الرجال كما هم البعض قابعون في البيوت يترقبوا ويسترقوا السمع لأي صوت والبعض الآخر كانوا أمام الدور ينظرون ويشاهدون علي استحياء ، يعلمون أن الحادثة لن تكون الأخيرة كما لم تكن الأولي ، 

الأوامر الصادرة كانت  قاطعة وحاسمة لا تدع مجالا للتفكير أو البحث عن الحلول الوسطي أو التفكير في شيء آخر كالقتل ، صارما كان وهو يؤكد :

–       أريده حيا 

كان صوت  الأقدام المتلاحقة يعترض سكون القرية ،هواءها ، نخيلها ، دورها ، صمت ماشيتها ، ظهر هو قادما من بعيد كان  يعدو  منطلقا  أمامهم مخترقا الشارع الرئيسي قاصدا الطريق المؤدي إلي النيل وهم خلفة يركضون كانوا جميعهم مسلحين بكل شيء وأي شيء كان البعض يحمل العصي والنبابيت ،ومنهم من كان يحمل عصي من جريد النخيل والبعض الآخر يحمل الطوب والحجارة أصوات  حركات قدمية العنيفة وآثار العدو ظهرت في  الجلباب الذي يرتديه حيث تمزقت أجزاءه السفلي  كان واضحا أنه جلبابا  باليا من الأساس ومن قبل المطاردة

إزدادت سرعة إنطلاقه ،كان واضحا أنه يعلم خارطة البلدة جيدا حيث  يمين القرية صحراء تبدأ من المقابر ، ويسارها تقع مزارع الموز قريبه من النيل وكل الحارات تفضي إليهما حيث كانت تبدو  كما الدائرة التي تلتف  حيث لا يوجد بديل ثالث ، بدت رغبته العارمة في النجاة تدفعه للجري الجنوني محاولا الإبتعاد والهروب وفي الجانب الآخر كان  حرصهم علي الإمساك به  لا يقل رغبة حيث تزداد خطواتهم حرصا ومكرا  ،

كان رجال القرية عادة ينامون مبكرا وكما حال غالبية أهل القري لا مجال لخروج الأطفال ليلا

” قلت وما ذنبهم إن كان في سبيل للوصول للحق لابد أن نمر بالباطل “

يحيون الآن علي الطريقة السمكية ،في البداية كانت ذاكرتهم كما السمكة ينسون سريعا ويصدقون أي كلمات يسمعونها ، ويرددونها عن إقتناع مهما كانت غريبة ، ومع الأيام تطورت معيشتهم السمكية فصاروا يعيشون  وربما ينامون وعيونهم مفتوحة أو يمارسون أعمالهم وهم نائمون

أندفع أحدهم فجأة بسرعة جنونية من حارة مجاورة محاولا الإمساك به أستطاع بحركة مباغتة أن يتمكن من  التشبث بذراعة الأيمن ، أوشك أن يسيطر علية ويوقعه أرضا ، كان باستطاعته هو الآخر الدخول في نزال والمقاومة لكنة قرر الإستمرار في الهرب خوفا من أن يتكاتفوا عليه وكي يستمر  في الركض قرر ترك ذراعة وأنطلق يعدو بذراع واحد ، البيوت تجري للخلف هذا بيت عبدالجبار المسيطر بمالة وسطوته علي كل من في القرية ،وهذا  بيت الشيخ حسني أبو اسماعيل شيخ القرية الذي لا يتوقف عن الفتوي والتبرير ، وتقديم الحجج لكل فعل وأي موقف  ، بيت محمد الأخرس  لا ينطق ولا يتحدث فقط يشاهد في صمت  كما غالبية أهل القرية، وهذا بيت جمال العايق وله  من أسمة نصيب في الخيلاء والتباهي ، وذاك منزل حسن الباشا رجل من زمن قديم قد ولي وفات يحدثهم كيف كان وكانوا  ولكنهم لا يحبون حديثة ولا ذكرياته حيث غالبا لا يحبون مقارنتها بحياتهم اليوم

وهذا بيت التي كانت ذات يوم حبيبة ، بأيهم يمكن أن يحتمي ؟

” زكريا أحتمي بالشجرة قال : إنشقي فانشقت ودخل قال : إلتئمي فأغلقت علية ، لكنهم نشروا الشجرة رأسيا  وقضوا عليه “

لم تتوقف المطاردة وإن أختلف التكتيك والإيقاع ، خرج أحدهم فجأة من حارة أخري وفي حركة مباغتة أنقض علية ، تشبث بذراعة الأيسر ممسكا به بقوة ، تكرر المشهد السابق ، ترك ذراعة وأنطلق يعدو منزوع الذراعين .

المسافة بينة والنيل بضع أمتار يجتازها ببضع خطوات يدفعها ويقويها الأمل في النجاة

جدار في آخر الطريق فوجئ به واقفا أمامة سدا وحاجزا يحول بينة وبين الخلاص  فتحددت أمامه خيارات الإستمرار :

إما أن يحاول تسلق الجدار

أو يعدو تجاه اليمين حيث هناك المقابر والصحراء

أو يحاول أن ينطلق إلي اليسار حيث مزارع الموز المنتشرة

أو يباغتهم بالجري في الإتجاه المعاكس   …  تجاههم

أيقنوا ساعتها أنه واقع لا محاله ، وأن الدائرة قد أحكمت حلقاتها حوله  ، اللعبة بالنسبة لهم ليست جديدة ولكنها مكرره خاضوها من قبل مرات ومرات  ،

أحاطوا به ، كان يمكنهم التخلص منه الآن ولكنهم لم ينسوا الأوامر لابد من إحضاره حيا أمتدت أيديهم نحوه ، أوشكوا علي قنصه كفريسة وقعت في شرك الصياد والإمساك به ،  لحظتها جثا علي الأرض كما لو كان قد أستسلم لهم ولكنه فجأة أنتفض بينهم واقفا وفي لحظة كان قد  طار في الهواء أرتفع ، كانت الحركة مفاجئة أصابتهم بالحيرة والفزع وهم يرونه وقد علا  حتي غاب عن الأنظار

من ساعتها وحتي اليوم وهم لا يزالون يبحثون عنه ، ويطيلون النظر إلي السماء وهم ينتظرون عودته هابطا من السماء

لكن صديقي لازال يزعم ويؤكد : أن الذين يصعدون إلي السماء أبدا لا يعودون

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading