كرنفالية الإبداع وإبداع الكرنفالية:قراءة في ديوان ( سلام لكل اللي حضر ) لمحمود عبد الباسط

د. سعيد شوقي: أستاذ الأدب والنقد الحديث بكلية الآداب جامعة المنوفية
سلام لكل اللي حضر . عنوان بسيط ، رشيق ، واضح – بما يكتنزه من خلفية ثقافية شعبية تعبر عن المبالغة في الحفاوة والتعظيم في الإعلان عن ذلك – يمثل اليد التي تمتد لتستقبلنا وترحب بنا – مبتسمة – ونحن نقترب من عتبة باب مجموعة : محمود عبد الباسط الشعرية ؛ لكننا ما نكاد ندلف في العمق حتى نجد أنفسنا موزعين – كلية – أمام كرنفال معقد خلاب يتشكل من صخب من العناوين المتعددة .
تنقسم المجموعة الشعرية إلى ثلاثة محاور كبرى ، تندرج تحتها دروب فرعية عدة تحمل العناوين والأسماء كما يلي :
1- القاهرة شوبش :
شوبش – النرجسة – طومان – شاعر بلاط – الحوليات – فنطظية – آخر مطاف السندباد .
2- يا عم يا بنا :
البنا – للورد – طعم الحديث – يا سيدنا قريت الورد .
3- دموع حضرتك :
رسم الطباشير – قرار – غنوة شط وحيد – فخ – يمامة – عامل روحك حلم – دموع حضرتك – الحصة الأولى – مفروض – معقول – ورا الكلام – قصيدة أحسن من مفيش – على خوانه – طظ .. وشكرا – علل ؟ – المترو – مسألة وقت – رسمتي – النياشين – كرامات – المستحيل – شراقي – كف الولي .
وقد لا يقتصر الأمر على هذا ، إذ إننا نلمح صخبا آخر مصاحبا ، يتشاكل بألوانه المختلفة ، عبر تعدد في العوالم : واقعية وفنتازية .. وتنوعا في التقنيات : غنائية ودرامية – صوت واحد وتعدد في الأصوات – وفي الخطاب : مباشرة ورمزا ، وفي الإبداع : قوة وضعفا .. وتوزعا في الأساليب : تراثا ومعاصرة .. واختلافا في الشكل : طولا وقصرا ، وفي النوع بين الموال والزجل وشعر العامية .
والحق أننا استطعنا وسط هذا الازدواج الصخبي أن نميز طريقتين من الإبداع – سوف نجعلهما مدخلنا للولوج إلى عالم هذه المجموعة الشعرية – : أولها : وأسميناه كرنفالية الإبداع ، طريقة كأنها الصخب الذي يصعب السيطرة عليه هنا أو هناك . ثانيها : وأسميناها إبداع الكرنفالية ، ويتم فيها السيطرة على أهوسة مفردات الطبيعة الكرنفالية جيدا ، وتحريكها حسب ما يتراءى للشاعر : تنظيما وتقتيرا وحتى بعثرة .
والأمر تفصيلا كما يلي :
أولا : كرنفالية الإبداع :
ثمة شواهد يمكن تقديمها لإثبات الطبيعة الكرنفالية لبناء مجمل هذه المجموعة الشعرية ، نجملها فيما يلي :
1- تقسيم المجموعة إلى محاور ودروب بطريقة كرنفالية ، ومن ثم ينفتح السؤال بامتياز عن فلسفة التصانيف في الإبداع المعاصر ، التي ينبغي لها أن تعتمد الوحدة ، لا نقول العضوية – وإن كنا نحبذ ذلك – بل نقول تلك التي تقترب من طبيعة المنهج في الدراسات النقدية ، سواء على مستوى الموضوع أو الأثر أو التكنيك أو الصياغة ، إلخ .. فمثلا يمكن بقليل من القوة زحزحة قصيدة : آخر مطاف السندباد في المحور الأول إلى المحور الثالث ، أيضا قصيدة يا سيدنا قريت الورد في المحور الثاني إلى المحور الثالث .
2- عناوين المحاور ربما لا تنسحب على عناوين تفريعات كل محور بل تنسحب على قصيدة واحدة فيه – فقط – بترتيب كرنفالي ، وباسم ربما يكون غير كامل لما يمثله داخل المحور . فسلام لكل اللي حضر ، التي هي تسمية عنوان المجموعة لا تمثل عنوان أية قصيدة في المجموعة ، بل تمثل عبارة من عبارات القصيدة الأولى في المحور الأول ، وكأن الكاتب يقر بأنه يلتقط وضعية استثنائية .
4- تعدد عوالم المحاور الثلاثة بشكل لافت كرنفالي ، ففي الوقت الذي تدور فيه غالبية عوالم المحور الأول في منطقة الشعبية التاريخية لا سيما تاريخية مصر الإسلامية أيام المماليك والفاطميين والأيوبيين .. إلخ ، نجد معظم عوالم المحور الثاني تدور في منطقة الشعبية ، شبه المعاصرة ومعظم عوالم المحور الثالث تدور في منطقة المدنية شديدة المعاصرة . ومن ثم نجد أنفسنا متنقلين بين عوالم مختلفة ، لو قدر لها اتساعا لصارت دواوين ثلاثة ، الأمر الذي يجعلنا ندخلها ونخرج منها – كأننا نتنقل بين دواوين ثلاثة – فها نحن نمر عبر فضاء المحور الأول فنجد : بين السورين – النحاسين – العطارين – أريج المبخرة – المجمرة – الديوان – مولانا الملك – فاضل – مؤيد – معتمد – القباب – الأضرحة – السبيل – ميه مورد – الرواق – مولانا – قفطانه – الدهب – اللولي – المرجان – طومان – ورد – بخاري – حبل المشنقة – سماط – باب زويله – سبايا – موكب نخاسة – بلاط المعتصم – جارية – شجر الدر – فرس عربي أصيل – الأطلال – بهاء السلطنة – صرتين – الخلع – الزاد – العبيد – بيبان السلطنة – سور المدينة – الثريد – ماء الورد – طلعة المحمل – علي كتخدا – راس الجويشية – جوهر – المحروسة – كافور – المتنبي – قطر الندى – الديباج – شدة مستنصرة – المحتسب – قائم مقام – السلطنة – باب العزب – إتاوة – برطلة – المماليك – السويقة – الحرافيش – باب الفتوح – التتار – الموسكي – مملوك الحارة – المزاد – أبعدية – خيلها – دست – السياط – قرعة البوظة – عز نصره – حاكم بأمره – العساكر – الأبعدية – سقا ميه . ثم ننتقل عبر فضاء المحور الثاني فنجد أكثر من موضع ، يتمثل الأول في العالم التالي : عم – بنا – الطوبه – العويل – بيت – دماغك – يا جدع – أبوه – دار – ضهره – السكن – الوطن – الأساس – التراب – بيوت – الخلق – هدمه – لقمه – حلق – المونه – القربه – العتبات بيوت – قصور – الخلا . ويتمثل الثاني في العالم التالي : الورد – الشوك – الربيع – رعد – برق – الصباح – الهمس – الزهر – غزل – اللمس – الجناين – سور – الجميل – رب . ويتمثل الثالث في العالم التالي : بعد الوطن – آلمني – وانا فيه – ما انا فيه – فدادين كلام – الصدر متعبي – متعب بي – م القلب – والقلب – يسر – اليسر – بكره – بكره – غدار – الجمار – وجع – يا جدع – راضي – أراضي .
والحق أنه حتى في المحور الواحد دخلت عوالم في عوالم أو كما هو شائع عوالم في تصادم ، ففي المحور الأول ، الذي يدور في الشعبية التاريخية لمصر الإسلامية نجد قصيدة : آخر مطاف السندباد التي هي في نهاية المحور تمثل عالما مختلفا تماما عما سبقها من قصائد في المحور ذاته كما يلي : طال الطريق – الزاد – حنضله – الليل يهون – نطوي بلد – وراه بلد – الزاد – المدد – سهل – جبل – البحر – آخر بلاد المسلمين – حواديتي – خيالات الصغار – شطوطك – ترياق – تشقي – البحر الغويط .
5- تعدد الكتابة الشعرية عبر الأنواع ، بين الكتابة تحت شروط شعر العامية في جل قصائد الديوان تارة والزجل كما في المحور الثاني تارة أخرى ، تأرجحا بين ما هو شفاهي وما هو كتابي ، شفاهي في الطلاقة ، وكتابي في استخدام علامات الترقيم والحذف كما في قصيدة طظ .. وشكرا. أيضا توزع الكتابة في النوع الواحد بين انسيابية الأغنية وانضباط القصيدة .
6- تعدد مستوى التوصيل بين المرسل / الشاعر ، والمستقبل / القارئ ، والرسالة / النص تارة بين توظيف التراث واستخدام مفردات الواقع المعاصر ، وتارة بين الوضوح والغموض . فتوظيف التراث يتضح جليا في المحور الأول : القاهرة .. شوبش ، واستخدام مفردات الواقع المعاصر يتمثل بوضوح في المحور الثالث : دموع حضرتك .
وجل قصائد الديوان واضحة في مباشرتها ، فيما عدا بعض القصائد التي ربما تتصف ببعض الغموض مثل : بعض قصائد المحور الأول ، ربما نتيجة لتوظيف التراث الذي قد لا يعرفه إلا المثقف به ، الأمر الذي جعلنا نعقد معجما بالألفاظ التراثية التي وردت في المجوعة الشعرية ؛ تسهيلا على القارئ في مقاربة الوضوح . أو ربما نتيجة للجوء إلى بعض الرمز مثل قصيدة : عامل روحك حلم – يمامة ، أو ربما نتيجة لوجود بعض المطبات اللغوية أو السياقية في بناء القصيدة مثل : يا سيدنا قريت الورد – المترو – الحصة الأولى – طظ .. وشكرا .
ومن القصائد التي نعدها قمة في الامتياز : في المحور الأول : شاعر بلاط ، وفي المحور الثالث : معقول .
7 – اتساع هم الشاعر اتساعا كبيرا ، يتوزع بين مفردات الكون التي تمثل جبرية القدر ، وواقع الأمة العربية المتهرئ ، وأزمة الوطن المحتقنة ، وسلبيات المجتمع المتكلسة ، وفشل مشروع الذات في مواجهة الجميع : عاطفيا ونفسيا وإبداعيا ، لدرجة نجد فيها قصائد كثيرة يمكن أن تجمع تحت بند ( في الوطــــن) أو ( وطنيات ) ، ليس بطريقة خارجية تسجيلية كأحمد شوقي أو على الجارم ، ولكن بطريقة وجدانية امتزاجية بلغة المعاصرة مثل : شوبش – النرجسة – طومان – الحوليات – آخر مطاف السندباد – عامل روحك حلم – النياشين – المستحيل – شراقي – هذا بالإضافة إلى بعض القصائد المنتشر فيها الوطن بشكل جزئي مثل : البنا – طعم الحديت – رسم الطباشير – قرار – الحصة الأولى – علل ؟
والحق أم معظم قصائد الديوان من هذا النوع ، بل إن هم الشاعر في المتبقي منها يصب في الخانة نفسها رغم أننا يمكن أن نميز دلاليا بنودا أخرى كما أشرنا ، فواقع الأمة العربية المتهرئ يتجلى جيدا في قصائد : شاعر بلاط – طظ .. وشكرا – وربما الحوليات وفنطظية وآخر مطاف السندباد .
وربما تتمثل مفردات الكون التي تمثل جبرية القدر في قصائد : فخ – يمامة – مفروض – على خوانه – المترو – مسألة وقت – والحصة الأولى – ورسمتني – كرامات .
وربما تتمثل سلبيات المجتمع المتكلسة في قصائد : البنا – للورد – طعم الحديت – رسم الطباشير – قرار – غنوة شط وحيد – ورا الكلام قصيدة أحسن من مفيش .
وربما يتضح فشل مشروع الذات في مواجهة الجميع : عاطفيا : في قصيدة : معقول ، ونفسيا : في قصائد : يا سيدنا قريت الورد – غنوة شط وحيد – مسألة وقت – كف الولي وإبداعيا : في قصيدتي : شاعر بلاط – فخ.
والحق أن الفاصل الحاد بين كل بند وآخر ، أمر خاص بالدراسة ، إذ المزج بين البنود المختلفة ظاهر بدرجة أو بأخرى بين القصائد المختلفة .
والملاحظ أن هم الانتظار يمثل ظاهرة في إبداع الشاعر ، قد تحتاج إلى دراسة مستقلة ، فهو دائما في حالة من الانتظار لمصيره ولمصير بلده ووطنه وأمته ، يطلب الفعل من الآخرين بينما يمارس هو الفعل في الكتابة .
8- شكل القصائد طولا وقصرا أيضا كرنفالي ، فالمحور الأول كل قصائده مكتوبة في صفحتين من القطع المتوسط ، اللهم إلا في قصيدتي : الحوليات – آخر مطاف السندباد ، مكونة من صفحة واحدة . والمحور الثاني لا يزيد طول تقسيمات قصائده التي هي لب قصائده ، عن – بالتحديد – بيتين ، بصرف النظر عن التسمية : واوات أو مربعات ، وذلك في قصائد : البنا – للورد – طعم الحديت . وجل قصائد المحور الثالث عبارة عن نصف صفحة أو صفحة كاملة ، اللهم إلا في قصيدتي : عامل روحك حلم – رسم بالطباشير ، عبارة عن ثلاث صفحات – وفي قصيدة غنوة شط وحيد عبارة عن صفحتين .
والملاحظ – هنا – أننا أمام شاعر لا يزيد طول قصائده بأي حال من الأحوال عن ثلاث صفحات ، وكأنما يود سريعا أن يفرغ من تجربته ، وربما رغبة أيضا في التكثيف والتلخيص ومقاربة الدلالة من أقصر الطريق .
وبرغم تسليمنا له بذلك ، فقد نرى شرحا في بعض القصائد مثل قصيدتي : آخر مطاف السندباد – رسم بالطباشير – يمامة – مسألة وقت . أو ربما إعادة إنتاج لنفس المعني بلفظ جديد في بعض القصائد الأخرى مثل : البنا – للورد – طعم الحديت .
9- تعدد تفعيلاته الموسيقية بين تفعيلات أربعة : مُسْتَفْعِلُنْ / مُتَفَاْعِلُنْ / فَاْعِلُنْ / فَعُوْلُنْ ، وهي وحدات البحور ذوات التفعيلات المتماثلة : الرجز والكامل والمتدارك والمتقارب ، التي ربما امتزجت مع بعضها البعض وكونت من المزج بين مستفعلن وفاعلن بحر الوافر .
والحق أن ثمة ملاحظة هنا يجب لفت النظر إليها لمن يود دراسة موسيقى الشاعر هي ضرورة التصدي لشعره بالأذن دون العين – وربما كان ذلك سمة عروضية في شعر العامية المعاصر بصفة عامة – ذلك لأن القراءة بالعين دون الأذن سوف توقع الكاتب في كثير من الكسر العروضي ، فمثلا في قصيدة : شوبش ، ينهض الوزن الشعري على تفعيلة الرجز / مستفعلن ، وإذا قرأنا – على سبيل المثال العبارة التالية : حفله بهيجه للتاريخ – كما هي برسمها المدون – أدى ذلك إلى كسر عروضي ، هكذا :
/ و / و / / و
حَفْلَهْ بَهِيْـ
مستفعلن
/ و / و / و( كسر هنا ) / و و
جَهْ لِتْتَ ( الألف كسر هنا ) رِيْ
مستفعلن
والصواب – حتى يستقيم الوزن – أن نسمعها : حَفْلَهْ بَهِيْجَهْ لِتَّرِيْــ/خ
يقاس على ذلك ضرورة تشبيع ( اللي ) في سلام لكل اللــيِ حضر ، وضرورة إهمال ( الألف ) في ( مولانا ) في العبارة :
[ ( مَوْلَاْنَــ/(ـا) كَاْ / مستفعلن ) ن في الأصل كان مملوك خصي ] . أيضا الألف في لما في العبارة : قُوْمْ لَمَّـ/ ( ا ) ما/ ت .
ثانيا – إبداع الكرنفالية :
يختلف تشكيل الكرنفالية – هنا – عنه في كرنفالية الإبداع بطريقة جرجانية تتكئ – في الأساس – على اللعب بالألفاظ – دلالة – تقديما وتأخيرا ؛ فإذا كانت الأولى ترصد الإبداع في حالة كونه انفلاتا ، فإن الثانية ترصد إبداعا مروضا بين أصابع متمكنة تصنع به ما شاءت .
وللشاعر طرق متنوعة – ربما تعد كرنفالية – في رسم هذه العشوائية بعد السيطرة عليها كما قلنا ، تتمثل فيما يلي :
1- الصوغ من خلال مفردات اللغة غير المكتملة لفظيا لكن من خلال السياق ، ففي قصيدة .. طظ وشكرا ، بعد أن ينجح الشاعر في وضع يده على معادلة الإنسان العربي الكيميائية التي تتشكل عبر خرط واع لعشوائيات مفردات الواقع ، [ بريزة كرامة + شلن لبان كلام نتاية + عقال ( أو طربوش أو غطره)] والتي تنتج في النهاية ، ( الأسف العميق ) ؛ يصوغ البيان الختامي : بكره .. عشان .. آسف .. يحكي .. ضربوا .. معلهش .. اشمعنى .. يا ولاد الـ .. عيال .. سا .. عيط .. بيان .. معرفش .. فش .. طب .. طظ .. وشكرا ..
هنا نجد أن العبارات جميعا تبدأ بلفظ ثم لا تكتمل ، أيضا نجدها جميعا قد التقطت بعشوائية تامة ، لكن تحت سيطرت الشاعر الصارمة من أجل ترسيخ دلالة تبين جليا مأزق الإنسان العربي في مواجهة القوى .
2- الصوغ من خلال الجمع العشوائي لصور أدبية بطريقة منظمة ، ففي قصيدة ورا الكلام نجد مجموعة من الصور تتقاطر كالتالي :
- عيال شقا السما نصين .. وطله علينا بتعيط .
- صبيه وتوب حرير منقوش ..
- أرابيسك ومداين عشق ..
- حيطان منقوشه فرعوني ….
- وليله غطيس بتتعايق …
- وصبح بلنضه سهاري …
- عذارى بيحضنوا القطورات ..
- وبقجه لجدتي زينب … قديمة ولسه منفتحتش ..
- وصوره لجدي بالطربوش ..
- صفوف دراويش ..
- فرح منصوب ..
- مدى ميجبش آخره الشوف ..
وتقاطر هذه الصور غير المترابطة موضوعيا هو الذي جعلها تترابط دلاليا ؛ للتعبير عما يحدث وراء الكلام ، وكأنها تقدم لغزا يجب حله ، يفتح الدلالة لتعدد التفاسير أو ربما لغيابها ، ودفع النص حقيقة في اتجاه طبيعة الأدب التي هي في الأصل لعبة خيارات بين المفردات وترتيبها .
3- الصوغ بين العبارات الإنشائية بطريقة إنشائية تعتمد السؤال ، مثلا في قصيدته : علل ؟ :
س 1 : الوطن اللي بتحبه خريفه طويل ؟
س 2 : الناس سايبه الكورنيش .. وبتتمشى على شريط القطر ؟
س3 : جاهين على أعتاب الحياة .. راقص في منتهى الخفة ؟
هذه الأسئلة أيضا التي قد لا تخلو من صور أيضا ، تلعب نفس اللعبة التي لعبتها الصور السابقة ، في صناعة دلالة حالة بين إجابات الأسئلة المزجاة بعشوائية مقصودة .
4- المزج بين مفردات الواقع بطريقة عشوائية مدروسة فمثلا في قصيدة : معقول ، نجد المفردات التالية : كلكسات العربيات – أنوار الشــــارع والأفيشات – إعلان شايل صورتي وصورتك – الزفه طلعه من المترو – ميدان التحرير – عمرو دياب وحليم .
هذه المفردات العشوائية تلعب دورا هاما في توصيف حجم الحلم الذي سوف ينهار حالا عندما يجد الشاعر نفسه واقعيا يجلس على الكورنيش خاوي اليدين .
أيضا في قصيدة شاعر بلاط ، نجد المفردات التالية : فرس عربي أصيل – الأطلال – بهاء السلطنة – حجر مولانا الخليفة – الصرتين – الخلع – الزاد – كتاف العبيد – بيبان السلطنة – سور المدينة الناعسة – الثريد – ماء الورد – القوافي .
الأمر الذي يجعل هذه المفردات موظفة في سياق تطوري يرسم أزمة الشاعر وانقسامه بين عالمين .
5- الجمع بين العشوائيات من خلال الدلالة ، مثلا في قصيدة فنطظية ، نجد فقرات كاملة تصب في النهاية في الدلالة الكلية : مملوك الحارة – المزاد – الغناوي – عز نصره – ميه سقا .
والحق أن هذه الطريقة من الإبداع لو قدر للشاعر أن يلحظها ويهتم بها ويصنع منها جل أعماله لميزت دواوينه اللاحقة كلية .
وهذه الطريقة – مع قليل من الضبط – يمكن أن تدفع جميع ما ناقشناها في أولا ، هنا في ثانيا .
والحق أن الشاعر محمود عبد الباسط شاعر حساس ، رقيق مختصر ، هادئ التعبير والنبرة والصوت حتى في أشد حالاته انفعالية ، واضح المعنى والدلالة ، يغترف مما أمامه ويجيد تحويل العاديات منه إلى قضايا ، والقضايا إلى أسئلة ، يحسن جيدا رصد مفارقات الواقع المعيش ، مع امتلاكه القدرة على النظر عبر الماضي ، ينتصر للتشكيل في صوره ، وللتفكير والتأمل في طروحاته ، وللبساطة في لغته ، ليس هذا فقط ولكنه يعي بقدر ليس بالهين آليات الفن في العمل الشعري ويحاول تطبيقها ، ربما يجانبه التوفيق في بعض الأحيان عبر آليات بعينها في النوع الأدبي كالموال بسبب امتلاكه الجرأة على التجريب وخوض غمار عوالم يصعب العيش فيها أو محاكاتها ، قد تستغرقه العشوائية وتبعده عن إبداعها وقد يستغرقه التسجيل ، لكنه حتما شعاع نراه يشق طريقه – حثيثا بأدب شديد وحرص دائم – وسط ظلام زمنه .
معجم الألفاظ التراثية حسب ترتيب قصائد الديوان :
شوبش :
كلمة شعبية تقال للفرجة والفرحة والترحيب والاهتمام
بين السورين ، النحاسين :
من أسواق القاهرة القديمة
المجمرة :
آنية معدنية تزخرف بالتخريم ، ويحرق فيها البخور، استحدثت في العصر الفاطمي ، ووجدت نماذج منها ترجع إلى العصر الأيوبي والمملوكي محفوظة بمتحف الفن الإسلامي .
الديوان :
قاعة العرش الملحقة بالقصور ، والتي يجلس بها السلطان لينظر في شئون البلاد ، ويستقبل السفراء . وأحيانا يطلق لفظ الديوان على الإدارات الحكومية بالدولة مثل : ديوان الجيش وديوان الخراج .
فاضل مؤيد معتمد :
ألقاب كانت تضاف لأسماء خلفاء الدولة الفاطمية ، وبعض سلاطين المماليك والأيوبيين . ويرتبط هذا اللقب باسم الحاكم بعد اعتلائه العرش ، ويذكر في المكاتبات الرسمية والوقفيات وعلى الأشرطة الكتابية على العمائر .
الرواق :
محل الصلاة والدرس في الجامع .
القفطان :
قطعة مزخرفة بخيوط الذهب والفضة من ضمن قطع اللباس الملكي أو السلطاني .
طومان :
طومان باي ، كان مملوكا للسلطان قانصوه الغوري ، وبعد هزيمة الغوري في موقعة مرج دابق ، تولى طومان السلطنة ، ويعتبر آخر سلاطين دولة المماليك الجراكسة في مصر ، واجه جيش العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول923هـ ، وهزم في موقعة الريدانية ، وشنقه سليم الأول على باب زويلة في واقعة مشهورة أنهت العهد المملوكي بشكل درامي ومأسوي .
ورد :
أذكار وأدعية خاصة بالصوفية .
بخاري :
كتاب صحيح البخاري .
سماط :
موائد فخمة وعامرة ، كان يقيمها سلاطين المماليك والأيوبيين لعامة الناس ، وكانت تمتد بطول شوارع القاهرة ، ولطالما ذكرها المؤرخون ووصفوا أطعمتها وتنوع أصنافها حيث عرف هذا العصر ببذخ الفاطميين وإسرافهم .
باب زويلة :
أحد أبواب القاهرة القديمة ، مشهور في التاريخ بأنه كان مكان شنق العديد من الخارجين عن السلطنة والقانون ، وأشهر من شنق عليه هو طومان باي .
النخاسة :
تجارة العبيد والجواري والغلمان .
شجرة الدر :
آخر سلطانة من سلاطين الدولة الأيوبية ، ويعتبرها بعض المؤرخين أول سلاطين المماليك على مصر ، حكمت مصر بضعة أيام ، وكانت نهايتها مأساوية على يد إحدى زوجات عز الدين أيبك ، بطريقة شهيرة .
بلاط :
رمز لمعية السلطان .
الخلع :
ملبوس سلطاني من الديباج – الذي هو الحرير المزخرف بخيوط الذهب والفضة – وكانت الخلع توشى بكتابات سلطانية تضفي على لابسها الصفة الرسمية ، التي يمنحها الخلفاء والسلاطين لعمالهم مع الوظائف الجديدة ، أو كجائزة لمن يحظى بالرضا السلطاني .
الثريد :
طعام فاخر من الدقيق والسمن ممتزج بقطع عظيمة من اللحم ، من أطعمة العرب القديمة .
كتخدا :
كتخدا من الفارسية كد خدا ، كد بمعنى البيت ، خدا بمعنى الرب والصاحب ، ويطلقها الترك على الموظف المسئول والوكيل المعتمد ، ويطلقها الفرس على السيد الموقر وعلى الملك ، فمثلا كتخدا الجاويشية ؛ تعني رئيس فرقة الجاويشية .
الجويشية / الجاويشية :
مشتقة من الكلمة التركية جاووش ، وبالتحديد من المقطع : جاو ، الذي يدل على معنى الصياح والنداء . وكان من عمل الجويشية السعي بين يدي الحاكم ليفسح له الطريق ، وذلك بترديد كلمة : دورباش ، التي تعني بالتركية : ابتعد أو تنح ، وقد صار هذا الهتاف اسما للجاويش من باب إطلاق المقول على القائل .
جوهر :
جوهر الصقلي ، قائد جيوش المعز لدين الله الفاطمي ، فتح مصر للفاطميين ، ووضع أساس القاهرة ، وأنشأ الجامع الأزهر .
كافور :
محمد بن طغج الإخشيد الملقب بأبي المسك كافور أو الأستاذ ، كان وصيا على أحد أبناء الإخشيد واستأثر بالسلطة 349هـ ، وصفته المراجع بأنه عبد أسود خصي قبيح الخلقة معتل البدن وله واقعته الشهيرة مع المتنبي.
قطر الندى :
ابنة خمارويه بن أحمد بن طولون ، زوجها أبوها بالخليفة العباسي المعتضد أبي العباس أحمد بن الموفق وكان ذلك في سنة 278هـ ؛ توطيدا لأواصر الصداقة بينهما ، وجهزت جهازا عظيما يتجاوز الوصف ، أرهق خزانة الدولة في ذلك الوقت .
شدة مستنصرة :
أزمة طاحنة مرت بها مصر في عصر الخليفة الفاطمي المستنصر بالله ، الذي لقب عهده بها ، رصد الكثير من وقائعها المأساوية الرحالة عبد اللطيف البغدادي في كتابه عن المجاعات ، والمقريزي في كتابه إغاثة الأمة بكشف الغمة .
المحتسب :
وظيفة هامة وجدت في العصر المملوكي ، وهو القائم بأعمال السلطنة أو متولي أمور السلطنة في الشارع المصري ، والمنوط به مراقبة الموازين وجودة السلع والفصل في المنازعات ، وتنفيذ الأحكام ، والبت في كل ما يستجد من أحداث .
باب العزب :
أحد أبواب القلعة ، المؤدي إلى ميدان الرميلة (ميدان القلعة حاليا ) .
برطلة :
الرشوة وبرطل (بفتح الطاء واللام وتسكين الراء) وبرطل فلانا ألبسه البرطل بمعنى رشاه .
باب الفتوح :
أحد أبواب القاهرة القديمة ، أسس في العهد الأيوبي ، يوجد الآن بجوار الحاكم بأمر الله .
فنطظية :
كلمة تقال للتهريج والعبث والبهرجة والترفيه .
دست :
دست السلطنة ، هو منصة العرش أو كرسي العرش .
عز نصره :
دعاء ارتبط بآخر ألقاب سلاطين المماليك ، وجد دائما على الشعار الملكي المسمى الرنك . الذي هو عبارة عن شعار سلطاني يوضع على كل ما يخص السلطان.
الجمار :
قلب النخلة ( البرعم ) ، يفضل البعض أكله أحيانا .



