الشِّعر قبل الإسلام – عبد الله الطيب، فاس

كان الشِّعر النشاطَ الذهنيَّ الأعظم للعرب وقمَّة إنجازاتهم الفنية. وكما يقول ابن سلَّام:١ «كان الشِّعر في الجاهلية ديوانَ علمهم ومنتهى حُكمهم، به يأخذون وإليه يصيرون.» وكان الشاعرُ مثلَ نبيٍّ؛ الكاهن غالبًا، وعرَّاف العشيرة وقائدها. كان لعرَبِ الجنوب حضارةٌ قديمة مستقرَّة، لكنَّ أقاربهم، عرب الشمال، كانوا بَدوًا وسكَّان واحات، معتمدين على طُرُق قوافلِ التِّجارة، والرَّعي في بِقاعٍ قاحلة في مناطقَ جافَّة شِبه صحراوية، وفي أوقاتِ الجفاف والمجاعة يُغيرون على القبائل الأخرى لجلْبِ الغنائم. لم يكُن للقبائل البدوية عمارةٌ سوى خيمةٍ أمامها موقدٌ من ثلاثةِ حجارة. وكان فنُّهم التصويري يقتصر على اللوحات الصخرية. وكانت موسيقاهم إنشادَ أشعارهم؛ وترتبط القيثارةُ والآلات الوتريَّة المماثِلة أساسًا ببلادٍ خارجَ الجزيرة العربية، مثل فارس، كما قد يُستنبَط من شِعر الأعشى.٢ ويبدو أنَّ الناي والدُّف كانا آلتَيهما الموسيقيَّتَين الرئيسيتَين. وسيطَرَ على حياتهم الصحراوية البريَّة إدراكٌ طاغٍ لمفهومَي السمعة والهيبة. عمل الرَّجُل دائمًا على حماية كبريائه، وهذا أهمُّ بندٍ في شرَفِ الشخص. وعزَّز هذه النزعة الفردية وقوَّاها تفاعلاتٌ تلاحظ عمومًا في مدونة السلوك بين القبائل، مبنية على مفاهيم الشرف، ممثَّلًا بالثأر، والغيرة على نساء القبيلة، والكرم ونجدة الضعفاء، بما فيهم النساء والأيتام، والمقاتلين الذين يفوقهم خصومهم في العدد. ورغم أنَّ كثيرًا من العلماء القدماء كانوا عبَدَة أوثان؛ كان لديهم إيمانٌ مبهَمٌ وقويٌّ بإلهٍ أسمى. وكانت الأوثان الخاصَّة بقبيلة أو قبائل، لا تُعتبر مثل الأرباب إلى حدٍّ كبير؛ بل تُعتبر بشكلٍ أكبرَ بُؤرًا لشفاعة الرب، تمارس من خلال حرَّاس المزارات (السدنة). وكانت سدانة مزار شرف، تبقى دائمًا في عائلةٍ واحدة، تُنقل من الأب إلى الأحفاد المباشرين. وحين لا يكون هناك أحفادٌ مباشرون، يرثها أقرب الأقارب.٣ في كلِّ أرجاء الجزيرة العربية، ارتبطت عائلاتٌ بمزاراتٍ يُعتقد أنَّ قوًى خارقةً للطبيعة تباركها ممَّا يمكِّنها من الاتصال بالجنِّ. فئة من الأرواح، غير مرئية لكنها قد تظهر في أيَّة لحظةٍ مقنَّعة في أيِّ شكل، وكان العرب ينسبون لها العجائب. وكان مزار الكعبة في مكة يسمَّى بيت الله، ويسمَّى سدنتها أهل الله. وكانت مكانةُ قريش، سادة الحَرَم في مكةَ، ساميةً جدًّا بين العرب، نتيجةً لهذا ونتيجةَ انحدارهم من إسماعيل بن إبراهيم. وعزَّزوا أيضًا وضْعَهم بين العرب بالتِّجارة والأحلاف، وخاصَّة بالزواج. ذات مرَّة، حاولتْ قبائلُ الأهواز انتزاعَ السيادة الدينية من قريش، وعندما فشلوا قال شاعرهم عوفُ بن الأحوص:
وجاءت قريش حافلين بجمعهم
وكان لهم في أول الدهر ناصرُ
… … … … …
… … … … …
وكانت قريش يفلق الصخرَ حدُّها
إذا أوهَمَ الناسَ الجدودُ العواثرُ٤
في الأشْهُر الأربعة الحُرم، التي يُحجُّ فيها إلى مكة، تعمُّ حالةٌ من السلام المتفق عليه. يُعلَّق الثأر وغاراتُ القبائل، وتعبُر القوافل شِبه الجزيرة العربية من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب للتجارة. وازدَهَر أيضًا نشاطٌ بحريٌّ، وكانت البضائع تحملها الإبلُ عبْرَ الرمال، وتُحمل في البحر من الخليج الفارسي أو الهند، أو بطول سواحل البحر الأحمر، لتُباع في أسواقٍ مجمَّعة بين القبائل في دومةِ الجندل وهَجر ومشقَّر وحضرموت وعدن ودبَى وصنعاء وعكاظ ويثرب.
وارتبطَت الأسواق الداخلية، مثل عكاظ ويثرب، بموانئ ساحليةٍ مثل جدَّة وينبع. وكانت بعض السفن ترسو في هذه الموانئ. وفي الشِّعر القديم إشارةٌ لبحَّارة، مثل عدولية وسفين ابن يامِن اللذين ذكرهما الشاعر الجاهلي طَرَفة.٥ ويعود بعضها لغير العرب، كما يوضِّح وصفُ الهُذَلي٦ لسُحُبٍ كثيفة تُشبه السُّفن الفارسية أو اليونانية (سفائن أعْجَم) تقترب من ساحل.
ظهَرَ تجَّارٌ من حضرموت في أسواقِ ذي المجاز ومجنَّة وعكاظ، واستمرَّ أحفادهم يظهرون هناك لقرونٍ عديدة حتى اليوم. في السوق، لم تكُن تُعرض السلع فقط، لكنْ أيضًا الأعمال الذهنية. كان العربيُّ يعوِّض فقره في الثقافة المادية بشكلٍ كبير بثرائه الهائل في الفصاحة ومخزون التراث الشفهي.
كان خطباءُ كِبار ومتحدِّثون بالأمثال والحِكَم يحضرون أيام الحجِّ، صغيرًا أو كبيرًا. كان الحج الصغير يؤدَّى في مزاراتٍ محلية، وينظَّم الحج الكبير إلى مكة ومزارات الأوثان الرئيسية مثلِ ودٍّ واللات. وكان أكثم بن صيفي التميمي خطيبًا مشهورًا، تُنسب إليه أقوال من قبيل «آفة الرأي الهوى؛ الرأي نائمٌ والهوى يقظان.» وقُس بن ساعدةَ الإيادي، ويقول بعض المؤلفين إنه كان مسيحيًّا، ويقول آخرون إنه كان من أتباع دين إبراهيم، تُنسَب إليه الخطبة الشهيرة في عكاظ، التي تبدأ ﺑ «مَن مات فات، وكلُّ ما هو آتٍ آت، ليلٌ داجٍ وسماءٌ ذاتُ أبراج.» ونقلها النبيُّ محمَّد الذي تذكَّرها عن ظَهْر قلبٍ من أيام صِباه؛٧ لكنَّ الشعراء، مع ذلك، كانوا ملوكَ تجمُّعات الأسواق؛ لأنَّ الشعر يُعتبر قمَّةَ الفصاحة العربية.
تتكوَّن القصيدة، وكانت قمَّة الشعر في الفصاحة العربية، من ثلاثة أقسام، كلٌّ منها يؤدي إلى القِسم التالي له. يبدو أنها كانت تُعتبر تأليفًا موسيقيًّا، بالإضافة إلى أنها كلامٌ ملفوظ مترابط منطقيًّا. وكانت شكلًا توحِّده، من البيت الأول، القافية. وكان المستمعون غالبًا يعرفون خلفية الموضوع الذي يتناوله الشاعر. كانوا يستمعون متوقِّعين كيف يتقدَّم في الكشف عن النمط المعروف جيدًا للقصيدة، والاختلافات التي يبتكرها والصعوبات التي يتغلَّب عليها. كيف، على سبيل المثال، إذا كان النسيب مشحونًا بالعاطفة، يتقدَّم إلى تِيمة الحرب والشجاعة؟ كيف يأتي بالقافية في كلِّ بيت؟ وأيُّ نوع من القوافي الداخلية والأدوات الإيقاعية يستخدمها؟
لم يكُن الشاعر العربي راويةً. كان أستاذَ الإيجاز، ساحرَ الإيقاع والكلمات. كان راويه شارحًا يقدِّم التفاصيل والخلفية الضرورية. وقد وصل إلى قلوبِ مستمعيه من خلال تأثير أبياته، يترك توضيحَ معانيها ليتناولها الراوي. وبالتالي، من العصور القديمة والشعر العربي يتطلَّب رُواته الشارحين. كانوا يرتبطون بالشاعر معجَبين وناشرين لأشعاره، يحفظونها عن ظَهْر قلب وينقلونها بطريقته أو طبقًا لتوجيهاته. وكثيرًا ما كان الراوي نفسه شاعرًا، وبدوره أيضًا، له راوٍ لأشعاره. كان زُهير في هذا الوضع بالنسبة لخاله بشامة بن الغدير. وبالنسبة للشاعر أوس بن حجر، كان الحطيئة. وقد صار هو نفسه شاعرًا مشهورًا، راويته.
وكان الشعر يعامَل بجديَّة إلى درجةِ أنَّ في تجمُّعات سوق عكاظ في موسم الحج، يعيَّن حَكمٌ بين الشعراء وتُنصب له خيمةٌ من الجِلد الأحمر لهذا الغرض. وكان النابغة الذبياني واحدًا من أواخر هؤلاء الحكَّام، ويقال إنه حكَمَ في مناسبةٍ لصالحِ الشاعرة الخنساء ضدَّ حسان بن ثابت، الذي أصبح بعد ذلك شاعرَ النبيِّ ومادحه.
وكان الشِّعر الذي يفوز بتفضيل الحكَّام في عكاظ في موسم الحج يُعهد به لقريش لحفظه بشكلٍ آمن. ويقال، على سبيل المثال، إنَّ علقمةَ بن عبدة التميمي ألقى على رجال قريش قصيدته في مدح الحارث ملك الغساسنة، وإنهم أُعجبوا بها وقالوا له: «هذا سِمط الدهر.»٨ (واعتُبرت الأبيات المفردة في القصيدة لآلئ والقصيدة ككلٍّ مكوَّنة من هذه اللآلئ معقودةً معًا.) ثم عاد بعد عامٍ وقرأ قصيدته الميمية، ومرةً أخرى أُعجبوا بها وقالوا: «هاتان سمطا الدهر [في إشارةٍ إلى قصيدتَيه].» وكانت بعض القصائد الشهيرة جدًّا تعلَّق على الكعبة تقديرًا لها فكانت تسمَّى المعلَّقات.٩ وأشْهَرها سبع، يرتِّبها بعضُ النقاد على النحو التالي طِبقًا لمؤلفيها: امرؤ القيس، طَرَفة، زُهير، لبيد، عمرو بن كلثوم، عنترة، الحارث. ويرتِّبها آخرون بشكلٍ مختلف، لكنَّ امرأ القيس يحتلُّ المرتبة الأُولى دائمًا. ويُضيف بعض الدارسين ثلاثَ قصائد أخرى للنابغة والأعشى والأبرص الأسدي.
وفي شِعر الفترة السابقة على الإسلام، أدلةٌ على التفكير التأملي (ربما حتى أصداء للفلسفة اليونانية في شبه الجزيرة العربية) كما، على سبيل المثال، في أبياتِ امرئ القيس:
أرَانَا مُوضِعِينَ لأمرِ غيبٍ
ونُسحَر بالطعامِ وبالشرابِ
عصافيرٌ وذِبَّانٌ ودُودٌ
وأجرأُ من مُجَلِّحةِ الذِّئابِ
وكلُّ مكارمِ الأخلاقِ صارتْ
إليهِ هِمَّتي وبِهِ اكتِسابي
•••
وقد طوَّفتُ في الآفاقِ حتى
رضيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ١٠
وكان امرؤ القيس في أعماقه متشككًا باحثًا عن اللذة، حتى لو تحول أحيانًا إلى الله فهو يقول:
اللهُ أنجحُ ما طلبتُ به
والبرُّ خيرُ حقيبةِ الرَّحْلِ١١
وكان زهير بن أبي سُلمى متديِّنًا بعمق، ويقال إنه على فراش الموت تنبَّأ بأنه سيأتي رسولٌ من الله للعرب. وعلى عكس كثيرٍ من شعراء الجاهلية، عارَضَ زهيرٌ الحرب، وفي معلقته طرَحَ قصصَ أقاربه، بني غطفان، بهذه الطريقة:
فمَن مبلغُ الأحلافَ عني رسالةً
وذُبيانَ هل أقسمتُمُ كلَّ مُقسَمِ
فلا تكتُمُنَّ اللهَ ما في نفوسكم
لِيَخفَى ومَهمَا يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ
•••
وما الحربُ إلا ما علمتُم وذقتُمُ
وما هُوَ عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ
متى تبعثُوها تبعثُوها ذميمةً
وتَضْرَ إذا أضْرَيتُمُوها فتَضْرَمِ
فتَعْرككُم عرْكَ الرَّحَى بثِفَالها
وتَلقَحْ كِشَافًا ثُم تحملْ فتُتْئمِ
فتُنتِجْ لكُمْ غِلمانَ أشأمَ كلُّهُمْ
كأحمرِ عادٍ، ثُم تُرضِعْ فتَفْطِمِ
•••
ومَهمَا تكُنْ عند امرئٍ من خليقةٍ
ولو خَالَهَا تَخْفَى على الناس تُعلَمِ١٢
كانت أفكارُ الفروسية جزءًا من مدوَّنة أحلافِ القبائل. كان العرب فرسانًا عظماء، يربُّون الخُيول بشكلٍ جيِّد كما يربون الإبل، وزعموا أنَّ جِيَادهم الأصيلة تنحدر من الجن. وتضمن مجال الفروسية أفكار الشهامة تجاه النساء، والالتزام بالعهود، وتجنُّب الغدر في القتال والامتناع عن قتال الخصم الأعزل. يقول عنترة في معلقته:
هلَّا سألتِ الخيلَ يا ابنةَ مالكٍ
إن كنتِ جاهلةً بما لم تَعلَمي
•••
يُخبِرْكِ مَن شهِدَ الوقيعةَ أنني
أغشى الوغى وأعفُّ عند المَغنَمِ١٣
يخاطب حاتمُ الطائي، الشهير بكرمه، زوجته:
بعيني عن جاراتِ قومي غفلةٌ
وفي السمع مني عن حديثهمُ وقْرُ
… … … … …
… … … … …
أماويَّ إنَّ المالَ غادٍ ورائحٌ
ويبقى من المالِ الأحاديثُ والذِّكرُ١٤
وطبقًا لابن سلامٍ وآخرين، ظهَرَ الشعر العربي في البداية في قِطعٍ مؤلَّفة من بيتٍ أو اثنين أو أكثر بقليل. ثم بدأت القصائد الأطول في الظهور، وفي نهاية القرن السادس الميلادي، استقرَّت القصيدة بثبات.١٥ كان لكلِّ قبيلةٍ شاعرٌ على الأقل يمتدحها ويمثلها في مناسبات الحج وفي تجمُّعات الأسواق الموسمية. وكان الشعراء يصنَّفون طبقًا لمزاياهم، إلى أربعِ فئات. وكان الشعراء الكبار يُسمَّون فحولًا. وكان الشاعر من الطبقة الرابعة يسمى شُوَيعِرًا (تصغير شاعر). ويقال في هذا الشأن:
الشعراءُ أربعة:
واحدٌ يتفوق على الآخرين جميعًا،
وواحدٌ يمكن أن يخطب في قلبِ حشد،
وواحدٌ يستحقُّ أن يُسمع،
وواحدٌ يستحقُّ أن يُضرب على ظَهْره.
وكان الشويعر يسمى أيضًا سُكَيتًا، أيْ آخر حصانٍ في السِّباق. وكان الشاعر العظيم حقًّا يسمى خِنْذِيذًا (الفحل الممتاز)، وكان لقب مُفْلِق («مَن يفعل شيئًا استثنائيًّا») يُطلَق غالبًا على الثاني في الطبقة، وأحيانًا على الطبقة الأولى.
بالإضافة إلى شعراء المعلَّقات، يُنسب للطبقة العليا بين شعراء الجاهلية أيضًا المُهَلْهِل، خال امرئ القيس، وأبو دُوَاد، والطفيل، وأوس بن حجر، وآخرون كثيرون. وكان هناك شعراء يُعتبرون مساوين للفحول، لكنهم ينسبون للطبقة الثانية؛ لأنهم لم يؤلِّفوا قصائدَ كثيرةً، كما في حالة طَرَفة، الذي مات صغيرًا، لكنَّه ألف واحدةً من أشهر القصائد، المعلقة الثانية. وكان شعراء مدن الواحات يُعتبرون أدنى عمومًا، باستثناء شعراء «المدينة». وكان من أشهر شعرائها قيس بن الأسلت وحسان بن ثابت. وأنجبت «الحيرة» أيضًا شاعرًا كبيرًا هو عدي بن زيد، وكان مسيحيًّا.
وهناك فئةٌ من الشعراء يدعون الصعاليك، وكانوا خارجين على القانون، عاجزين عن الاندماج في النظام القَبَلي الخاص. نتيجةَ — على سبيل المثال — الغموض بشأن أصل مولدهم، كما في حالة الشَّنْفَرى الذي نشأ بين عشيرةٍ معادية، وانقلب عليها حين اكتشف ذلك. وأنف هؤلاء الشعراء الصعاليك من ركوب الخيل في المعركة، وكانوا يجرون على أقدامهم أسرعَ من أيِّ فرس! خبَّئُوا المياه في بيض النعام في قلب الصحراء؛ ليتزوَّدوا بها في مغامراتهم. وغاروا على معسكرات القبائل؛ سعيًا وراء الثأر الشخصي. يتحدَّث شِعرهم عن حياتهم البرية، وغنُّوا بتحدٍّ لمُثُلهم العليا في الحرية والسلوك المثالي، كما على سبيل المثال في بيتَي الشَّنْفَرى:
أُدِيمُ مِطالَ الجوعِ حتى أُمِيتَه
وأضرِبُ عنه الذِّكر صَفحًا فأذهلُ
وأستفُّ تُربَ الأرض؛ كي لا يرى له
عليَّ من الطَّوْل امرؤٌ متطوِّل
وكان تأبَّط شرًّا والشَّنفرَى من أشهر هؤلاء الشعراء الخارجين على القانون، وأكَّد الأول أنه قابل غولةً في البريَّة وتزوجها؛ رمزًا لانفصاله الكامل عن الرجال الآخرين.
وهناك قبائلُ اشتهرت بالفصاحة. لشِعرها سماتٌ خاصة، مثل بني هذيل، الذين عاشوا بجوار مكة، وكانوا ذخيرة للثقافة البدوية؛ لقرابتهم بقريش. الكثير من شِعر هذيل، تفوح منه نكهةُ شعورٍ ديني عميق، له طبيعة قديمة جدًّا، خاصَّة في مراثيهم.
وهناك أيضًا شواعرُ ذواتُ مكانةٍ رفيعة جدًّا. تصنَّف الخنساء بنت عمرو بن الشريد، من بني سُلَيم، ضمن الفحول. ويقال أيضًا إنَّ الجن، الذي كان يُعتقد أنَّه مصدرُ إلهامِ الشعراء، كان له شِعرٌ خاص به. يقال لنا، على سبيل المثال، إنهم ألَّفوا بيتًا في رثاء حرب بن أمية. ووُجد حتى، في الجاهلية، شِعرٌ فلكلوري يُنسب للحيوانات، حين اعتادت الحديث في عصر الفطحل (أي قبل طُوفان نوح)، مثل ما يقوله الضبُّ للحسل:
أهدَّموا بيتك لا أبَا لكا
وأنا أمشي الدَّأَلى حوالكا١٦
كان هناك ثراءٌ هائل للشِّعر من كلِّ نوع، وصار — بعد ظهور الإسلام — بؤرة الاهتمام ومصدرَ دراسة مفسِّري القرآن.
(١) طبيعة الشعر العربي
مفهوم الجزالة في القصيدة
عرَفَ العرب القدماء أشكالًا كثيرة من التعبير الشفهي، اعتُبر نوعٌ واحد فقط منها شِعرًا. وكثيرًا ما كان للسجع انتظامٌ إيقاعي وقافية؛ بحيث يُعتبر شعرًا. وعلينا أن نقارنه بأنواعٍ مماثلة في لغاتٍ أخرى. وهناك أدلة توضح أن أنواعًا معينة من السجع كانت تعتبر شعرًا بين بعض القبائل البدوية، على سبيل المثال رثاء أم تأبَّط شرًّا له:١٧ «وابناه وابنَ اللَّيل، ليس بزُمَّيل، شَروب للقَيل، رقود باللَّيل …» وأغنية الحرب لأبي حبيب الهذلي:١٨ «أنا أبو حبيب، لا أُخَشَّى بالذيب، إلخ.» ثمَّة شكلٌ إيقاعي لا يزال يُستخدم بين بقَّارة السودان، وأيضًا بين بعض بدو نَجْد من الخيَّالة. وهذا الشكل الإيقاعي يعتمد على محاولة تقليدِ خبَبِ الجياد.
كان الخليل بن أحمد، النحوي والفقيه اللغوي والمعجمي، يَعتبِر بحرَ الرجز، وهو شكلٌ من التعبير الإيقاعي أكثرُ انتظامًا بكثير من السَّجع، خارجَ مجال الشِّعر، واعتبره أبو العلاء المعري شكلًا متدنِّيًا من الشِّعر، من طبقةٍ ثانية. وهذا التحفُّظ مهمٌّ؛ لأنَّ الرجز، مثل الأنشودة، كان يُستخدم أساسًا مصاحِبًا لعملٍ متكرِّر، كما قد يشير المعنى الاشتقاقيُّ للكلمة. كان صحابةُ النبي، وهم يحفرون الخندق يُنشِدون الرجز، وانضمَّ النبيُّ لهم في الحفر والغناء، مردِّدًا الكلمةَ الأخيرة من كلِّ بيتٍ مثل كورس، مكرِّرًا صدَى «عمْرَا» كلما قالوا: «عمْرَا»، و«زهْرَا» كلما قالوا: «زهْرَا».١٩ وذكَرَ أبو هريرةَ أنَّه سمِعَ العجَّاجَ يردِّد إحدى أراجيزه، متَّبعًا ما قيل له من أنَّ النبي كان يحبُّ هذا الشكل الإيقاعي.٢٠
القرآن ليس شعرًا، لكنه إيقاعي. إيقاعُ بعض الآيات يشبه انتظام السجع وكلاهما مُقفًّى، بينما تتشابه آياتٌ مع الرجز في قوَّته وسرعته، لكن نقَّاد قريشٍ اعترفوا بأنه لا ينتمي إلى هذه الفئة أو تلك.٢١ يراوغ الانحرافُ الإيقاعي الذي يبعده عن السجع والرجز والشعر كلَّ بحث؛ لأنَّ من المبادئ الأساسية في الإسلام أنَّ القرآن معجزةٌ بطبيعته (يمكن تمييز نوعٍ آخر مماثل للانحراف المعياري، يتعلَّق بنمط بناء سور القرآن مقابل النمط الذي اتبعته القصيدة). يبدو طه حسين مُصيبًا في تأكيده على أنَّ التأليف العربي ينبغي أن يقسَّم إلى ثلاث فئات: النثر والشعر والقرآن، والسجع جزء من النثر، لكنَّ القرآن فئةٌ في ذاته.٢٢
يتأسَّس الشعر العربي على انتظام البيت طبقًا لنظامٍ معقَّد، وعلى القافية.٢٣ وإضافةً إلى ذلك كان للشعر قبل الإسلام خاصيَّةٌ تسمَّى «الجزالة»؛ يقال عن شيءٍ إنه جَزلٌ إذا كان قويًّا أو مدمجًا أو متينًا؛ تُوصف قطعةُ الخشب بأنَّها جَزلةٌ؛ وتوصف المرأة بأنها جَزلةٌ إذا كانت ذاتَ شخصيةٍ مؤثِّرة. وهكذا تدلُّ الجزالة على عنصر الوضوح إلى جانب نقاء الأسلوب، وأنه ليس هزيلًا، لكنه قويٌّ وحيويٌّ. ويتراوح من الاختصار والإيجاز، كما في حالة لبيد، إلى الانسياب التلقائي، كما في قصائد طَرَفة وعنترة. وكان زُهير يفضِّل أن يترك قصائده تنضج مثل النبيذ لمدَّة عامٍ قبل نشرها، ويعتبر ذلك براعةً خارقة من جانبه. وكان زهير ومقلِّدوه يلقبون ﺑ «عبيد الشِّعر»، لكنَّ جَهْد زهير، إن وُجِد، غيرُ ملموس؛ لأنَّ جزالته فائقة.
اعتمد العرب القدماء في محاولتهم لتحقيق الجزالة أسلوبًا بدويًّا وطريقةً في النظم وأسلوبًا شعريًّا تمامًا. وكانت هذه البداوة مثاليةً تتَّسم بالحنين. كان البدو، طبقًا لابن خلدون،٢٤ أقربَ إلى الصلاح؛ نتيجةَ حياتهم البسيطة، ولأنهم أقرب إلى الطبيعة البدائية التي تُعتبر مصدرَ كلِّ طيب، لكنْ كان مقدَّرًا لمعظم البدو أن تغزوهم شعوبٌ مستقرَّة، لديها وسائلُ أكثر لتحقيق القوة السياسية والاقتصادية. في حالة العرب، كان سكَّان المدن يسيطرون في النهاية على القوافل وأماكن العبادة، وأصبحوا حفَظَةَ ثقافةِ العرب وحرَّاسَ تراثهم الشفهي. ومع ذلك، وُجدت شبكةٌ قوية من العلاقات بين العرب المستقرِّين والرُّحَّل، أدَّت في النهاية إلى تشابُكٍ متناقِض بين قِيَمهم. وتوجد لأبي حيان التوحيدي معالجةٌ شيِّقة لهذا الموضوع، يستنتج منها المؤلِّف أنَّ العرب كانوا شعبًا متحضِّرًا في صحراواتهم.٢٥
توضيحًا لتشابُك القيم، يمكن الاستشهاد بحقيقةِ أنَّ أهل مكة كانوا يُرسلون أطفالهم للرضاعة والتنشئة في سنواتهم الأُولى على أيدي مرضعاتٍ بدويات؛ لاعتقادهم بأنَّ هواءَ الصحراء صحيٌّ ولغةَ البدو نقيَّة. وكان الشِّعر رمزَ الوَحدة بين العربيِّ المستقرِّ والبدويِّ ورابطَها. وما كان يفتقر إليه الأخير في الثروة والتفوق السياسي، اكتسَبَه بالشِّعر في القضايا الخُلُقية والمُثُل الثقافية. وكان الإخلاص، ولا يزال، مرتبِطًا بوضوحِ البدوي ومباشرته وبساطته. ويوجد البدوي كما يصوَّر بشكلٍ مثالي، ولو كان خياليًّا، في رُوح العربي للأبد. ينبغي أن يُقرَأ الوصفُ الرائع الذي قدَّمه ابن قتيبة لأسلوب القصيدة٢٦ على هذه الخلفية؛ حيث يقول إنَّ الشاعرَ العربي بدأ قصيدته بذِكْر الخِيَام (ليجعل من هذا وسيلةً للتلميح إلى الحبيبة) لأنَّ البدو كانوا من سكَّان الخيام؛ ولذا يقرِّب ذكرُ الحبيبة الشاعرَ من قلبِ مستمعه، نتيجةَ الرابطة المشتركة للحُب التي تربط كلَّ الرجال؛ لا أحد منهم بدون رابطةٍ غرامية، سواءٌ كانت شرعيةً أو غير ذلك. النتيجة هنا إزالةُ الكبح من خلال الرابطة المشتركة للحُب والحنين؛ ليتمكن الشاعر من أن يكون مباشرًا وواضحًا كالبدوي المتخيَّل، الذي لا يدور حول الموضوع، لكنَّ صوته نقيٌّ وحديثه صادق بشكلٍ مؤثر، صريح وجريء بأسلوبه المباشر. بنية المجتمع قبل الإسلام، جعلت هذا النهج فعَّالًا؛ لأن الحواجز الاجتماعية بين الطبقة العليا والدنيا لا تظهر في الحياة اليومية في الطبقات اللغوية، وكان مظهر القسوة والبداوة مشتركًا بين الجميع، لكنْ، بعد ذلك، مع ظهور الخلافة وتوسُّعها بدأت العصبية القبلية العربية القديمة تتخلَّى عن مكانها، لصالح مفهوم المَلَكية والأُسرة الحاكمة مع الأفكار المرتبطة بهما عن الفخامة والعبودية والخداع والازدراء المعقَّد لأساليب الصحراء، التي اعتُبرت همجيةً وجلفة. طوال العصر الأموي حظيتْ رُوح البداوة بالتقدير وتمَّ الحفاظ على مُثُلها، لكنْ، مع مجيء العباسيين، صار للمفاهيم الفارسية — للتدرج الهرمي للبلاط — اليد العليا، وفُضِّل التمدُّن المهذَّب على البداوة القاسية بجزالتها، التي اكتسبت، بعد أن جُردت من وضوحها ونقائها، تكلُّفًا فارغًا. الأدوات نفسها التي استخدمها الشعراء في العصور الأقدم (كالبكاء على الأطلال، أو قضاء الليل في «رصد النجوم» بشغف) حين تكلَّفها شعراءُ العصور التالية؛ بدتْ مثيرةً للسخرية لأبي نواسٍ شاعر البلاط العباسي الذي، رغم أنه لا يعتنق الأفكار البدوية عن القصيدة في مؤلفاته الجادة، كان أيضًا ناقدًا ساخرًا ودقيقًا لعُقم معاصريه ولنفسه. أفسدت ثنائيةُ التقييم الجمالي، المنبثقة من تناقُضٍ متأصِّل للمواقف في الروح العربية، الأفكارَ والمفاهيم بشأن البراعة الشِّعرية من عصر أبي تمام (ت: ٢٣١ﻫ/ ٨٤٥-٨٤٦م) فصاعدًا، واستمرت قصائد الكلاسيكية الجديدة علاجًا وردًّا على تدهور الأساليب والانحراف عن معايير الجزالة. في عالم الأدب العربي اليوم، الصراع بين أنصار التجديد وأتباع النزعة التقليدية مجرَّدُ وجهٍ لهذا.
(٢) الوزن والقافية
بالنسبة للوزن والقافية، يمكن تقسيم الشِّعر قبل الإسلام بطريقتَين. طبقًا للوزن، له تصنيفان فرعيَّان: الرجز، والقصيد. وهناك أنواعٌ نادرة لا تقع، بدقَّة، في مجال النُّظم العروضية المقبولة، يمكن تصنيف بعضها مع الرجز، مثل أغنية أبي حبيب، التي ذكرناها من قبل، أو مع القصيد مثل قطعة سُلْميِّ بن ربيعة، المذكورة في «الحماسة»،٢٧ وبعض اقتباسات أبي العلاء المعري في «رسالة الغفران».٢٨ وطبقًا للقافية، لها ثلاثة تصنيفات فرعية: القصيدة والقطعة والمسمَّطة، أي نوع به تنوُّع في القوافي. ويمكن تجاهل القسم الأخير؛ لأنَّ أصالته متنازَع عليها، مع أن بعض عيناته منسوبةٌ لامرئ القيس.٢٩
(٣) شعر الرجز
يتأسَّس إيقاع هذه الفئة على تفعيلةِ «مُسْتَفْعِلُن» (–°–°– –°)، تتكرَّر ثلاثَ مرَّاتٍ في كلِّ شطر. مُسْتَفْعِلُن محاولةٌ لكتابةٍ موسيقية، قدَّمها تقليديًّا الخليل بن أحمد، وكان النحو تخصُّصه الرئيسي. وطبقًا للجاحظ، استفاد إسحاق الموصلي، موسيقار هارون الرشيد، من هذه المبادرة للخليل حين ابتكر بدوره أسلوبًا لكتابة النوتة الموسيقية. واستُخدِم الرجز (مُسْتَفْعِلُن) (–°–°– –°) والأنواعُ الأقصر منه في أغاني الحروب القبليَّة، وفي ألعاب الأطفال والهدهدة؛ كما في رجز البدويات، الذي يستشهد به أبو تمَّام:
يا ربِّ مَن عَادَى أبي فَعَادِه
وارمِ بسهمَين على فؤادِه
واجعلْ حِمَامَ نفْسِه في زادِه٣٠
جاء تطوُّر الرجز بوصفه شكلًا مستقلًّا مماثلًا للقصيدة تحت رعاية الخلافة المبكِّرة. وقبل الإسلام، لم تُسجل إلا قِطَع قصيرة من أغاني الحرب والفلكلور، مثل تحدي لبيدٍ للربيع بن زياد العباسي، الذي كان يتردَّد على بلاط النعمان، ملك الحيرة. وكان الربيع من قبيلة العباس، وكانوا أقارب ومنافسين وأعداءً لقبيلة هوازن الذين ينتمي إليهم لبيد. حين رأى الربيع يحتل مكانًا بارزًا قريبًا جدًّا من النعمان واستُدعيَ لمشاركته في الطعام، ولبيد لا يزال شابًّا لم يتجاوز سن المراهقة، قال للملك:
مَهْلًا أبَيْتَ اللَّعنَ لا تأكلْ مَعَه
إنَّ استَه من برَصٍ مُلمَّعَه
وإنَّه يُدخِل فيها إصْبَعَه
يُدخِلها حتى يواري أشْجَعَه
كأنَّه يطلُب شيئًا ضيَّعَه٣١
ثمَّة مثالٌ آخر طويل من الرجز لعمرو بن سليم الخزاعي٣٢ يلحُّ على النبي للعمل ضدَّ قريش، الذين خرقوا بنود الصلح الذي أُبرم معه بشأن حلفائه من خزاعة.
(٤) القطعة
كان كلُّ الرجز قبل الإسلام ينتمي لفئةِ القطعة، مكوَّنةً من سبعة أبيات أو عشرة على الأكثر. توجد بعض القطع، المكتوبة في بحور غير الرجز، على سبيل المثال في المختارات الأدبية الشهيرة، مثل «الحماسة»، مختارةٌ في الحقيقة من قصائدَ أطول. ولا نملك حقًّا أمثلةً حقيقية لقِطَعٍ مؤلَّفة أصلًا كذلك؛ لأنَّ الاختيار يمكن أن يفترض دائمًا في هذه الحالات. طبقًا لمَا يقوله ابن سلَّام، قد تعتبر القطعة أقدمَ أشكالِ تأليفِ القصيدة؛ لأنه يقول إنَّ القصائد الطويلة لم يبدأ تأليفها إلا في زمنِ هاشم بن عبد مناف وعبد المطَّلب بن هاشم،٣٣ قرب نهاية القرن السادس الميلادي. وقد تُهمَل القطعة بوصفها كيانًا أدبيًّا فيما يتعلَّق بأهدافِ هذا الفصل.
(٥) القصيدة
القصيدة مجموعةٌ من الأبيات تتراوح من عشرة أبيات إلى ما يزيد عن مائة بيت. وأحيانًا أكثر، كما في معلقة عمرو بن كلثوم، التي زاد فيها شعراء قبيلة بني تَغلِب، حتى وصلتْ إلى ألف بيت. وقال العرب في انتقاد ارتباط بني تغلب بهذه القصيدة:
ألْهَى بَنِي تَغلِبٍ عن كلِّ مَكرُمةٍ
قصيدةٌ قالها عمرو بن كلثومِ
يَرْوونها أبدًا مذْ كان أوَّلُهم
يا لَلرجالِ لشِعرٍ غيرِ مسْئُومِ
تمثِّل المعلقات — عددها سبعٌ، أو عشْرٌ بإضافة قصائد النابغة والأعشى وعبيد بن الأبرص — النوعَ المثالي للقصيدة الجاهلية، وتتراوح عادةً من ثلاثين بيتًا إلى مائة بيت، ونادرًا ما تزيد عن مائة. معلقة طَرَفة من مائةِ بيتٍ كما توجد في ديوانه،٣٤ ومائة بيتٍ وخمسة في شرح التبريزي للقصائد العشر.٣٥ وقصيدة زُهير أقصرُ المعلَّقات، من ستين بيتًا في ديوانه٣٦ وتسعةٍ وخمسين بيتًا في نسخة التبريزي. كلمة القافية عاملٌ محدِّد قوي، على الشاعر أن يتغلَّب عليه ليحقِّق الإيجازَ والوضوح.
وكانت هناك أربعة أغراضٍ تؤلَّف من أجلها القصيدة كليًّا أو جزئيًّا: المديح أو المدح، والهجاء، والغزل، والرثاء. وطبقًا لبعض النقاد قد تعتبر كلُّ الأغراض الأخرى نابعةً من هذه الأغراض الرئيسية. على سبيل المثال، قصائد الاحتجاج والاعتذار التي ألَّفها النابغة، ووجَّهها للنعمان بن المنذر، ملك الحيرة، في جوهرها قصائدُ مدح. والفخر بالذاتِ أو القبيلة فرعٌ من المديح. واعتبر بعضُ النقاد أن الشعر كلَّه يتكوَّن أساسًا من المديح والهجاء. وهكذا قد يصنَّف شعر الغزَل ضمنَ فئةِ المديح؛ حيث يهتمُّ بالثناء على المرأة. ومضى العجَّاج في العصر الأموي إلى أبعدَ من هذا بكثير؛ ليعتبر الهجاءَ فرعًا من المديح، الأخير بنَّاء والأول هدَّام. وهكذا اعتُبر المادح أقدرَ من الهاجي؛ لأنَّ من يبني يمكن أيضًا أن يهدم بسهولة. رفض ابن قتيبة الموافقةَ على هذه الحُجَّة، واعتبر المديحَ والهجاء كليهما بنَّاءَين، كلٌّ بطريقته؛ لأنَّه ليس كلُّ بانٍ بأسلوبٍ معيَّن بانيًا أيضًا في الآخَر.٣٧ الوصف والحكمة من الأغراض الرئيسية للقصيدة، لكنَّ الأول يتعلَّق أكثر بطبيعة النَّهج الأسلوبي للشاعر، رغم أنه أحيانًا قد يكون هدفًا في ذاته، كما — على سبيل المثال — في وصف أوس بن حجر للأسلحة، وطُفيل الغنويِّ للجياد، وعَبِيد بن الأبرص لعاصفةٍ رعدية، والكثير من وصف الأعشى للنبيذ. والحكمة بلورةٌ لعناصرَ أساسية بالتأمُّل في الوجود، ولا يمكن فصلها عن الشعر، وهو الهدف النهائي للشاعر، رغم أنَّ الحكمة هنا مرةً أخرى قد تكون هدفًا في ذاتها، كما في الأبيات الافتتاحية للنصيحة التي تقدِّمها سُبَيعَة بنتُ الأحبِّ لابنها خالد:٣٨
أَبُنيَّ لا تَظلمْ بمكَّـ
ـةَ لا الصغيرَ ولا الكبيرْ
واحفظْ محارِمَها بُنيَّ
ولا يَغرَّنْكَ الغَرورْ
إذا اعتبرنا الفخر كيانًا منفصلًا عن المديح (يوجَّه الأخير في معظم الحالات إلى راعٍ يتوقع منه الشاعر جائزةً عادة)، يكون عدد الأغراض الرئيسية التي تُكرَّس لها القصيدة كليًّا أو جزئيًّا سبعة: الغزل، والوصف، والمديح أو المدح، والفخر، والهجاء، والرثاء، والحكمة، واضعين في الاعتبار أنَّ كلَّ هذه الأغراض، أو بعضها، قد تتواجد معًا في القصيدة نفسها، ونحاول تناولها منفصلةً بهدف التحليل فقط.
أدَّى اجتماع الوزن والقافية إلى ثلاثِ مجموعات من الأنماط الإيقاعية، يمكن أن تصنَّف إلى «عظيمة» و«وسطى» و«دنيا».٣٩ يقال لنا إنه حين ألَّف مطرود الخزاعيُّ قطعةً من الرجز في رثاء نوفلِ بن عبدِ مَنَاف: «يا ليلةً هيَّجْتِ ليلاتي»؛ قال له علماء قريش: «لو كان أفحلَ ممَّا قلتَ كان أحسن.»٤٠ وهكذا ألَّف مرثيَّته العظيمة من بحر البسيط، على القافية نفسها «اتِي»، التي اكتسبتْ هذه المرَّة وزنًا أكبر والنغمة الإيقاعية الطنَّانة للبسيط. يمكن للنمط الأوسط أن يصبح عظيمًا، كما في معلقة الحارث؛ وزنها ليس من الثمانية العِظام؛ ثلاثة من الطويل، واثنَين من البسيط، والوافر، واثنَين من الكامل. حتى بعض البحور «الدنيا» يمكن أن ترقى إلى العُظمى، كما في إحدى قصائد الأعشى، في مجزوءِ الكامل.٤١ لم يكُن من الشائع بين الشعراء الكِبار في الجاهلية استخدامُ الأنماط الوسطى، لكنها كانت شائعةً بين الشعراء الصِّغار، وخاصة في مدينتَي المدينة والحيرة. الأعشى الكبير استثناءٌ يُثبت القاعدة؛ فقد كان شاعرًا متجوِّلًا ومتسوِّلًا، وهو الذي قال: ٤٢
وقد طُفْتُ للمالِ آفَاقَه
عُمانَ، فحِمْصَ، فأُورِيشَلِمْ
أتيْتُ النجاشيَّ في أرضه
وأرضَ النبيطِ وأرضَ العجَمْ
كانت الأنماط «الدنيا» أو القصيرة، تُستخدم غالبًا للغناء في الأعراس والمناسبات المماثلة، كما قد يستنتج من نصٍّ من حديث النبي، على سبيل المثال، أغنيةُ العُرس:
أتيناكُم أتيناكُم
فحيُّونا نحيِّيكُمْ٤٣
وحديث الرُّبيع بنتِ معوِّذ بن عفراء، وفيه يسجَّل أن بعض بناتها غنَّينَ وتباهَينَ، كما كانت — ولا تزال — الطريقة التقليدية عند العرب في أغاني الأفراح:
«وفينا نبيٌّ يعلَمُ ما يكون في غدٍ.»
وحينها وبَّخهنَّ النبي محمد قائلًا لا يعلم الغيب إلا الله.٤٤
بعض هذه الأنماط «الدنيا»، يبدو أنها نُسيت تمامًا بحلول عصر العروضيِّ الخليل، كما قد يُستنتج من ندرة الأمثلة القديمة التي توضِّح أشكالها الإيقاعية المتنوِّعة.
القصيدة، سواءٌ كانت من الأنماط «العظيمة» أو «المتوسطة» أو «الدنيا» في الإيقاع والوزن، ينبغي أن يتصوَّرها الشاعر وحدةً واحدة. يحدِّد طول نفَسه أو قِصَره، أن تكون أبياتها كثيرةً أو قليلة. ونادرًا ما يصِلُ الإيجاز، رغم تقديره، قمَّةً بحيث يكون مؤثرًا حقًّا. المصطلح العربي «نفَس» وصفٌ مناسب جدًّا للوحدة المطلوب وجودها بين العنصر الأساسي لسمات القصيدة والإيقاع الكامن والإيقاع المعلن والأغنية والمعنى. الجهد المطلوب من الشاعر لتحقيق هذا كله، في الوقت نفسه، جهدٌ فائق. ومن هنا جاء الإيمان بشيطان الشِّعر، أو الإلهام، كما نسمِّي المصطلح الآن. وكان يُعتقد أنَّ الشعراء الكبار في الجاهلية تلهمهم الشياطين مباشرة. حسَّان، قبل اعتناق الإسلام، تفاخَرَ بأنَّه كان مدعومًا من أطفال الشيطان: «أقول تارةً، ويقول تارة.» وطبقًا لمَا تقوله عائشة، كان شيطانُه يُدعَى جُهُنَّام أو جهنم. يصِفُ سُوَيد بن أبي كاهلٍ صاحبه بأنه «سريع [بشكلٍ شيطاني].»٤٥ ومع ظهور الإسلام، (يقال لنا) إنَّ حسَّان وُهِب ملاكًا يساعده بدلًا من صاحبه القديم الذي كان من نسل الشيطان.٤٦ تخلَّى لبيد، وهو من شعراء المعلَّقات، عن مهنة الشِّعر وتحوَّل إلى تعلُّم القرآن. وكعب بن زهير لم يؤلِّف شعرًا له أهميةٌ بعدَ قصيدته «بانتْ سعاد» في مديح النبي؛ آخر المدائح بأسلوب الجاهلية.
لكنَّ شياطين الشِّعر عاودَت الظهور بعد ذلك، في أثناء الخلافة، واستأنفتْ وظيفتها في إلهام شعراء المديح والهجاء. وإن يكن من المفترَض هذه المرة أنها تخدم تحت راية الإسلام، فإنها احتفظت بالكثير من مُثُلها القبَلية البريَّة، النقيضة لرُوح الإسلام، لكن بما يتَّفق مع السياسة الأموية والعربية. ويقال لنا إنَّ الفرزدق زعَمَ أن أنصاره من الجنِّ، ساعدوه في تأليف قصيدته الفائية الطويلة، ردًّا على تحدِّي شابٍّ من المدينة.٤٧ ويقال إنَّ جريرًا استخدم غرفةً. اعتاد أن يجلس على سطح منزلٍ في حيِّ بني يَرْبُوع في الكوفة؛ ليكون وحده، ليكتب هجائيةً في الشاعر الراعي النُّمَيري. وسمعتْه عجوز يغمغم، وحين حدَّقتْ ناحيةَ الدَّرَج رأتْه يزحف عاريًا في سريره، فنزلت وأخبرت نزلاء المنزل أن ضيفهم مجنون. فقالوا: «اذهبي لطِيَّتك؛ نحن أعلمُ به وبما يمارس.» وعند الفجر سمعوه يكبِّر في نشوةِ انتصار؛ لأنه نظَمَ ثمانين بيتًا. وحين أنهى القصيدةَ قال: «أخزيتُه وربِّ الكعبة.»٤٨ من الواضح أنَّ شيطان جرير رُوِّض طبقًا لمبادئ الإسلام، رغم أنَّ جريرًا نفسه كان إلى حدٍّ بعيد ألذعَ الهجَّائين في العصر الأموي.
(٦) شكل القصيدة ونمطها
القصيدة، في جوهرها، موجَّهةٌ من الشاعر لمستمِعيه مباشرةً، مستخدمًا صوتَ المتكلِّم، ولا يختبئ خلفَ شخصياتٍ خيالية. ما يقوله يعكس خلاصةَ الحكمة ونقاءَ التفكير وعمْقَ المشاعر العاطفية، المستنبطة من الأحداث والخبرات الخاصة، وأيضًا من أبعاد الخلفية البصرية والاجتماعية التي يَفترِض أنَّ مستمعيه يعرفونها، وسوف يزوِّدهم بها راويه (رُواته). إنها حكايةٌ طويلة، مطلوبةٌ أحيانًا، وتُقدَّم عن طريق الشرح، ولا تنتمي إلى عالَم الشِّعر، بل إلى عالَم النثر. الشعر السرديُّ الذي يظهر في النصوص النثرية، يعتبر عمومًا من تلفيق الرواة، وليس مساهمةً أصيلة للشعراء المنسوبِ إليهم. ونتيجةً لهذا انتقَدَ ابنُ سلَّام ابنَ إسحاق؛ متَّهمًا إيَّاه بإفساد الشِّعر بالاستشهاد بهذا الشِّعر السردي، الذي وضعه الرواة، كما لو كان قصائدَ حقيقية. ورفض قبولَ اعتذارِ الأخير بأنه ليس متخصِّصًا في الشِّعر.٤٩
ينبغي ألَّا يسمَّى أسلوبُ القصيدة وشكلُها «شعرًا غنائيًّا»، كما يسمِّيه الآن كثيرٌ من الدارسين العرب. ونشأ هذا التصوُّر الخاطئ عن التصنيف الغربي المقبول للشِّعر إلى ثلاث فئاتٍ متميِّزة: الغنائي والدرامي والملحمي. وحيث إنَّ الشِّعر العربي القديم لم يعرف المسرحيات الشعرية أو القصائد السردية الطويلة، افتُرِض أنَّ الشعر العربي كلَّه غنائي. يمكن أن يكون التقسيم غير موائمٍ للشعر العربي؛ لأنه يعتمد أساسًا على مادةٍ مستمدَّة من الأشكال الأدبية اليونانية الكلاسيكية. تكون القصيدة أحيانًا ذاتَ طبيعةٍ مثيرة للجدل (كما في معلقة الحارث)، أو أحيانًا ذات طبيعة خطابية (كما في معلقة عمرو) أو ملحمية (كما في معلقة عنترة)، أو قد تحتوي على تناولٍ رفيع للحكمة (كما في حالة زهير)، لكن القصيدة حقًّا تمثِّل فئةً في ذاتها.
ويبدو أنَّه كانت هناك أنماطٌ كثيرة للقصيدة في تاريخها المبكِّر، برَزَ في النهاية نمطٌ واحد منها واتُّبع عمومًا. ومن بعض هذه الأنماط المبكِّرة، بقي بعضها في صورةِ أشكالٍ نادرة أو خاصة. المرثيةُ شكلٌ خاص، رغم أنَّ بعض المراثي لشعراء هُذيل وغيرهم تبدأ بالأسلوب النموذجي، لكنَّ هناك شكلًا خاصًّا آخر هو قصيدةُ الوصية، التي تقدِّم النصيحة أو الحكمة في أقوالٍ مأثورة تُعرف بالوصية. ويبدو أن الشعراء القدامى، استخدموا شكلَين منها وسيلةً للأغراض الأخرى للقصيدة. على سبيل المثال قصيدة ابن جناب الكلبي، التي يستشهد بها ابن سلَّام،٥٠ واستخدم فيها نمط الوصية لتطوير غرضَي الاعتذار والفخر، وفي بعض قصائد عَديِّ بن زيد، وفيها استخدم المَرثَاة ليجسِّد الحكمة والتأملات الحزينة.٥١ ويبدو أن نمط المرأة السليطة، باعتبارها قوةً تُثني الرجالَ عن مسار الشرف والمروءة، ارتبَطَ أساسًا بالقصائد التي كان غرضُها خُلقيًّا. لورقة بن نوفل القرشي قصيدةٌ من هذا النوع موجَّهة إلى «زوجتَيه» (رغم أنه كانت له زوجةٌ واحدة، لكن بالعُرف الشِّعري تعامل معها باعتبارها اثنتَين نتيجةَ نوباتِ غضبها!) اللَّتَين طلبتا منه الطلاق.٥٢ هذه التِّيمة عن المرأة السليطة، يبدو أنها امتُصَّت بعد ذلك في تيمة المرأة اللائمة، التي تظهر كثيرًا جدًّا في النسيب.٥٣
يتكون النمط النموذجي للقصيدة من ثلاثة أقسام: النسيب، و«التخلُّص» ويأتي في شكل رحلة بالجَمَل، والقسم الأخير — جسد القصيدة — ويتناول غرضَ القصيدة، لكنَّ هذا النمط له أنواعٌ كثيرة. وقد يُهمَل التخلُّص تمامًا، ويسمَّى هذا «اقتضابًا»، كما في بعض قصائد زُهير.٥٤ ويُستبدَل بالنسيب أحيانًا التأملُ في الحياة والموت، كما في بعض مدائح الأعشى.٥٥ ونادرًا ما يُهمل تمامًا، كما في هجاء النابغة لزُرْعة،٥٦ ومديح الأعشى لشُرَيح بن حصان،٥٧ ولامية العرب، القصيدة الشهيرة للشَّنْفَرى.٥٨ وأحيانًا يتغيَّر ترتيب أقسامِ النمط أو تُعدَّل، كما في قصيدة امرئ القيس «أحارِ بنَ عمرٍو»، التي تبدأ بالغرض، الفخر، وتتحوَّل إلى ذِكر الحنين للحبيبة،٥٩ وضاديَّته التي تبدأ بالتيمة النهائية لمعلقته، وتتحول للتيمة التي تسبقها، منتهيةً بأقوالٍ مأثورة عن مصير الإنسان.٦٠ ورغم هذا التنوع، فإن النمط الرئيسي للقصيدة موحَّد، طبقًا للشكل الذي بيَّنه ابن قتيبة في تحليله الرائع للرثاء القديم.٦١
(٧) النسيب
تشير كلماتُ النَّسيب والتَّشْبِيب والغَزَل كلُّها، إلى التلميح الغرامي للمرأة، لكن كلمة النَّسيب، تُستخدم للإشارة إلى الاستهلال الغرامي التقليدي للقصيدة والتيمات التمهيدية المماثِلة، التي تعالج ذكريات الحنين للشباب، والأيام الغابرة، والديار النائية. وتستخدم كلمةُ الغزَل لكلِّ التيمات المعنيَّة بالحُب وتقدير المرأة. وتستخدم كلمة التشبيب أحيانًا مرادِفًا للنسيب، لكنْ في معظم الأحيان للإشارة إلى حُب شخصٍ معيَّن.
الهدف من النسيب، هو في الوقت ذاته، التعبير في البيت الأول عن مؤشِّرٍ لآفاقِ القصيدة، بالإشارة رمزيًّا إلى رُوحها وغرضها الأساسي، واستدعاء العنصر المُرتبِط ارتباطًا قويًّا بالحنين. التأثير المزدوج لاستدعاء الشعور بالحنين، والإيماء إلى غرض القصيدة ورُوحها، متلازمان؛ ولهذا يقول ابن رشيق مَن يضرب على الوتر الصحيح في النسيب «فقَدْ وَلجَ من الباب، ووضَعَ رِجله في الرِّكَاب.»٦٢ على سبيل المثال، يبدأ النابغة إحدى قصائده في مدح النعمان، ملك الحيرة،٦٣ الذي عاد إليه بعد جفوةٍ طويلة، بمناجاةٍ لحبيبةٍ اسمها ميَّة.٦٤ (وكان اسم حبيبةٍ في وصفه للمتجرِّدة.) ويقال إنَّ ميَّة كانت سببَ سوء التفاهم بين الشاعر والملك في المقام الأول. تقع دارها في العلياءِ والسند. ثم يقول النابغة إنَّ هذه الدار «أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ». وهكذا يكون البيت الأول من النسيب في هذه القصيدة، رمزًا للغرض الذي ينوي الشاعرُ تناولَه. يبدأ النسيب في معلقة الحارث، وغرضها الرئيسي تحدِّي بني تغْلِب ورفْضُ مزاعمهم، ﺑ:
آذنتْنا ببَيْنِها أسماءُ
رُبَّ ثاوٍ يُملُّ منه الثَّواءُ
أسماء، الحبيبة هنا، هي أيضًا رمزٌ لبني تغلب، قبيلة مُعادِية. يقال غالبًا إنَّ الحبيبة تنتمي لقبيلةٍ معادية، وهكذا تقوم بدورٍ مُزدوجٍ لشخصيةٍ يُبحَث عنها، لكنها أيضًا تُرفَض بكبرياء حين تتضخم متطلباتها. يبدأ عمرو بن كلثوم، خصم الحارث وزعيم بني تَغْلِب، معلقته بالدعوة لاحتساءِ الخمر في الصباح. توجد تِيمة الشراب في قسم الفخر من القصيدة أكثرَ بكثيرٍ ممَّا توجد في النسيب، لكنْ عمرو هنا يبدأ في البيت الأول من النسيب بهذا الرمز، ويشير إلى الغرض؛ الفخر والاستهتار:
ألَّا هُبي بصَحنكِ فاصبَحِينَا
ولا تُبقي خمورَ الأنْدَرِينَا
تُمنَح حبيبته، موصوفةً بعد ذلك في النسيب، أبعادًا هائلة. الباب أضيق بكثيرٍ من أن يمرِّر عجيزتها، وساقاها عمودان من الرخام والخلخال يرنُّ بصخبٍ. وبعد ذلك يفتخر عمرٌو بقبيلته:٦٥
إذا بَلغَ الفِطامَ لنا صبيٌّ
تخرُّ له الجبابرُ ساجدينَا
•••
حُدَيَّا الناسِ كلِّهِمُ جميعًا
مقارعةً بَنِيهِم عن بَنِينَا
•••
ملأنا البرَّ حتى ضاق عنَّا
وظهْرَ البحرِ نملؤُهُ سَفينَا
•••
وأنَّا الشاربون الماء صفوًا
ويشرب غيرُنا كدِرًا وطِينَا
(W. S. Blunt)٦٦
يبدأ المثقِّب العبديُّ قصيدته الشهيرة بنبرةِ توقٍ، وتهديدٍ بالرفض بمخاطبةِ فاطمةَ، حبيبته:
أفاطمُ قبلَ بينكِ متِّعينِي
ومنعُكِ ما سألتُكِ أنْ تَبِينِي
فَلا تَعِدي مَواعِدَ كاذِباتٍ
تمرُّ بها رياحُ الصيفِ دُونِي
فإنِّي لوْ تخالِفُني شِمالي
خلافَكِ ما وصَلتُ بها يَمينِي
إذن لَقَطَعتُها ولَقُلتُ: بِينِي
كذلكَ أجْتَوي مَن يَجتَوِينِي
(C. J. Lyall)
وتنتهي القصيدة بنبرةِ التَّوق والتهديد نفْسِها؛ الشاعر مخاطبًا صديقه وراعيه عمرَو بن هند مَلِك الحيرة:
وإلَّا فاطَّرحني واتَّخذني
عدُوًّا أَتَّقيكَ وتَتَّقيني
وما أَدري إذا يَمَّمتُ وَجهًا
أُريدُ الخَيرَ أَيُّهُما يَليني
أَأَلخَيرُ الذي أنا أَبْتَغيهِ
أَمِ الشَّرُّ الذي هو يَبْتَغينِي
(C. J. Lyall)٦٧
يستهلُّ زهير معلقته بسؤالٍ يتضمَّن صعوبةَ التعرُّف على أطلال دارِ أمِّ أَوفَى: «أمن أمِّ أَوفَى دِمنَةٌ؟» وهذا السؤال يقِّدم النبرة الرئيسية الخفيَّة للغرض الرئيسي لقصيدته، وتحديدًا الاهتمام بالحالة المجهولة لبني غطفان، بعد حروبهم الأهلية في دَاحِس والغبراء.
ويستهلُّ عنترةُ معلقته بسؤالَين:
هل غادَرَ الشعراءُ من متردَّم؟
أم هل عرفتَ الدارَ بعد توهُّمِ؟٦٨
قصيدةُ عنترة قصيدةُ اعتراضٍ وفخر، يُنقل بتواضعٍ وكرم. الأسلوب الذي يبدأ به القصيدةَ مؤشِّرٌ على غرضه وأسلوبِ نهجه. وأمثلة التمهيد للموضوع الرئيسي للقصيدة بالنسيب كثيرة.
ونسعى الآن لمناقشة بعض التيمات المتكرِّرة كثيرًا في النسيب، وهي تيماتٌ تُستخدم لخلْقِ جوٍّ من الحنين.
أُولى تيمات النسيب التلميحُ للدار. حنينُ الشاعر واشتياقه لموضع منزله قدَرٌ أزليٌّ للشاعر. وهو، في المفهوم العربي، بدويٌّ هائمٌ دائمًا. ذِكر الدار، أو أي شيء يرتبط بها، يثير ذكرياتِ الحبيب وساعاتِ السعادة في الماضي. يحرِّك قلبَ الشاعر أيُّ شيءٍ يذكِّره بها: اسم بلد، كُثبانه الرملية، هِضابه، النجوم التي تحدِّد للمسافر الطريقَ إليه، الرياح والنسائم التي تهبُّ إليه أو منه، الخِيام، الموقِد، الأوتاد التي تُربَط فيها الحيواناتُ، كوم من الرَّماد، الروابي الصغيرة التي تحمي الخيمة من الفيضان وما شابه. وقد يستخدم الشاعر كلمةَ «دار» رمزًا للحبيبة، أو رمزًا لنفسه. وقد يرى نفسه طلَلًا؛ قال امرؤ القيس في افتتاحيةٍ شهيرة:٦٩
ألَا عِم صباحًا أيها الطَّللُ البالي
وهل يعِمَنْ مَن كان في العُصُرِ الخالي
نعرف أنَّ امرأ القيس يعني نفسه هنا؛ لأنه يقول بعد ذلك في هذه القصيدة:
ألَا إنني بالٍ على جملٍ بالٍ
يقود بنا بالٍ ويَتْبَعُنا بالِ
قد يرى الشاعر في أطلالِ مخيَّمٍ قديم، يتعرَّف عليه بالكاد، رمزًا لسعادته وماضي أيام الشباب، كما في [قصيدة] امرئ القيس:
وتحسبُ سَلمَى لا تزالُ كعهدِنا
بِوَادِي الخُزَامَى أو على رَأسِ أَوعَالِ
لياليَ سَلمَى، إذ تُرِيكَ مُنَصَّبًا
وجِيدًا كجِيدِ الرِّئمِ ليس بمِعْطَالِ
وأحيانًا يشبَّه الشاعر وماضيه برماد المواقد القديمة، كما في افتتاحيةِ قصيدة طَرَفَة:
أشَجَاكَ الرَّبعُ أم قِدَمُهْ
أم رَمادٌ دارِسٌ حُمَمُهْ
يرى الشَّمَّاخُ الغطفاني حجارةَ الموقد جاراتٍ من الصخر. الحجر الثالث في الموقد نتوءٌ صخريٌّ على جانبِ التلِّ، مع إرثٍ من رَمادٍ بلونِ حمامة. وطوَّر الشعراء بعد ذلك تِيمة الرَّماد وحجارة المواقد إلى أبعادٍ مجردة تقريبًا، يحسب أنَّ الرماد ترعاه أحيانًا ثلاثُ نوق، أو تنوح عليه، أو كتكوت يُحتضر تحيط به حماماتٌ تنوح أسًى.٧٠
تلعب النار نفسها دورًا مهمًّا في موتيفة الحنين في النسيب. يميز الكتَّاب مختلف النيران التي يشعلها العرب في الليل: نيران المخيمات، ونيران الكرم، ومنارات الحرب، إلخ. وتعتبر نيران المخيمات أكثرها أهمية؛ لأن الحبيبات أو جواريهنَّ يشعلْنَها. ولأنَّ الروائح الطيبة ترتبط عادةً بالجنس اللذيذ؛ زعم الشعراء أنَّ نيران الحبيبات كانت تحترق بالصبر والصندل والأخشاب الأخرى طيِّبة الرائحة. قال عَديُّ بن زيد الحيريُّ:
يا لُبَينَى أوقِدِي النَّارا
إنَّ مَن تهوينَ قد حارا
رُب نارٍ بتُّ أرمقها
تقضم الهنديَّ والغارا
عندها ظبيٌّ يورِّثها
عاقدٌ في الخصر زُنَّارا٧١
أضفى العرب على النار التي توقدها الحبيبة صفاتٍ صوفيةً وروحيةً حتى قبل الإسلام. ارتبطت النار في أذهان العرب بالربِّ والقُوى الخارقة. كان هناك الكثير من المظاهر التي تُشبه اللهب في الليل، ربما نتيجة الطبيعة البركانية لبعض أجزاء شبه الجزيرة العربية ونتيجة تسرُّب الغازات المشتعلة، التي نسبها العرب للغيلان والجن. ويقال إنَّ اليمن كانت فيها نارٌ خرجت من كهفٍ وكانت تُعبَد، ويحتكم الناسُ إليها في نِزاعاتهم.٧٢ يقول الحارث في معلقته إنَّ نار سيدته هند أُشعلت منذ زمنٍ بعيد على تلٍّ من أجله ليرى،٧٣ وتقول قصيدةٌ شهيرة للنابغة:٧٤
ألمحةٌ من سَنا برقٍ رأى بصري
أم وجهُ نُعْمٍ بدا لي أم سَنا نارِ؟
بل وجهُ نُعْمٍ بدا والليلُ معتكِرٌ
فَلَاحَ من بين أثوابٍ وأستارِ
يشبهِّ امرؤ القيس الجمالَ المشتعِلَ لحِضْنِ محبوبته سَلمَى بحرقِ الفحم:
كأنَّ على لبَّاتِها جمْرَ مُصطَلٍ
أصاب غضًى جَزْلًا وكُفَّ بأجزَالِ
وهبَّتْ له ريحٌ بمُختَلَفِ الصُّوَى
صبًا وشمالٌ في منازلِ قُفَّالِ
… … … … …
… … … … …
تَنَوَّرْتُها من أَذْرُعَاتَ وأهلُها
بيثربَ أدنى دارِها نظرٌ عالِ
نظرْتُ إليها والنجوم كأنَّها
مصابيحُ رُهبانٍ تُشَبُّ لقُفَّالِ
طبيعة النار الموصوفة هنا روحيةٌ صوفية تتدرج من الفيزيائي والملموس إلى البعيد الذي لا يمكن الوصول إليه. يصِفُ الشمَّاخُ نارَ ليلاه قائلًا:
فما كادتْ ولو رَفَعوا سَنَاها
ليُبصِرَ ضوءَها إلا البصيرُ٧٥
وتوجد صورةٌ لهذه الإضاءة الروحية، مماثلةٌ على مستوى المفهوم، في قصائدَ كثيرة، كما في معلقة امرئ القيس:
تُضيء الظَّلام بالعِشاء كأنَّها
منارةُ مُمْسَى راهبٍ مُتبَتِّلِ
البرق تيمةٌ مهمَّة في النسيب، يُثير الشوق والحنين؛ لأنَّ يبرق، بصرف النظر عن موقعه في السماء، من آفاقِ الحبيبة. يلتقي الأحباب في مواسم الأمطار والرعي. وهو موسم الصيد وسِباق الخيل والقتال أيضًا. نشبَت حربُ دَاحِس والغَبْراء بين عشائر غطَفَان العَبْسيِّ وذُبيَان نتيجةَ شِجَارٍ على سِباق خيل، ونشبَت الحرب بين تَغلِب وبَكْر نتيجةَ نِزاعٍ على الرعي؛ لذا كان لتيمة البرق مجالٌ واسع من التداعي، لا يقتصر على النسيب وحده. توجد في معلقة امرئ القيس في القِسم الأخير، وأيضًا في لاميةِ لَبِيد، «ألَمْ تُلمِمْ»٧٦ وضادية امرئ القيس، «أعِنِّي على بَرقٍ»؛٧٧ وبداية حائية عبيد بن الأبرص، «هبَّتْ تَلُومُ»،٧٨ ورائية النابغة، «عُوجُوا فَحَيُّوا». ونتناول تِيمةَ البرق فيما بعدُ، ضمنَ التيمات الوصفية الأخرى.
وترتبط تيمة الليل بتيمة البرق، وإذا كانت الأخيرة رمزَ الأمل والثناء؛ فإنَّ الأُولى رمزُ الحذرِ واليأس. قد تبدأ القصائد التي تتناول الأمور الشخصية أو القبلية أو الثأر نسيبها، أو جزءًا منه، بالتلميح لليل، أو الأرق، أو النجوم أو التحديق في النجوم. يبدأ المُهَلْهِل التَّغلِبيُّ ثأريَّته الشهيرة:
ألَيلَتَنا بِذِي حُسُمٍ أَنِيرِي
إذا أنتِ انقضيتِ فلا تَحُورِي٧٩
ثم يتحوَّل إلى وصفِ النجوم، التي ترمز لتَوقِه لقُدُوم الصباح، ليقوم بغارةٍ للانتقام من الأعداء. وتبدأ قصيدة الأسود بن يَعْفُر التي يشكو فيها من الشيخوخة والعمى ﺑ:
نامَ الخَليُّ وما أُحسُّ رُقادِي٨٠
العاطفة نفسها في قصيدة الأعشى، التي يكافئ فيها المحلَّق على طِيب معاملتِه له:
أَرِقتُ وما هذا السُّهَادُ المُؤرِّقُ
وما بيَ من سُقمٍ وما بيَ مَعْشَقُ٨١
تحكي حكايةٌ عن الأعشى أنَّه زار ملكَ الفُرس، وتُرجمت للأخير بعضُ أشعاره، ومن بينها البيت السابق، فقال الملك: «إذا سَهرَ ولم يكُن عاشقًا أو سقيمًا؛ فهو إذن لصٌّ.» تبدأ قصيدة النابغة في مدح الحارث ملك الغساسنة بذكر النجوم والهموم:
كِلِينِي لهَمٍّ، يا أميمةُ، ناصِبِ
وليلٍ أُقاسيه بطيءِ الكواكبِ
تطاوَلَ حتى قُلتُ ليس بمُنقضٍ
وليس الذي يرعى النجومَ بِآئِبِ
وصدرٍ أراحَ الليلُ عازبَ همِّه
تضاعَفَ فيه الحُزنُ من كلِّ جانبِ٨٢
تبدو هذه الافتتاحية غريبةً في قصيدة مديح، لكنَّ شِجار النابغة مع ملك الحيرة، الذي استبدل به هنا ملك الغساسنة، السوري، سببٌ حقيقي لقلقه. هروبه إلى كنف الأخير شكلٌ من أشكال البحث عن سلوى. توجد تيمة الليل والمخاوف مرةً أخرى في قصيدةٍ شهيرة للنابغة في الاعتذار لملك الحيرة بعد عودته إليه:
فإنَّك كالليلِ الذي هو مُدرِكي
وإن خِلْتُ أنَّ المُنتأى عنك واسعُ٨٣
في هذه القصيدة يشبِّه حالته الذهنية، حين سمِعَ بغضبِ راعيه، ملك الحيرة، برجلٍ لدغه ثُعبان ويقضي ليله مُؤرَّقًا.٨٤
توجد تيمة الليل عادةً في بداية النسيب، مستدعيةً الحنين، لكنها قد توجد أيضًا في الأقسام الأخرى من القصيدة. الأبيات الشهيرة لامرئ القيس،٨٥ في معلقته، تأتي في الوسط، لكنَّها ترتبط بشكلٍ ما بالنمط المعقَّد لهذه القصيدة الخاصة.
ثمَّة تيمةٌ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالليل، وهي «طيفُ» الحبيبة (الطيف أو طيف الخيال). وقد توجد في استهلال النسيب، كما في أبيات المُرقِّش الأصغَر:
أمِنْ بِنْتِ عَجْلانَ الخَيالُ المُطَرَّحُ
أَلَمَّ ورَحْلِي ساقِطٌ مُتَزَحْزِحُ
فلمَّا انْتَبَهْتُ بالخَيالِ ورَاعَنِي
إذا هُوَ رَحْلِي والبِلادُ تَوَضَّحُ
(C. J. Lyall)٨٦
وتوجد أيضًا في افتتاحية قصيدة لتأبَّطَ شرًّا في المفضليات:
يا عيدُ ما لكَ من شوقٍ وإِيرَاقِ
ومَرِّ طيفٍ على الأهوال طرَّاقِ
يَسْري على الأينِ والحيَّاتِ مُحتَفِيًا
نفسي فِداؤُكَ من سارٍ على ساقِ
إنِّي إذا خُلَّةٌ ضنَّت بِنَائلِها
وأمسَكتْ بضعيفِ الوصلِ أحذَاقِ
نجوتُ منها نجاتي من بَجيلةَ إذْ
ألقيتُ ليلةَ خبتِ الرَّهط أَرواقِي٨٧
قد توجد أيضًا تيمة «الطيف» في الأقسام الأخرى من القصيدة، لكنها ترتبط غالبًا بشعر الغزل، رغم أنها تظهر أحيانًا في الرثاء. يتمُّ تناول «الرحيل»، الذي يشكِّل تيمة من التيمات الرئيسية للنسيب، بطرقٍ متنوعة، وليس هناك نوعٌ بدون أهميةٍ رمزية. يبدأ الشاعر، على سبيل المثال، بصرخةٍ مدوِّية مثل: «رحَلتْ سُعَادُ!» وما يليها يشير إلى طبيعة مزاج الشاعر وغرضه. ربما يواصل ليقول: «انقطَعَ وِصَالُها.» أو «ترَكَتْني أسيرًا.» أو «لم تودِّعْني.» ويرتبط كلُّ تأكيدٍ بالهدف الرئيسي للشاعر. الأبيات الافتتاحية من هذا النوع مؤشِّرٌ غالبًا لمزاج البطولة أو الكرم، سواءٌ كان الغرضُ المديحَ أو الفخر أو الهجاء. ثمَّة موتيفةُ «رحيلٍ» متكرِّرة وهي القافلة الراحلة، وهي حتمًا مؤشِّرٌ على بعض الصراع، الشخصي أو القَبَلي، المرتبط بغرض القصيدة، كما في معلقتَي زُهير والحارث، ورائية امرئ القيس في رحلته إلى بيزنطة، ونونية المُثقِّب، وفيها يصِفُ القافلة الراحلة لسفره الدَّءُوب بحثًا عن المجهول. القافلة عن بُعْد تشبه النخيل أو الدَّوم، أو السفن في البحر. وأحيانًا قد يستطرد الشاعر ليصف السُّفُن أو النخيل، كما في معلقة طَرَفة:
كأنَّ حُدُوجَ المالكيَّةِ غُدْوَةً
خلايا سَفينٍ بالنَّواصِفِ من دَدِ
عَدَولِيَّةٌ أو من سفينِ ابنِ يامنٍ
يجُورُ بها الملَّاحُ طَورًا ويَهتدِي
يشُقُّ حَبابَ الماءِ حَيزُومُها …٨٨
… … … … …
ورائيَّة امرئ القيس:
فشَبَّهْتُهم بالآلِ لمَّا تكمَّشُوا
حدائقَ دَومٍ أو سفينًا مقَيَّرا٨٩
لكن حدائق النخيل ترتبط أكثر بتيمة «الدموع»، وهي نفسها غالبًا فرعٌ من «رحيل» الحبيبة، أو القافلة. «دموع» النسيب تتدفَّق وتُشبَّه بقِربة مياه تنضح. تؤدي القِربة إلى أنينِ جملِ الري، دافعًا الساقية لتروي بستان النخيل، رمزًا للشاعر نفسه الذي سحقتْه أعباءُ الرحيل. يرمز بستان النخيل للحبيبة؛ لأن المرأة الجميلة توصف غالبًا بأنها حديقة. يقدِّم زهير في قافيَّتِه وصفًا حيًّا لناقةٍ تسحب ماءً من بئر لريِّ بستانِ النخيل:
وخلْفَها سائقٌ يحدو إذا خَشِيتْ
منهُ اللَّحاقَ تمدُّ الصُّلبَ والعُنُقَا
وقابلٍ يتغنَّى كلما قدَرَتْ
على العَرَاقَى يداه قائمًا دَفَقَا
يُحيلُ في جدولٍ تحبو ضفادِعُه
حبْوَ الجوارِي ترى في مائه نُطُقَا
يخرُجنَ من شَرَبَاتٍ ماؤُها طَحِلٌ
على الجُذُوعِ يخَفنَ الغمَّ والغَرَقَا٩٠
انتُقِد زهير لأنَّه يتحدَّث عن ضفادعَ غارقةٍ — كائنات برمائية — لكنَّ نيته الحقيقية أنْ يُلمح إلى قلقه، غارقًا في الدموع.
التيمة الرئيسية للنسيب، بالطبع، الحبيبة ذاتها، لكنَّ شخصية الحبيبة تُمزج غالبًا بتيمات حُب المرأة وتقديرها، وهي مناقشة تؤجَّل إلى مناقشة موتيفة الغزل، لكن ينبغي ملاحظة أن قصيدة امرئ القيس تُرَى، بين المعلقات، باعتبارها تحتوي على أفضل نسيب، ويعتبر «قفا نَبْكِ» أروع استهلال للشعراء القدامى:
قِفَا نَبْكِ من ذِكرَى حبيبٍ ومنزلِ
بسِقْطِ اللِّوَى بين الدَّخُولِ فحَومَلِ٩١
يعجب النقَّاد بهذا البيت؛ لأنَّ امرأ القيس يتوقَّف عند آثارِ مكانِ مخيَّمٍ سابق، طالبًا من صديقَيه أن يفعلا مثله، للبكاء عليها، تسيطر عليهم ذكرياتُ المكان والحبيب. ثم يذكُر أسماءَ ثلاثةِ مواضع، مستدعيًا مزيدًا من ذكريات الحنين بهذه الوسيلة.
(٨) التخلُّص
يشكِّل التخلُّص القسمَ الثاني من القصيدة، وفيه يشقُّ الشاعر طريقَهُ خارج النسيب باتجاه غرض قصيدته. وقد يتحقَّق هذا بوصف راحلته ورحلة الوصول للحبيبة في مكانٍ بعيد حيث توجد، أو يعزِّي نفسه وينساها في متابعةِ غرضٍ آخرَ خطير، أو يهجُرها كما هجرتْه. من بين المعلقات السبع، يوجد تخلُّصٌ من هذا النوع في أربع فقط. ينحر امرؤ القيس في معلقته ناقته؛ ليُقيم وليمةً بلحمها للعذارى اللائي يقابلهنَّ عند البئر في دارةِ جُلْجُل. وهذا عملٌ رمزي لاستسلامه تمامًا للجنس الرائع، وهو أيضًا أداة لتجنُّب الرحلة التقليدية. ينتقل زهير مباشرةً من وصفِ قافلةِ سفَرِ حبيبته إلى مدح رُعاتِه. حبيبة عمرٍو على وشكِ الرحيل، رمز أعدائه؛ لذا لا يجِدُ صعوبةً في التحوُّل منها إلى مخاطبتهم:٩٢
تذكَّرتُ الصِّبا واشتقْتُ لمَّا
رأيتُ حُمُولَها أُصُلًا حُدِينَا
فأعرَضَت اليمامةُ واشمَخَرَّتْ
كأسيافٍ بأَيدِي مُصلِتِينَا
•••
أبا هندٍ فلا تَعجَلْ علينا
وأنظِرْنا نُخبِّرْكَ اليقينَا
بأنَّا نُورِدُ الراياتِ بِيضًا
ونُصدِرهنَّ حُمرًا قد رَوِينَا٩٣
تناول عنترةُ والحارث الرحلةَ التقليدية بإيجاز، عنترةُ فارسٌ في المقام الأول:
تُمسي وتُصبح فوقَ ظَهر حَشِيَّةٍ
وأَبيتُ فوقَ سَراةِ أدهَمَ مُلجَمِ٩٤
الناقة التي يذكرها في قصيدته ناقةٌ يودُّ امتلاكها؛ ليلحق بقافلة حبيبته. ويعالج عنترة هذه التيمة بإيجاز، مستخدمًا أكليشيهات معتادَة في وصفه، موضحًا التعاطف الحقيقي للناقة فقط حين تُرهق ويغمرها العرَق، مثله:
برَكَتْ على جنْبِ الرِّداعِ كأنما
برَكَتْ على قَصبٍ أجشَّ مُهضَّمِ
وكأنَّ رُبًّا أو كُحَيلًا مُعْقَدًا
حشَّ الوقودُ به جوانبَ قُمقمِ
ينباعُ من ذِفرَى غضُوبٍ جَسْرةٍ
زيَّافةٍ مثلَ الفَنيقِ المُكدَمِ٩٥
يزعم الحارث أنه يُلقي بهمومه في الرحلة، ولا يبقى أسيرًا لها مثل ناقةٍ أُصيبتْ بالعمى وقُيِّدت قُربَ قبر سيدها الراحل لتموت جوعًا وعطشًا. وكان يعتقد أن الميت يمتطيها في العالم الآخر. ثم يتحول إلى غرضه: الرد على تحدِّي خصمه عمرو بن كلثوم.
تعالج معلقتان فقط من بين المعلقات الناقةَ والرحلة بإسهاب، وإن يكن بطريقتَين مختلفتَين؛ وكلٌّ منهما تعتبر نموذجًا في معالجة هذه التيمة. يبدأ طرَفَة:
وإنِّي لأُمضِي الهمَّ عند احتِضَارِه
بعَوجَاءَ مِرقَالٍ تَروحُ وتَغتَدِي
(A. J. Arberry)
ثم يأتي وصفٌ تفصيلي للحيوان نفسه، فيه تستخدم التشبيهات لمامًا، وحين توجد تكون جذَّابة وفي محلِّها. سنامُ الناقة يُشبه قنطرةً رومية من القرميد، ويشبه شَعر ذيلها ريشَ جناحَي نسر، الحركات الرشيقة لذيلها تُشبه حركاتِ جاريةٍ تحرِّك ذيلَ تنُّورتها أمام سيدها في حفلِ شراب. يصِفُ طرَفَةُ ناقته محدِّقة في المرعى، تخبُّ بسرعة والسراب يتلألأ أمامها، وتُواصل أو تقف ساكنةً. ويتجاوز أيضًا الوصف البسيط للتفاصيل التشريحية. ضلوعها مثلُ ألواحٍ عريضة من الخشب. وعنقها من فقراتٍ مرتَّبة جيدًا. جُمْجُمتها مثل السِّندان، وعِظام فكَّيها تلتقي في نقطةٍ مثل حافة قِرطاس. يشبه تجويفَا عينَيها صخرةً في جبلٍ، بها شقٌّ يحفظ المياه. من أبيات القصيدة التي تبلغ مائةً وخمسةَ أبيات، توصف الناقةُ فيما لا يقلُّ عن ثمانيةٍ وعشرين بيتًا. ناقةُ طرَفَة شابَّةٌ متهوِّرة تتمتَّع بالحيوية مثل حبيبته، التي يشبِّهها بغزالةٍ صغيرة تندفع بين أغصانِ شجرةِ أراك، مثل فتاة تغنِّي بيُسْرٍ وفتنة كلما طلَبَ رفاقها السكارى ذلك. ثم يقول طرَفَة:
على مِثلها أَمضِي إذا قال صاحِبِي
ألَا ليتَنِي أفديكَ منها وأفتَدِي
وجاشتْ إليه النفسُ خوفًا وخَالَه
مُصابًا ولو أمسى على غيرِ مَرصَدِ
إذا القوم قالوا مَنْ فتًى؟ خِلتُ أنني
عُنيتُ فلَمْ أكسَلْ ولم أتبلَّدِ
أحلْتُ عليها بالقطيعِ فأجذَمَتْ
وقَدْ خبَّ آلُ الأمْعَزِ المُتوقِّدِ
فذالَتْ كما ذالَتْ وليدةُ مجلسٍ
تُري ربَّها أذيالَ سَحْلٍ مُمدَّدِ
ولستُ بحلَّالِ التِّلاع مخافةً
ولكنْ متى يسترفِدِ القومُ أرْفِدِ
ثم يواصل طرَفَة تيمته الرئيسية؛ التحدي الشخصي، والتمرد، والتبرير، والفخر:
ألَا أيُّهذا اللَّائِمِي أحضُرَ الوَغَى
وأن أشهَدَ اللَّذات، هل أنت مُخلِدِي
فإنْ كنتَ لا تَسْطِيعُ دفْعَ منيَّتِي
فدَعْني أُبادِرْها بما ملكتْ يدي
ولولا ثلاثٌ هنَّ من عيشةِ الفتى
وجدِّك لم أحفَلْ متى قام عُوَّدِي
فمنهنَّ سَبْقي العاذلاتِ بشَربةٍ
كُميتٍ متى ما تُعْلَ بالماءِ تُزبِدِ
وكرِّي إذا نادى المُضافُ مُحنَّبًا
كَسِيدِ الغضَا، نبَّهْتَه، المُتَورِّدِ
وتقصيرُ يومِ الدَّجْنِ والدَّجْنُ مُعجِبٌ
ببَهكَنَةٍ تحتَ الطِّرافِ المُعمَّدِ
يوجد النمط الثاني لرحلة التخلُّص الانتقالي في معلقةِ لبيد. إنه يقطع حبلَ الودِّ مع حبيبةِ نسيبه انتقامًا لإعراضها عنه، ويعزِّي نفسه بالسفر على راحلة رشيقة سعيًا وراء هدفٍ أكثر أهمية. ناقته سريعة مثل سحابة سفكتْ أمطارَها، تدفعها ريحُ الجنوب، أو رشيقةٌ مثل حمارٍ وحشي. ثم يستطرد لبيد ليصف الحمار الوحشي ورفيقته، كيف كانا في البداية يرعيان في مرجٍ غني، وكيف جريا بحثًا عن الماء حين جفَّ المرعى وهبَّت رياح الصيف الحارِّ. ارتفع الرماد خلف خُطَاهما كدُخانٍ يرتفع من نار. وصلا إلى بِركة:
فتوسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا
مَسجُورةً مُتجاوِرًا قُلَّامُها
محفوفةً وسطَ اليَراعِ يُظِلُّها
مِنه مُصرَّعُ غابةٍ وقِيامُها
(A. J. Arberry)٩٦
يشبِّه لبيد راحلته بمَهًا فقدتْ صغيرها بين وحوشٍ مفترسة. هبط الليل عليها، سمعتْ أصواتَ الرجال بعيدةً، وبحثتْ عن ملجأ في أجَمَةٍ قديمةٍ ذابلةٍ على كثيبٍ رملي. سقطت قطرات المطر على ظَهْرها، لامعةً مثل اللآلئ المتناثرة من خيطٍ ممزَّق. وفي الصباح جاء الصيَّادون بكلابِ الصيد. قتَلَت المها كلبَين وهربتْ مسرِعةً:
فبِتْلك إذْ رَقَصَ اللوامعُ بالضُّحى
واجتَابَ أرديةَ السَّرابِ إكَامُها
أَقضِي اللُّبانَةَ …٩٧
ثم يتحوَّل لبيد إلى لومِ حبيبته نَوَار لسماحها له بالذهاب بعيدًا؛ لأنها، كما يؤكِّد، الخاسرة. ثم يغنِّي مفتخرًا بنفسه. في نمطٍ تخلُّص لبيد في الكثير من القصائد، الحمارُ الوحشي مع رفيقته والمها تيمتان متكرِّرتان. وأيضًا تيمة النعامة، متذكِّرةً بَيضَها تجري مسرعةً لتصل إليه قبل حلول الظَّلام. ويبدو أحيانًا أنَّ وصفَ هذه الحيوانات الصحراوية الغرضُ الرئيسي للقصيدة، ويقدِّم التلميح للناقة فقط أداةً لذِكْرها. وكثيرًا ما يوصف الصيَّاد بقوسه وسِهامه في السياق نفسه. في ميمية٩٨ ربيعةَ بنِ مَقرُومٍ، المُسمَّى قيسًا، والد عمرو، الذي يسعى إلى حمارٍ وحشي ورفاقُه الثلاثة، لكنَّه يُخطِئ. في زائية٩٩ الشمَّاخ يسمَّى الصيادُ عامرًا، من بني محارب.
يظهر النسر والحمامة في وصف الفرس، التي كثيرًا ما تظهر في تيمتَي الصيد والفروسية. وهما يشكِّلان جزءًا من موتيفات القصيدة، نادرًا ما يأتي جزءًا من التخلُّص، لكنْ يبدو أنَّ كلَّ هذه التيمات الوصفية، لها أصلٌ في الدين قبل الإسلام. لاحَظَ الجاحظُ أنَّ في قصائد المديح والفخر وما شابه تهرُبُ الحيواناتُ المصيدةُ ويفشل الصيَّاد في أخذها. ويحدُث في المراثي، من الناحية الأخرى، العكس. يعزِّي مالكُ بن خالد ميَّةَ في فقْدِ أبنائها وإخوتها:
يا ميَّ إن سِباعَ الأرضِ هالكةٌ
والعُفْرُ والعِينُ والأَرْءَامُ والناسُ
يا ميَّ لن يُعجِزَ الأيامَ ذو خدَمٍ
بمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ والآسُ
في رأسِ شاهقةٍ أُنْبُوبُها خَصِرٌ
دونَ السَّماءِ لها في الجوِّ قُرْنَاسُ
من فوقِهِ أنْسُرٌ سُودٌ وأغرِبَةٌ
وتحتَه أعنُزٌ كُلْفٌ وأتْيَاسُ١٠٠
لأبي ذُؤَيب الهذلي مرثيَّةٌ شهيرة تبدأ بوصف حمارٍ وحشي ورفيقاته الأربع.١٠١ مستهدفًا إيَّاها، يُصيبهم الصيَّاد واحدةً واحدة:
فرَمَى فألحَقَ صاعديًّا مِطْحَرًا
بالكَشْحِ فاشتملتْ عليه الأضلُعُ
فأبدَّهُنَّ حُتُوفَهنَّ فهاربٌ
بِذَمَائِهِ أو بارِكٌ مُتَجَعجِعُ
(C. J. Lyall)
ويلي ذلك وصف المها: مها شابة قوية، في البداية تعقَّبتْها كلاب الصيد وهاجمتها، ثم يظهر صاحبها بقوسه وسِهامه:
فرمى ليُنقذ فرَّها فهوى له
سهمٌ فأنفَذَ طُرَّتَيه المِنزَعُ
فكَبَا كما يكبُو فَنيقٌ تارِزٌ
بالخبْتِ إلا أنَّه هو أبْرَعُ
(C. J. Lyall)
الآن يأتي بطلان: واحدٌ بكامل دروعه — خوذة وواقٍ ودرع طويل — على حصانٍ ضخم. والآخر جريءٌ لا يعرف الخوفَ على صهوةِ فرسٍ رشيقة وخفيفة. مع كلٍّ منهما سيفٌ حاد، ورمحٌ بشفرةٍ تسطع مثل اللَّهب. طعَنَ كلٌّ منهما الآخر طعنةً قاتلة.
وكِلاهما قد عاش عِيشةَ ماجدٍ
وجَنَى العَلاءَ لَوَ انَّ شيئًا ينفَعُ
تتكرَّر أوصافُ الحيوانات والنباتات العربية، بما فيها الذئاب والأسود، وأوصاف الظواهر المُناخية في هذا القِسم الخاص بالتخلُّص، وأيضًا أوصاف السُّفن والبحر.١٠٢
(٩) الغرض
تعبِّر رحلة التخلُّص عن محاولةِ البحث عن تحرُّر من العاطفة القوية للنسيب. ترمز «الرحلة»، مصوِّرة الراحلة والصحراء والتواصل التعاطفي مع أبعاد ظواهر الطبيعة، إلى سعي الشاعر للتحوُّل من مِزاجٍ انطوائي إلى مزاجٍ انبساطي. يقود مسار الرحلة إلى الغرض، ومعه يأتي الإحساس النهائي بالارتياح.
في المقام الأول، تأتي تِيمة الغزل، مَعنيَّة بالحُب الحقيقي، وحكايات المغامرات الغرامية، وتقدير جمال المرأة، وخبرة الحُب. كثيرًا ما تستخدم الموتيفة التقليدية للنسيب في القصيدة، أداةً للغزل؛ وتتضافر أحيانًا التيمات التقليدية للنسيب مع تيمات الغزل، كما لاحظنا. والسبب في ذلك أنَّ العرب تقليديًّا غيورون على نسائهم. وقد ينشب أحيانًا شِجار قبلي لمجرد ذِكر اسم امرأة؛ لذا كان اللجوء إلى الأسماء المستعارة واستخدامها في النسيب وسيطًا لنقل مشاعر الشاعر في الحُب؛ لأن الحكايات الغرامية في النسيب تُعتبر مُختلَقة. وهكذا، للمفارقة، رغم أن النسيب ليس إلا المرحلة التمهيدية للقصيدة يقود إلى الغرض برحلة التخلُّص؛ فإنه أيضًا أداةٌ للتيمة المذكورة، ينبغي أن يحدُث نتيجةَ خبرةِ حُبٍّ حقيقية. وهكذا قد تجسِّد قصيدةُ المديح تيمتَين: تيمة تهتمُّ اهتمامًا أصيلًا بالحُب، والأخرى بالراعي الذي توجَّه إليه القصيدة، وأحيانًا أيضًا قد يسعى رجلٌ — يفترض أنه تجاوز سنَّ العبث، أو بالنسبة له يُعتبر إظهارُ الغرام غيرَ لائق — إلى حجْبِ مشاعره خلفَ تقاليد النسيب، مثل بيت زهير «وقال العَذَارَى إنَّما أنتَ عَمُّنا». افتتاحية زهير في المعلقة باسم السيدة أمِّ أَوفَى، وإشاراته إليها بالاسم المستعار سَلمَى في لاميَّته «صَحا القلبُ»١٠٣ في الحقيقة وضعٌ مُصطنَع. وكان النابغة شخصيةً مرموقة ومحترمةً في بني ذُبيان، وظهرتْ قدرته اللافتة شاعرًا، كما يقال، بعد أن تجاوز عامه الأربعين؛ ولذا وصف بالنابغة.١٠٤ وفي قصيدةٍ بمناسبة الحج — وفيه يراعي الرجال، في مكانته ووضعه، طقوسَ العفَّة والتقشُّف بصرامة — يُخفي خبرةً أصيلة لمغازلةٍ قصيرة وراءَ شاشة النسيب.
إحدى بَليٍّ وما هام الفؤادُ بها
إلا السَّفاهَ وإلا ذِكرةً حُلُمَا
ليستْ من السُّود أعقابًا إذا انصرفَتْ
ولا تبيعُ بجَنبِي نخلةَ البُرَما
غرَّاءُ أكملُ مَن يَمشِي على قدَمٍ
حُسنًا وأملَحُ مَن حاورْتَه الكَلِما
قالت: أراك أخَا رحْلٍ وراحلةٍ
تغشى متالفَ لن يُنظِرنَك الهَرَما
حيَّاك ربي فإنَّا لا يحِلُّ لنا
لهوُ النِّساء وإنَّ الدِّين قد عَزَمَا
مُشمِّرين على خُوصٍ مُزمَّمَةٍ
نرجو الإلهَ ونرجو البِرَّ والطُّعَمَا
هلَّا سألتِ بني ذُبيان: ما حسبي؟
إذا الدُّخانُ تغَشَّى الأشمَطَ البَرَما
كادتْ تُساقِطُني رَحْلِي ومِيثَرَتِي
بذِي المَجازِ ولم تُحسِسْ به نِعَمَا
من قولِ حِرميَّةٍ قالت وقد ظَعَنوا:
هل في مُخِفِّيكُمُ مَن يشتري أَدَمَا؟١٠٥
لكنْ هناك قصائد كثيرةٌ مكرَّسة، جزئيًّا أو كليًّا، للحُب والغزل. سواءٌ بعد أبيات النسيب مباشرةً أو غير ذلك. وهنا أيضًا لم يُخفِ بعض الشعراء الاسمَ الحقيقي للحبيبة؛ لأن بعض الجماعات العربية يبدو أنها فضَّلت هذه الممارسة، معتبرين أن ذلك يضفي مكانةً على المرأة الجميلة. يبدو أنَّ عمر بن أبي ربيعة وشعراء الغزل بعد ذلك في العصر الأموي؛ تأثَّروا بهذه الممارسة لبعض شعراء يثرب في هذا الصَّدد. إن أنواع الغزل وأصنافه كثيرةٌ جدًّا، ومتشابكة جدًّا، ونختار هنا أربعةَ أجناسٍ مُمثَّلة فقط. وهي شعر الحُب الحقيقي، وشعر المغامرات الغرامية، وشعر اللذة الشهوانية، ووصف الجمال والحسن الأنثوي. مرةً أخرى، قد توجد الأجناس الأربعة في سياقٍ واحد. وصف الجمال والحسن الأنثوي، لا ينفصل تقريبًا عن أيَّة تيمةٍ للحُب. وتقدير المرأة ينبغي أن يأتي أولًا!
من شعر النابغة والمثقِّب والشمَّاخ وكثير غيرهم، نعرف أن العربيات قبل الإسلام كنَّ يرتدينَ خمارًا أو حجابًا، لكنَّ الخمار في حالات الغزل والمداعبة قد يُخلع؛ ولولا ذلك ما حدَّثنا الشعراء عن جمال أسنانِ الفتاة وجِيدها. انتهزتْ سُميَّة الحادرةِ فرصةَ التجمُّع؛ لتأتي للوداع في يومِ رحيل القافلة، لتكشف عن جمالها:
وتصدَّفتْ حتى استَبَتْكَ بواضحٍ
صلْتٍ كمنتصِبِ الغَزال الأتلَعِ
وبمُقلتَي حوراء تحسِبُ طرْفَها
وسنَانَ حُرَّةِ مُستهَلِّ الأدمُعِ
وإذا تُنازِعُكَ الحديثَ رأيتَها
حسَنًا تبسُّمُها لذيذَ المَكرَعِ١٠٦
يقول الشمَّاخ إنَّه من المعتاد أن تخلَعَ الجميلاتُ الخمارَ؛ ليُعْلن عن جمالهنَّ:
لها شرَقٌ من زعفرانٍ وعنبرٍ
أطارتْ من الحُسنِ الرِّداءَ المُحبَّرَا١٠٧
يخبرنا المثقِّب في نونيته بأنَّ فتيات القافلة الراحلة كشفنَ عن بعض ملامحهن الجميلة وأخفينَ أخرى. ونرى أحيانًا الحليَّ الذهبية على صدورهن العاجية:
ظهرنَ بكِلَّةٍ وسدَلنَ أخرى
وثقَّبنَ الوَصاوِصَ للعُيونِ
عَلَونَ رُباوَةً وهبطنَ غَيبًا
فلَمْ يَرجِعنَ قائلةً لحِينِ
فقلتُ لبعضِهنَّ وشُدَّ رَحلِي
لهَاجِرةٍ نَصبتُ لها جَبينِي١٠٨
الحديث مع النساء حلوٌ كالعسل، ساحرٌ كالمفاتن السحرية أو خدع الصيَّادين. والحبيبة أحيانًا خجولةٌ ومتواضعة:
قطَعتُ بفَتلاءِ اليدَينِ ذريعةٍ
يغُولُ البلادَ سَومُها وبَرِيدُها
فبتُّ وباتتْ كالنَّعامةِ ناقتِي
وباتتْ عليها صَفْنَتِي وقُتُودُها
•••
على طُرقٍ عند الأراكةِ رِبَّةٍ
تُؤَازِي شَرِيمَ البحرِ وهو قَعِيدُها
كأنَّ جَنِيبًا عند مَعقِدِ غَرْزِها
تُزاوِلُه عن نَفْسه ويُريدُها
•••
فنَهنَهْتُ منها والمَناسِمُ تَرتَمِي
بمَعزَاءَ شتَّى لا يُردُّ عَنُودُها
وأيقنْتُ، إن شاء الإلهُ، بأنَّه
سَيَبْلغُني أجلادُها وقَصيدُها
(C. J. Lyall، الترجمة بتصرُّف)١٠٩
تردِّد العربُ، بارعين وفنَّانين في الكلمات، بين مثالَين للجمال الأنثوي: الأول التقدير الجمالي لوسامة الأنثى، والثاني المتعة الجنسية. ويمثِّل الأولَ بشكلٍ جيد بيتُ امرئ القيس:
إلى مِثلها يرنو الحليمُ صَبابةً
إذا ما اسبَكرَّتْ بين دِرعٍ ومِجْوَلِ١١٠
والمثال الثاني في بيته في رائية «أحارِ بنَ عمرٍو»:
بَرَهرَهةٌ رُؤدَة رَخْصةٌ
كخَرعُوبَةِ البَانةِ المُنفطِرْ١١١
يقول كعب بن زهير في قصيدته «بانتْ سعادُ»:
وما سعادُ غداةَ البَينِ إذ رحلوا
إلا أغنُّ غضيضُ الطَّرْف مَكحُولُ
هيفاءُ مقبِلةً، عجزاءُ مدبِرةً،
لا يُشتكى قِصَرٌ منها، ولا طولُ
تجلو عوارضَ ذي ظَلمٍ إذا ابتسَمَتْ
كأنَّه مُنْهَلٌ بالرَّاحِ مَعْلُولُ
لكنَّها خُلَّةٌ قد سِيطَ من دَمِها
فجْعٌ، ووَلْعٌ، وإخلافٌ، وتبديلُ
فما تدومُ على حالٍ تكون بها
كما تلوَّنَ في أثوابِها الغُولُ١١٢
ويقول علقمةُ عن محبوبته سَلمَى:
يحملنَ أُترُجَّةً نضْخُ العبيرِ بها
كأنَّ تَطْيَابَها في الأنْفِ مشمُومُ
•••
صِفرُ الوِشَاحَينِ مِلءُ الدِّرعِ خَرعَبَةٌ
كأنَّها رشَأٌ في البيت مَلزُومُ١١٣
كان الشعراء العرب أحيانًا مستهترين في وصفِ جسد الأنثى عاريًا من الرأس إلى القَدَم، كما في متجرِّدة النابغة. ويقال إنَّ صديقه وراعيه، النعمان اللخمي، ملك الحيرة، طلَبَ منه أن يصِفَ ملكته متجرِّدةً من الثياب — ومن هنا جاء لقبها «المتجرِّدة»:
قامتْ تَراءَى بين سِجفَي كِلَّةٍ
كالشمسِ يومَ طُلوعِها بالأسعُدِ
أو درَّةٍ صدَفيَّةٍ غواصُها
بهِجٌ متى يرَها يُهِلَّ ويسجُدِ
أو دُميةٍ من مَرمَرٍ مرفوعةٍ
بُنِيتْ بآجُرٍّ، تُشادُ، وقَرْمَدِ
سقَطَ النَّصيفُ ولم ترِدْ إسقاطَهُ
فتناولتْه واتَّقَتْنا باليَدِ
•••
لو أنَّها عرضَتْ لأشمَطِ راهبٍ
عبَدَ الإلهَ، صرُورةٍ، مُتعبِّدِ
لرَنَا لبهجَتِها وحُسنِ حديثِها
ولخَالَه رَشَدًا وإن لم يَرشُدِ
•••
وبفاحمٍ رَجْلٍ، أثيثٍ نَبتُه،
كالكرمِ مَالَ على الدِّعامِ المُسنَدِ١١٤
ويقال إنَّ الشاعر المُنخَّل اليَشكُري، وكان يحبُّ المتجرِّدة سرًّا فغار عند سماع وصف النابغة، أدخل في عقل النعمان أنَّ النابغة على علاقةِ حُب معها؛ وعندها غادر الشاعر بحكمةٍ بلاطَ الحيرة، وبحث عن الحظوة لدى منافسه ملكِ الغساسنة السوري. وحين اكتشَفَ النعمان علاقةَ المُنخَّل قتله واستقبل النابغة مرةً أخرى في بلاطه. وفي هذه المناسبة مدَحَه الشاعر بقصيدته الشهيرة.
وعن المتجرِّدة قال المُنخَّل:
ولقد دخلْتُ على الفتا
ةِ الخدرَ في اليومِ المطيرِ
الكاعِبِ الخنساءِ تر
فُلُ في الدمَقْسِ وفي الحريرِ
دافعتُها فتدافعتْ
مَشي القطاةِ إلى الغديرِ
ولثمتُها فتنفَّستْ
كتنفُّسِ الظبيِ البهيرِ
ورنتْ وقالت يا منخَّـ
ـلُ هل لجسمِكَ من فتورِ
ما مسَّ جسمي غيرُ حُبِّـ
ـكِ فاهدئي عنِّي وسيري
وأحبُّها وتحبُّني
ويحبُّ ناقَتَها بعيري١١٥
ويتأسَّس شِعرُ المغامرة الغرامية على نمطِ امرئ القيس في المعلقة واللامية. في المعلقة، يزور الفتاة في مخيَّم عشيرتها، غيرَ عابئٍ بأهلها الذين سيقتلونه لا محالة:
تجاوزْتُ أحراسًا وأهوالَ معشرٍ
عليَّ حِراصٍ لو يشِرُّون مَقتَلي
إذا ما الثُّريَّا في السماء تعرَّضتْ
تعرُّضَ أثناءِ الوِشاحِ المُفصَّلِ
فجِئتُ وقد نضَّتْ لنومٍ ثيابَها
لدى السِّتر إلا لِبسةَ المُتَفضِّل
فقالت: يمينَ اللهِ ما لكَ حِيلةٌ
وما إنْ أرى عنكَ العَمَايَةَ تَنجَلِي
خرجتُ بها تمشي تجرُّ وراءَنا
على أثَرَينَا ذيلَ مِرطٍ مُرحَّلِ
فلما أجَزْنَا ساحةَ الحيِّ وانتَحَى
بنا بطنُ حِقفٍ ذي رُكامٍ عقَنْقَلِ
إذا الْتفتَتْ نحوي تضوَّعَ رِيحُها
نسيمَ الصَّبَا جاءتْ برَيَّا القَرَنفُل
إذا قلتُ هاتِي نوِّلِينِي تمايَلَت
عليَّ هضيمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَل
مُهَفْهَفةٌ بيضاءُ غيرُ مُفَاضَةٍ
تَرَائبُها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَلِ
… … … … …
… … … … …
تصُدُّ وتُبدِي عن أسيلٍ وتتَّقِي
بناظرةٍ من وحشِ وجْرَةَ مُطفِلِ
… … … … …
… … … … …
وفرعٍ يُغَشِّي المَتْنَ أسودَ فاحِمٍ
أثيثٍ كقِنوِ النَّخلةِ المُتَعَثْكِلِ
… … … … …
… … … … …
تُضِيءُ الظَّلام بالعِشَاءِ كأنَّها
منارةُ مُمسَى راهبٍ مُتبتِّلِ
… … … … …
… … … … …
إلى مِثلِها يرنُو الحليمُ صَبَابةً
… … … … … …
(W. S. Blunt)١١٦
في اللامية يزور امرؤ القيس حبيبته ورجالُ العشيرة مستيقِظون، لكنَّ زوجها نام بسرعةٍ واستغرق في الشَّخير:
فقالت سَبَاكَ اللهُ إنَّك فَاضِحِي
ألستَ ترى السُّمَّار والناسَ أحوالي
•••
حلفتُ لها بالله حَلفةَ فاجرٍ
لَناموا فما إن من حديثٍ ولا صَالِ
فقلتُ يمينَ الله أبرحُ قاعدًا
ولو قطَّعوا رأسي لديكِ وأوصالي
•••
وصِرنا إلى الحُسنى ورقَّ كلامُنا
ورُضْتُ فذَلَّتْ صَعبةً أيَّ إذلالِ
فأصبحتُ معشوقًا وأصبح بَعْلُها
عليه القَتَامُ سيئَ الظنِّ والبالِ
يغط غطيط البَكْرِ شُدَّ خِناقُه
ليَقتُلني والمرءُ ليس بقتَّالِ
أيَقتُلني والمَشْرَفيُّ مُضاجِعي
ومسنونةٌ زُرْقٌ كأنيابِ أغوالِ١١٧
كانت مقاربةُ امرئ القيس لأمورِ التودُّد للنساء كما تتجلَّى في هذه الأمثلة؛ مقاربةَ تفاخُرٍ ومنافسةٍ قوية، مع قسوتها في التغلُّب على كل العقبات. وتم احتقار الغزوات السهلة وإهمالها. قال عروة بن الورد، وكان عاشقًا وشاعرًا:
يصدُّ القلبَ عن المتهاونة، ويطارد المصونةَ الخجلى المراوِغة.١١٨
وفي العصر الأموي، قلَّد شعراء الغزل من أمثال عمر بن أبي ربيعة امرأ القيس وشعراء الجاهلية، ولم يدخُل شِعرهم ابتكارٌ حقيقي، لكنَّهم أضافوا لمسةً من البراعة.
تطورت المسرَّات الغرامية فرعًا من الصداقة. نقرأ في معلقة امرئ القيس نفسها:
ويوم دخلتُ الخِدْرَ، خِدرَ عُنَيزَة
فقالت لكَ الويلاتُ إنك مُرجِلي
تقول وقد مال الغبيطُ بنا معًا
عَقَرتَ بَعِيري يا امرأ القيسِ فانزِلِ
فقلتُ لها سيري وأرخِي زِمامَه
ولا تُبعِديني من جَناكِ المُعللِ
فمثلكِ حُبْلَى قد طرقتُ ومُرضعًا
فألهَيتُها عن ذي تمائمَ مُغْيَلِ
إذا ما بكى من خلفها انحرفتْ له
بشقٍّ وشقٌّ عندنا لم يُحوَّلِ
ويومًا على ظَهرِ الكثيبِ تعذَّرتْ
عليَّ وآلتْ حَلفةً لم تحلَّلِ
لكنَّ امرأ القيس نفسه، كان لديه عنصرٌ من الحنين صبَغَ حتى الفقرات الخليعة في شعره بمسحةِ حُزن. يبدو أنَّ معظم ما بقي من شِعره، وخاصة القصائد الطويلة الشهيرة، ألِّف في فترةِ فشله وبحثه عن دعمٍ في بلاد غريبة. غنَّى الذكريات الطيبة، وهي تزداد بُعدًا، للعزاء والهروب.
حمَّلَ الأعشى، الذي سافر خارج الجزيرة العربية على نطاق واسع، غزَلَ امرئ القيس مغامرًا أكثر، ضافيًا عليه عنصرًا من التطور والتظاهر بالإلمام بالطُّرق الأجنبية المتحضِّرة التي يجهلها البدو وسكَّان الواحات. والشعراء يتفاخرون بشراء خمورٍ أجنبية، متخلِّين عن نُوقهم مقابل قنينةٍ من الخمر، دافعين قطعةً ذهبية مقابل كأسٍ يشربونه في بعلبك أو دمشق أو قَاصِرين، تفاخر أيضًا بالاستمتاع بالمحظيات في البلاد الأجنبية:
ومنْ كلِّ بيضاءَ مَمكُورةٍ
لها بَشَرٌ نَاصِعٌ كَاللَّبَنْ
عريضةُ بُوصٍ إذا أدبرَتْ
هَضيمُ الحَشَا شَخْتةُ المُحتَضَنْ١١٩
اكتسب الرسول في النسيب التقليدي، وهو عادةً جاريةُ الشاعر، في شعر الأعشى شخصية القوَّاد أو القوَّادة:
فَبَعَثْتُ جِنَيًّا لنا
يأتي برَجْعِ حديثها
فمشى، ولمْ يخشَ الأنيـ
ـسَ فزارها وخلا بها
فتنازعا سرَّ الحديـ
ـثِ، فأنكرتْ، فنَزَا بها
عَضْبُ اللِّسَانِ مُتَقِّنٌ
فطِنٌ لمَا يُعنَى بها
صَنَعٌ بلِينِ حديثها
فدنتْ عُرَى أسبابها
قالتْ قَضيتَ قضيةً
عدلًا لنا يُرضَى بها
فأرادها كيفَ الدُّخو
ل وكيف ما يُؤتَى لها
في قُبةٍ حَمْرَاءَ زَيَّـ
ـنَهَا ائْتِلاقُ طِبَابِهَا
وَدَنَا تَسَمُّعُهُ إلى
مَا قَالَ، إذْ أوْصَى بِهَا
إنَّ الفتاةَ صغيرةٌ
غِرٌّ فلا يُسدَى بِها
واعلمْ بأنِّي لمْ أُكلِّـ
ـمْ مِثْلَهَا، بِصِعَابِهَا
إنِّي أخافُ الصُّرمَ منـ
ـهَا أوْ شَحِيجَ غُرَابِهَا
فدخلتُ، إذْ نامَ الرَّقيـ
ـبُ، فَبِتُّ دُونَ ثِيَابِهَا
حَتى إذا مَا اسْتَرْسَلَتْ
مِنْ شِدَّةٍ لِلِعَابِهَا
قسَّمتُها قِسمينِ كـ
ـلَّ مُوَجَّهٍ يُرْمَى بِهَا
فثنيتُ جِيدَ غريرةٍ
ولمَستُ بطْنَ حِقابِها
كَالحُقَّةِ الصَّفْرَاءِ صَا
كَ عبيرُها بمَلابِها
وإذا لنا تَامورةٌ
مَرْفُوعَةٌ لِشَرَابِهَا١٢٠





