كتابات حرة

الكاتب ودور النشرفي الوطن العربي – حسين عبروس

صورة لرجل يرتدي بدلة رمادية، مبتسم، ينظر إلى الكاميرا، يظهر في خلفية قليلة التشويش.

– متى يتحرّر من سلطة الجهل والجبن…؟!

– مقدمة:

– الكتابة ليست حبرًا على ورق، بل حياةٌ ثانية يسكنها الكاتب بكامل روحه ومواجعه وتفاصيل

معاناته. هي ولادةٍ مؤلمة، وسفرٌ نحو المجهول، ومعركة ضدّ الصمت في زمن الرّدة والجهل

والجبن، وحين تكتمل هذه الرّحلة الشّاقة بصدور كتابٍ جديد، يتمنى الكاتب أن يجد من يحتفي

بالفكر والإبداع ،كما يحتفي التّاجر بالبضاعة،ولكنّ واقع النّشرعندنا في الوطن العربي ما يزال يرى في الكاتب موردًا للنّصوص لا شريكًا في الوعي، ويعامله كما يُعامل صاحب السّلعة بعد تسليمهالا صوت له، ولا حضور، ولا حقّ إلا ما يتكرم به النّاشربه عليه

تسليمهالا صوت له، ولا حضور، ولا حقّ إلا ما يتكرم به النّاشربه عليه ،ففي كل مرّة يصدر فيها كتابٌ، يُخيَّل إلينا أنّنا نحتفي بولادة فكرٍ جديد، لكن الحقيقة المؤلمة أنّ الكاتب كثيرًا ما يخرج من تلك التّجربة مثقّلًا بالخذلان، فبين يديه نصٌّ كتبَه بالرّوح، وبين يدي الناشر عقدٌ يفرغ النّص من كرامته، ويُسلمه إلى منطق السوق.

يُطبع الكتاب، ويُعرض في المعارض، ويُتداول على الرّفوف، بينما يبقى الكاتب على الهامش، غائبًا عن المشهد الذي كان هو صانعه الأول.

– هذه العلاقة غير المتكافئة بين الكاتب ودار النّشر ليست قَدَرًا، بل نتيجة لثقافةٍ تراكمت على

مدى عقودٍ جعلت من المبدع تابعًا بدل أن يكون شريكًا.لقد آن الأوان لنكتب عقدًا ثقافيًا جديدًا، لا يقوم على البيع والشّراء فحسب، بل على الاحترام والعدالة والمسؤولية المشتركة في خدمة الثّقافة والفكر.

– أولًا: الكاتب ليس موردًا للنّصوص

❝ من حقّ الكاتب أن يُستضاف في النّدوات، وأن يُقدَّم للجمهور في جلسات حوارية نقديّة داخل المعارض والمراكزالثّقافية، وأن يُمنح حقّ التّرويج لعمله في الصحف والمنصات الرّقمية ❞

– الكاتب ليس زبونًا لدى دار النّشر، ولا موظفًا عندها. إنّه العصب الحيّ للثّقافة والفكر والإبداع، ومن دون صوته وفكره لن يكون هناك ما يستحق أن يُنشر أصلًا.

إنّ حصر دور الكاتب في إنتاج المخطوط وتسليمه، ثمّ إقصائه عن كلّ ما يلي ذلك، هو إلغاءٌ لجوهر العمليّة الإبداعية التي يجب أن تبقى تفاعلية بين الكاتب، والنّاشر، والقارئ.

– ثانيًا: دار النّشر مؤسسة ثقافيّة قبل أن تكون تجارية

– ليست دار النّشر مطبعةً تُنتج أوراقًا ملوّنة، بل مؤسسة وعي تُشارك في بناء الفكر العام.

حين تتحوّل دور النّشر إلى شركات تجارية بحتة، تُهمل رسالتها الثّقافية وتتعامل مع الكتاب

كسلعة، فإنّها تساهم في انحدار الذائقة الجمالية والفنية ،وفي اغتيال المبدع روحيًا ومعنويًا،فالناشر الحقيقي هو الذي يفتح للكاتب منبرًا للحوار، وينظم له ندوة نقديّة أو جلسة فكريّةحول عمله، تُنيرفكرةالنّص وتستفزّ القرّاء لتأمل معانيه لا أن تكتفي بعبارة مجاملة على ظهر الغلاف.

– ثالثًا: الحق الثّقافي والإعلامي

– من حقّ الكاتب أن يُستضاف في النّدوات، وأن يُقدَّم للجمهور في جلسات حوارية نقديّة داخل المعارض والمراكزالثّقافية، وأن يُمنح حقّ التّرويج لعمله في الصحف والمنصات الرّقمية.

ليس ذلك ترفًا ولا استعراضًا، بل هو جزء من دورة الحياة الثّقافية التي تجعل من الكتاب حدثًا

عامًا لا سلعة للبيع،فالكاتب ليس صورةً على غلاف، بل فكرٌ متجدّد ينبغي أن يُناقش ويُحتفى به.

– رابعًا: الحق الإنساني في الحضور

– من المؤسف أن تُعرض كتب في المعارض دون حضور أصحابها، وأن يظلّ الكاتب بعيدًا عن لقاء قرّائه لأن الجهة النّاشرة لم تتكفل بتكاليف السّفر أو الإقامة.

إنّ حضور الكاتب جزء من حضور الكتاب ذاته؛ فالكلمة تكتمل عندما يتجلّى صاحبها بين

الناس، حين يوقّع كتابه، ويحاور جمهوره، ويشرح فكرته ،وينبغي أن تتحمّل الجهة النّاشرة أو إدارة المعرض هذه المسؤولية، لأنّ الكاتب ليس ضيفًا ثانويًا، بل هو الحدث نفسه.

– خامسًا: من عقد البيع إلى ميثاق الشراكة

ينبغي أن تُعاد صياغة العقود بين الكاتب والناشر بحيث تتضمن:

– شفافية مادية في نسب البيع والمردود المالي.

– التزامًا ثقافيًا بتنظيم ندوة نقدية أو قراءات فكرية.

– تغطية إعلامية تليق بالعمل وكاتبه.

– ضمانًا إنسانيًا لحضور الكاتب في الفعاليات والمعارض الكبرى وبهذا ينتقل من منطق الاستغلال إلى منطق المشاركة، ومن عقد البيع إلى ميثاق الشّرف الثقافي

– إنّ أزمة الثّقافة العربية ليست في النصوص، بل في البنية التي تُحاصرالكاتب المبدع موجود، والنص الجيد يولد، لكن المشكلة في غياب البيئة التي تحتضن الإبداع وتكرّم وتقدّمه إلى الناس

بما يليق به ،فلا نهضة ثقافية بلا كاتبٍ حرّ، ولا كاتب حرّ دون عقدٍ عادل يحمي جهده وكرامته.

– لقد آن للكاتب أن يتحرّر من سلطة الجهل والجبن التي تجعله يقبل التّهميش صامتًا، وأن يرفع

صوته مطالبًا بحقوقه كاملة، لا بمنّةٍ ولا بخوف،فمن يكتب الفكر لا يجوز أن يعيش في ظلّه، ومن يمنح الأمة الوعي، من حقّه أن يُعامل كشريكٍ في بنائها لا كعاملٍ في مطبعتها.

– إنّنا لا نحتاج إلى مزيدٍ من الكتب، بل إلى مزيدٍ من الكرامة في صناعة الكتاب،وحين يتأسّس

بين الكاتب والنّاشر عقدٌ يقوم على الاحترام والشراكة، سيتحوّل كل كتاب يصدر إلى حدثٍ حيّ، وكل معرض إلى مساحةٍ للمعرفة الحقيقية، وكل قارئ إلى شريكٍ في نهضةٍ لا تموت.

فالثقافة، في جوهرها ليست تجارة أوراقٍ، بل علاقة نبيلة بين الكتاب ومن ينشره ومن يقرؤه

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading