📰 آخر الأخبار
منتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنانأَسْماؤُنا خُيُوطٌ / بثينة هرماسيأبي / فدوى الزيانيخراب.. يحتله الصدى~ مالكة حبرشيد- المغربعطل في البرمجة ~~أمين الساطيبريسيلا فان فالكنبرج  .. كرونك : قصيدة هايبون معاصرة ~ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالشاي لأصحاب البصيرة والقهوة لمن ضلّ الطريق~غدير حميدان الزبون - فلسطينرسالة خاصّة ~ روضة بوسليميمن رباعيات الخيام / إدوارد فيتزجيرالد-ترجمة سالم الياس مدالو
منتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنانأَسْماؤُنا خُيُوطٌ / بثينة هرماسيأبي / فدوى الزيانيخراب.. يحتله الصدى~ مالكة حبرشيد- المغربعطل في البرمجة ~~أمين الساطيبريسيلا فان فالكنبرج  .. كرونك : قصيدة هايبون معاصرة ~ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالشاي لأصحاب البصيرة والقهوة لمن ضلّ الطريق~غدير حميدان الزبون - فلسطينرسالة خاصّة ~ روضة بوسليميمن رباعيات الخيام / إدوارد فيتزجيرالد-ترجمة سالم الياس مدالو

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

ظاهرة الحسد عند الحارث المحاسبى – ا.د حامد طاهر

7AF884E6 E2A0 11EC B879 0ABF6CE27D5D

 

 

الحارث المحاسبى (ت 243هـ) ([1]) أحد أعلام التصوف السنى . نشأ بالبصرة ، ثم انتقل إلى بغداد ، وأصبح أستاذًا لمدرستها الصوفية ، إلا أن شخصيته قد تركت آثارها على التصوف الإسلامى كله .

عاش المحاسبى فى القرن الثالث الهجرى ؛ أى أنه عايش تلك الحركة الثقافية النشطة التى كانت نتيجة لتفاعل الحضارة الإسلامية مع حضارات العالم القديم ، وبخاصة فى مجال الفلسفة اليونانية ، والتراث الدينى للفرس والهنود .

وبينما كان المعتزلة ، الذين نجحوا فى ضم الخليفة العباسى المأمون إلى جانبهم ، منهمكين فى نشر آرائهم الخاصة بمسائل علم الكلام ، ومستعينين فى ذلك بمنهج اليونان الجدلى ، وبأدلة عقلية خالية من دفء العقيدة .. راح المحاسبى يلقى دروسًا من نوع مختلف تمامًا على تلاميذه فى بغداد .

كان يتحدث فى الإخلاص ، وفى الورع ، وفى الزهد ، وفى الخشوع الخالص لله . وكان يتحدث فى محبة الله ، والأنس به ، والقرب منه ، وكان يتحدث فى هيبته ، وجلاله ، وعظمته . وكان حديثة عذبًا ، طلقًا ، ساميًا ، فكانت تخشع له الأفئدة ، وتلين له القلوب ، وتسيل له الدموع ، ويتذكر الناس ما لله من فضل ، فترق قلوبهم ويتعاهدون على الاستقامة !

وملأت سمعة المحاسبى أرجاء بغداد ، ثم عبرتها إلى جميع أرجاء العالم الإسلامى ، وكلما أخذت شهرته فى الازدياد كثر خصومه وأعداؤه ، ولكنه كان يسير فى طريقه ثابت الخطى ، لا يعنيه سوى أن يكون الله راضيًا عنه !

وتكشفت له الحجب ، وزالت عنه المساتير ، ووصل إلى المعرفة الحقة، فأعلن طريقها. وطريقها ليس حسًا يخطئ ، وليس عقلاً يضل ، وإنما هو : بصيرة وضاءة وروح صافية”([2]) .

هذا ، وقد وصلنا من إنتاج المحاسبى ثلاثة كتب ، فضلاً عما يوجد متناثرًا فى كتب التصوف وطبقاته من أقوال منسوبة إليه([3]) .

والكتب الثلاثة هى :

– التوهم : وفيه يتناول شعورى الخوف والرجاء اللذين ينتابان الإنسان ، وهو فى مفترق طريقى الجنة والنار .

– الوصايا : وفيه يكشف عن تجربته الخاصة فى الوصول إلى الحقيقة ، بين التيارات الثقافية والدينية العديدة التى كانت موجودة فى عصره . ويمكن أن يعد هذا الكتاب بداية رائدة للغزالى عندما قام بمحاولته المماثلة والمكتملة فى كتاب “المنقذ من الضلال” .

– الرعاية لحقوق الله : وهو أكبر كتبه وأشهرها . تناول فيه مفهوم التقوى ، وكيف يحاسب الإنسان نفسه على أقواله وأفعاله ، وما يبعث الإنسان المذنب على التوبة ، وكيف يتوب ، كما حلل ظاهرة الرياء : دوافعه ، ومظاهره وطريقة التخلص منه . وتعرض لموضوع الصحبة ، مبينًا كيف ينجو الإنسان من أصدقاء السوء ، وخاصة إذا خاف معهم على دينه . وقدم محاولة طيبة فى استبطان النفس ، ونبه على مواطن الشر فيها ، وحذر من الاقتداء بأهوائها . ودرس بالتفصيل شعور العجب البغيض ، وعدد مظاهره فى مجالات كثيرة مثل الدين ، والعمل ، والرأى ، والحب ، والمال . وبنفس الأسلوب درس ظاهرة الكبر ، وشرح وجوهه ، وحض على ضرورة النجاة منه . ثم عرض لاغترار كل إنسان بعمله ، سواء كان هذا العمل عبادة ، أو عملاً دنيويًا ، أو رأيًا عقليًا .. ونبه إلى اطمئنان الناس جميعًا بفسحة الأجل، وزيف هذا الإحساس . ثم عرض لموضوع الحسد ، الذى سنتناوله بالدراسة، ثم ختم الكتاب بنبذة يسيرة عن أسلوب تربية المريد ، ورعايته من حيث الظاهر والباطن ، حتى لا ينحرف عن طريق الحق .

هذا عرض مركز لكتاب الرعاية الذى يعتبر أهم ما كتب فى الإخلاص، وتطهير النفس ، والحياة الأخلاقية الكاملة . وقد بلغ فى تحليل نزعات النفس ، ونزعات الهوى حدًا لا يجارى ، وعنه يقول المستشرق الفرنسى ماسنيون :

“إن المحاسبى سما فيه بالتحليل النفسى إلى مرتبة لا نجد لها مثيلاً فى الآداب العالمية إلا نادرًا” .

والواقع أن الدراسة التى قدمها المحاسبى لظاهرة الحسد على المستويين النفسى والاجتماعى – تعد من أمتع فصول الكتاب([4]) . وقد تمكن من الكشف عن أدق تفاصيل هذه الظاهرة ، ذات الجذور البعيدة فى أعماق الإنسان ، كما استطاع بثقافته الدينية المستوعبة من تحليلها تحليلاً بارعًا ، مع دعمها بالنماذج الاجتماعية والشواهد التاريخية . وأخيرًا فإن الجو الروحى الشفاف الذى أحاطه بها دليل آخر على إعطاء ظاهرة الحسد – كما درسها المحاسبى – أهمية كبرى فى مجال الأخلاق الإسلامية بوجه خاص ، وفى مجال الدراسات النفسية والأخلاقية بوجه عام .

وقد أطلق المحاسبى على بحثه عنوان “كتاب الحسد” ثم قسمه إلى تسعة أبواب ، تتوالى على النحو التالى :

1- باب فى ذكر الحسد ، ووصفه ، وتفسير محرمه من مباحه .

2- باب من الحسد ، وليس بالحسد بعينه .

3- باب ما يكون من الحسد على الرياسة وحب المنزلة .

4- باب ما يكون من الحسد عن الحقد والعداوة والبغضاء .

5- باب ما يكون من الحسد عن حب ظاهر الدنيا .

6- باب ما يكون من الحسد عن العجب .

7- باب متى يعلم العبد أنه قد نفى الحسد .

8- باب الرد على من قال : إن الحسد بالجوارح .

9- باب هل على الحسد مظلمة للمحسود عند الحاسد ، إذا أصابه ما تمناه له ، أو هو ذنب بينه وبين الله عز وجل .

وبقدر يسير من التصنيف يمكن أن نكشف عن خطوات المنهج الذى اتبعه المحاسبى فى دراسة ظاهرة الحسد ، وسنجدها على الوجه التالى :

1- تحديد مفهوم الحسد ، والتفريق بينه وبين المنافسة .

2- موضوع الحسد : النفس أم الجوارح .

3- علاج داء الحسد .

4- دوافع الحسد .

5- الجزاء الأخلاقى للحسد .

ونلاحظ أنه مع نقل الخطوة الرابعة إلى مكانها الطبيعى بعد الخطوة الأولى ، ثم وضع الخطوة الثانية فى مكان الرابعة ، يصبح المنهج متسقًا من الناحية الموضوعية إلى حد كبير .

فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى طريقة المحاسبى فى معالجة الموضوع وجدناه :

أولاً : يستخدم طريقة الحوار . ومما يلفت النظر هنا أنه يقوم بدور السائل دائمًا فيستعمل كلمة : “قلت” فى حين يقدم الأجوبة على لسان مسئول مجهول مفتتحة بكلمة “قال ..” .

وقد نجحت هذه الطريقة فى تحقيق النتائج التالية :

– تحليل الموضوع إلى أبسط عناصره .

– الإحاطة بمعظم هذه العناصر ، قدر الإمكان .

– تحقيق المشاركة العقلية والنفسية لدى المتلقى الذى تتولد فى ذهنه الأسئلة وهو يقرأ ، كما ينمو لديه الفضول العلمى إلى معرفة الإجابات ، وهو يتابع.

ثانيًا : يعتمد المحاسبى فى الاقتباسات التى يوردها شرحًا لنقطة غامضة ، أو تأكيدًا لمسألة مختلف فيها – على كل من القرآن الكريم ، والسنة النبوية ، وأخبار السلف وأقوالهم من الصحابة والتابعين ، ثم على بعض المفاهيم المصطلح عليها لمفردات اللغة العربية .

وحقيقة ، لا نكاد نعثر على أثر أجنبى واضح ، لدى المحاسبى، فى دراسة ظاهرة الحسد . اللهم إلا فى فكرة واحدة سنشير إليها فى موضعها . ومع ذلك ، لا يمكن إغفال الإشارة إلى أن المنهج ذا الخطوات المتسقة والأفكار الجزئية المرتبة الذى سار عليه المحاسبى – ليس يبعد كثيرًا عن “روح التأليف” التى بدأت تسود العالم الإسلامى فى القرن الثالث الهجرى ، والتى أسهم المعتزلة – خصوم أهل السنة والصوفية معًا – بنصيب كبير فى إشاعتها([5]).

ثالثًا : اللغة التى استخدمها المحاسبى لغة واضحة ، بعيدة عن الغموض ، خالية من التعقيد . وعلى الرغم من أنه يميل إلى الشرح والتطويل ، فإن عباراته دقيقة ، وكلماته مختارة بعناية لتحديد المعنى المطلوب .

الحسد والمنافسة :

اعتمد المحاسبى فى بيان مفهوم الحسد على كل من القرآن الكريم والسنة النبوية ، والمصطلح اللغوى . وعن طريق استقراء هذه المصادر الثلاثة. استطاع أن يكشف عن نوعين من الحسد ، وصفهما وصفًا شرعيًا ، فسمى الأول : الحسد المحرم ، والثانى : الحسد غير المحرم .

أما الحسد غير المحرم فهو ما يعرف بالمنافسة . قال الله تعالى : ( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) ([6]وقال : ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ )([7]ولا تكون المسابقة من العبد إلا أن يسابق غيره .

وقال النبى : “لا حسد إلا فى اثنتين : رجل آتاه الله ، عز وجل ، مالاً ، فسلطه على هلكته فى الحق ، ورجل آتاه الله ، عز وجل ، علمًا ، فهو يعمل به ، ويعلمه الناس” فقوله : “إلا فى اثنتين” أن الحسد فيهما جائز .

ويوضح المحاسبى المنافسة بأن يرى الإنسان بغيره نعمة ، فى دين أو دنيا ، فيغتم ألا يكون أنعم الله عليه بمثل تلك النعمة . فيجب أن يلحق به ، ويكون مثله ، لا يغتم من أجل المنعم عليه نفاسة منه عليه ، ولكن غمًا ألا يكون مثله .

ثم يصنف هذه المنافسة إلى أربعة أصناف : أولها فرض واجب ، والثانى فضل أو تطوع ، والثالث مباح ، والرابع غير جائز .

وتتمثل المنافسة الواجبة فى أن يرى الإنسان أحدًا يؤدى ما فرضه الله عليه ، وينتهى عما نهاه عنه ، فيحب أن يكون مثله ، ويتمنى ذلك . فهذا هو الغرض الذى ينبغى أن يحاسد الإنسان فيه غيره ، بل إن عدم الشعور بذلك يعد من المعصية .

أما منافسة التطوع ، فتبدو من رؤية الإنسان أحدًا يزيد عما كتب عليه من الفرائض ، ويلزم نفسه بأكثر مما نهى عنه من المحرمات ، فيتمنى أن يكون مثله ، ويحب أن يلحق به ، فذلك فضل منه وتطوع .

ويلاحظ المحاسبى أن هذين الصنفين يتعلقان بالأمور الدينية . وعليهما يحض المحاسبى ، أما النوعان الآخران فيختصان بأمور الدنيا ، وعنهما ينهى المحاسبى .

فأولهما : المنافسة المباحة ، ، وهو أن يرى الإنسان شخصًا يتنعم فى حياته بما أسبغ الله عليه من الحلال ، فيغتم ألا يكون مثله ، ويحب أن يوسع عليه كما وسع على من نافسه ، وأن يلحق به فيكون متنعمًا مثله ؛ فذلك مباح له ، وليس بمحرم عليه ، وإنما هو نقص فى الفضل وانحراف عن الزهد المطلوب .

وثانيهما : المنافسة غير الجائزة . وهى أن يرى الإنسان أحدًا يكتسب الحرام ، وينفق ماله فيما لا يحل له ، ويرتكب المعاصى ، ويتلذذ بها ، فيغتم ألا يكون مثله ، ويحب أن يصيب من المال واللذة مثل ما أصاب ؛ فذلك منه لا يجوز ، وإنما كان كذلك ؛ لأنه تمنى الحرام ، وأحبه .

ويستشهد المحاسبى على هذا الصنف الأخير يقول رسول الله : “ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه فى معاصى الله ، عز وجل ، ورجل لم يؤته الله، عز وجل ، مالاً ، فيقول : لو أن لى مثل مال فلان كنت أعمل فيه بمثل عمله ، فهما فى الوزر سواء” .

وأخيرًا ، يحدد المحاسبة مفهوم المنافسة بأنها : كراهة التقصير عن منزلة الغير ، ومحبة المساواة واللحوق به ، مع ترك التمنى : أن يزول على من نافسه حاله التى هو عليها .

وهنا نصل إلى مفهوم الحسد المحرم الذى ذمه الله تعالى ، فى كتابه ، والرسول ، فى سنته ، واجتمع على التنفير منه علماء الإسلام ، وهو : كراهة النعم أن تكون بالناس ، ومحبة زوالها عنهم.

قال الله تعالى : ( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) ([8]) وقال : ( إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ) ([9]).

وقالت صفية بنت حيى للنبى : جاء أبى وعمى من عندك، فقال أبى لعمى : ما تقول فيه ؟ قال : أقول إنه النبى الذى بشر به موسى ، قال : فما ترى ؟ قال : أرى معاداته أيام الحياة ! ([10]) .

ثم ينتقل المحاسبى إلى الاستشهاد بالسنة ، فيروى عن الرسول ، قوله : “لا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانًا” كما أخبر ، أن الحسد سيصيب المسلمين كما أصاب الأمم السابقة ، فقال : “دب إليكم داء الأمم : الحسد والبغضاء”.

وأخيرًا يستشهد المحاسبى بأقوال الصحابة ، فيروى عن أبى قلابة قوله : “ما قتلوا عثمان ، إلا حسدًا” أى حسدوه على الخلافة فأحبوا أن يزيلوها عنه .

كما يروى عن الحسن أنه عندما سئل : أيكون المؤمن حسودًا ؟ قال : لا أبا لك ، ما أنساك بنى يعقوب .. فعلوا بأخيهم ما فعلوا !

ويمسك المحاسبى بهذه الإجابة ؛ ليقدم لنا صورة حية من الحسد ، كما رواها القرآن الكريم ، فيقول : “ثم أخبرك عن إخوة يوسف ، حين حسدوا ، فعبروا بألسنتهم عما فى قلوبهم من حسده ، فقالوا : ( لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ .

اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ) ([11]فكرهوا خصوصية أبيه له بالحب من بينهم ، وأرادوا أن يزيلوا حب أبيه له ، وبره به ، وتفضيله إياه عليهم ؛ بأن يغيبوه عنه، فيقبل بالحب عليهم والبر ، ويزول ذلك عن يوسف ، فقالوا : “يخل لكم وجه أبيكم” ليكون لهم إذا غاب ، حسدًا له على حب أبيه ، وبره ، وتفضيله إياه” .

موضع الحسد :

لا يوافق المحاسبى على وجهة النظر الشائعة التى ترى أن الحسد يكون بالجوارح أى بالعين ، ويعتمد فى نقدها على حجتين :

الحجة الأولى :

لغوية ، وتقوم على استقراء النصوص القرآنية التى وردت بشأن الحسد، ومنها يلاحظ أن القرآن استعمل دائمًا ، فى وصف شعور الحسد الذى يتملك الكفار وأهل الكتاب ، لفظة “ود” وهو فعل قلبى ، يختص بالأحاسيس والمشاعر حسب مدلول اللغة العربية .

الحجة الثانية :

عقلية ، وتقوم على التفرقة بين الحسد والآثار المترتبة عليه . الحسد شعور قلبى ، أما آثاره فقد تستخدم الجوارح فى التعبير عن هذا الشعور . وذلك كأن يؤذى الحاسد المحسود أذى ماديًا ، أو يكذب عليه ، أو يغتابه ، أو يمنع عنه خيرًا . ولم يقل أحد أن أيًا من الأذى، أو الكذب ، أو الاغتياب ، أو منع الخير هو الحسد .

وأخيرًا ينبه المحاسبى إلى وصف القرآن لشعور الأنصار تجاه إخوانهم المهاجرين الذين ظهرت عليهم آثار النعمة بعد الحرمان ، وهو شعور سام يقف على النقيض تمامًا من شعور الحسد ؛ إذ يقول : ( وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا) ([12]) فدلك بذلك أن الحسد فى النفس ، دون الجوارح ، واستعماله بالجوارح عمل مترتب على الحسد ، لا الحسد بنفسه .

دوافع المنافسة :

سبق أن المحاسبي قد فرق بين نوعين من المنافسة : أحدهما ينصب على الجانب الدينى ، والآخر على الحياة الدنيوية .

وهو يرى أن دوافع المنافسة الدينية يأتى من “حب طاعة الله ، عز وجل ، والعزم على القيام بها ، لو أعطى أسبابها التى بها ينالها”.

أما دافع المنافسة الدنيوية فيتمثل فى : حب الدنيا ، وحب سعة العيش فيها ، والتنعم بخيراتها .

ويلاحظ أن المحاسبى يمر سريعًا على هذه الدوافع ، دون أن يقدم مزيدًا من التفصيل أو الشرح . وقد يرجع ذلك إلى أنه كان يركز على الحسد المحرم ؛ نظرًا لخطورته على الفرد والمجتمع . أما المنافسة ، فقد دعا إليها فى مجال الدين ، ولم يتشدد على أصحابها فى مجال الدنيا ، بل كان معهم رحيمًا ، أدرك أن حرص الإنسان على الاستئثار بالخير لنفسه غريزة ، وأن التطلع لما فى أيدى الناس طبيعة ، فلم يحاول انتزاع هذه الطبيعة ، أو الوقوف فى طريقها، وإنما ركز اهتمامه على نقطة واحدة ، وهى ألا تنمو بذور الشر فى هذه الطبيعة ، فتثمر الحسد ، حيث تتغذى معظم الرذائل الأخرى .

دوافع الحسد :

ذكر المحاسبى من دوافع الحسد حوالى سبعة أنواع ، اختص بعضها بأبواب مستقلة ، ذات عناوين رئيسية ، وتعرض لبعضها الآخر فى ثنايا بحثه . ويمكن تصنيفها جميعًا على الوجه التالى :

1-الكبر والعجب :

قد يأنف الإنسان أن يرتفع عنه من هو أدنى منه فى مجال دينى ، أو منصب دنيوى ، كذلك قد يأنف أن يساويه ، أو يرتفع عنه من يماثله فى هذه الأمور “فإذا أنف منه ، وازدراه : ورثهُ ذلك الحسد له ، فأحب أن تزول عنه نعمة الله ، عز وجل ، غما أن يراها بمن لا يستأهلها عنده ، وأنفًا أن يكون من دونه – مثله ، أو فوقه” !

ويمثل المحاسبى لذلك بقول قريش ، عندما بعث فيهم محمد إنه غلام يتيم ! وفى القرآن ( وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) ([13].

ومن ذلك أيضًا ما ورد عن الأمم الماضية حين قالوا لرسلهم الذين بعثوا إليهم ( مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ) ([14])و ( أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا ) ([15]فجزعوا أن يفضل عليهم بشر مثلهم ، فحسدوه ، وردوا الحق ، وقالوا : ( أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً ) ([16])وقالوا : ( لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ ) ([17]) تعجبًا وإنكارًا أن يفضلهم من هو مثلهم .

2-حب الرئاسة :

وهو الداء الذى فرق أهل الكتاب ، حسدُا بينهم أن يعلو بعضهم بعضًا فى العلم : كل واحد منهم يحسد صاحبه أن تكون له الرئاسة دونه على الناس ، فيرد كل واحد ما عند صاحبه من الحق ، ويخطئه فيما يقول وإن كان حقًا ، ويظهر أن الحق فى غيره ؛ ليصد الناس عنه ؛ ويطفئ نوره حسدًا أن ترتفع منزلته ، أو يخضع له فيكون عليه رئيسًا .

وبهذا الدافع كفر علماء اليهود بالنبى وهم يعرفون أنه قد جاء بالحق من عند الله ، حسدًا أن يرئسوه عليهم ، وتذهب رئاستهم فى اليهود ، فيكونوا أتباعًا بعد أن كانوا متبوعين !

3-حب المنزلة :

إذا كان التغلب على الجمهور بعامة هو الهدف من حب الرئاسة ، فإن التغلب على شخص بعينه هو الهدف من حب المنزلة ، وهنا يقدم المحاسبى مثالاً ، كثيرًا ما نراه فى حياتنا ، حين يقول :

“يتحاسد الصاحبان فى الحب والمنزلة عند من يصاحبانه ، فيحب أحدهما ألا يفضله عليه فى عمل ولا علم ، ولا يرفعه عليه ، فيخطئه فيما يقول، ويحب أن يهتك ستره عند صاحبه ، ويقع فيه ، ويفطنه إلى سوء الظنون فيه ، ويضع أمره لئلا يكون أحب منه ، وأن يكون الحب والمنزلة له عنده دون صاحبه” !

4-حب ظاهر الدنيا :

وبهذا الدافع يود الإنسان أن ينال مثل ما يراه على غيره من نعم الدنيا المادية والروحية .

أما النعم الروحية فتتمثل فى تطلع الآخ إلى حب والديه الذى يسبغانه على أخ آخر له ، أو تطلع الإنسان إلى ود الأقارب الذى يمنحونه أحد الأفراد العائلة .

وأما النعم المادية ، فتظهر بوضوح فى كل من التاجر والصانع ، يحسد أحدهما الآخر ، ويحب أن يزول عنه المشترى والمستأجر ، فيبايعه (دون صاحبه) ويستأجره . فيحب أن زبائنه صاروا إليه ، وتركوه !

ثم يقول المحاسبى : “وكذلك الضرتان ، والمرأتان” هكذا دون تعليق ! أما الضرتان فمن الواضح أن كلاً منهما تنفس على الأخرى استئثار الزوج بها، وتقربه منها ، وأما المرأتان ، فيمكن أن يتمثل الحسد بينهما فى كراهية إحداهما ما أسبغ على الأخرى من نعمة الجمال أو الثروة ، أو ما يخصها به الناس من الإعجاب .

ومع ذلك فهو يقول : “وقد يخرج الحسد الذى يكون من حب الدنيا كالملك والشرف حتى يقتتلوا ، فيقتل بعضهم بعضًا ؛ حسدًا أن ينال من ملك الدنيا أو شرفها ، أو عزها ، أو إكرام أهلها ما لا ينال صاحبه”([18]) .

5-المشاكلة والمماثلة :

يرى المحاسبى أن المشاكلة فى النسب ، أو فى القدر ، أو فى الغنى ، أو التجارة ، أو فى الصناعة ، أو فى المناصب – من أشيع دوافع الحسد . فيقول : “يتحاسد بنو الأم ، وبنو الأعمام ، والإخوة أكثر ذلك دون سائر الناس ، فيحسد بعضهم بعضًا ، ولا يكادون يحسدون غيرهم من الغرباء”([19]) .

“وكذلك العالم يحاسد العالم ، ولا يكاد يحاسد غيره . وكذلك أهل التجارات : يسرى الحسد من أهل كل تجارة إلى من شاركهم فيها دون سائرهم من التجار ، كالبزازين (تجار الثياب) يحسد البزاز البزاز مثله ، يسوءه ويغمه ما يرى من نفاق سوقه وأرباحه ، ولا يكاد يحسد الجزارين والصيارفة وسائر الباعة”([20]) .

6-القرب :

يقول المحاسبى : “وكذلك من دنا منه من القرابة أسرع إليه بالحسد ممن تباعد عنه . ومن ذلك ما روى أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبى موسى الأشعرى : “إن الأقرباء يتزاورون ، ولا يتجاورون” ، فالقرب من المجاورة وغيره فى الحسد أسرع .. يحسد القوم عالمهم ، ويعظمون العالم الغريب ؛ لأنه ليس مثلهم ، ولا يساويهم فى النسب والجوار([21]) .

7-الحقد ، والعداوة ، والبغضاء :

يعد المحاسبى هذا الدافع المشتبك أشد دوافع الحسد خطرًا ، وذلك ما وصف الله ، عز وجل ، به الكفار ، وعداوتهم ، وبغضهم للمؤمنين ، فقال : (وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ) ([22]) فأخبر أنهم مبغضون للمؤمنين ، يسوءهم ما يرون بهم من نعمة الإيمان والطمأنينة الروحية ، حسدًا لهم ، لبغضتهم وعداوتهم ، فأخرجتهم العداوة والبغضاء إلى الحسد([23]) .

فالمبغض المعادى لا ينفك من الحسد والشماتة ، وقد يكون عن حسد العداوة والبغضاء : القتل ، وأخذ المال ، والسعاية بمن يحسده ، وهتك ستره ، وغير ذلك . فالمبغض حسده أعظم الحسد وأشده([24]) .

علاج الحسد :

يسير المحاسبى فى علاجه لهذه الظاهرة على منهج مكون من مرحلتين:

الأولى : بيان خطورة الحسد ، وتفصيل أضراره التى تلحق الحاسد فى نفسه ودينه ، ودنياه .

الثانية : تبدأ حيث تنتهى الأولى ، وتتمثل فى دعوة الإنسان أن يتدبر – بعقله – هذه الأضرار ، ويقف أمام نفسه موازنًا بين السلامة منها ، أو التورط فيها ، حتى إذا ما اقتنع بكراهة الحسد ، أمكن له السيطرة عليه ، أو حصره فى أضيق نطاق .

(أ) المرحلة الأولى : أضرار الحسد :

أدرك المحاسبى خطورة الحسد على المستوى الاجتماعى ، وأنه من أهم أسباب اختلاف أفراد الواحدة ، وعوامل تدهورها . كما أنه على المستوى الفردى أصل لكثير من الشرور الأخلاقية التى تترتب عليه ، والعذاب النفسى الذى يصاحبه . وقد كتب فصلاً ممتعًا فى بيان أضرار الحسد ، مركزًا على نقطة هامة ، تتمثل فى أنه يخاطب الفرد ، وهو مدرك تمامًا لغريزة حرصه الشخصى على منفعته الخاصة ، فبين له أن الحسد لا يتفق وهذه المنفعة ، وبضربه على هذه النغمة المادية ، بالإضافة إلى استخدام أسلوب الترغيب والترهيب يمكن أن نقرر نجاح المحاسبى فى محاولته ، إلى حد كبير.

وفيما يلى أهم العناصر التى أدار المحاسبى حولها شرحه لبيان أضرار الحسد ، مع قدر كبير من التركيز :

– الحاسد يغش المحسود المؤمن ، ويشارك بذلك أعداءه من المشركين فى عدواتهم التقليدية للمؤمنين .

– الحاسد يسخط على قضاء الله فى تقسيم النعم والأرزاق على عباده.

– الحاسد لا ينال منفعة دينية أو دنيوية على حسده ، بل على العكس يستوجب غضب الله وسخطه .

– ليس الحسد سببًا مؤثرًا فى زوال النعم ؛ لأن الله ، تعالى ، لا ينفذ مشيئته حسب رغبات الحاسدين ، والدليل على عدم تأثير الحسد أن الله ، تعالى ، أبقى على الأنبياء نعمه ، وكثيرًا ما حسدوا من قومهم، كما أبقى على الأغنياء غناهم ، وحافظ للمؤمنين على إيمانهم يقول تعالى : (وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ ) ([25]) .

– الحاسد هو الخاسر ، وليس المحسود ، ويمثل المحاسبى لذلك برجل أراد أن يرمى عدوا بحجر ، فعاد الحجر إلى عينه هو ، وبيان ذلك أن الحاسد كان – قبل أن يحسد – فى (نعمة السلامة من الحسد) فلما تحركت نفسه بهذا الشعور الخبيث فقد تلك النعمة .

– يفترض المحاسبى إمكانية تحول أمنية الحاسد فى المحسود إليه ، نتيجة سخط الله ، ويمثل لذلك بإنسان أراد زوال الإيمان عن آخر ، فزال إيمانه هو ، يقول الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم ) ([26]).

– الحسد عذاب نفسى ، وغم وجزع يتجددان كلما استمرت النعم على المحسود، ويستفحلان بزيادتها .

– لو تدبر الكافر الذى لا يؤمن بالحياة الآخرة تلك الأضرار السابقة لارتدع خوفًا على سلامة دنياه ، فكيف بمؤمن يعتقد باليوم الآخر ، وما فيه من جزاء على النوايا والأفعال ؟

– الحسد شعور يقويه إبليس فى نفس المؤمن ؛ لأنه لو ترك المؤمن ونفسه لأحب الشخص الذى تظهر عليه النعم ، وخاصة النعم الدينية، فحاول منافسته، وربما لحق به ، ففاز . وإذا لم يحاول منافسته ، فحسبه شعور المحبة ، والمشاركة القلبية . جاء فى الحديث : “أهل الجنة ثلاثة : المحسن ، والمحب له، والكاف عنه” .

– لو أن الحسد يؤثر فى المحسود لكان الحاسد معرضًا هو الآخر لحسد غيره ، “فإن أردت ألا يطيع ربك فيك الحاسدين ، فأنت أهل ألا تحسد عباده ، اتباع محبته ، وشكرًا له على ذلك”([27]) .

المرحلة الثانية : التطهير الأخلاقى :

سبق أن قلنا إن هذه المرحلة تبدأ حيث تتهى الأولى ، ومع ذلك فقد ود المحاسبى لو أنها بدأت مع بداية المرحلة الأولى . فهو يقول : “وإنما سردت لك هذه الخلال التى بها ينفى الحسد ، إن لم تسخ نفسك بترك الحسد بالخلة الأولى، فعسى أن تسخو فتتركه بالخلة الثانية ، فإن لم تسخ بالثانية ، فعسى أن تسخو بالثالثة ، أو الرابعة..” ([28]) .

غير أن المحاسبى يدرك تمامًا شراهة الحسد ، وأنه داء “شمل أهل الدين والدنيا” ومن ناحية أخرى فإنه يدرك طبيعة الإنسان الذى يصاب به ، أنه ليس ملاكًا يحلق بأجنحة . فيقول : “إنك لا تقدر أن تسكت عدوك إبليس ، ولا تغير طبعك ، فتجعل نفسك خلقة لا تنازعك إلى حسد من عاداها ، أو تختص بشىء دونها .. ولم تكلف أن تجعل طبع نفسك بهيئة من لا يفعل ، ولا يسهر ، ولا ينازع إلى محبوب ولا مكروه ، فذلك طبع الملائكة”([29]) .

وإذ يقرر المحاسبى أن الإنسان غير مكلف بتغيير طبيعته التى خلق عليها ، فإنه يؤكد أنه مكلف باستخدام عقله الذى اختصه الله به ، وهو يرى أن معرفة أضرار الحسد تحرك شعور الكراهية له ، وتقويه ، وعندما يستحكم هذا الشعور الجديد – تحت رعاية العقل – يصبح الحسد مشلولا فى مكانه المظلم من النفس ، بل ربما ضمر ، وانمحى . يقول المحاسبى : “فإذا كنت للحسد كارهًا ، أبيًا له من قبل عقلك ، فلا تضرك منازعة نفسك به ، وخطرات العدو – يقصد إبليس”([30]) .

هذا ويمكن الإشارة إلى أن فكرة التطهير الأخلاقى عن طريق العقل قد تناولها جالينوس فى كتاب “تعرف المرء عيوب نفسه” الذى ترجمه توما وأصلحه حنين ابن اسحاق ، وفيه يثبت جالينوس أن أخطاء الناس تنتج من شهواتهم ، وعليهم أن يتحكموا فيها بعقولهم ويتسلطوا عليها ، حتى ينجوا من هذا الأخطاء ، والخطأ الأخلاقى يرجع ، فى نظره ، إلى الخطأ العقلى([31]) .

الجزاء الأخلاقى للحسد :

يبين المحاسبى فى نص فريد الجزاء الأخلاقى للحسد ، وخاصة إذا حل بالمحسود ما تمناه الحاسد له ، ثم شعر هذا بالندم ، وتقدم فى طريق التوبة طالبًا الغفران ، فلمن يعتذر ؟ وأمام من يطلب الصفح ؟

ويقرر المحاسبى أن القانون إذا كان لم يحدد للنوايا الشريرة ، ومنها الحسد ، جزاء ماديًا ، فإن الشرع قد تعقبها ، ورصد لها جزاء روحيًا ، ربما كان أقسى على النفس من العقاب المادى !

ومن الأفضل أن نعرض ، فى هذا المجال ، لنص المحاسبى نفسه قصدًا إلى تعرف طريقته ، ولغته ، ثم مدى تحليله لبعض النوايا التى قد تكون غامضة فى أعماق النفس .

“قلت : فإن ساءنى ما رأيت من النعم ، وتمنيت زوالها .. فينزل من البلاء ما يزول عنه ، كالغنى : يزول عنه وينزل به الفقر، أو الصحة : فينزل به المرض ، أو العلم : فيحل به الجهل ، أو العصمة : فيحل به الخذلان ، أو الستر : فيحل به هتك الستر ، ثم ندمت على ذلك ، أيكون للمحسود عندى مظلمة يجب على التحلل منها ؟

قال : أما ما كان من عمل القلب ، ولم تستعمل به جوارحك ، فذلك ذنب بينك وبين الله ، عز وجل ، عصيته به فى عباده ، نهاك عنه وذمه إليك ، فليس عليك فى ذلك للمحسود تبعة ، ولا يجب عليك استحلاله .

فإن خرجت إلى غيبة أهاجك عليها الحسد الذى فى قلبك ، أو تكذب عليه ، أو تغتاله بغائلة تحرمه بها منفعته ، أو تنزل به مكروها، أو أخذ مال لا يحل لك من ماله ، فعليك الاستحلال من ذلك وما أشبهه .

وأما ما لم يعد (أى يتجاوز) القلب فهو ذنب عظيم ، لا يجرى مجرى المظالم التى فيها القصاص بين العباد فى عمل الجوارح فى النفس والأموال والأعراض ، ولرب شىء لا قصاص فيه أعظم من كثير مما فيه القصاص !

وقد جاء فى الحديث : “إن الحسد يأكل الحسنات ، كما تأكل النار الحطب”([32]) .

* *


([1]) انظر ترجمة المحاسبى فى : طبقات الصوفية للسلمى ص6 ، والرسالة القشيرية ص52، الطبقات الكبرى للشعرانى 1/75 ، وكتاب د0 عبد الحليم محمود : الحارث المحاسبى ، الذى كتبه فى البداية بالفرنسبة ، ثم ترجمه ، وزاد عليه كثيرًا ، إلى العربية.

([2]) مقدمة كتاب الرعاية ، ص7 ، للدكتور عبد الحليم محمود .

([3]) انظر : حلية الأولياء 10/78 وما بعدها . حيث يورد أبو نعيم للمحاسبى رسالة هامة فى “المحبة” .

([4]) يستغرق فى كتاب الرعاية من ص418-444 .

([5]) انظر : “التصوف : الثورة الروحية فى الإسلام” للدكتور أبو العلا عفيفى ، ص95 .

([6]) سورة المطففين ، الآية 26 .

([7]) سورة الحديد ، الآية 21 .

([8]) سورة البقرة ، الآية 109 .

([9]) سورة آل عمران ، الآية 120 .

([10]) وبذلك وصف الله أهل الكتاب والمشركين أنهم كفروا بمحمد على علم ، فقال ( يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ ) وقال : ( لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وانظر “تلبيس إبليس” لابن الجوزى ، ص72 .

([11]) سورة يوسف ، الآية 8 ، 9 .

([12]) سورة الحشر ، الآية 9 .

([13]) سورة الزخرف ، الآية 31 .

([14]) سورة يس ، الآية 15 .

([15]) سورة المؤمنون ، الآية 47 .

([16]) سورة الإسراء ، الآية 94 .

([17]) سورة الفرقان ، الآية 21 .

([18]) الرعاية ، ص430 .

([19]) نفس المصدر ، ص 431 .

([20]) نفس المصدر ، ص431 ، 432 .

([21]) الرعاية ، ص 432 .

([22]) سورة آل عمران ، الآية 119 ، 120 .

([23]) وأخرجتهم إلى الشماتة فو قوله تعالى : ( وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا ) سورة آل عمران ، الآية 120 .

([24]) الرعاية ، ص 429 .

([25]) سورة آل عمران ، الآية 69 .

([26]) سورة يونس ، الآية 22 .

([27]) الرعاية ، ص439 .

([28]) الرعاية ، ص 440 .

([29]) نفس المصدر ، ص 441 .

([30]) الرعاية ، ص440 .

([31]) ابن مسكويه ، للدكتور عبد العزيز عزت ، ص 365 ، 366 .

([32]) الرعاية ، ص 444 .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة